سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعصفحات الثقافة

المثقف الشرشور واليويو/ نبيل سليمان

15 أكتوبر 2025

يحثّ المستمع المشغول المتعجّل محدّثه المبالغ في التأني: “هات من الآخر”. ولمثل ذلك المستمع أقول: المثقف الشرشور واليويو المقصود هو المثقف السوري الذي انتقل من معارضة النظام الساقط إلى مؤيد للنظام الجديد، وحرّم معارضة هذا النظام إلا إن واءمت اختراعه لنظرية المعارضة المؤيدة.

وفي العَوْد على بدء أذكّر بقصيدة “يا واد يا يويو يا مبرراتي” للشاعر أحمد فؤاد نجم (1929 – 2013)، ومنها: “يا ود يا يويو يا مهلبية/ فوق الصواني/ سايحة وطرية/ في كل جلسة تلبس قضية/ وتخيّل عليها/ يا مشخصاتي/ حسب الوظيفة/ وأنت وشطارتك/ تظهر حلاوتك/ تظهر مرارتك/ لو خفضوك ترفع حرارتك/ لو صعّدوك/ تقلب حيلاتي/ وأنت اللي أدرى/ كان لك تحفّظ على المبادرة/ ليه النهار ده بترشّ بودرة؟/ يا بن الأبالسة/ يا ملطفاتي/ وفي النهاية/ لك عندي كلمة/ آخر طريقك زحل وضلمة”.

في الذاكرة أن أحمد فؤاد نجم كتب هذه القصيدة في هجاء الصحافي عادل حمودة الذي أوقف نشر حلقات “مذكرات الفاجومي” في مجلة “روز اليوسف”، وهي مذكرات نجم الذي قال أيضًا في المثقف اليويو قصيدته “حلا ويلا يا حلا ويلا”، ومنها: “الثوري النوري الكلمنجي/ هَلّاب الدين الشفطنجي (…) يتمركس بعض الأيام/ يتمسلم بعض الأيام”. ويقال أيضًا إن المقصود في هذه القصيدة هو لطفي الخولي (1929 – 1999).

منذ عام 1972، عندما بدأنا نتداول قصيدة “يا واد يا يويو”، وهي تتجدّد من جيل إلى جيل. وها هي بعد أكثر من نصف قرن تخاطب سورية بعد سقوط النظام الأسدي، مثلما كانت تخاطبها أثناء عقوده الطويلة، وأثناء سنوات الجمر السورية منذ عام 2011، حين كان مثقفٌ يجعر بالمؤامرة الكونية على سيده الأسدي ذي القبر المنبوش وعلى سيده الأسدي الهارب. وعندما كان مثقف يجعر بالتكويع الشيوعي واليساري إلى ممالأة ومساندة النظام السابق. ومن نماذج هذا المثقف من كان قد قضى في السجن الأسدي واحدًا وعشرين سنة، لكنه وقف – وإن باستحياء، وعلى مسافة – مع النظام الساقط أثناء سنوات الجمر. ولا ننسَ المثقف الشيوعي واليساري الذي بلغت معارضته للأسدية أن أخذ يزيّن العسكرة والأسلمة، وبخاصة العسكرة المتأسلمة!

عندما زار ماريو بارغاس يوسا (1936 – 2025) دمشق تجرأت وكتبت مذكرًا بما كان في هذا المبدع الكبير من صفات المثقف اليويو الصغير. والآن، إذ أتقرى في اليويو السوري بعد سقوط النظام الأسدي، أعود إلى من كان في شطر من حياته اليويو الأرجنتيني، حين كتب أن معاقبة المسؤولين عن الوحشية في زمن الديكتاتورية، مستحيلة عمليًا. لماذا؟ لأن المسؤولية تقع أيضًا على عاتق طيف من المجتمع الأرجنتيني. ومن هذا الطيف من ينددون بالعنف الذي ساهموا فيه. ومضى يوسا إلى أن العدالة المنشودة أمر طوباوي، وانتقام، وضغينة!!

رد ألبرتو مانغويل على يوسا غاضبًا وحانقًا وساخرًا، مؤكدًا أن العفو امتياز بيد الضحية، وليس حقًا بيد الجلاد، ومشددًا على أن العفو لا يهب النسيان. كما ردّ على يوسا صنوه الكاتب خوان خوسيه ساير الذي عيّره بأنه كان ينطق باسم العسكر عندما كان المثقفون في المنفى، أو عندما كانوا يئنون تحت التعذيب.

على النقيض من مانغويل وساير وأرنستو سوباتو الذي ترأس اللجنة القومية التي تولت شؤون المختفين في زمن الديكتاتورية، وقف يوسّا مبررًا، وهو الذي أبدع ضد الديكتاتورية في الدانمارك روايته “حفلة التيس” فعرّى الجزاليسمو، الزعيم، المنعم، صاحب الفخامة، أبو الوطن الجديد، الدكتور رافاييل ليونيداس تروخيو مولينا الذي حكم الدانمارك من عام 1931 حتى اغتيل عام 1961.

لندعْ يوسا وتروخيو مولينا، ولننظر في أمرنا، على الأقل منذ جلجل صوت الخليفة الأموي الخامس والمؤسس الثاني للدولة الأموية في دمشق عبد الملك بن مروان (646 – 705) عندما تولّى عرش الخلافة: “والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه”.

كم من “حفلة التيس” عشنا وصولًا إلى الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024. وهذا هو الكاتب السوري الذي حمل عام 2011 لقب “حكيم الثورة” ياسين الحاج صالح يكتب داعيًا إلى المصالحة الوطنية في سورية بعد “الوضع الذي نشأ في البلد إثر مجازر إبادية تعرض لها العلويون في آذار/ مارس من هذا العام، والدروز في تموز/ يوليو على يد قوات الحكم السوري الجديد وشراشيره”. ويشرح الحاج صالح أن الشراشير “مجموعات شبه نظامية موالية للحكم، تعادي أعداءه” المتصورين، مثلما كانت ظاهرة الشبيحة بعد الثورة السورية (القدس العربي 1/10/2025).

لكن ظاهرة الشبيحة عريقة في سورية كما هي ظاهرة البلاطجة في اليمن مثلًا. وقد كان أول ما رأيت من الحضور للشبيحة يوم اغتيال الشيخ يوسف صارم في اللاذقية في 1979/8/3.

ولعل توصيف ممدوح عدوان (1942 – 2004) للشبيح في كتابه “حيونة الإنسان” أن يكون الأبلغ. ومن ذلك أن هذا “المتسلبط” و”المتنمر”، أي الشبيح، أناني وجبان وشرس في آن، ولذلك “يتسلبط”. وهو عابر للطوائف وإن يكن طائفيًا، كما إنه عابر للطبقات وللأحزاب. وكنت قد كتبت في كتابي “طغيانياذا: حفريات في التاريخ الثقافي للاستبداد” (2018) أن الشبيح قد يكون أستاذًا في الجامعة أو إعلاميًا أو قياديًا في الحزب الحاكم “وما هو أدهى وأمرّ أن الشبيح قد يكون قياديًا معارضًا يشبح بين فضائية وفضائية، أو بين نعيم الملجأ الباريسي أو اللندني، فتراه ينفث السموم الطائفية”. وتابعت القول في الشبيح المثقف الملكي أكثر من الملك حيث يصدق المثل “كلب الآغا آغا”. فهذا الشبيح قد يكون أكبر فتكًا من الشبيح الأمي أو غير المثقف، وذلك فيما يلعلع به في الفضائيات، أو فيما ينفث من حقد مسموم في الصحافة أو الندوات والمؤتمرات. ويشترك الشبيح المثقف مع صنوه غير المثقف بالذاكرة الضحلة، وبأنه وقح وحسود وناكر الجميل وبليد، متقلب المزاج والرأي، بهلوان وعاجز عن الاعتراف بالخطأ أو بالآخر إلا أن يكون سندًا له.

كل ما سبق في الشبيح هو أيضًا وأيضًا للشرشور، وهما ممن سماهم عبد الرحمن الكواكبي (1855 – 1902) أُسراء الاستبداد، وشخّص فيهم انحطاط الأخلاق والإدراك، والخمول والحيرة وضياع القصد، والحقد على مواطنيهم، وفقدانهم لحب الوطن والعائلة والأصدقاء. وبالعودة إلى المصطلح “الشرشور” الذي ابتدعه ياسين الحاج صالح، حاولت أن أؤصّله لغويًا، ابتداءً بالشرشور الجبلي، وهو طائر الحسون الجبلي. والطائر الشرشور بعامة هو طائر غرّيد، ومنه الشرشور المخطط في أستراليا وأندونيسيا، وشرشور العصافة في أوروبا وغرب آسيا. وفي معاجمنا أيضًا: شرشر السكّين: أحدّها، وشرشر المنشار: جعل له أسنانًا، وألقى فلان على علّان شراشره أي ألقى عليه أعباءه وهمومه. وأخيرًا هذا ما قال عروة بن أذينة: “ألقتْ عليّ بنو بكرٍ شراشرها/ ومن أديمهم ما قَدّ أسياري”.

يشرح ياسين الحاج صالح أن الشراشير “ظاهرة بنيوية في الحكم (السوري) الجديد، تتصل بتكوين فصائلي، غير موحد وغير منضبط، لقواته المسلحة، بانتشار السلاح في المجتمع، وبامحاء الحدود بين الدولة والمجتمع السني أو قطاعات واسعة منه، وفي المحصلة بكون هذه الحدود مشرشرة”. ولا ينسى الحاج صالح الشراشير الأسدية، فتاريخ سنوات ما بعد الثورة هو تاريخ مجازر إبادية ارتكبها الحكم الأسدي وشراشيره.

طلع علينا المثقف السوري الشرشور في أحدث مخترعاته بعد سقوط النظام الأسدي باختراع نظرية المعارضة المؤيدة. فبعد أن أطاش لبّ المشاهدين المصلوبين أمام الشاشات لمتابعة تقلباته، ومسح بأرضه من سولت له نفسه من هامات المعارضة السابقة بأدنى مساءلة للنظام الجديد، بعد ذلك يبدو أن ملحوظة قد هبطت عليه من علٍ، فسمح لمن هم في الداخل بالاعتراض مثلًا على زحام السيارات. أما إن تساءلت عن أية سيارة بلا نمرة، أو عن أية سيارة (تشفّط)، فأنت معارض مشبوه. وعلى أية حال هو ذا حبل النجاة يرخيه المثقف الشرشور لك: أن تؤكد تأييدك للسلطة الجديدة بين كل كلمة وأختها، فإذا كنت تتذرع بحرية التعبير وتعترض بمنتهى اللطف والحذر على اللوحات الدعوية الداعية إلى النقاب مثلًا، أو على العودة بنا إلى عام 1947 وأول انتخابات بعد الاستقلال التي كانت آخر انتخابات على درجتين، ومثل ذلك كثير، ولكن احذر من أن تستغل فسحة حرية التعبير الأكبر حقًا مما كانته في العقود الأسدية الساقطة، وإلّا ما كان لك أن تمدّ لسانك للمثقف اليويو والشرشور.

ضفة ثالثة

يا واد يا يويو

يا واد يا يويو…..الشيخ امام

حلاويلا يا حلاويلا ( الثوري النوري ) .. مع الكلمات – الشيخ امام

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى