تشكيل الحكومة السورية الجديدةتطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

تطور الاقتصاد السوري تحديث 17 تشرين الأول 2025

لمتابعة الملف اتبع الرابط التالي:

تطور الإقتصاد السوري

—————————————-

الاستثمار في سورية بين الواقع والطموحات/ نبيل مرزوق

16 تشرين الأول/أكتوبر ,2025

تحاول هذه الورقة إبراز دور الاستثمار وأهمّيته، في مرحلة إعادة الإعمار وما بعدها من تنمية مستدامة، في ظلّ ظروف محلية ودولية معقّدة تترافق مع تحوّلات كبرى، على الصعيد التقني والإنتاجي وحركة الرساميل، بعيدًا عن الدول النامية والخارجة من الحروب، وذلك من خلال محاولة الإجابة عن تساؤلات ينبغي أن تطرح مثل: لماذا نستثمر؟ وماذا نستثمر؟ وأين نستثمر؟ ولمن نستثمر؟ ومن هم المستثمرون؟ وما المصالح التي تخدم سياسة الاستثمار هذه؟ وما محددات الاستثمار المحلي والأجنبي؟ وكيف نوفّق بين الادخار والاستثمار؟ وما الآليات الجماعية الممكنة للاستثمار؟ وهل يمكن لمجتمعنا القيام باستثمارات جماعية تعاضدية تضامنية؟

وتشكّل إعادة الإعمار بعد سقوط نظام الاستبداد فرصةً لإعادة النظر في مجمل السياسات والتشريعات التي أعاقت تنمية البلاد ورفاه شعبها. وتُعدّ مناقشة الاستثمار مدخلًا لتقييم الاحتياجات وتحديد الأولويات والفرص الواقعية للاستجابة والفعالية المجتمعية وتفاعل المستثمرين والمانحين الدوليين، وتشكّل تعبئة الموارد فرصةً لإعادة تكاتف المجتمع وتعاونه للنهوض الجماعي والتشارك في صنع المستقبل المنشود.

يمكنكم قراءة المادة كاملةً من خلال الضغط على علامة التحميل أدناه.

  تحميل الموضوع

 مركز حرمون

 ———————————

الدور العربي في إعادة بناء سوريا: تحديات الاستقرار والمصالحة الوطنية/ أحمد الجابر  

تحركات عربية ودعم دولي لإعادة بناء سوريا بعد سقوط النظام: توافق جديد على سيادة الدولة ووحدة أراضيها

2025-10-17

تمر سوريا في عام 2025 بمرحلة دقيقة بعد سقوط النظام السابق، وسط تحديات كبيرة لإعادة الاستقرار السياسي والاقتصادي. ويبرز الدور العربي كعنصر حاسم في إعادة التوازن الداخلي والدور الإقليمي لسوريا، في وقت يشدد المجتمع الدولي على ضرورة احترام سيادتها ووحدة أراضيها ورفض أي تدخل خارجي.

وقد شهدت الأيام الأخيرة صدور البيان العربي-الأوروبي المشترك الذي جدد التأكيد على أن استقرار سوريا وأمنها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة، ودعا إلى عملية انتقالية شاملة بقيادة سورية تراعي تطلعات الشعب السوري في العدالة والمواطنة والمساءلة، إضافة إلى دعم إعادة الإعمار والانتعاش الاقتصادي تحت إشراف مؤسسات دولية تضمن الشفافية والحوكمة.

الدور العربي السياسي والاقتصادي

يشدد فراس شعبو أستاذ الإدارة المالية في جامعة باشاك شهير ويقيم في إسطنبول على أن الدور العربي يمكن أن يكون محورياً: “دور الدول العربية بالتأكيد دور قوي جداً وحيوي ومركزي وفعال إذا أرادوا تفعيله. وبالتالي إنقاذ سوريا سياسياً واقتصادياً، وتحقيق الاستقرار فيها بعد سقوط النظام”.

ويتابع الحديث لـ”963+” عن مساهمة السعودية والدول العربية الأخرى: “كانت مساهمة السعودية بشكل أساسي برفع العقوبات عنها، كما ساهمت أيضاً في تفعيل دور سوريا في الجامعة وكسر الحياد الذي كان موجوداً، وسهلت التنسيق مع الأمم المتحدة. هناك دعم نوعاً ما من قطر والإمارات أيضاً، والسعودية ساهمت في الدعم الاقتصادي”.

ويشير إلى أهمية الاتفاقيات الحالية في تحقيق التهدئة: “وجود الاتفاقيات اليوم، مثل وقف العنف وإدارة شؤون الأمن، يساعد في التهدئة، كما في السويداء. تحاول الدول العربية أن تكون ضامناً ومراقباً، وليست محتلّاً، وأن يكون التفاوض سورياً-سورياً، ليتم تعزيز الدور السياسي للحكومة السورية، وتقويتها لإعادة سوريا إلى مستوى الدول القائمة على المؤسسات، وليست كنتوانات كما في بعض الدول المجاورة مثل العراق أو لبنان. الوضع هناك مختلف تماماً عن سوريا”.

في المقابل، يحذر كمال اللبواني كاتب ومحلل سياسي سوري من التشتت العربي: “انقسام الدول العربية وتوزعها على المحاور الثلاث هو المشكلة الرئيسة. الدعم العربي يجب أن يكون لصالح المصلحة السورية المستقلة عن مشاريع إسرائيل أو تركيا أو أميركا”.

ويضيف اللبواني أن الشرط الأساسي للدعم العربي هو الالتزام بالقرار 2254: “يمكن للدول العربية أن تمتنع عن تقديم الدعم لأي طرف على حدة، وتشترط لتقديم الدعم التوافق على تنفيذ القرار 2254 بروحه فقط، أي أن تشرط دعمها بخطة تنفيذية للقرار”.

يشير شعبو إلى أن التنسيق العربي الموحد يساهم في تعزيز سيادة الدولة السورية: “يجب وجود آلية تنسيق عربية موحدة، ورؤية عربية مشتركة، بحيث لا تصبح سوريا منصة نفوذ لأي دولة. سوريا تريد الالتزام بسيادتها، وتفعيل مؤسسات الدولة السورية، والحفاظ على علاقة جيدة مع جيرانها، مع فتح قنوات تواصل مع الفاعلين الدوليين، مثل تركيا وروسيا، وربما لبنان وإيران في المستقبل، مع وضع قواعد صارمة للتدخل”.

إعادة الإعمار والحوكمة

يتناول شعبو قضية إعادة الإعمار والشفافية: “الدول العربية، أو حتى الأوروبية، لديها مشكلة في الحوكمة والشفافية، وهي حقيقة واقعية. فلا بد من ربط إعادة الإعمار بشروط حوكمة وشفافية، وربما بمشاركة أممية، مثل المنحة التي قدمتها السعودية وقطر بقيمة نحو 90 مليون دولار للموزعين عن طريق برنامج الأمم المتحدة (UNDP)، لزيادة الشفافية والضمان”.

ويكمل: “في المستقبل، يمكن إقامة مؤتمر لإعادة الإعمار بعد استقرار الأوضاع في سوريا، على أن يكون التمويل مضموناً بضمانات الحكومة بعدم تحويل الأموال إلى جهات غير مشروعة. الحكومة قد تسمح للقطاع الخاص العربي بالمشاركة، كما حصل مع الاتفاقات مع قطر والإمارات والسعودية، مع وضع شروط تنافسية وشفافية صارمة، مع إعطاء الأولوية للمشاريع ذات الأثر الاجتماعي، مثل الكهرباء والمياه والصحة”.

بينما يشدد اللبواني على أن الاستقرار السياسي شرط لأي نجاح في إعادة الإعمار: “من دون استقرار سياسي، وفرض الأمن وسيادة القانون، كل دعم سيتبدد أو يُساء استخدامه، حيث يتم توظيفه سياسياً لصالح متلقيه. الحل يكون فقط بتنفيذ مشاريع مباشرة على البنية التحتية، مثل الكهرباء، والمستشفيات، والتغذية، والمياه”.

المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية

حول دعم العرب للمصالحة الوطنية، يقول شعبو: “اليوم ليس هناك داعٍ لتدخلهم مباشرة في صياغة الدستور السوري. الدستور السوري، إذا أُنشئ بضمان الحرية والمساواة لجميع المواطنين في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن مرجعية المواطن، قوميته أو دينه، يكون دستوراً حقيقياً قائماً على المواطنة”.

ويضيف: “وهذا يشمل موضوع المصالحات والعدالة الانتقالية، التي يجب أن تكون حقيقية، أي الاعتراف بالجرائم من قبل جميع الأطراف ومساءلة الفاعلين دون عمليات انتقام. هذا بدوره يدعم المصالحة الوطنية ويحقق استقراراً نسبياً، ويمكّن من تجاوز المرحلة الحالية”.

ويشير إلى برامج إعادة الإدماج والتوظيف: “هناك برامج إعادة الإدماج والتوظيف، ومشاريع إعادة الإعمار، وقوات حفظ النظام المحايدة التي يمكن أن تساهم فيها، وقد بدأت تركيا بالعمل في هذا المجال، بعيداً عن الدول العربية. هذه البرامج تساهم في ضبط الأمن وتحقيق الاستقرار، وهو أمر بالغ الأهمية. استقرار الأمن في سوريا يجذب الاستثمارات، ويخفف الضغط على الحكومة الناتج عن العمليات المستمرة. لذلك، يمكن للدول العربية دعم هذا الاتجاه من خلال دعم فني ولوجستي ومالي”.

بدوره يؤكد اللبواني على الحاجة إلى سلطة وطنية فعالة: “اليوم يستمر دعم النظام الحالي الذي يبيع البلد ويرهنها للجهات الخارجية، ومن دون سلطة وطنية مخلصة لا يمكن للدول العربية بناء شراكة مع سورية. يجب العمل على السلطة لكي تمثل الشعب وتراعي مصالحه. المشكلة اليوم أن السلطة مهتمة فقط وأولاً بإرضاء الأميركي والإسرائيلي والتركي، وليس بشعبها، ولا بمصالح سوريا المتشابكة مع محيطها العربي”.

الوجود الأجنبي والأمن الإقليمي

يتحدث شعبو عن رفض الوجود الأجنبي: “الوجود الأجنبي مرفوض، سواء كان تركياً، إسرائيلياً، إيرانياً أو روسياً. هناك تفاهمات قد تستغرق وقتاً طويلاً، مثل انسحاب الجيش التركي جزئياً وإعادة تموضع القوات الروسية، أو التغلغل الإسرائيلي. يجب أن تكون هناك خطوات عملية، بما في ذلك مفاوضات على انسحاب منظم وفق جدول زمني، برعاية عربية وأممية، مع ضمان عدم حدوث فراغ أمني، من خلال نشر قوات عربية أو تدريب قوات محلية، وتوفير اتفاقات أمنية إقليمية مع تركيا، إسرائيل، العراق، وغيرها. هذه الاتفاقات أمنية وليست سياسية، وتهدف لضمان الاستقرار ومنع التدخل الخارجي، مع اعتماد مبدأ الردع عند خرق الأصول الدبلوماسية والسياسية”.

ويوافق اللبواني على ضرورة انسحاب كل القوى الأجنبية: “انسحاب كافة القوى والجيوش الأجنبية يجب أن يكون هدفاً قريباً وضمن خطة زمنية، بما فيها التركي والأميركي، وطبعًا يجب أن يشمل الروسي والإيراني، الذين يحتفظون بنفوذ”.

ويشير المحللون إلى أن الدور العربي في سوريا يحمل إمكانات كبيرة، لكنه مشروط بتنسيق داخلي متماسك، وربط الدعم بالحوكمة والشفافية، وضمان استقلالية الدولة السورية.

ويتفق شعبو واللبواني على أن التحديات الرئيسة تتراوح بين المصالحة الوطنية، إعادة الإعمار، عودة الأمن والاستقرار، وضرورة انسحاب القوى الأجنبية، مع إقامة علاقات متوازنة مع المجتمع الدولي. ويظل توحيد الرؤى العربية هو المفتاح لضمان مستقبل مستقر لسوريا بعيداً عن النفوذ الخارجي.

+963

————————————-

أراضي الجزيرة السورية المحتضرة.. قصة مؤلمة عن الجفاف والإهمال/ محمد جفال

16 أكتوبر 2025

في قلب شمال شرق سوريا، تقع منطقة الجزيرة، التي كانت يومًا ما سلة غذاء الدولة، على أرضٍ ذهبيةٍ تمتد حقولها الخصبة إلى الأفق، وتتدفق أنهارها لتروي حياة الأجيال. اليوم، هي ظلّ باهت لماضيها المجيد، ممسكة بجفاف عنيد يستنزف أنهارها، ويجفف تربتها، ويدفع أهلها إلى حافة اليأس. هذه ليست أزمة بيئية فحسب، بل مأساة إنسانية منسوجة بخيوط الفقدان والنزوح والأحلام المحطمة.

قصة الجزيرة هي مرثية لأرض مهملة، حيث تذرو الرياح الغبار على أراضٍ كانت تحمل الحياة، وتتردد أصوات أبنائها بالحزن والصمود.

جذور الأزمة

بدأ انحدار الجزيرة نحو الخراب في أوائل الألفية الجديدة، بعد عام 2000، رغم أن الإرهاصات كانت واضحة من قبل. مياه نهري الخابور وجغجغ، شريان الحياة الزراعي للمنطقة، بدأت تتناقص تدريجيًا.

ما كانا يومًا مجرَيَيْن مائيين قويين يغذيان مساحات واسعة من القمح والشعير، تحولا إلى جداول ضئيلة، تقلصت إلى قطرات في مواسم الجفاف.

بحلول أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، انقطع تدفقهما بشكل شبه تام، ما عدا في شتاء ممطر نادر يعيد بعض الحيوية مؤقتًا. التغير المناخي، بارتفاع درجات الحرارة وهطول الأمطار غير المنتظم، شد قبضته على المنطقة، محولًا السهول الخصبة إلى أراضٍ قاحلة.

كان التأثير فوريًا ومدمرًا. راقب الفلاحون بعجز أنين محاصيلهم تحت شمس لا ترحم. التربة، التي كانت غنية وليّنة، تحولت إلى غبار تحمله الرياح الساخنة، ساخرة من وفرة المنطقة السابقة. لم يكن غياب الماء وحده، بل غياب الإجراءات أيضًا.

النظام السوري، كان غارقًا في سياسات الإهمال والتهميش، أغمض عينيه عن الأزمة. بينما كانت آلة الدعاية الحكومية تبث برامج مثل “في رحاب الجزيرة” و”أرضنا الخضراء”، ترسم صورة كاذبة للازدهار، كانت الحقيقة قاسية. الجزيرة كانت تموت، وأبناؤها يواجهون مصيرهم بمفردهم.

أرض مهجورة

لم يقتل الجفاف الأنهار فحسب، بل اقتلع الأرواح. آلاف الفلاحين، غير قادرين على إعالة أسرهم، تخلوا عن حقولهم وهاجروا إلى المدن الداخلية في سوريا أو عبر الحدود إلى لبنان، بحثًا عن أي وسيلة للبقاء.

تحولت القرى الريفية النابضة بالحياة سابقًا إلى قرى أشباح، وحقولها عرضة لعناصر الطبيعة. أولئك الذين بقوا واجهوا خيارًا قاسيًا؛ التمسك بمهنة محتضرة أو البحث عن تجارات جديدة للعيش اليومي.

من بينهم، محمود الحسن (52 عامًا)، فلاح من قرية قرب الحسكة، قضى عقودًا في رعاية أرض عائلته. يقول لموقع “الترا سوريا”: “كنا نزرع كل شيء: قمح، شعير، عدس..”. يتذكر محمود بصوت مثقل بالحزن: “كان الخابور أمنا، يغذينا ويروي الأرض. الآن، هو مجرى جاف، والرياح تأخذ التراب الذي كان يحمل حياتنا”.

هجر محمود الأرض قبل خمس سنوات، مضطرًا للعمل في البناء، تاركًا خلفه ذكريات طفولته المرتبطة بالحقول الخضراء. يقول: “أشعر بالخيانة كل يوم، لكن ما العمل؟ الأرض ماتت، والنظام لم يهتم أبدًا”.

قصة مشابهة لدى أحمد الخالد، فلاح آخر من منطقة تل براك، هاجر أيضًا بحثًا عن لقمة العيش. يوضح لـ”الترا سوريا”: “كانت أرضنا تُدعى الخضراء، لكن الجفاف سرق كل شيء. الأنهار جفت، والمطر لم يعد يأتي. تركت عائلتي وذهبت إلى لبنان، عملت في التجارة الصغيرة. افتقدت رائحة التراب الرطب، لكن البقاء كان موتًا بطيئًا”. يصف أحمد شعوره بالاغتراب الذي عاد منه منذ أشهر: “الجزيرة جزء مني، لكنها أصبحت قبرًا لأحلامنا”.

التهميش والوعود الكاذبة

كانت سياسة النظام جزءًا من نمط أوسع من التهميش الذي عانت منه الجزيرة على كل المستويات. لم تكن هناك جامعات أو معاهد في المنطقة حتى السنوات الأخيرة قبل الثورة، ولم يكن هناك سوى آبار نفط تمتص الثروة من باطن الأرض، وتنفث السرطان في رئتي الجزراويين، وسط غياب الرعاية الطبية. مستشفيات بُنيت قبل عقود، ومستوصفات خالية من التجهيزات، تُرك فيها السكان عرضةً للأمراض الناتجة عن التلوث والجفاف.

تحدث النظام عن مشروع لاستجرار حصة سوريا من نهر دجلة، وضخها في جسد الجزيرة لإنعاشها، لكن المشروع بقي حبيس الأدراج. هذه الوعود الكاذبة زادت من إحباط السكان، الذين رأوا فيها دليلًا على الإهمال المتعمد.

اليوم، تحولت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية إلى مراعٍ مؤقتة في الربيع، أو ماتت تمامًا. اليد العاملة هاجرت، ومن بقي غيّر مهنته للبقاء على قيد الحياة. الأرض لا تزال تنتظر من يحييها، لكن الأمل يتلاشى مع كل موسم جاف.

آراء من أبناء الجزيرة

للإحاطة بالبعد الإنساني، يبرز صوت أبناء المنطقة. بالإضافة إلى شهادات الفلاحين المهاجرين، يقدم المهندس الزراعي، علي قدور، الذي عمل لسنوات في المنطقة، رأيًا فنيًا لـ”الترا سوريا”: “التغير المناخي هو السبب الرئيسي، لكنه لم يكن وحده. سياسات الري غير الفعالة والإهمال الحكومي أديا إلى كارثة. لو تم تنفيذ مشاريع الري الحديثة أو استجرار المياه، لكانت الأرض نجت. الآن، نحتاج إلى استثمارات عاجلة في الزراعة المستدامة، لكن التهميش يمنع ذلك”.

أما الفلاحان اللذان هجرا الأرض، فإن رأيهما يعكس الخسارة الشخصية. يقول محمود الحسن لـ”الترا سوريا”: “النظام باع الوهم عبر برامجه الإعلامية، بينما كنا نعاني الجوع. الهجرة كانت الخيار الوحيد، لكنها مزقت عائلاتنا”.

يضيف أحمد الخالد: “الأرض ليست مجرد تراب؛ هي تراثنا. إهمال الجزيرة جريمة، ويجب أن يُحاسب المسؤولون عنها”. هذه الآراء تكشف عن طبقات الغضب واليأس، مشددة على الحاجة إلى عدالة بيئية واجتماعية.

البعد الإنساني.. قصص من الفقدان

خلف الأرقام والإحصاءات، تكمن قصص إنسانية مؤثرة. في قرية صغيرة قرب تل تمر غرب الحسكة، كانت عائلة أمينة تعتمد على البستان الذي ورثتها عن الجد. مع جفاف الخابور، ذبلت الأشجار، واضطرت أمينة، الأم لثلاثة أطفال، إلى بيع الأرض مقابل لا شيء.

تقول أمينة بعين دامعة “كنت أقطف العنب وأبيعه في السوق، يغطي مصروفنا اليومي”. اليوم، تعمل في محل لبيع ملابس البالة في مدينة الحسكة، تفكر في أبنائها الذين يعانون من سوء التغذية بسبب نقص الغذاء المحلي.

في منطقة أخرى، يروي فتى الجزيرة، يوسف، قصة والده الذي توفي بسكتة قلبية بعد فقدان محصوله. يروي لـ”الترا سوريا” القصة: “كان يقول إن الأرض تخونه، وهو يخونها بالبقاء”، ويضيف يوسف، الذي أصبح الآن عاملًا في مصنع صغير للشيبس. هذه القصص ليست استثناءات؛ هي نمط يعكس الانهيار الاجتماعي الناتج عن الجفاف.

الصحة أيضًا تضررت. مع جفاف الأنهار، انتشرت الأمراض التنفسية بسبب الغبار، والسرطان مرتبط بالتلوث النفطي. مستشفيات المنطقة غير مجهزة، مما يدفع السكان إلى السفر نحو دمشق لعلاج باهظ التكلفة، أو الاستسلام للموت.

الآثار الاقتصادية والاجتماعية الواسعة

لم يقتصر الدمار على الزراعة؛ أثر على الاقتصاد المحلي بأكمله. كانت الجزيرة مصدرًا رئيسيًا للغذاء السوري، لكن اليوم، يعتمد البلد على الاستيراد، وهو يفاقم الأزمات الاقتصادية.

الهجرة أدت إلى تفكك العائلات، وزيادة الفقر في المدن المستقبلة. النساء، خاصة، تحملن عبء إضافيًا، يدرن المنازل بمفردهن بينما يبحث الرجال عن عمل.

أمل ضئيل أم نهاية حتمية؟

رغم الظلام، هناك جهود محلية للزراعة المقاومة للجفاف، ومشاريع تعاونية صغيرة. لكن بدون تدخل مؤسسي أو دولي فعال، تبقى هذه الجهود محدودة. يدعو المهندس الزراعي علي في حديثه لـ”الترا سوريا” إلى “استراتيجية وطنية لإعادة إحياء الجزيرة، بما في ذلك تقنيات الري المتقدمة وزراعة المحاصيل المقاومة”. وفي النهاية، قصة الجزيرة هي تذكير بأن الإهمال البيئي يدمر الأرواح. الأرض تنتظر من يحييها، لكن الزمن ينفد، والرياح لا تزال تذرو غبار الماضي.

الترا سوريا

——————————

وزير المالية السوري: بلادنا لن تنتظر المؤسسات الدولية لإصلاح الاقتصاد

أكد وزير المالية السوري محمد يسر برنية أمس الأربعاء، خلال مشاركته في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن، أن بلاده لن تنتظر المساعدة من المؤسسات المالية الدولية لتنفيذ الإصلاحات اللازمة.

وخلال جلسة نقاش في صندوق النقد الدولي، قال برنية “نحن بحاجة إلى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فهما يلعبان دورا رئيسيا، ومن دونهما يصعب علينا المضيّ قدما، لكن إذا تأخّرا كثيرا، فسنواصل العمل من دونهما”.

من جهته، أكّد مدير إدارة الشرق الأوسط في صندوق النقد الدولي جهاد أزعور أن هذه أول زيارة رسمية لممثّل للحكومة السورية إلى الصندوق منذ أكثر من 15 عاما.

وفي مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية، قال وزير المالية السوري: “لسنا بحاجة إلى أموال” من المؤسسات المالية الدولية لعملية إعادة الإعمار التي تشكل تحديا هائلا لدمشق.

وقال إن “ما نحتاج إليه هو الخبرة ونقل المعرفة والمساعدة في بناء قدراتنا”.

وأكد برنية أنه لتحقيق ذلك، يجب أن تكون المؤسسات الدولية مستعدّة للتحرك بسرعة.

تأجيل

وأضاف الوزير “على سبيل المثال: كان من المفترض أن يرسل صندوق النقد الدولي بعثة استشارية ضريبية قبل 3 أشهر، لكنها تأخرت بسبب مخاوف أمنية، وفقا للسبب المُقدم. في نهاية المطاف، أعلنوا أنهم سيأتون الأسبوع الماضي، لكننا كنا قد أنجزنا تلك المهمة”.

وأكد برنية أن سوريا تبقى مع ذلك “منفتحة جدا على التعاون مع المؤسسات الإقليمية والدولية”، لا سيما لكي تصبح جاذبة للاستثمار المحلي والدولي على حد سواء، وذلك بإعطاء أهمية أكبر للقطاع الخاص.

وقال إن “هدفنا أن يكون لدينا قطاع عام أصغر، بميزانية أصغر، لكن هذا لا يعني أننا سنخصخص كل الشركات العامة؛ سندرس هذا الأمر على أساس كل حالة على حدة، ونقرر إذا ما كنا سنحافظ عليها، أو ندمجها، أو نخصخصها”.

ورغم التحديات، فإن برنية أعرب عن تفاؤله بالمستقبل، وقال “عندما أرى مليون سوري يعودون إلى بلادهم، يُشعرني ذلك بالأمل. وعندما يعود النازحون داخليا إلى ديارهم، فهذه أيضا علامة أمل”.

واختتم الوزير السوري قائلا: “إذا نفذنا إصلاحاتنا بنجاح، فيُمكن لسوريا أن تصبح بمستوى ماليزيا خلال 5 سنوات”.

المصدر: الفرنسية

—————————————

وزير المالية السوري لـ«الشرق الأوسط»: صرف دعم الرواتب يبدأ الشهر المقبل

برنية: نقدّر الاستثمارات ونقل المعرفة وكل ما تقدمه السعودية وقطر والإمارات

واشنطن: مساعد الزياني

16 أكتوبر 2025

كشف وزير المالية السوري، محمد يسر برنيّة، لـ«الشرق الأوسط»، عن أن «دعم أجور الرواتب الذي قدمته السعودية وقطر خلال الفترة الماضية سيبدأ صرفه الشهر المقبل».

وكانت السعودية وقطر أعلنتا عن مبادرة مشتركة مع «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» لتقديم 89 مليون دولار دعماً لسوريا وللمساعدة في الحفاظ على الخدمات العامة الأساسية. وهي حزمة تمتد 3 أشهر وممولة من «الصندوق السعودي للتنمية» و«صندوق قطر للتنمية»، وتهدف إلى ضمان استمرارية الخدمات العامة الأساسية من خلال المساعدة في تغطية جزء من رواتب موظفي الحكومة.

وقال الوزير السوري لـ«الشرق الأوسط»، على هامش جلسة «إعادة بناء سوريا: رحلة نحو الاستقرار والازدهار»، خلال اجتماعات «صندوق النقد» و«البنك» الدوليين: «نحن عاجزون عن شكر دول الخليج؛ السعودية ودولة قطر وما تقدمانه لسوريا من كل النواحي. نحن مقدّرون وممتنّون لهذا الدعم، سواء أكان استثمارات أم نقل معرفة أو دعم أجور الرواتب الذي قُدِّم الأسبوع الماضي وسيدخل حيّز التنفيذ الشهر المقبل».

وأضاف: «كما نشكر الإمارات، وأي دولة تساعدنا، ونحن ممتنون جداً لهذه المساعدة، وأعتقد أن السوريين سيكونون أوفياء لكل من وقف معها (سوريا)».

وكان برنيّة قدم خلال الجلسة أجندة «براغماتية» للإصلاح، تقوم على «استعادة الثقة (مع) القطاع الخاص، والانضباط المالي، والتحوّل إلى (الدعم الموجّه)»، مع التأكيد على أن «العقوبات باتت وراءنا».

وأشار خلال الجلسة إلى عودة أكثر من مليون سوري منذ مطلع العام، و1.7 مليون نازح إلى منازلهم داخل البلاد، بوصفها مؤشرات «عودة أمل».

وتشمل الخطة تبسيط الضرائب من 33 نوعاً إلى 3 أو 4 ضرائب فقط، وإدارة الدين العام عبر تسويات مع الدائنين، وإصلاح المؤسسات العامة حالةً بحالة.

وقال برنية إن الحكومة لن تموّل مشروعات يمكن للقطاع الخاص تنفيذها؛ «لأن فلسفتنا هي أن يقود القطاع الخاص النمو الاقتصادي والاستثمار». وأشار إلى تأسيس «صندوق التنمية السوري» لتمويل مشروعات البنية التحتية والإعمار، إلى جانب العمل مع «البنك الدولي» لإطلاق «صندوق ائتماني متعدد الأطراف» يهدف إلى جذب دعم المانحين والمؤسسات الدولية.

وكشف عن أن بلاده صفّت كامل التزاماتها تجاه «البنك المركزي السوري»، قائلاً: «الرصيد صفر، ولدينا فائض في الموازنة»، مضيفاً أنه تعهد بعدم تمويل العجز من «البنك المركزي» مستقبلاً.

وأكد أن الحكومة تعمل على «تحديث القوانين المنظمة للاستثمار والشركات والعمل والضرائب»؛ بما يهيئ بيئة جاذبة للقطاع الخاص والمستثمرين الأجانب.

وبشأن القطاع المالي، أوضح برنية أن وزارته تجري «تقييماً تفصيلياً للقطاعين المصرفي وغير المصرفي» ضمن خطة لإصلاح سوق المال والتأمين، مشيراً إلى تعاون قائم مع «السوق المالية السعودية (تداول)» لتطوير «سوق دمشق للأوراق المالية».

وقال إن الهدف هو «ترقية السوق السورية إلى تصنيف الأسواق الناشئة خلال 8 سنوات»، مشيراً إلى أن أنظمة جديدة ستصدر قريباً لـ«فتح السوق أمام المستثمرين الأجانب وتوسيع الأدوات المالية المتاحة».

——————————

 سوريا تستعد لاستقبال بعثة من صندوق النقد الدولي

الصندوق سيساعد سوريا في الإعداد لموازنة عام 2026 وإصلاح الشركات الحكومية

الرياض – العربية Business

16 أكتوبر ,2025

عقد وزير المالية السوري محمد يسر برنية وحاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر الحصرية اجتماعاً مع طاقم دائرة شؤون المالية العامة في صندوق النقد الدولي ورئيس بعثة الصندوق إلى سوريا، وذلك على هامش اجتماعات الصندوق والبنك الدوليين في العاصمة الأميركية واشنطن.

وقال برنية، إن هذا الاجتماع يعكس اهتمام الصندوق بالتعاون مع سوريا، حيث أثنى المشاركون على ما حققته الحكومة السورية من تقدم في الإصلاح المالي.

وناقش المشاركون في الاجتماع خطة الإصلاح الضريبي التي تنفذها سوريا، وفرص تقديم المساعدة في نجاحها، وتم التطرق للإصلاح الجمركي، والاستعداد لإيفاد بعثة إلى سوريا لتقديم دعم فني بهذا الشأن، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

عملة سوريا الجديدة توفر ميزة للمكفوفين.. ما هي؟

اقتصاد اقتصاد سوريا عملة سوريا الجديدة توفر ميزة للمكفوفين.. ما هي؟

كما تم أيضاً بحث سبل تقوية الإدارة المالية الحكومية السورية، والمساعدة في الإعداد لموازنة عام 2026 وإصلاح الشركات الاقتصادية المملوكة للحكومة بما يسهم في زيادة إيرادات الدولة، وفرص المساعدة في تطوير إدارة الدين العام، وتنظيم عمل مكتب الدين العام في وزارة المالية السورية.

وأكد برنية خلال الاجتماع على مسائل التدريب وبناء القدرات في قطاعات المالية العامة والإدارة الضريبية، مشيراً إلى أن هناك أربع بعثات فنية ستزور سوريا في الشهور القادمة.

وشدد وزير المالية على أن النقاشات تناولت فقط المساعدات الفنية والتدريب، وليس القروض أو برامج الإصلاح الاقتصادي والمالي، مضيفاً: “قد نحتاج لبرامج في فترة لاحقة”.

—————————————–

زيارة الشرع إلى روسيا: بارقة أمل أم مخاطر اقتصادية؟/ نور ملحم

15 أكتوبر 2025

مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين السوريين وارتفاع مستويات التضخم بشكل غير مسبوق، يواجه الاقتصاد السوري تحديات وجودية تتطلب بحثاً عاجلاً عن شراكات واستثمارات خارجية. في هذا السياق، تأتي زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو لتعيد الملف الاقتصادي إلى صدارة الأجندة، وسط توقعات بأن تسفر اللقاءات مع المسؤولين الروس عن صفقات استثمارية جديدة ومشاريع إعادة إعمار ضخمة.

أكدت التجربة أن اقتصادات الدول التي تعاني من أزمات مماثلة، تسعى إلى التحالفات الاستراتيجية مع شركاء دوليين، وهو ما قد يوفر دفعة مالية وتكنولوجية ضرورية لتعزيز الإنتاج المحلي وتحسين مؤشرات النمو، لكن في الوقت ذاته تحمل هذه التحالفات مخاطر التبعية والضغط السياسي. وعلى مدى العقدين الماضيين، حافظت سورية وروسيا على شراكة اقتصادية متنامية، حيث كانت روسيا من أبرز الداعمين لنظام الأسد المخلوع. وتأتي زيارة الشرع الحالية لموسكو في سياق نهج جديد لتعزيز التعاون القائم واستكشاف فرص جديدة للاستثمار الروسي في مرحلة إعادة الإعمار الاقتصادية لسورية.

تفاؤل أم مخاوف من زيارة الشرع لروسيا

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور زياد عربش أن زيارة الشرع تشكل فرصة لإعادة دمج سورية في الاقتصاد الدولي عبر روسيا. وقال عربش لـ” العربي الجديد”، إن “روسيا تمتلك قدرة تمويلية كبيرة وعلاقات دولية واسعة، وهذا يعني أن الاتفاقيات المحتملة قد توفر تمويلات لمشاريع إعادة الإعمار، خصوصاً في البنى التحتية والطاقة، التي تحتاج إلى استثمارات عاجلة”.

وأضاف أن تدفق الاستثمارات الروسية قد يساهم في استقرار سعر الصرف وتحفيز النمو الصناعي والزراعي وخلق فرص عمل جديدة، وبالتالي تحسين المستوى المعيشي للطبقة الوسطى، وأشار إلى أن الأرقام قد تعكس هذا التفاؤل إذا نجحت الاتفاقيات الروسية، حيث “يمكن توقع زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة تراوح بين 15% و20% خلال السنة الأولى، وخفض معدل التضخم السنوي بمقدار ما بين خمس وسبع نقاط مئوية، وتحقيق نمو اقتصادي يراوح بين 3% و4% في الناتج المحلي الإجمالي”.

في المقابل، يرى الاقتصادي مالك عبد القادر أن الاعتماد على موسكو يحمل مخاطر عميقة قد تفاقم تعقيدات الاقتصاد السوري. وأوضح الخبير الاقتصادي في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “التمويل والاستثمارات الروسية غالباً ما تأتي ضمن شروط سياسية محددة، وقد تركز على مشاريع استراتيجية كبيرة، بينما تُترك القطاعات الصغيرة والمتوسطة في وضع هش دون دعم حقيقي”.

وحذر عبد القادر من أن أي اعتماد مفرط على روسيا قد يؤدي إلى تبعية اقتصادية طويلة الأمد، ويقلل قدرة الحكومة السورية على اتخاذ قرارات مالية مستقلة، مشيرًا إلى أن التأثير على التضخم قد يكون محدودًا، وربما لا يتجاوز خفضاً طفيفًا بمقدار ما بين نقطتين وثلاث نقاط مئوية، بينما يبقى النمو الاقتصادي ضعيفًا عند ما بين 1% و2%، مع استمرار البطالة في مستويات مرتفعة، خصوصًا بين الشباب والخريجين الجدد.

وتحمل زيارة الشرع لموسكو تأثيراً متفاوتاً على مختلف القطاعات الاقتصادية في سورية، ففي قطاع الطاقة والنقل من المتوقع أن تستفيد المشاريع الكبرى من التمويل الروسي، مثل إعادة تأهيل محطات الكهرباء وشبكات النقل، ما قد يعزز قدرة الصناعة والخدمات على العمل بكفاءة أكبر. في المقابل، تواجه الزراعة والصناعات الصغيرة تحديات أكبر، إذ إن التمويل الروسي غالباً ما يركز على المشاريع الاستراتيجية الكبيرة، تاركاً القطاعات الصغيرة والمتوسطة في وضع هش دون دعم ملموس، وهو ما قد يزيد الفجوة الاقتصادية ويحد من قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو شامل ومستدام.

أما مشاريع إعادة الإعمار الكبرى، فهي على الأرجح ستستفيد مباشرة من التمويل الروسي، لكنها قد تظل بعيدة عن تحسين معيشة المواطنين بشكل ملموس إذا لم تصاحبها برامج لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل النواة الحقيقية للنمو الاقتصادي المحلي وخلق فرص العمل.

العربي الجديد

——————————–

ازدهار لافت لتأسيس الشركات الجديدة في سوريا خلال 2025

سوريا تسير بخطى متسارعة نحو إعادة ضبط إيقاع الاستثمار، في محاولة لاستعادة جزء من حيوية اقتصاد أنهكته سنوات الحرب والعقوبات.

الأربعاء 2025/10/15

عودة تدريجية للأعمال

دمشق- اكتسب مناخ الأعمال العليل في سوريا دفعة مهمة في مسار تطويعه خدمة لترميم الاقتصاد من خلال تسجيل نمو قوي لتأسيس الشركات الجديدة، وهو قطاع إستراتيجي ترى الحكومة الجديدة أنه مهم لتنمية الاستثمارات وتحفيز سوق العمل.

وأكدت أحدث الإحصائيات التي أعلنت عنها وزارة الاقتصاد والصناعة أن عدد الشركات المسجلة لدى مديرية الشركات في الوزارة منذ بداية العام وحتى نهاية سبتمبر الماضي بلغ أكثر من 11.1 ألف شركة.

وأوضحت الوزارة، في إحصائية أوردتها وكالة الأنباء السورية الرسمية الثلاثاء، أن عدد الشركات المسجلة كسجل تجاري فردي بلغ 8693 شركة.

ووصل عدد الشركات المسجلة كشركات أشخاص إلى 1044 شركة، بينها 942 شركة تضامنية و102 شركة توصية بسيطة، وهي نوع من الشركات الشخصية.

11.1

ألف شركة عدد الشركات المسجلة لدى وزارة الاقتصاد والصناعة خلال تسعة أشهر

وتظهر البيانات أيضا أن عدد شركات الأموال المسجلة خلال الفترة نفسها بلغ 1435 شركة، بينها 17 شركة مساهمة و1418 شركة محدودة المسؤولية.

وفي المقابل، تم شطب سجلات 1418 شركة خلال الأشهر التسعة الأولى من هذا العام، بينها 1164 سجلا تجاريا فرديا و254 سجلا لشركات.

وتسير سوريا بخطى متسارعة نحو إعادة ضبط إيقاع الاستثمار، في محاولة لاستعادة جزء من حيوية اقتصاد أنهكته سنوات الحرب والعقوبات والتراجع المؤسسي.

وبينما تُطرح مبادرات لتحسين بيئة الأعمال، لا تزال ثمة تحديات في طريق إحداث تغيير ملموس رغم الالتزامات الحكومية، بحسب المتابعين.

ومنذ الإطاحة بنظام الأسد أواخر 2024، تجري الإدارة السورية الجديدة إصلاحات اقتصادية وسياسية، وتبذل جهودا مكثفة لإطلاق وتعزيز التعاون مع دول عديدة.

وأشارت الوزارة إلى أن ارتفاع عدد الشركات المسجلة يعكس الجهود الحكومية المبذولة لتبسيط الإجراءات المتعلقة بتأسيس الشركات وتنظيم عملها، بما يسهم في تحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات.

وكانت الوزارة قد أعادت في يوليو الماضي افتتاح مديرية الشركات في مبنى الإدارة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك بدمشق، بعد إعادة تأهيلها وتطوير خدماتها لتسهيل معاملات المستثمرين ورواد الأعمال.

وفي يونيو الماضي كشف نائب وزير الاقتصاد والصناعة لشؤون التجارة الداخلية وحماية المستهلك ماهر الحسن أن الوزارة بصدد اعتماد برنامج منظومة بنك المعلومات التجاري الجديد، في تأسيس الشركات وإصدار السجلات التجارية.

ويعتبر البرنامج تطورا لافتا في المشهد الاقتصادي السوري عقب شطب العقوبات الغربية وتحسن علاقات دمشق مع دول المنطقة، وقد يكون نقطة بداية لتحسين بعض الجوانب الإدارية.

بينما تُطرح مبادرات لتحسين بيئة الأعمال، لا تزال ثمة تحديات في طريق إحداث تغيير ملموس رغم الالتزامات الحكومية

لكنه في الوقت ذاته يسلّط الضوء على عمق التحديات البنيوية التي تواجه البلد، ويعيد طرح الأسئلة حول مدى استعداد النظام الاقتصادي للتعافي والنمو الحقيقي في ظل الواقع السياسي والمالي الراهن.

وبحسب المسؤولين فإن القرار ينبع من حرص الحكومة نحو إعادة هيكلة البيئة الاستثمارية وتحفيز النشاط الاقتصادي، من خلال إطلاق مؤسسة في الغرض هي الأولى من نوعها في البلاد.

كما تأتي الخطوة في سياق مساعٍ رسمية لتحسين مناخ الأعمال وتبسيط الإجراءات الإدارية أمام المستثمرين المحليين والأجانب، في ظل ظروف اقتصادية قاسية تمر بها البلاد بعد أكثر من عقد من الصراع والانهيار الاقتصادي شبه الكامل.

وتروج الحكومة للفكرة باعتبارها جزءا من خطة أوسع لتقليص البيروقراطية وتحفيز قطاع الأعمال على النشاط في المرحلة المقبلة، لاسيما للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.

ويرى خبراء أنه من الناحية النظرية، يُعد إنشاء مؤسسة موحدة لخدمات التأسيس والتسجيل خطوة إيجابية، تتماشى مع الممارسات المعتمدة في العديد من الدول التي تسعى لتحسين ترتيبها على مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال.

لكنهم يرون أنه في السياق السوري، فإن فاعلية الخطوة ستتوقف على عوامل أكثر تعقيدا، تتعلق ببنية الاقتصاد والاستقرار القانوني ومدى استقلالية المؤسسات، فضلا عن البيئة السياسية والأمنية المتقلبة.

ويواجه الاقتصاد، الذي شهد تراجعا حادا في الناتج المحلي الإجمالي، وانهيارا شبه تام لليرة، تحديات هيكلية عميقة، أبرزها تآكل الثقة في المؤسسات العامة وانتشار الفساد وضعف القضاء التجاري.

وتوقع البنك الدولي أن تسجل سوريا نموا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة واحد في المئة خلال عام 2025، بعد انكماش قدره 1.5 في المئة في عام 2024.

—————————–

 العملة السورية الجديدة تتناسب وحاجات “المكفوفين

الأربعاء 2025/10/15

أكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية أنه تم اتخاذ قرار بتضمين ميزة الطباعة النافرة في العملة السورية الجديدة، كي يتمكن المكفوفون من تمييز الفئات النقدية بسهولة.

وقال الحصرية في منشور له على صفحته الشخصية عبر الفيسبوك اليوم: في خطوة إنسانية طال انتظارها، قررنا تضمين ميزة الطباعة النافرة (البارزة) في العملة السورية الجديدة، لتتيح للأشخاص المكفوفين ومن يعاني من مشكلة ضعف البصر تمييز فئات العملة بسهولة واستقلالية.

وأوضح حاكم المصرف أنه تم التواصل مع وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، التي أبلغته أن هناك مطالب من أشخاص ذوي إعاقة بصرية لإدخال لغة برايل على العملة الجديدة، وأكد لها أن هذا الطلب مشروع تمامًا، ويعبّر عن حاجة حقيقية لا يمكن تجاهلها، لأنه لا يجوز إقصاء أحد أو إغفال احتياجاته.

وجدّد الحصرية التأكيد على أن التصميم الجديد للعملة أخذ بعين الاعتبار بالفعل تمكين الأشخاص المكفوفين من التمييز بين الفئات المختلفة بشكل مستقل.

وكان حاكم مصرف سوريا المركزي قد كشف منذ أسبوع، أن العملة السورية الجديدة ستصدر بست فئات، وستكون خالية من الصور والرموز، لتكون أكثر وضوحاً وسهولةً في التحقق منها، ومنسجمةً مع الاتجاه العالمي نحو التصميم النظيف والمجرّد.

—————————-

ممنوع تملّك السوريين في تركيا والعكس صحيح/ عدنان عبد الرزاق

15 أكتوبر 2025

لا ينسى سوريو تركيا ما حيوا وقت طلبت منهم دائرة الطابو، قبل ثلاثة أعوام، التوقيع على تنازل عن الملكية لخزينة الدولة التركية خلال نقل ملكيتهم “إن تطلب الأمر”، أي بحال سحب الجنسية الاستثنائية أو عدم وجود وريث تركي بحال الوفاة، قبل أن يسوّى الأمر بالطلب من السوريين الأتراك الحصول على موافقة خطية من مديرية شؤون الأجانب لإتمام عملية البيع والشراء لعقاراتهم. قبل أن يلغى القراران باعتبارهما مخالفين للقانون التركي الذي يساوي بالمواطنة بين المجنسين بالميلاد ومكتسبي الجنسية.

ولن ينسى السوري التركي ذلك الفعل، أو ردة فعل “دائرة الطابو” إن شئتم، لأنها، ببساطة أو بجرة قلم، تعيده لقوانين منع تملّك السوريين بتركيا التي تعود إلى القرن الماضي، لكنها سارية المفعول حتى اليوم، ولم تسقط عام 2012، وقت ألغت تركيا مبدأ التعامل بالمثل وفتحت باب تملك العقارات أمام معظم الدول، حتى تلك التي تمنع تملك الأتراك على أراضيها، وبقي السوريون إلى جانب أربع جنسيات أخرى (الكوبية، الكورية الشمالية، القبرصية الجنوبية، الأرمينية)، مستثنين من حق التملك العقاري على الأراضي التركية.

وما قيل عن منع تملّك السوري بتركيا، ينسحب حرفياً على التركي بسورية، فهو ممنوع من الملكية، بل ثمة رعب ومخاوف لدى السوريين مذ فعّلت الدولة السورية قانون “إصلاح الأراضي” في مطلع ستينيات القرن المنصرم، ونقلت ملكية العقارات العائدة للمواطنين الأتراك بسورية إلى الدولة.

قصارى القول: قضية منع التملك المتبادل قديمة بين سورية وتركيا، وتعود قوانينها إلى الخلاف الذي حصل بين الحكومة التركية عام 1927 وحكومة الانتداب الفرنسي في سورية، حيث تم استفتاء المواطنين في لواء إسكندرون، قبل ضمه إلى ولاية هاتاي التركية عام 1938، فأقرت سورية وهي تحت الانتداب الفرنسي، حجز ممتلكات الأتراك على أراضيها وعدم السماح لهم بحق التصرف، رغم المحاولات التركية للتسوية واسترداد الملكيات، حتى التي بدمشق وتعود لزمن الدولة العثمانية، ما دفع الحكومة التركية لتطبيق “المعاملة بالمثل” وأصدرت عام 1939 قانوناً بمنع تملك السوريين العقارات بتركيا.

وأعادت تركيا تفعيل قانون منع تملك السوريين عام 1966 وصادرت بحكم مرسوم رئاسي جميع ممتلكات السوريين غير المنقولة بتركيا، في حين سمحت لغيرهم من الجنسيات بالتملك رداً على “قانون إصلاح الأراضي” الذي أدخلته الدولة السورية حيز التنفيذ عام 1962 ويقضي بنقل ملكية العقارات العائدة للمواطنين الأتراك في سورية إلى الدولة من دون دفع أي مقابل.

ولم يأت البلدان على حل قضية منع التملك، خلال الوفاق وجني العسل بين تركيا ونظام بشار الأسد التي وصلت إلى اتفاق منطقة تجارة حرة عام 2007 والبدء بالإلغاء التدريجي للرسوم الجمركية وصولاً لتصفيرها، قبل أن تتوتر العلاقات وتقطع بعد الثورة. بل استمرت قوانين المنع، حتى للسوريين على الأراضي التركية، رغم انفتاح أنقرة على الاستثمار وفتح باب الملكية وإلغاء مبدأ “التعامل بالمثل” عام 2012، فيما سمحت لمستثمرين من 183 دولة بأن يتملكوا في تركيا شققاً، فللاً، أراضي، وعقارات تجارية، لكنها أبقت المنع قائماً على السوريين ضمن ما يسمى حتى اليوم “الجنسيات الممنوعة من التملك في تركيا”.

نهاية القول: قد يتوثب على الشفاه سؤال: كيف تملّك السوريون وعملوا في تركيا لأكثر من عشر سنوات، فزادوا الصادرات بعدما بدّلوا من طبيعة الإنتاج وحتى أنماط الاستهلاك؟ الإجابة أنهم احتالوا على القانون بعدما أسسوا شركات بتركيا وسجلوا عقاراتهم باسم الشركات، وبالتالي يتاح لصاحب الشركة استخدام العقار واستثماره أو بيعه لاحقاً باعتباره الممثل القانوني للشركة أمام السلطات التركية، متنازلين عن بقية الحقوق، كالحصول على الإقامة العقارية أو التقدم للحصول على الجنسية التركية جراء الملكية التي تزيد عن مبلغ الجنسية الاستثنائية أحياناً.

أوليس من “كوميديا” بالأمر إذاً؟ تركيا تمنع حتى اليوم تملّك السوريين على أراضيها رغم إيوائها نيفاً ومليونيّ سوري، تبوّأوا قائمة الأعلى استثماراً بين الأجانب لأعوام متتالية، سواء عبر جنسياتهم غير السورية أو اضطروا للالتفاف على القانون والتملك عبر شركات يسجلونها بتركيا. وتنسحب الكوميديا على سورية أيضاً، ففي الوقت الذي تدعو فيه الدولة السورية الأتراك للمساهمة بإعادة الإعمار وتأسيس شركات وأعمال على أراضيها، تمنعهم القوانين السورية من التملك، بل لا تزال قوانين المصادرة من دون دفع مقابل سارية حتى اليوم.

بل لتكتمل فصول الكوميديا، بخاصة في تركيا التي خسرت ربما عشرات مليارات الدولارات جراء منع السوريين تملك العقارات والمنشآت خلال لجوئهم بالعقد الماضي، تابعت قبل أعوام قليلة (نوفمبر/ تشرين الثاني 2021) قوانين المنع حتى للسوريين الحاصلين على جنسيات أجنبية من التملك على أراضيها، ناسفة طرق الملكية عبر جنسية أخرى، ومعلنة صراحة خلال تعميم “كل مواطن سوري حاصل على أي جنسية أخرى كالألمانية أو السويدية مثلاً، إن أراد التملك في تركيا فهو يعامل معاملة المواطن السوري تماماً، بغض النظر عن جنسيته الأُخرى، بمعنى أنّه لا يستطيع تملك عقار في تركيا”.

إذاً، وقبل أن يتمادى مسؤولو البلدين بالدعوات للاستثمار والمساهمة بالإعمار وتوريط ربما من لا يعرف أن القوانين تمنع الملكية حتى اليوم، لا بد من إلغاء القوانين التي تمنع الملكية للسوريين بتركيا والأتراك بسورية، والعائدة إلى عام 1927 وتطوّرت وتعقدت لاحقاً. لأن القوانين لا تلغى بالوعود أو تصريحات المنابر، بل تحتاج إلى مراسيم رئاسية تصادق عليها البرلمانات، لتتحول إلى قوانين تجبّ ما قبلها.

العربي الجديد

————————————

 الأمن الغذائي في سوريا.. من سياسات الإفقار إلى عقد وطني جديد لبناء الدولة/ نور وتي

2025.10.14

في المشهد السوري الراهن، لم يعد الحديث عن الأمن الغذائي ترفًا تنمويًا، بل حاجة ملحة وحق إنساني أساسي يلامس كرامة الانسان السوري الذي يستحق الحياة كما حال الشعوب في أنحاء العالم. الأمن الغذائي هو مسألة سيادة وطنية كما هو المؤشر الحاسم الذي يقاس به مدى تعافي الدولة من إرث الحرب والاستبداد الذي عانى منه الشعب السوري لأكثر من 14 عام من الحرب المدمرة .

بحسب تقرير أولويات الاستجابة الإنسانية (آذار 2025): تحتل سوريا المرتبة السادسة عالميًا في تقرير “توقعات المناطق الساخنة المعرضة للمجاعة ” حيث يعاني 14.56 مليون شخص من نقص الأمن الغذائي، منهم 9.1 ملايين شخص مصنفون على أنهم يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد (بما في ذلك 1.3 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الشديد)، و5.4 ملايين شخص معرضون لخطر الجوع.

كما تشير تقارير اليونيسيف إلى أن واحدًا من كل ثلاثة أطفال في سوريا يعاني من سوء تغذية مزمن، في حين تتزايد معدلات التقزّم والهزال في المناطق الأشد هشاشة، خاصة في الشمال.

هذه الأرقام ليست حصيلة حرب فحسب، بل نتاج عقود من السياسات الاقتصادية الخاطئة التي انتهجها النظام البائد، والتي جعلت الأمن الغذائي رهينة للقرارات السياسية والمصالح الضيقة. خلال ال 14 سنة من الحرب تم تهميش القطاع الزراعي، وتدمير البنى التحتية للإنتاج الزراعي بشقيه النباتي والحيواني و تدمير شبكات الريّ، وإلغاء الدعم عن المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والشعير والشوندر السكري والقطن وغيرها.

    التكامل بين الدولة والمجتمع المدني هو السبيل الأمثل لتجاوز الاعتماد على المعونات والانتقال إلى الاعتماد على الإنتاج الوطني وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

كما تم تسييس الغذاء وتحويله إلى أداة للولاء والعقاب، في مخالفة صريحة لكل المعايير الإنسانية. ووفقًا لتقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان (SNHR)، استخدم النظام السابق الحصار وقطع الإمدادات الغذائية في عشرات المناطق كوسيلة حرب، مما عمّق الفقر والجوع وعمق فجوة انعدام الثقة بين المواطن والدولة.

اليوم، ومع توقيع الاتفاقية بين وزارة الاقتصاد والصناعة وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، تبدو ملامح مرحلة جديدة أكثر واقعية وفاعلية في إدارة ملف الأمن الغذائي الذي يعاني من كارثة حقيقية تستحق تضافر الجهود لاتقاد الشعب السوري من المجاعة.

هذه الاتفاقية ليست إجراءً فنياً محدودًا، بل تحول مؤسسي مهم يعبّر عن إدراك رسمي بأنّ معالجة الجوع لا تتم عبر المساعدات العابرة للحدود والتي لا تستمر الى الأبد ، بل من خلال إعادة بناء البنية التحتية الإنتاجية الوطنية المستدامة — ولا سيما في قطاعات الزراعة التي تشكل أساس الامن الغائي للسكان وخاصة زراعة القمح وكل ما يرتبط لها من سلاسل القيمة كالمطاحن والمخابز وتخزين وتوزيع الحبوب — باعتبارها اساس الأمن الغذائي في سوريا.

لقد بدأت الدولة تخطو نحو تثبيت الأسس الفعلية لاستراتيجية وطنية للأمن الغذائي، تتكامل فيها جهود الحكومة مع دعم الأمم المتحدة والمجتمع المدني.

وهذا التوجه يعكس انتقالًا من منطق “الاستجابة الطارئة” إلى منهجية الاستدامة ودعم الإنتاج المحلي. فبدلاً من المطالبة بإطلاق استراتيجيات جديدة، أصبح التحدي الحقيقي هو ترسيخ ما بدأ فعلاً، وضمان استمراريته ضمن منظومة حوكمة شفافة ومساءلة عامة.

المطلوب اليوم ليس المزيد من الخطط النظرية، بل إدارة تنفيذية وتطبيقية فعّالة تضمن استثمار هذه الاتفاقيات في بناء منظومة متكاملة تراعي إدارة الموارد المتاحة في ظل التغيرات المناخية للوصول إلى الهدف المنشود وهو ” تحقيق الأمن الغذائي المستدام “.

كما يجب أن تُدار هذه الجهود ضمن رؤية وطنية تشاركية، يكون فيها المجتمع المدني شريكاً أساسياً لا تابعاً. لقد أثبتت المنظمات السورية العاملة في المجال الإنساني، وفي مقدمتها منظمة إحسان للإغاثة والتنمية، أن لها دورًا محوريًا في دعم استقرار منظومة الغذاء، من خلال برامج الطوارئ، وتمكين المزارعين، وتحسين الإنتاج المحلي كما ونوعا، وتفعيل المشاريع الصغيرة التي تخلق مصادر دخل مستدامة.

وتؤكد تجربة إحسان للإغاثة و التنمية، أنّ التكامل بين الدولة والمجتمع المدني هو السبيل الأمثل لتجاوز الاعتماد على المعونات والانتقال إلى الاعتماد على الإنتاج الوطني وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

إنّ نجاح الحكومة في إدارة هذه المرحلة سيكون اختبارًا حقيقيًا لقدرتها على بناء مؤسسات الدولة الجديدة. فإعادة تشغيل المطاحن والمخابز، وتحسين جودة المواد الغذائية، وتطوير شبكات النقل والتوزيع ليست مشاريع خدماتية فحسب، بل إجراءات سيادية تعيد الثقة بين المواطن والدولة وتُكرّس مفهوم الأمن الغذائي كحق وطني وإنساني لكل مواطن سوري.

سوريا تمتلك كل مقومات الاكتفاء الذاتي: من الأرض الخصبة، المياه، واليد العاملة، والخبرة المتراكمة. ما كان مفقودًا هو الإرادة المؤسسية والحوكمة الرشيدة.

واليوم، مع هذا التوجه الجديد الذي يجمع بين الإرادة الوطنية والدعم الدولي، يمكن القول إنّ البلاد بدأت فعلاً تتحرر من دوامة إدارة الأزمة إلى بناء منظومة الإنتاج الوطني.

إنّ قضية الأمن الغذائي ليس بنداً في موازنة الدولة، بل ركيزة لسيادتها وكرامة شعبها. وحين يتحول الخبز من رمز للعوز إلى عنوان للسيادة، يمكن عندها القول إنّ سوريا دخلت فعلاً مرحلة التعافي الوطني الحقيقي، مرحلة تضع الإنسان في قلب التنمية، وتعتبر أن الوصول للغذاء الكافي من حيث النوعية والكمية والغذاء كأساس لكرامة الإنسان السوري .

تلفزيون سوريا

——————————–

تصويت مجلس الشيوخ.. خطوة مفصلية وليست نهائية لرفع قانون قيصر/ أحمد الكناني

14 أكتوبر 2025

في خطوة ملموسة وأكثر فاعلية على طريق رفع العقوبات الأميركية ( قانون قيصر) عن سوريا، يٌقر مجلس الشيوخ الأميركي نسخة موازنته الدفاعية السنوية، متضمنة مادة تنص على إلغاء قانون قيصر دون قيود أو شروط مع نهاية العام الجاري، وذلك بنتيجة تصويت مرتفعة بلغت 77 صوتًا مؤيدًا مقابل 22 معترضًا.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه قضية العقوبات تعقيدات تقنية وتشريعية، ما  دفع اللوبيات السورية في أميركا إلى العمل المتواصل مع الأعضاء في الكونغرس من أجل رفعها، مقابل وجود لوبيات فاعلة ومعارضة للقرار، وأبرزها تلك المحسوبة على إسرائيل.

هذه الخطوة التي وصفها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني باللحظة المفصلية في مسار استعادة سوريا لعافيتها، لا يزال أمامها مسار قانوني وتشريعي، ما يشير إلى مجموعة من المعوقات لم تحسم بعد رغم التفاؤل الدبلوماسي السوري.

خطوات تشريعية

يوضح د. سامر الصفدي الاستشاري في التحالف السوري الأميركي من أجل السلام والازدهار “ساب” آلية التصويت التي جرت في مجلس الشيوخ لرفع قانون قيصر، وذلك بمساع من السيناتور جين شاهين والتي وضعت القانون ضمن لجنتها في المجلس، ويضم 19 بندًا مضافًا للقانون الرئيسي وهو قانون ميزانية وزارة الدفاع، إذ يتضمن البند الخاص بقانون قيصر رفع العقوبات بشكل غير مشروط، إضافة إلى تفاصيل متعلقة بإعادة فتح السفارة الأميركية، والذي نال 77 صوتًا موافقًا مقابل اعتراض 22 عضوًا على بنود متعلقة بميزانية وزارة الدفاع وليس على قانون قيصر.

فيما يشير السياسي والإعلامي السوري الأميركي أيمن عبد النور إلى مسار النقاشات الموسعة السابقة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، والتي تراوحت بين طرح إلغاء قانون قيصر بشكل كامل دون أي شرط، أو تفكيك القانون مع إعطاء الرئيس الأميركي حق إعادة فرض العقوبات بما في ذلك قانون قيصر في حال أخلت الحكومة السورية بالتزاماتها لتحقيق المطالب والشروط الأميركية، لافتًا إلى أن هذه الآلية لفرض العقوبات نفسها طبقت في كانون الأول/ ديسمبر 2019 ويتم العمل على رفع العقوبات بهذه الطريقة، وعليه يجب أن تتم موافقة مجلس النواب بنفس الصيغة التي رفعها مجلس الشيوخ، وبالتالي الأمر ليس بالسهل.

آلية جديدة لفرض العقوبات

ينوه الصفدي إلى أن رفع العقوبات الذي تم التصويت عليه غير مشروط، وهو دائم وليس مؤقتًا، إلا أنه تم وضع آلية لمراقبة أداء الحكومة السورية في العديد من الملفات والقضايا والتي وضعتها الإدارة الأميركية سابقًا كشرط رئيسي لرفع العقوبات، ورغم ذلك لا يعني هذا إعادة عقوبات قيصر بصيغته الحالية في حال الإخلال.

السياسي السوري الأميركي عبد النور ركز في حديثه على أن السيناتور جراهام رئيس لجنة الموازنة في مجلس الشيوخ، والسيناتور الديمقراطي كريس فان هولن ويعتبر الشخص الثاني في نفس اللجنة، كانا قد وضعا مدة 6 أشهر لمراجعة وتقييم التزام الحكومة السورية بالشروط الأميركية، وفي حال ورود تقريرين سلبيين عن الحكومة السورية يتم إعادة تفعيل قانون قيصر، وهو ما تم التصويت على إلغائه، وفي حال رغبت الإدارة الأميركية فرض العقوبات تقوم بعملية تصويت على بنود جديدة وفق مسارات تشريعية جديدة وصولًا للكونغرس لإقرارها. 

عقبة مفصلية

يؤكد الصفدي أن مشروع القانون لرفع العقوبات بات على طاولة الأعضاء في مجلس النواب لقراءته، وإبداء الرأي أو وضع بعض التحفظات عليه لمناقشتها بينهم، ومن ثم مناقشتها مع مجلس الشيوخ، وفي حال لم يتم أي تعديل عليه ستتم الموافقة عليه مباشرة وإحالته للبيت الأبيض، لمراجعته وتوقيعه من قبل الرئيس الأميركي، وفي حال وجود أي تعديلات يقرها مجلس النواب، سيعاد طرح القانون لمجلس الشيوخ للتصويت على التعديلات من جديد.

أما السياسي عبد النور فيرى أن مجلس النواب اتخذ قرارًا سابقًا بعدم طرح أي مسودة أو قانون غير متعلق بموازنة الدفاع (مثال قانون قيصر) إلا أنه يوجد إصرار من الإدارة الأميركية على رفع العقوبات، نتيجة لرغبة دونالد ترامب بتنفيذ الوعود التي أعطاها للسعودية وتركيا، وفتح باب الاستثمارات الأميركية في سوريا، وعليه الخطوة التالية ستكون أمام ثلاثة احتمالات. أولها التوافق وعدم التعديل، أو إحالته للشيوخ من جديد بسبب بعض التعديلات، أو حدوث خلافات بين مجلسي النواب والشيوخ يعيق إصدار قانون موازنة الدفاع.

مسار رئاسي

بحسب الصفدي، لا يمكن القول بأن العقوبات ارتفعت نهائيًا إلا بعد إنجاز مجموعة من المسارات التشريعية، تبدأ من موافقة مجلس النواب، ومن ثم تحويله إلى البيت الأبيض، ليجري الرئيس الأميركي عملية مراجعة شاملة لمشروع القانون، ويحق للرئيس الأميركي أن يضع الفيتو عليه وإعادته من جديد للكونغرس في حال وجود أي خلل متعلق ببنود ميزانية وزارة الدفاع وليس “قيصر”، إلا أن ذلك مستعبد لوجود توافق كبير بين مجلسي النواب والشيوخ والبيت الأبيض.

الترا صوت

————————————-

أين وصلت عملية إلغاء قانون قيصر؟/ فراس فحام

في 11 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، أقر مجلس الشيوخ الأميركي إلحاق مشروع إلغاء قانون قيصر بقانون التفويض الدفاعي الخاص بالميزانية الدفاعية الأميركية لعام 2026، لتكون هذه بمثابة خطوة مهمة ومقدمة كبيرة لإلغاء القانون الذي فرضت بموجبه عقوبات على سوريا في عهد نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد عام 2020، بسبب تورطه بتعذيب وتصفية الآلاف من المعتقلين في السجون.

ووثقت هذه الانتهاكات عبر مصور كان يعمل ضمن الأجهزة الأمنية، وأطلق على نفسه لقب “قيصر” لتجنب ملاحقته أمنيا، ليقر بعدها الكونغرس الأميركي عقوبات على نظام الأسد والمؤسسات السورية تحت اسم “قانون قيصر”.

لكن إلغاء القانون بشكل كامل يتطلب مصادقة مجلس النواب، الذي سيناقش كل بنود قانون التفويض الدفاعي قبل إقراره وإحالته إلى الرئيس الأميركي للمصادقة عليه، ليصبح إلغاء العقوبات عن سوريا نافذا.

وتبرز أهمية خطوة مجلس الشيوخ في أن المسار التشريعي الحالي يتيح إبطال قانون قيصر بشكل كامل في حال وافق مجلس النواب على المشروع، وليس مجرد قرارات تنفيذية تتضمن تعليق العقوبات فقط، وبالتالي فإن إعادة فرضها تحتاج إلى خطوات تشريعية جديدة، ولن تعود بمجرد انتهاء فترة التعليق من قبل السلطة التنفيذية.

لجوء إلى مجلس الشيوخ

منذ بداية عام 2025 جرت محاولتان من نواب أميركيين لطرح مشروع قانون إلغاء العقوبات المفروضة على سوريا بموجب قانون قيصر دون أن تنجح، لأسباب تتعلق بالتوازنات الداخلية الأميركية.

وفي سبتمبر/أيلول الماضي رفضت لجنة القواعد والأحكام ضمن مجلس النواب الأميركي تضمين المادة المتعلقة بإلغاء القانون ضمن ميزانية الدفاع الأميركية، وعملت جماعات الضغط السورية والإقليمية على هذا الخيار لاختصار الوقت بدلا من اللجوء إلى العمل على طرح مشروع قانون جديد منفصل، لأنه عادة يكون تمرير قانون الموازنة الدفاعية أمرا سهلا.

لكن تم رفض إضافة التعديل في نهاية المطاف ضمن مجلس النواب إلى جانب تعديلات أخرى كان من المفترض إدراجها ضمن الموازنة، وذلك بسبب الخلاف بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي بخصوص إضافة قوانين أخرى متصلة بالشأن الداخلي الأميركي.

لجأت جماعة الضغط السورية ومن ضمنها المجلس السوري الأميركي إلى مجلس الشيوخ، نظرا لوجود العديد من الأعضاء ضمنه يتبنون طرح رفع العقوبات عن سوريا من أجل ضمان استقرارها وعدم عودة تنظيم الدولة مجددا.

وكانت الجماعة تأمل أن تنجح الخطوة التالية بعد إقرار مجلس الشيوخ للتعديل، والمتمثلة بالتفاوض مع مجلس النواب من أجل تمرير قانون الميزانية مع كامل التعديلات، وخاصة أن رئيس المجلس مايك جونسون كان قد أعلن في وقت سابق أنه لن يتم تمرير أي ملحقات مع قانون ميزانية الدفاع.

تفاؤل بقرب رفع العقوبات

تسود حالة من التفاؤل بقرب رفع العقوبات عن سوريا بعد تمرير مجلس الشيوخ بأغلبية كبيرة لمشروع إلغاء القانون، حيث أعطت هذه الخطوة مؤشرا على وجود تأييد للخطوة في أوساط الحزبين الجمهوري والديمقراطي، مما يدفع إلى الاعتقاد بأن مجلس النواب هو الآخر سيوافق على الإلغاء إلا في حال حصول تطورات كبيرة ومفاجئة في الملف السوري.

وأكد النائب الجمهوري جو ويلسون الذي قدم مقترح التعديل لإلحاقه بقانون ميزانية الدفاع أن “نجاح سوريا يعتمد الآن على الإلغاء الكامل والشامل لهذا القانون”.

ويعتبر ويلسون مقربا من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو نائب عن ولاية كارولاينا الجنوبية التي تعتبر من معاقل الحزب الجمهوري.

ومن جهتها، اعتبرت كبيرة النواب الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية  ضمن مجلس الشيوخ جين شاهين أن إقرار المجلس لمشروع إلغاء قانون قيصر يعد إنجازا تاريخيا في العلاقات بين الولايات المتحدة وسوريا، وخطوة ضخمة نحو تحقيق الاستقرار، وطالبت مجلس النواب إقرار التشريع.

وإضافة مشروع إلغاء قيصر إلى قانون مرتبط بتمويل الجيش الأميركي بحد ذاته يجعل من فرص تمرير القانون كبيرة، لأن ميزانية الدفاع عادة تحظى بتأييد من شركات صناعة الأسلحة التي تمارس بدورها عمليات تأثير على مختلف النواب في الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

وأعرب المجلس السوري الأميركي عن ارتياحه لإقرار مجلس الشيوخ مادة إلغاء قانون قيصر ضمن ميزانية الدفاع لعام 2026 دون إضافة أي شروط، مع إرفاق عبارة “رأي المجلس إعادة العقوبات حال لم يحصل أي تقدم إيجابي بعد 12 شهرا من إلغاء العقوبات” وهي عبارة غير ملزمة، لا تعني أنه من الواجب إعادة فرض القانون بعد التقييمات التي ستصدر عن وزارة الخارجية الأميركية إثر إلغائه.

وبحسب ما أكدته مصادر دبلوماسية في واشنطن لموقع الجزيرة نت، يوجد حاليا اتصالات بين البيت الأبيض ومجلس النواب من أجل تمرير التعديل المتعلق بإلغاء قانون قيصر، لكن ضمان عدم عرقلة المجلس ورئيسه للقانون الجديد يتطلب تدخلا مباشرا من الرئيس الأميركي ترامب الذي ينتمي كما رئيس مجلس النواب إلى الحزب الجمهوري.

وتشير المصادر إلى وجود انطباع إيجابي لدى الإدارة الأميركية الحالية تجاه الحكومة السورية، خاصة مع المرونة التي تبديها الأخيرة لمطالب الإدارة المتعلقة بعقد اتفاق أمني مع إسرائيل.

آثار إلغاء قانون قيصر

تضمنت العقوبات التي فرضت على سوريا بموجب قانون قيصر عام 2020 قطاعات مؤثرة وحيوية، أبرزها النفط والغاز، والطيران الحربي سواء شراء طائرات جديدة أو قطع غيار أو أعمال صيانة، وأعمال البناء وإعادة الإعمار التي تشرف عليها الحكومة السورية زمن نظام الأسد.

وبموجب القانون، فإن السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة الأميركية ستكون ملزمة بفرض عقوبات أيضا على أي جهة أجنبية تتعاون مع الحكومة السورية في القطاعات الخاضعة للعقوبات، أو تقدم الدعم المالي واللوجستي أو التقني لسوريا.

بناء على ما سبق، فإن الحكومة السورية الحالية لن تكون قادرة على استقطاب المشاريع خاصة في مجال العقارات والبناء وإعادة الإعمار وإصلاح البنية التحتية في ظل استمرار العقوبات الأميركية، وأيضاً سيكون صعبا للغاية على الجيش السوري الجديد استجرار قطع غيار للمدرعات والطائرات التي بحوزته وورثها عن النظام السابق، أو حتى شراء أسلحة جديدة، أو الحصول على تقنيات عسكرية.

وحتى هذه اللحظة لم تسجل السوق السورية نشاطاً حقيقياً لشركات إعادة الإعمار والمقاولات الدولية المهمة، باستثناء بعض مذكرات التفاهم التي يرتبط تنفيذها بمدى استدامة الاستقرار وتوفر البيئة القانونية الملائمة، ومن ضمنها إزالة العقوبات.

تعتبر سوريا من الممرات المهمة المحتملة للغاز والنفط باتجاه السوق الأوروبية عن طريق البحر الأحمر، وينظر العديد من الدول المنتجة للطاقة إلى الجغرافيا السورية بأهمية بالغة، ومن ضمن هذه الدول العراق الذي يطمح لإعادة تفعيل خط نفط كركوك-بانياس الذي من شأنه أن يسهل عبور النفط العراقي إلى أوروبا، مما يمنح بغداد خيارا إضافية إلى جانب ميناء جيهان التركي.

لكن إصلاح الخط وترميمه وإنشاء مشاريع مرتبطة بتكرير النفط قريبة من موانئ التصدير يحتاج إلى ضمان الدول المنتجة للطاقة عدم تأثرها بالعقوبات الأميركية المفروضة حاليا على سوريا.

ويرجح الخبراء الاقتصاديون أيضا أن يؤدي إلغاء العقوبات المفروضة على سوريا بموجب قانون قيصر إلى ضمان توفر السلع الرئيسية في السوق السورية مع استقرار أسعارها، نظرا إلى تقليل تكلفة الاستيراد وتعدد الأسواق التي يمكن أن توفر هذه السلع، بالإضافة إلى إتاحة المجال أمام الشركات العربية والأجنبية لإعادة التعامل مع المؤسسات والشركات الحكومية السورية.

وأيضا، من المتوقع أن يترك إلغاء العقوبات آثارا إيجابية على قطاع البنوك، لأنه سيسهل عودة العلاقات البنكية بين البنوك في سوريا وخارجها.

المصدر: الجزيرة

——————————

 القيود تتراجع والمرافئ تتنفس.. هل تعود سوريا إلى خارطة التجارة؟/ وسيم إبراهيم

2025.10.14

لطالما شكّل قطاع الشحن الدولي في سوريا مرآة تعكس حال الاقتصاد والسياسة، حيث كانت حركة الاستيراد والتصدير خلال سنوات حكم النظام المخلوع تتسم بالتعقيد وتخضع لقيود تنظيمية مشددة فرضتها القوانين والقرارات المصرفية، واجه خلالها المستوردون سلسلة من الإجراءات البيروقراطية، من بينها اشتراطات معقدة للحصول على الموافقات اللازمة وتخليص البضائع، وحظر استيراد السيارات المستعملة باستثناء فئات محددة، إضافة إلى استثناءات خاصة ببعض السلع.

وكان القرار رقم “1130- ل أ” الصادر عن مصرف سوريا المركزي عام 2023 أحد أبرز القيود، إذ ألزم مستوردي القطاع الخاص والمشترك بإثبات أن التمويل بالقطع الأجنبي تم عبر المصارف الخاصة أو شركات الصرافة المعتمدة، سواء من مواردهم داخل البلاد أو خارجها، مع تقديم إجازات استيراد في جميع الحالات، حتى في حال التمويل الآجل الذي لا يتجاوز 180 يوماً، كما فرض القرار مبالغ مرتفعة كبدل تسويات على المخالفين، قبل أن يتم لاحقاً إيقاف العمل بإجازة الاستيراد.

موانئ بلا سفن وسوق سوداء في المطارات

في تلك المرحلة، شهدت الموانئ السورية تراجعاً كبيراً في عدد السفن الوافدة، مع إحجام شركات النقل البحري عن التعامل مع سوريا بسبب مخاطر الحرب والعقوبات.

وتباطأت شحنات المواد الغذائية والسلع الضرورية، وسط صعوبة إبقاء خطوط الإمداد مفتوحة.

حتى أن مطار دمشق الدولي شهد ظهور سوق سوداء للشحن الخارجي عبر الطائرات المدنية، تديرها شخصيات أمنية نافذة تابعة للنظام المخلوع، وذلك لشحن البضائع إلى دول تصلها الخطوط السورية.

لكن مع سقوط نظام الأسد، نهاية عام 2024، بدأت ملامح تحول اقتصادي تظهر، مدفوعة بتخفيف بعض العقوبات المفروضة على سوريا، ما دفع شركات الشحن إلى إعادة تقييم عملياتها وسط آمال بتحسن حركة البضائع وتراجع القيود التي كبّلت القطاع لسنوات، في حين يُعد هذا الانفتاح نقطة تحول حقيقية، لا سيما في قطاع الشحن الذي يشكّل شرياناً أساسياً لحركة التجارة والاستيراد والتصدير.

بيانات رسمية كشفت عن تفاوت لافت في حركة الشحن الجوي بين مطاري دمشق وحلب الدوليين خلال شهر تموز 2025؛ إذ سجّل مطار حلب الدولي حجماً قياسياً من الشحن الوارد بلغ 133,300 طن، مقابل 6,370 طناً فقط في مطار دمشق الدولي، الذي سجل في المقابل 91,480 طناً من الشحن الصادر، ما يعكس تحولات لوجستية واقتصادية في خارطة النقل الجوي داخل البلاد.

وفي السياق ذاته، شهد قطاع الشحن البري بين سوريا وتركيا نشاطاً ملحوظاً، حيث ارتفعت رحلات الشحن بنسبة 60 في المئة، خلال شهر تموز، وفق مصادر تركية، في مؤشر على تحسن العلاقات التجارية وتزايد الطلب على البضائع.

كما سجل مرفأ اللاذقية حركة نشطة في عمليات الاستيراد خلال الأشهر الماضية، شملت سلعاً متنوعة من القمح والسيارات إلى المعدات الصناعية والمواد الأولية، ما يعكس ديناميكية جديدة في القطاع اللوجستي السوري، ويؤشر إلى بداية مرحلة اقتصادية أكثر انفتاحاً وتكاملاً مع الأسواق الإقليمية والدولية.

يسلّط هذا التقرير الضوء على واقع قطاع الشحن من خلال لقاءات مع شركات متخصصة في الاستيراد والتصدير، لمعرفة انعكاس رفع القيود الدولية على حركة الشحن إلى سوريا، سواء من حيث عدد الطلبات أو نوعية البضائع المطلوبة، وهل شهدت حركة الشحن تسهيلات جديدة في الإجراءات الجمركية، وتحسناً في التعاملات البنكية وتحويل الأموال، وما هي العقبات القائمة، وماذا عن أسعار الشحن وتكاليف التأمين على البضائع، خصوصاً تلك القادمة من مناطق تعتبرها شركات التأمين عالية المخاطر.

الشحن إلى سوريا: بين الانفتاح والتعقيدات البنيوية

في ظل الانفتاح الاقتصادي النسبي الذي تشهده سوريا مطلع عام 2025، بدأت حركة الشحن تشهد تحولات ملموسة، رغم استمرار بعض القيود.

وقالت ليلى خضرة ـ خبيرة في الشحن الدولي والتخليص الجمركي ـ لموقع “تلفزيون سوريا”، إن رفع العقوبات انعكس بشكل مباشر على حركة الشحن، حيث فُتحت المعابر الحدودية مع الدول المجاورة، وبدأت المرافئ بالعمل، مضيفة: “نحن بانتظار تفعيل حركة الشحن عبر المطارات”.

وأكدت أن “حجز الحاويات بات أكثر سهولة ولم نعد بحاجة لتوقيع خطابات النوايا (LOI)، رغم استمرار الحاجة إلى موافقات OFAC التي نُوعد بإزالتها قريباً للحاويات المتجهة إلى سوريا.

من جهته، أوضح ماهر الطويل، مدير شركة “Across MENA” للوجستيات التجارة والشحن الدولي، في تصريحه لموقع” تلفزيون سوريا”، أن العقوبات لم تُرفع بشكل كامل، إلا أن الخطوة أسهمت في تنشيط حركة السفن نحو الموانئ السورية، مشيراً إلى أن هذا التحسن مرتبط بالانفتاح على الأسواق، والسماح بدخول مواد كانت محظورة سابقاً، إضافة إلى عودة اهتمام المستثمرين.

وحول حجم الطلبات وعدد الشحنات، قالت خضرة إن “السماح باستيراد نحو 99 في المئة من المواد أدى إلى زيادة واضحة في حركة الشحن، ما يعكس انفراجاً نسبياً في السوق”.

في حين أكد الطويل أن هناك زيادة في حجم الطلبات وعدد الشحنات منذ بداية عام 2025، مع إعادة تفعيل عقود التوريد المؤجلة.

تسهيلات جديدة وعقبات قائمة

وفيما يتعلق بالتسهيلات الجديدة، أشارت خضرة إلى “تخفيف إجراءات التحقق من قبل فرق العقوبات (sanction team)، لكننا ما نزال نعتمد على مرافئ ومطارات الدول المجاورة مثل العقبة وبيروت، مما يزيد من تعقيد العمليات ويطيل زمن التنفيذ”.

أما الطويل، فذكر أن “معظم التحويلات المصرفية ما تزال مقيدة، لكنها تشهد تحسناً تدريجياً، مع عودة تدريجية لشركات التأمين والخطوط الملاحية”.

ورغم هذه التسهيلات، ترى خضرة أن العقبات ما تزال حاضرة، وعلى رأسها “استمرار الحاجة إلى موافقات OFAC، إضافة إلى ضعف الثقة في النظام البنكي السوري، مما يعرقل عمليات التحويل المالي ويؤثر على حركة الشحن”.

ووافقها الطويل، مضيفاً أن “كثرة الوثائق والمتطلبات تؤثر على سرعة ومرونة عملية الشحن، حيث تستغرق الإجراءات وقتاً طويلاً يتسبب في تأخير تأكيد الحجوزات”، مشيراً إلى أن السوق بانتظار إزالة العقوبات بشكل نهائي مع نهاية 2025 لتحقيق انفتاح كامل.

بنية تحتية غير مهيأة للاستجابة

وفيما يخص البنية التحتية داخل سوريا، قالت خضرة إن “المعابر سيئة جداً، والمرافئ والمطارات بحاجة إلى معدات أكبر وأحدث لاستيعاب جميع أنواع الشحنات، وهو ما يحدّ من قدرة السوق على الاستجابة للطلب المتزايد”.

في حين أشار الطويل إلى “محدودية تجهيزات المرافئ، وضعف بعض الطرق الداخلية، والانقطاعات الكهربائية” كأبرز الصعوبات أمام التوصيل الداخلي.

أسعار الشحن والتأمين: تفاوت واستقرار نسبي

وعن أسعار الشحن، أكدت خضرة أنها “لم تتغير بشكل ملحوظ، إذ ما تزال تتفاوت حسب العرض والطلب والمواسم والعطلات، خاصة من الصين وشرق آسيا، كما أن دخول شركات شحن جديدة خلق منافسة أكبر في السوق”.

أما الطويل، فأوضح أن “الأسعار انخفضت نسبياً نتيجة تراجع المخاطر، لكنها ما تزال أعلى من المعدلات الإقليمية”.

وفيما يتعلق بتكاليف التأمين على البضائع، قالت خضرة إنها “لم تشهد أي تغيير حتى الآن”، في حين أشار الطويل إلى أن “تكاليف التأمين تراجعت بشكل عام، مع بقاء علاوات إضافية على الشحنات الحساسة”.

فروقات بين الشحن الجوي والبحري والبري

أما عن فروقات الأسعار بين أنواع الشحن، فأوضحت خضرة أن “الشحن الجوي هو الأسرع لكنه الأغلى، والبحري هو الأرخص لكنه الأبطأ، أما البري فيأتي في الوسط من حيث الكلفة والسرعة، ويُعد الشحن البحري الأكثر طلباً في السوق السورية حالياً”.

ووافقها الطويل، مضيفًا أن “الشحن البحري هو الأرخص والأكثر طلباً، والبري بديل إقليمي فعّال عبر تركيا والعراق، أما الجوي فهو مرتفع التكلفة ويُستخدم للبضائع العاجلة ومرتفعة القيمة”.

الجمركة: غياب الكفاءات وتفاوت في الأنظمة

وفيما يخص الإجراءات الجمركية، انتقدت خضرة غياب الكفاءات وتفاوت الأنظمة، قائلة: “تخيل أن بعض الأمانات تستعين بمنصات الذكاء الاصطناعي مثل شات جي بي تي للتعرف على البضائع، ولا يوجد نظام موحد لكل الأمانات، كما أن الرسوم الجمركية تُحتسب على الوزن فقط، بينما يجب أن تشمل القيمة أيضاً. هل يُعقل أن تُعامل البضائع الصينية بنفس رسوم البضائع الأوروبية أو الأميركية؟”.

وأضافت: “من غير المنطقي السماح باستيراد حبيبات البلاستيك المجددة، فماذا عن صحة المواطنين؟ كما أن معابر الشمال السوري مفتوحة لتخليص البضائع دون موافقات، بينما يجب أن يكون التخليص ضمن الأمانات الداخلية لضمان الرقابة”.

أما الطويل، فأكد أن “الإجراءات الأساسية لم تتغير، لكن نلاحظ مرونة أكبر من موظفي الجمارك ومعالجة فورية لأي مشاكل طارئة”.

البضائع الأكثر شحناً: البناء يتقدم والصناعة تتراجع

وعن أكثر أنواع البضائع التي يتم شحنها إلى سوريا حالياً، قالت خضرة إن “مواد البناء والآلات والسيراميك والغرانيت تتصدر القائمة، لكن هناك تراجع كبير في استيراد المواد الأولية نتيجة تراجع الصناعة المحلية، وهو ما لا يخدم الاقتصاد السوري”.

في حين ذكر الطويل أن “الأغذية، الأدوية، الآلات وقطع الغيار، السيارات وقطع التبديل، مستلزمات البناء، الأخشاب، والمواد الاستهلاكية” هي الأكثر شحناً حالياً.

وفي ختام حديثها، قالت خضرة إن “الطلب تغير بعد الانفتاح الاقتصادي، إذ سُمح باستيراد جميع أنواع البضائع، والسوق السوري بات أكثر تنافسية، ونأمل أن يحمل المستقبل مزيداً من الانفراج”. ووافقها الطويل، مضيفاً أن “المستقبل واعد إذا تواصلت التسهيلات وترافقت مع استثمارات في المرافئ والطرق وكثرت المنافسة بين الخطوط الملاحية الناقلة، مع ضرورة معالجة التحديات المصرفية واللوجستية”.

وفي ضوء التصريحات المتقاطعة بين خبراء القطاع، يتضح أن حركة الشحن إلى سوريا تشهد تحولات تدريجية نحو الانفتاح، مدفوعة بتخفيف القيود وتزايد الطلب، لكنها لا تزال تواجه تحديات بنيوية ومصرفية تعيق الوصول إلى بيئة لوجستية مستقرة وفعّالة.

وبين التفاؤل الحذر الذي عبّرت عنه ليلى خضرة، والرؤية الاستراتيجية التي طرحها ماهر الطويل، تبرز الحاجة إلى إصلاحات متكاملة تشمل البنية التحتية، والأنظمة الجمركية، والثقة المصرفية، لضمان استدامة هذا الانفتاح وتحويله إلى نمو اقتصادي ملموس، فالمستقبل واعد، لكنه مشروط بقدرة السوق على تجاوز العقبات وتفعيل أدواته بكفاءة.

تلفزيون سوريا

—————————–

جولة في وادي النصارى… هكذا تعمل غريزة التكيّف السورية/ بيتي فرح

14 أكتوبر 2025

مرّت على السوريين أيام كهذه مرّات كثيرة في التاريخ. تكيّفوا، صمدوا، اخترعوا أسباباً للبقاء. حفروا الصخر وزرعوا فيه قمحهم، تحايلوا على صعوبات الحياة، ووجدوا سبيلاً للاستمرار. أرسلوا أبناءهم إلى أقصى الأرض بحثاً عن فرصة جديدة.

سورية التي اشتهرت يوما بأنها “بلد الطوابير” حيث كان الوقوف أمام الأفران طقساً يومياً، وحّد أبناء هذه البلاد رغم اختلافهم، واختزل وجع العيش، ليتجاوز المشهد مفهوم انتظار الطعام، فاضحاً هشاشة الكرامة في بلد يعتبر من أغنى بلدان العالم بالثروات وأفقرها بنزاهة حكوماتها، ولكن حين يبلغ العجز منتهاه ويلغى الوسط، يعلو صوت الكرامة “أكون أو لا أكون” عندها تتنفس جدران البيوت التي ضاقت بالبؤس، وتزرع البذور على الشرفات والأسطح، لتكون بمثابة إعلان صامت بأن تأمين الطعام يمكن أن يكون فعل مقاومة، وأن الكرامة لا تُخبز في الأفران فقط، بل تُزرع وتُحصد.

نروي هنا حكايات التحوّل، عن أمهات اخترن الزراعة حلاً لإشباع البطون والكرامة، عن مزارعين لم يثنهم ضعف الإمكانات وشحّ الموارد، فأعادوا صياغة معنى الاكتفاء، عن جيل نزع عنه طيش الحياة واختار المسؤولية قراراً، باختصار، هي حكاية شعب أعاد تدوير التراب وحتى المفاهيم.

من الطابور إلى التنّور

قد يتأقلم البعض قسراً أو طوعاً مع المفهوم الببغائي “العادي” وكأنهم كائنات مهجّنة في بيئة لم تشبههم يوماً. نوع من التأقلم لقصد العيش، ومنهم من رفض هذا الذوبان المهين، فسقط الموت شهقة واحدة، فلتكن بكرامة، هكذا عبرت “محاسن عبدلله – أم سليمان” هي سيدة خمسينية من قرية المجوي- مصياف، تعمل في زاوية فرن صغير، تنبعث منه رائحة الخبز الساخن، تحكي وجنتاها المتقدتان بنار التنور حكاية امرأة سورية عجنها الوجع ومنه تعلمت عجن الطحين، تقول: “سابقا كان لأبو سليمان وأولادنا راتب ثابت، رغم ضآلته كان يسد بعض الرمق، وبعد فصلهم من وظائفهم، وإغلاق أبواب الدخل، تهاوت أعمدة الاستقرار، وبدأت رحلة الجوع، تحمّلتُ طوابير الخبز والغاز، بِعتُ حصتي من مازوت التدفئة، وحملتُ الحطب مع أولادي لدرء برد الشتاء، إلا أن الأوضاع تتسارع باتجاه الأسوأ، وهنا حياة الجوع لا تقبل بأنصاف الحلول، قد تصنع منك إنساناً حديدياً أو عوداً يُكسر بسهولة، فجميع الخسارات سهلة أمام الكرامة، وفعل المقاومة دوماً قرارٌ صائب.

لتختصر تجربتها بصوت يشبه الخريف بحزنه: “لم يكن خيار العمل في الفرن مجرد وسيلة لكسب العيش، بل قراراً لإحياء الكرامة الجريحة، فضلاً عن شعور الرضى الذي يخفف من وطأة التعب والإرهاق” اليوم، تعمل أم سليمان وولديها ليعيلوا أفراد العائلة المؤلفة من ثمانية أشخاص، فقد علّمت ولديها كيفية صنع العجين والخبز، وتجاوزت نفسياً عادة انتظار الراتب الشهري، وتعيش كل يوم بيومه راضية مرضيّة، كما تحمّل النظام السوري السابق مسؤولية ما آلت إليه أوضاع البلاد، “اللّي عملوا بشّار الأسد بسورية، ما عملو رئيس بكل الدول، اليوم الشباب قاعدة بلا شغل والناس جوعانة.

التراب أحنّ من الدولة

في قرية وادي المجاور في ريف طرطوس، يقف أبو مازن أمام باب فرنه شاهداً على التحوّل العميق الذي حصل في حياة الناس، حين أصبح تأمين الطعام فعلاً من أفعال المقاومة اليومية، يقول: “سابقاً، اصطف الناس في طوابير امتدت لمئات الأمتار، ينتظرون دورهم لاستلام ربطة خبز لا بأس إن كانت يابسة أو ناقصة، أما اليوم، فناسٌ كثيرون لا يملكون ثمنها، وعند سؤاله عن دوره في هذا الواقع المؤلم، أجاب:” لا أستطيع توزيع الخبز مجاناً، ولكنني أخفّض السعر للأشخاص معدومي الحال، وفي البرد القارس أمنحهم بعض الحطب، فمعظمنا يعاني من وطأة الضغوط، ولا ينبغي أن نغفل عن بعضنا بعض”، يقول جملته وتعابير وجهه الستيني تختصر الحكاية، أشار أبو مازن إلى ظاهرة هجرة الشباب التي تزامنت مع ظاهرة “السفربرلك النسائي” إلى دول الخليج وأوروبا لإعالة الأهل، عائلات أخرى تحايلت على الذل، واقتلعوا الأزهار من أحواض الزينة لزراعة البقدونس والنعناع، منهم من استغل مساحة البلكون وأسطح المنازل، ليوسع مشروع الكرامة وأنا منهم، فزرعوا البندورة والبطاطا في صناديق من “الفلّين” وحتى القمح أحياناً، وصاروا يأكلون مما تزرعه أيديهم.

“بدنا دولة ما تسرقنا قبل الحصاد”

العم “جورج خوري” فلاح سوري ابن 75 عاماً، من قرية الكفرون، تختزل خطوط وجهه العميقة مسيرة العمر، قال: “لا أسأل عن الأرباح، ولا أنتظر دعماً من أحد، كل ما أريده هو أن أطعم أولادي دون أن أمد يدي لأحد في ظل ما نعيشه، ما زلنا نزرع رغم غلاء البذور وفسادها، وإذا وجدت البذار الجيدة، فاق سعرها الإمكانات المادية، لقد وصل الفساد إلى التلاعب بالمبيدات الحشرية منتهية الصلاحية، والمبيعة بتاريخ مزوّر، ويشير إلى كيس مركون على بعد أمتار قد اشتراه بـ 40 ألف ليرة سورية، وبسببه ماتت معظم الشتلات بدل الحشرات، ومع ذلك يزرع، فالزراعة ميراث قديم، فقد زرع الفلاح السوري القمح أثناء المجاعة، وحماها خلال الاحتلالات، كما شارك فن الزراعة مع أولاده، أما اليوم، فيجري فلاحنا السوري وراء ربطة الخبز، وبرأيه سرقة سورية وانتهاك اقتصادها لم يقتصرا على المصارف فقط، بل تضمنا المواسم وراحة البال، وأصبح التراب كالرغيف رهناً للفساد، فالزراعة اليوم هي حقاً فعل مقاومة، فكل شتلة وكل رغيف، وحتى كل حبة حنطة زرعها طفل في المرحلة الابتدائية في صحن مرطّب بالماء والقطن، هي صرخة بوجه الذل، بتنا نأكل خبزنا كفاف يومنا، ويختتم بجملة تمثل كل سوري معمّدا بالكرامة: “نحنا ما بدنا شي غير انو نزرع بكرامة ونبقى ببيوتنا وأرضنا، بس بدنا دولة ما تسرقنا قبل ما يجي الحصاد”.

شباب على قيد الأمل

العشريني عمّار سلامة ابن قرية عيون الوادي، ولد في حمص ودرس في جامعتها، وانتقل لاحقا إلى قريته، “سلامة” كأقرانه من الشباب يحمل على جسده وروحه ندوب الحرب، ليس من خلف الشاشات بل من قلب الحدث، فأصوات القذائف كانت توقظ أحلامه وتعلّق طموحاته. ورغم ذلك، لم تثنه الظروف عن المثابرة، فبدأ بالعمل نهاراً والدراسة ليلاً، محاولة منه أن يصنع مستقبلاً لا يشبه ماضيه الملوث بالذل والخذلان، فاستغنى عن حقوق عمر الشباب، وعمل بزراعة الدخان ليشتري مستقبله، يحلم بالهجرة بحثاً عن فرصة تليق بمجهوده، لا تُقاس بالخوف بل بالنجاة. ليس عمّار ليس مجرّد شاب، بل حكاية صمود تمشي على قدمين، وترفض أن تكون ضحية آثام لا ذنب له بها سوى أنه ابن هذه البلاد، هو نموذج لجيل اختار المقاومة، بالعمل، والعلم، وما زال على قيد الأمل والانتظار.

الاقتصاد السوري في غرفة الإنعاش

في السياق، يقول الخبير الاقتصادي ناظم عيد: “الأزمة فعلا قائمة، وبشكل أوضح خلال السنوات الأخيرة من عمر النظام البائد، بسبب قلة مصادر الإمداد من الخارج وإفلاس الدولة، وعدم قدرتها على دفع ثمن القمح، وكان الاعتماد على إيران بالدرجة الأولى عبر ما كان يسمّى الخط الائتماني. وطبعاً لم يكن القمح والدقيق المستورد إيرانياً، بل غالباً قمح ودقيق روسي، ولأن مناطق زراعة القمح خارجة عن سيطرة الدولة “الحسكة ودير الزور والرقّة وأرياف حلب”، بالتالي لا غرابة في حصول أزمة قمح في البلاد.

وعلى الرغم من توفر مساحات كبيرة من الأراضي، كانت المشكلة هنا في عدم توفر مستلزمات الإنتاج، ولا سيما المحروقات اللازمة للري والأسمدة والمبيدات، والأعلاف بالنسبة للشقّ الحيواني، إضافة إلى تراجع معدّلات الهاطل المطري الذي تعتمد عليه مساحات كبيرة من المساحات الصالحة للزراعة في سورية، إلى درجة أن الزراعة البعلية خرجت بشكل شبه تام من الحسابات، وربما علينا أن نعترف بحقيقة الإدارة الخاطئة للموارد الزراعية وإهمال القطاع. والنتيجة تراجع كبير للزراعة في الناتج الإجمالي المحلي، ولا بد من التذكير بأن مساهمة الزراعة في الناتج كانت في 2005 أكثر من 30% لكنها تراجعت إلى حدود هزيلة لا تتناسب مع كون سورية بلدا زراعيا بامتياز.

وفي ما يتعلق بالزراعة المنزلية يقول عيد “تعتبر الزراعة المنزلية نوعاً من أنواع التدبير والسعي للاكتفاء الذاتي للأسر ولو بالحدود الدنيا، وأظنها حالة إيجابية، وهي تقليد درج في الكثير من الدول ذات الاقتصادات المنتعشة، لذا لا يمكن ربطها كلياً بالوضع الاقتصادي والأزمات. وفي سورية، هناك محاولات لكنها لم تنتشر على نطاق واسع كما يجب، على الرغم من الحاجة إليها، لكني لا أظن أنه يمكننا الحديث عن انهيار بمعنى الانهيار في المنظومة الاقتصادية الرسمية، إذا لدينا موارد تحتاج إلى إدارة صحيحة، وسنكون حينها بخير. وبرأيه، تؤثّر هجرة الشباب على أي بلد يصدّر كفاءاته إلى الخارج، وهجرة الشباب السوري تشكل حالة “فوات منفعة” للبلد بكل تأكيد، لكن في ظل حالة العطالة المزمنة وانعدام جدوى الاستثمار في مختلف القطاعات وتراجع العائدات الحقيقية، يرى أن هجرة الشباب شكلت عاملاً إيجابياً لجهة التحويلات النقدية التي يحققونها للبلد، وهذه تدخل في حسابات الناتج القومي الذي ارتفع مقابل معدل الناتج المحلي في ظل عدم وجود فرص حقيقية تبدو هجرة الشباب أفضل من بقائهم، ريثما تتوازن بيئة العمل والاستثمار في سورية. وهي بيئة مرتبكة تاريخياً، فطالما كانت سورية بلدا طاردا للكفاءات بشكل أو بآخر منذ عقود طويلة.

الحلول في إعادة هيكلة الاقتصاد

“نحتاج لائحة أولويات على أساس الاحتياجات المحلية أولاً، ثم الميزات النسبية والمطلقة للقطاعات ثانياً، وإعادة النظر في إدارة الموارد ثالثاً، عندها ستتوازن بيئة العمل. ودوماً يجب تعزيز قطاعات الإنتاج الحقيقي، ودعمها في مختلف مراحل الإنتاج والتصدير، وعدم حصر التركيز في القطاعات الريعية، فسورية بلد موارد وتنوع اقتصادي يجب أن ينهض مع الإدارة الجديدة للبلاد”.

الغار وشهداؤه.. الجبال التي حفظت الودّ قروناً

في منتصف حزيران/ يونيو الماضي، وضمن سلسلة حوادث جاءت امتداداً للمجزرة في الساحل السوري في مارس/ آذار، قُتل ثلاثة شبان من قرية درميني، فيما كانوا يجمعون أوراق الغار من الجبال، كما اعتاد أجدادهم أن يفعلوا منذ مئات السنين.

وقع القتل لأسباب طائفية واضحة ومباشرة، والشهود قالوا إنه تم إيقاف الشبان على حاجز يقف عليه متطوعون جدد في قوات الأمن، رأوا أكياس الغار التي يحملونها، فسألوهم: ما طائفتكم؟ وحين أجابوا أطلقوا عليهم الرصاص بهدوء وبدم بارد، وتركوا جثثهم في العراء لأيام، قبل أن يتجرأ أهلهم على سحبها ودفنها.

أطلقت وسائل الإعلام على الضحايا اسم “شهداء الغار” في مقاربة دلالية تمزج بين مقتل فلاحين فقراء لمجرّد انتمائهم الطائفي في أثناء سعيهم وراء لقمة عيشهم، وارتباط الغار في الثقافة الشرقية بمفاهيم البطولة وخوض حروب الدفاع عن الأرض. وقد كان الغار إكليلاً لأبطال الحروب، وصار إكليلاً لشهداء لقمة العيش.

وقد كان لنبات الغار في التاريخ السوري ارتباط عميق بمناطق متباعدة جمعتها هذه الشجرة المباركة، فعبر التاريخ كان سكان الساحل السوري يجمعون ورق الغار عن أشجاره في موسم الصيف، وفق تقاليد تحافظ على استدامة الشجرة. ويستخرجون منه الزيت العِطري، أو يجففونه على شكل أوراق. وبسببه نشأت صلات وعلاقات اجتماعية مع أهل حلب أشهر من صنعوا صابون الغار في العالم، حتى ارتبط باسمهم، فصار يطلق عليه: صابون الغار، أو الصابون الحلبي، أو صابون حلب.

في الساحل السوري، تنتشر ورش صغيرة تعالج الورق الذي جمعه الفلاحون على شكل زيت أو أوراق أو ثمار، وتعيد بيعه لمعامل الصابون أو تصدّره إلى الخارج ليستخدم في الصناعات التجميلية والطبية.

وفي بيئة تفتقر لمشاريع صناعية وزراعية كبيرة، وأفقرها النظام المخلوع عمداً، يشكّل الغار مصدر رزق لأسرٍ كثيرة في قرى الجبال الساحلية ووادي النصارى. وفي موسم قطاف الغار الذي يبدأ عادةً في أواخر حزيران ويمتد حتى منتصف أغسطس/ آب، تخرج العائلات بكاملها إلى الجبال العالية بأدواتها البسيطة، حيث تنمو أشجار الغار برياً من تلقاء نفسها، كما كانت منذ مئات السنين، وقد حافظ أهالي الجبال على تقاليد معينة في طريقة قطاف الغار، نجحت في الحفاظ على وجود هذه الشجرة وحمايتها من الانقراض.

كان الغار الذي كلّّل رؤوس الفرسان العائدين من المعارك سبباً لموت شبان أبرياء يسعون خلف رزقهم، لكنه، بين هذا وذاك، كان سبيلاً من سبل العيش في تلك الجبال القاسية، التي لم تبخل على أبنائها يوماً، وحفظت الودّ معهم، من خلال نباتاتها وحيواناتها، زيتونها وغارها وسمّاقها، نباتاتها العِطرية، وأشجارها الكريمة.

العربي الجديد

——————————-

مخاطر تحيط بطباعة العملة السورية الجديدة/  لمى دياب

تكلفتها تصل إلى 125 مليون دولار

تتحضر سوريا لطرح أوراق نقدية جديدة بعد حذف صفرين من العملة، في خطوة تهدف إلى معالجة الأزمة النقدية.

وسيتم إدخال العملة الجديدة وفق أحكام قانون مصرف سوريا المركزي رقم “23” لعام 2002 (قانون النقد الأساسي)، بكميات مدروسة تتناسب مع حجم الاقتصاد الوطني.

وبينما تبرر الجهات الرسمية هذه الخطوة بأنها ضرورية لتبسيط المعاملات اليومية واستعادة الهوية النقدية، وتمهد الطريق للإصلاح الاقتصادي، يحذر خبراء الاقتصاد من أن تكون بمثابة “علاج شكلي” إذا لم تترافق بحزمة إصلاحات هيكلية.مبررات الخطوة

هناك مبررات اقتصادية لإصدار عملة جديدة وحذف صفرين، يلخصها الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة “حلب” الدكتور حسن حزوري، بثلاثة جوانب:

    تبسيط المعاملات والرسائل النفسية: فعند انهيار قيمة العملة تصبح الأرقام كبيرة ومزعجة للمواطنين والتجار، فحذف أصفار يسهل الحسابات اليومية ويعطي إحساسًا بترتيب الحسابات، وهذا التأثير يدعى “تأثير نفسية الثقة”، لكنه لا يغير القوة الشرائية الحقيقية إلا إذا رافقته سياسات أخرى.

    استبدال أوراق انتشرت فيها صور ورموز سياسية تمثل عهد نظام السابق، ويتعلق الأمر أيضًا بالهوية النقدية الجديدة بعد انتصار الثورة السورية.

    محاولة لإصلاحات نقدية وتثبيت سعر الصرف أو توحيده: كثير من الدول تستخدم “السلسلة الجديدة” كفرصة لإعادة ضبط سعر الصرف الرسمي أو تطبيق إجراءات تقنين النقد وإعادة بناء احتياطيات، لكن هذه الخطوة لا تخفض التضخم تلقائيًا، فذلك يتطلب سياسات نقدية ومالية واقتصادية أوسع.

ويعد حذف الأصفار علاجًا شكليًا ما لم يصاحبه ضبط للإنفاق، وسياسات مالية أقل اختلالًا، ووجود احتياطيات عملة أجنبية أو آليات لاستعادة الثقة، وفق حديث حزوري لعنب بلدي.

أثر تغير العملة على السيادة النقدية

الإصدار الجديد للعملة السورية سيكون أثره المباشر محدودًا على السيادة النقدية، وعلى معالجة تداول العملات الأجنبية الموجودة داخل سوريا، بحسب الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة “حلب” الدكتور حسن حزوري.

فإصدار ورقة نقدية جديدة أو حذف أصفار لا يغيّر العرض الحقيقي للعملة، ولا يعالج أسباب “دولرة” الاقتصاد، وفقدان الثقة بالعملة المحلية، وارتفاع التضخم، وندرة السلع المستوردة وتسعيرها بالدولار الأمريكي أو الليرة التركية.

لذلك، حسب حزوري، فإن الأثر المباشر على تداول الدولار الأمريكي أو الليرة التركية داخل السوق سيكون محدودًا ما لم تعد ثقة المواطن في أن سعر الصرف ثابت أو قابل للإدارة.

وأضاف أن ما يلزم لاستعادة السيادة النقدية فعليًا، هو مزيج من:

    سياسة سعر صرف واضحة (إن أمكن توحيد الأسعار الرسمية والسوقية).

    ضبط مالي (خفض العجز الحكومي أو تمويله بآليات غير مطبوعة).

    بناء احتياطيات عملة أجنبية أو آليات تمويلية (قروض، تحويلات، شراكات تجارية) لتغطية الواردات الأساسية.

    إجراءات لتعزيز الثقة المصرفية: تحويل الودائع، شفافية البنك المركزي، وتمكين القطاع المصرفي.

وعند توفر هذه الشروط يمكن للعملة الجديدة أن تسهم في تقليل الاعتماد على النقد الأجنبي.

مخاطر فشل الاستبدال

هناك مخاطر متوقعة في حال فشلت عملية الاستبدال، تشمل، بحسب الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة “حلب” الدكتور حسن حزوري، زيادة فقدان الثقة والتسارع التضخمي، فإن أنفقت الدولة على تمويل عجزها عبر طبع نقود لتمويل التبديل أو لتمويل اقتصاديًا دون تغطية حقيقية، فسوف يعود التضخم ليتصاعد أو يتسارع.

ويترافق ذلك مع مشكلات لوجستية ومالية، لأن استبدال النقود يتطلب توزيعًا واسعًا (بنوك، صرافات، نقاط بيع)، فالفشل اللوجستي يخلق فوضى نقدية، ونقصًا في الفئات (الصغيرة، الكبيرة)، ما يؤدي إلى شل المعاملات اليومية، وفق حزوري.

وأشار إلى أن تمويل الطباعة عبر الاقتراض (داخلي، خارجي) قد يرفع الدين العام، وإذ كان عبر طبع نقدي مباشر، فإن التضخم يتفاقم.

وستسهم السياسات المتضاربة وتقييد قدرة المواطن على التحويل الرسمي، باتساع سوق الصرافة السوداء، ويزداد فرق السعر بين الرسمي والفعلي، وفق حزوري.

التكلفة المالية لطباعة العملة

بالانتقال إلى التكلفة التقديرية المباشرة لطباعة الأوراق النقدية الجديدة، بيّن حزوري أنه لا توجد أرقام رسمية منشورة حتى الآن عن عدد الأوراق التي ستطبعها سوريا، وتقديريًا تختلف تكلفة طباعة الورقة الواحدة بين بلد وآخر، ويرجع ذلك لتقنية الورق والتدابير الأمنية التي سيتم اتخاذها.

وتقول تقديرات إن تكلفة الاستبدال قد تتراوح بين خمسة و125 مليون دولار أمريكي، اعتمادًا على التكنولوجيا المستخدمة، وعدد الأوراق المطلوبة وفئاتها، وهذا النطاق واسع لأن المتغير الأكبر هو:

أولًا: عدد الأوراق التي تحتاج إليها الحكومة.

ثانيًا: نوعية الورق وإذا ما كان متطورًا (بوليمر) أم تقليديًا.

إضافة إلى أن تكلفة الطباعة لا تشمل نقل وتوزيع الأوراق داخل سوريا (لوجستيات وأمن)، وتعديل أجهزة الصرف الآلي، ونقاط البيع (POS)، وأنظمة المحاسبة، وتكلفة سحب الأوراق القديمة وإتلافها، وتكلفة حملات توعية الجمهور وتكلفة تحديث البرامج المحاسبية.

وعند جمع هذه العناصر، قد يزيد المجموع الإجمالي للتكاليف بين 10 و50%، وفق ما قاله الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة “حلب”.

تمويل طباعة العملة الجديدة

التكلفة المباشرة لتمويل عملية طباعة عملة جديدة في سوريا، بحسب الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة “حلب” الدكتور حسن حزوري، سيكون إما من الاحتياطات الأجنبية لمصرف سوريا المركزي، إذا كانت خزائن الدولة تسمح بذلك، وهو خيار أقل ضررًا بالسياسة النقدية، لكنه يتطلب وجود احتياطيات كافية، أو عبر طلب المصرف المركزي قروضًا لبناء السلسلة الجديدة، ولكن الاقتراض بالعملة الأجنبية يحمل مخاطرة سعر الصرف إذا لم تحل اختلالات الاقتضاء، لكنه خيار شائع لتجنب طبع نقدي مباشر.

ومن الممكن أن يتم الدفع مقابل الطباعة عن طريق طباعة نقود جديدة أي تمويل يعادله طبع عملة جديدة، مما سيزيد من العرض النقدي، وقد يقود إلى تضخم إضافي ما لم تمتص هذا السيولة بواسطة أدوات نقدية (سحب ودائع، شهادات إيداع، أو بيع سندات)، وتاريخيًا في حالات مشابهة لسوريا، كانت طباعة النقود لتمويل العجز سببًا في ضغوط تضخمية، وفق حزوري.

ويجب على الحكومة تمويل الطباعة عبر مصادر بالعملات الأجنبية أو اقتراض مهيكل بدلًا من طباعة نقود جديدة لتغطية التكلفة، لكن في حال استمرت ضغوط الخزينة ونقص الاحتياطيات، فإن احتمال تمويل جزئي بطباعة نقود قائم، ويحمل ذلك مخاطر تضخمية كبيرة.

تحديد سعر صرف الدولار

الحكومة السورية اعتمدت على سياسة السوق الحرة، بحسب ما قاله الأستاذ الجامعي في كلية الاقتصاد بجامعة “دمشق” والخبير الاقتصادي الدكتور مجدي الجاموس، لعنب بلدي، لهذا السبب ستترك هامش تحديد سعر الصرف مقابل العملة الجديدة بحسب العرض والطلب، ولكن بسبب ضعف البنية التحتية وقلة الاستثمارات وضعف القطاع الصناعي والإنتاجي، سيتطلب ذلك تدخلًا من المصرف المركزي لكبح التضخم المتوقع.

كما يتطلب إصدار العملة الجديدة التي ستكون على ثلاث مراحل من المصرف المركزي، أن يهيئ نفسه بأدوات تدخلية بشكل مناسب في حال ارتفعت معدلات التضخم، لأن عدم تدخله سينعكس بشكل سلبي على أسعار السلع وسيزيد من التضخم بمعدلات مرتفعة، وبالتالي من الممكن أن يسوء الوضع الاقتصادي.

ونوه الجاموس إلى أن ارتفاع معدلات التضخم يؤثر سلبًا على ذوي الدخل المحدود والمتوسط، فيجب أن يكون إدخال العملة الجديدة مترافقًا مع إخراج ما يوازيها من العملة القديمة مباشرة، منعًا لزيادة حجم السيولة في السوق من العملة السورية بسبب وجود كميات كبيرة منها.متطلبات تسبق إصدار العملة

توقيت استبدال العملة السورية مهم جدًا، فكان يجب أن يكون هناك تعافٍ في الاقتصاد الوطني بجميع القطاعات (الصناعية، الزراعية، السياحية، الإنتاجية)، إضافة إلى بيئة استثمارية تجذب الاستثمارات، ومن ثم العملة الجديدة، وفق الأستاذ الجامعي في كلية الاقتصاد بجامعة “دمشق” والخبير الاقتصادي الدكتور مجدي الجاموس.

وتابع أنه يجب على الهيئة المركزية للرقابة المالية والهيئة العامة للرقابة والتفتيش أن تأخذ دورها بشكل كبير، وأن يتم إعلان القوائم المالية بكل شفافية ووضوح، لأنها تعد خطوات أساسية لإطلاق العملة الجديدة.

ست فئات للعملة الجديدة

قال حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، إن العملة السورية الجديدة ستصدر بست فئات، وستكون خالية من الصور والرموز، لتكون أكثر وضوحًا وسهولة في التحقق منها، ومنسجمة مع الاتجاه العالمي نحو التصميم النظيف والمجرد.

وأكد في حوار مع وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، في 8 من تشرين الأول الحالي، أن العملة الجديدة ستصدر بفئات مختلفة لتلبية احتياجات التداول اليومية بكفاءة أكبر، وتتراوح هذه الفئات بين الصغيرة والمتوسطة والكبيرة لضمان سهولة التعامل النقدي في الأسواق.

ولفت إلى أن البنك المركزي سيعلن عن تفاصيل كل فئة من حيث القيمة والحجم والتصميم في الوقت المناسب، بعد استكمال الإجراءات الفنية والأمنية الخاصة بالطباعة والإصدار.

وحدد حاكم مصرف سوريا المركزي إيجابيات إطلاق العملة الجديدة، وهي:

    تعزيز الثقة بالعملة الوطنية وإعطاؤها مظهرًا حديثًا ومتطورًا.

    تحسين كفاءة التداول النقدي وتقليل تكاليف الطباعة المستقبلية.

    دعم النشاط الاقتصادي عبر تسهيل المعاملات التجارية والنقدية.

    تحسين استقرار سعر صرف الليرة السورية على المدى المتوسط، من خلال رفع الثقة بالسياسة النقدية، والحد من التداول بالأوراق التالفة أو المزورة.

ويعتبر الإصدار إجراء فنيًا ضمن السياسة النقدية، ولا يهدف إلى تغيير الكتلة النقدية أو خلق تضخم جديد، وفق مصرف سوريا المركزي.

والهدف هو حماية القوة الشرائية لليرة وتمكين القطاع المالي من دعم النمو والاستقرار.

عنب بلدي

—————————————-

هل تنقل المصارف الاستثمارية سوريا من الإغاثة إلى البناء/ وسيم العدوي

بعد تجميد قانون إحداثها 15 عامًا

بعد أكثر من 15 عاما على صدور قانون إحداث المصارف الاستثمارية، أعلن مصرف سوريا المركزي إعداد مشروع التعليمات التنفيذية للقانون رقم “56” الصادر عام 2010، التي تسمح بإحداث مصارف استثمارية برأسمال 20 مليار ليرة سورية على الأقل، بهدف تمويل المشاريع الاستثمارية لجهات القطاع العام الاقتصادي والخاص.

المصرف المركزي قام بإعداد مشروع التعليمات التنفيذية، علمًا أنه ليس مخولًا بفعل ذلك بموجب نص القانون ذاته، الذي يبيّن في إحدى مواده أنها “تصدر بقرار من رئيس مجلس الوزراء بناء على اقتراح مجلس النقد والتسليف”.

السماح بتحويل القطع الأجنبي إلى الخارج

تقر المادة “25” من نظام مصارف الاستثمار السورية، بحق مصرف الاستثمار في إجراء تحويلات خارجية من حساباته بالقطع الأجنبي الناتجة عن عملياته المصرفية المشروعة، استنادًا إلى ميزانيته المصدّقة أصولًا.

ويأتي هذا النص ليؤكد استقلالية المصرف في إدارة موارده الأجنبية ضمن إطار رقابي رسمي، مع الحفاظ على التوازن بين الانفتاح المالي وضبط حركة القطع الأجنبي.

وتشمل بنود التحويلات المسموح بها ما يلي:

    الأرباح والفوائد السنوية للمساهمين العرب والأجانب والسوريين المقيمين إقامة دائمة خارج القطر، بشرط أن تكون مساهماتهم بالقطع الأجنبي.

ومن شأن هذا البند تعزيز ثقة المستثمرين الخارجيين بالمناخ المصرفي السوري عبر ضمان حرية تحويل العوائد المحققة، مما يدعم تدفق رؤوس الأموال الأجنبية إلى سوريا، وفقًا لما قاله الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم قوشجي، في حديث إلى عنب بلدي.

    المكافآت والتعويضات لأعضاء مجلس الإدارة غير المقيمين، والسوريين المقيمين إقامة دائمة في الخارج.

    تحويل جزء من أجور وخدمات الخبراء والفنيين الأجانب بنسبة 50% من صافي الأجور والمكافآت، و100% من تعويضات نهاية الخدمة.

وهذا الأمر، بحسب قوشجي، يشجع على استقطاب الكفاءات المصرفية الدولية ويسمح بهيكل إداري متنوع يواكب المعايير المصرفية العالمية، ويعكس توجّهًا موازنًا بين تشجيع توظيف الخبرات الأجنبية والمحافظة على استقرار سوق القطع الداخلي.

     سداد الالتزامات الخارجية المستحقة على المصرف بالقطع الأجنبي.

وأشار قوشجي إلى أن هذا البند يضمن التزام المصرف بتعهداته الدولية، مما يعزز تصنيفه الائتماني ومصداقيته مع المصارف المراسلة والمؤسسات المالية الخارجية، مبينًا أن هذه المادة تعكس توجه السياسة النقدية السورية نحو إدارة مرنة للقطع الأجنبي مع ضوابط محاسبية دقيقة، بما يتيح لمصارف الاستثمار العمل بفعالية في البيئة المالية الإقليمية.

أنشطة وصلاحيات واسعة

تحدد المادة “26” من القانون المذكور، النشاطات المسموح بها والضريبة لمصرف الاستثمار السوري، حيث يخضع لضريبة دخل بمعدل 25% على الأرباح الصافية لجميع نشاطاته، بما في ذلك أنشطة التنمية المستدامة.

ويوفّر هذا الإطار الضريبي، بحسب قوشجي، توازنًا بين متطلبات الخزينة العامة وتشجيع نمو المصارف الاستثمارية الناشئة، مع الحفاظ على جاذبية البيئة الاستثمارية المالية في سوريا.

ومن الأنشطة المصرح بها للمصارف الاستثمارية حسب المادة ذاتها:

    الخدمات الاستشارية والمالية: تقديم استشارات مالية وإدارية وقانونية واقتصادية للقطاعين العام والخاص.

    المساهمة في عمليات الدمج والاستحواذ، وإعادة هيكلة الشركات.

    تطوير الخدمات المصرفية.

    تمويل المشاريع الاستثمارية بأنواعها، بما فيها مشاريع “BOT”.

    المساهمة في تأسيس الشركات وصناديق الاستثمار (حتى 15% من رأس المال).

    إصدار شهادات الإيداع والكفالات طويلة الأجل.

    السماح بأعمال التسنيد والتوريق بموافقة مجلس النقد.

    الاستثمار في الأوراق المالية وفق ضوابط المركزي.

    تقديم خدمات الوساطة المالية عبر شركات تابعة مرخصة.

    تأجير الخزائن الحديدية.

    فتح حسابات لصناديق التقاعد والنقابات.

    الاحتفاظ بودائع لدى المصارف الأخرى.

ويرى الخبير الاقتصادي أن هذه الصلاحيات الواسعة الممنوحة للمصارف الاستثمارية تدل على الدور التمويلي طويل الأجل للمصرف، وتشير إلى توجهه نحو دعم المشاريع التنموية والبنية التحتية مع إمكانية تنويع أدوات التمويل، وتمثل خطوة نحو تطوير السوق المالية السورية وتعزيز أدوات التمويل غير التقليدية، مما يرفع كفاءة تخصيص الموارد في الاقتصاد الوطني.

وتضع الأنشطة المتاحة، المشار إليها، المصرف في موقع شريك استراتيجي للتطوير المؤسسي، وليس مجرد ممول تقليدي، ما يعزز دوره كمحفّز للنمو الاقتصادي، أضاف قوشجي، وتمثل هذه الخدمات قاعدة تشغيلية داعمة تسهم في تنويع مصادر الدخل وتحسين السيولة التشغيلية.

ويرى الخبير المصرفي أن قانون تأسيس المصارف الاستثمارية يسهم في:

    خلق مناخ استثماري منفتح تدريجيًا ضمن ضوابط محددة.

    تعزيز دور مصارف الاستثمار كأداة تمويل تنموي لا كمؤسسات تجارية بحتة.

    ضمان انضباط التحويلات الخارجية دون الإضرار باستقرار سوق الصرف.

من مرحلة الإغاثة إلى البناء

اعتبر الدكتور قوشجي أن إصدار التعليمات التنفيذية للقانون “56” لعام 2010، الآن، ليس ترفًا تشريعيًا بل ضرورة وطنية ملحّة، مؤكدًا أن سوريا أمام مرحلة انتقال من الإغاثة إلى البناء، وهذه المرحلة تتطلب آليات تمويل متخصصة وطويلة الأجل، لا توفرها المصارف التجارية التقليدية، (الخاصة والعامة).

ويرى أن المصارف الاستثمارية يمكن أن تسهم في إعادة إعمار سوريا من خلال:

    تمويل البنية التحتية الكبرى عبر قروض طويلة الأجل وصيغ تمويل مبتكرة مثل الشراكات بين القطاعين العام والخاص والصكوك التنموية.

    إدارة مشاريع إعادة الإعمار بتقييمات جدوى دقيقة، وهيكلة مالية متوازنة، وإشراف تنفيذ مهني يضمن الكفاءة والشفافية.

    إعادة هيكلة الشركات والمؤسسات العامة المتعثرة عبر صيغ تمويلية واستثمارية تدعم الاستدامة المالية وتشجع الخصخصة الجزئية المنظمة حيث يلزم.

    تمويل سلاسل القيمة للقطاعات الإنتاجية، خصوصًا الإسكان والطاقة والنقل والزراعة، ما يعيد التشغيل ويخلق فرص عمل دائمة.

    إطلاق أدوات سوق مالية محلية (سندات، صكوك، صناديق استثمار) لامتصاص المدخرات المحلية واستقطاب رأس المال الخارجي الشرعي والمقنن.

التحديات أمام تأسيس المصارف

أبرز التحديات في تأسيس مصارف استثمارية في سوريا حاليًا، وفق قوشجي:

    غياب بيئة رقابية متينة وواضحة لتطبيق المعايير الدولية للحوكمة وإدارة المخاطر.

    غياب سوق مالية هادئة، ونقص البنية التحتية للسوق الذي يجعل تداول الأدوات ورؤية السيولة محدودتين.

    شح الكوادر المتخصصة في التقييم الاستثماري، وإدارة مشاريع البنية التحتية، وأسواق رأس المال.

    ضعف الثقة بسبب التجارب السابقة والبيئة السياسية والاقتصادية غير المستقرة.

    قيود على تحويل الأموال وإشكاليات مصرفية دولية ترفع تكلفة التمويل الأجنبي وتعقّد مشاركة المستثمرين الأجانب.

مخاطر المساهمات الأجنبية في رأس المال

حول تأثير السماح بمساهمة الأجانب بنسبة تصل إلى 49% على السيادة المالية لسوريا على المصرف الاستثماري، قال قوشجي، إن السماح بهذه النسبة يمثل توازنًا عمليًا بين جذب رأس المال والخبرة الأجنبية وبين الحفاظ على السيطرة الوطنية.

واعتبر أن 49% تعطي عنصر جذب قوي للمستثمرين دون سيطرة كاملة على القرار، ولكن حماية السيادة المالية لا تقاس بنسبة الملكية وحدها، بل بـ:

    الضوابط المؤسسية والالتزامات الرقابية.

    قواعد الملكية الأجنبية في قطاعات استراتيجية.

    سياسات التعامل مع المخاطر النظامية.

    ضمان قدرة الدولة على اتخاذ قرارات اقتصادية مستقلة.

وأكد أن النسبة مقبولة، إذا رافقها إطار تنظيمي صارم يقيّد النفوذ الأجنبي على السياسات والسيادة النقدية.

الحكومات السابقة لم تكن مهتمة بالتنمية

أكد الخبير الاقتصادي قوشجي، أنه إذا نُفذت العناصر السابقة بجدية، فإن المصارف الاستثمارية لن تكون مجرد بنوك جديدة، بل محركات إعادة الإعمار وبناء الثقة الاقتصادية الوطنية، لأن عقود المصارف الاستثمارية طويلة الأجل، وحجم التمويل كبير، وسوريا اليوم بحاجة لهذا التمويل.

وحول رأيه بأسباب تأخر إصدار التعليمات التنفيذية للمصارف الاستثمارية، قال قوشجي، إن كل الجهاز المصرفي التجاري والإسلامي والتخصصي، كان دوره (سابقًا) ثانويًا ومجمدًا، ولم تكن الحكومات السابقة تهمها عملية تنمية حقيقية للاقتصاد السوري، متسائلًا، “كم من قوانين أنجزت وتم تجاوزها أو إفشالها، وكم من المؤسسات انحرفت عن أداء واجبها الحقيقي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية”.

عنب بلدي

—————————-

 إعادة بناء التعليم العالي في سوريا.. الضرورة والدور/ عبد الناصر الجاسم

2025.10.13

بعد أكثر من عقد من الحرب والمواجهات تقف سوريا اليوم أمام تحدٍ وجودي يتمثل في إعادة بناء ما تهدم، ليس فقط من بنى تحتية ومؤسسات، بل من روابط وقيم وأحلام وآمال.

وفي قلب هذا التحدي، يبرز التعليم العالي كأحد أهم ركائز إعادة الإعمار، ليس بوصفه قطاعاً خدمياً فحسب، بل باعتباره أداة استراتيجية لإعادة تشكيل المجتمع السوري وبناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً وديمومة، والسؤال الذي يمكن طرحه: الفرصة الآن سانحة لإعادة بناء هذا القطاع الحيوي والذي يعد أساساً لتحقيق الاستقرار والتنمية في البلاد، هل هذه القضية خياراً للتفكير والدراسة  أم ضرورة لا مجال لتجاهلها؟

“أزمة التعليم العالي في سوريا”

تعرضت الجامعات السورية خلال سنوات الحرب والصراع إلى دمار واسع، طال المباني والمختبرات والمكتبات والسكن الطلابي، وأدى إلى تهجير آلاف الطلاب والأساتذة، وانقطاع العملية التعليمية في العديد من المناطق، ولم يستثن النظام المهزوم قطاع التعليم العالي من وحشيته وسطوته، فقد أدخل العسكرة والسلاح والاعتقالات إلى الحرم الجامعي وجند اتحاد الطلبة والتنظيمات الحزبية لتكون من أدواته في تدمير هذا القطاع الحيوي والهام.

ومارست هذا الدور كثير من سلطات قوى الأمر الواقع على امتداد الساحة السورية آنذاك، وتجاوزت الأزمة الحقيقية الجانب المادي، إذ امتدت إلى تدهور جودة التعليم العالي، وتراجع مستوى البحث العلمي، وتسيس المناهج  وانفصالها عن واقع المجتمع واحتياجاته المتغيرة.

كذلك، فإنّ فقدان الاعتراف الدولي ببعض الشهادات السورية يشكل عائقاً كبيراً أمام الطلاب الذين يسعون لمواصلة تعليمهم أو الانخراط في سوق العمل العالمي، ما يفاقم عزلة الأكاديميين السوريين ويحد من فرصهم في تطور مهاراتهم وقدراتهم، وكذلك يحد من المساهمة في إعادة بناء وطنهم.

التعليم العالي كرافعة لإعادة الإعمار

في ظل هذه التحديات التي تواجه سوريا بعد التحرير، يصبح الاستثمار في التعليم العالي ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل، فإعادة بناء سوريا لا يمكن أن تتم من دون كوادر مؤهلة في مجالات حيوية مثل الهندسة، الطب، التكنولوجيا، والعلوم البيئية، وهي تخصصات ترتبط مباشرة بإعادة بناء البنية التحتية وتحسين الخدمات الأساسية.

لكن الأهم من ذلك هو إدراك أن إعادة الإعمار ليست عملية تقنية فقط، بل هي أيضاً عملية اجتماعية وثقافية وسياسية، وهنا تبرز أهمية العلوم الإنسانية والاجتماعية، التي يمكن أن تسهم في ترميم النسيج المجتمعي، وتعزيز قيم الحوار والتسامح، وفهم تعقيدات الهوية السورية المتنوعة ويمكن للجامعات أن تكون فضاءً للتعددية والانفتاح، لا مجرد مصانع للشهادات وإفراز خريجين لرفد سوق العمل.

وفي تجارب سابقة عديدة لعبت الجامعات ومؤسسات التعليم العالي دوراً مهماً في إعادة بناء رأس المال الاجتماعي من خلال المشاركة والتفاعل والاتجاهات والقيم المشتركة.

دور الحكومة من الترميم إلى التحول

تقع على عاتق الحكومة السورية مسؤولية كبيرة في إعادة بناء منظومة التعليم العالي، ليس فقط من خلال إعادة تأهيل المباني وتوفير التجهيزات، بل عبر تبني رؤية استراتيجية شاملة تضع التعليم العالي في قلب مشروع وطني للتنمية المتوازنة والمستدامة.

وهذا يتطلب إصلاحاً جذرياً في السياسات التعليمية، يشمل تحديث المناهج لتواكب التطورات العلمية والتكنولوجية، وتطوير آليات تقييم جودة الخدمات التعليمية، وتعزيز استقلالية الجامعات، وتوفير بيئة محفزة للبحث العلمي والابتكار، كما يجب أن تكون هناك سياسات واضحة لدعم الأساتذة والطلاب، وتوفير فرص التدريب والتطوير المهني، والحد من هجرة العقول والعمل على استقطاب الكفاءات المهاجرة.

المجتمع الدولي شريك لا غنى عنه

لا يمكن لسوريا أن تنهض بمنظومة التعليم العالي بمفردها، فالدعم الدولي ضروري، سواء من خلال تقديم المساعدات المالية والفنية والمشورات والدعم العلمي، أو عبر برامج التبادل الأكاديمي والطلابي التي تتيح للطلاب والأساتذة السوريين الانفتاح على تجارب تعليمية دولية متنوعة تثري معارفهم وتصقل مهاراتهم.

كذلك، التعاون مع الجامعات والمؤسسات التعليمية العالمية يمكن أن يسهم في تحسين جودة التعليم، وتعزيز فرص الاعتراف الدولي بالشهادات السورية، وفتح آفاق جديدة للبحث العلمي المشترك، كما يجب علينا إدراك أن التعليم هو جسر للتواصل بين الشعوب، ويمكن أن يكون أداة فعالة لبناء السلام وتعزيز الاستقرار.

    يجب أن تكون الجامعات السورية فضاءات للابتكار والتعددية، حيث يلتقي الطلاب من مختلف الخلفيات ليتعلموا معاً، ويتبادلوا الأفكار، ويعملوا من أجل مستقبل مشترك..

إعادة بناء التعليم العالي في سوريا ليست مجرد عملية ترميم لما تهدم، بل هي فرصة لإعادة التفكير في دور الجامعة في المجتمع، وإعادة تشكيل العلاقة بين المعرفة والتنمية، وبين التعليم والمواطنة.

يجب أن تكون الجامعات السورية فضاءات للابتكار والتعددية، حيث يلتقي الطلاب من مختلف الخلفيات ليتعلموا معاً، ويتبادلوا الأفكار، ويعملوا من أجل مستقبل مشترك، وإن تعزيز قيم التسامح والتعاون داخل الحرم الجامعي يمكن أن يسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكًا واستقرارًا، ويمنح الأجيال القادمة الأدوات اللازمة لتحقيق أحلامها.

أخيراً يمكننا القول إن التعليم العالي هو المفتاح الذي يمكن أن يفتح أبواب الغد لأجيال سوريا وإذا كانت الحرب قد دمرت الكثير، فإن إعادة بناء التعليم يمكن أن تعيد الأمل، وتؤسس لنهضة حقيقية تنطلق من العقل والمعرفة، ويجب أن نعمل جميعاً، أفراداً ومؤسسات، محليين ودوليين، على دعم هذا القطاع الحيوي، لأنه لا مستقبل لسوريا من دون تعليم، ولا تنمية من دون جامعة، ولا سلام من دون معرفة.

————————————–

الزيادة المرتقبة في رواتب المعلمين تواجه عقبة الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة/ أحمد العكلة

13 أكتوبر 2025

في ظل التحديات الاقتصادية المتسارعة التي تواجه البلاد بعد سنوات من الصراع والتضخم الجامح، يأتي إعلان وزير المالية، محمد يسر برنية، عن زيادات مرتقبة في رواتب المعلمين والعاملين في قطاع التعليم خلال الأسابيع القليلة المقبلة، مع زيادة عامة للموظفين في العام المالي 2026، بهدف تحسين الأوضاع المعيشية.

جاء ذلك خلال كلمته في جامع الإيمان بدمشق، حيث أكد أن التركيز على المعلمين يأتي استجابة لمطالبهم المشروعة ضمن إصلاح سلم الرواتب. وأجريت مشاورات يوم الإثنين بين وزارتي المالية والتربية، بحضور وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو، لمراجعة أجور القطاع التعليمي، الذي يضم أكبر عدد من العاملين في سوريا.

يُذكر أن المرسوم رقم (102) الصادر في حزيران/يونيو 2025 رفع رواتب العاملين المدنيين والعسكريين بنسبة 200%، لكن هذه الزيادة لم تشمل تحسينات نوعية للمعلمين، كما شهدت رواتب القضاة زيادة كبيرة في آب/أغسطس 2025 بموجب المرسوم رقم (140)، لتصل إلى 1200 دولار شهريًا للقضاة الكبار، ما أبرز تفاوتًا بين القطاعات.

تحسن ملحوظ في رواتب المعلمين

في حديثه لموقع “الترا سوريا”، أكد المستشار الأول في وزارة الاقتصاد والصناعة، الدكتور أسامة قاضي، أهمية الارتقاء بقطاع التعليم من خلال تحسين أوضاع المعلمين وتطوير البنية التحتية التعليمية، معتبرًا أن الاستثمار في التعليم أساس بناء مجتمع سليم ومستقر. وأضاف: “الزيادة الأخيرة في رواتب المعلمين التي بلغت 200% من رواتبهم الأصلية، تمثل تحسنًا ملحوظًا، لكنها لا تزال غير كافية”.

وأضاف أن هناك خططًا لزيادات إضافية في المستقبل، تهدف إلى تحفيز المعلمين على تطوير مهاراتهم وتقديم تعليم نوعي، مشيرًا إلى مقترحات لتقريب رواتب المعلمين من مستوى رواتب القضاة، مع تقليص عدد الطلاب في الصفوف لتحسين جودة التعليم.

وأوضح قاضي أن سوريا تواجه تحديات كبيرة في ترميم المدارس المدمرة واستيعاب الطلاب في سن التعليم، إلى جانب معالجة التسرب المدرسي. ودعا إلى الإسراع في بناء مدارس نوعية في المناطق الريفية، مع توظيف المزيد من المعلمين برواتب أفضل لتوفير بيئة تعليمية مناسبة، مؤكدًا أن “الاستثمار في التعليم يعزز السلم الأهلي ويسهم في تحقيق الأمن والاستقرار في المجتمع”.

واقترح المستشار الأول للاقتصاد والصناعة تقديم حوافز مالية للأسر الفقيرة خلال السنوات الخمس الأولى لكل طالب، بهدف تشجيعهم على إبقاء أبنائهم في المدارس بدلًا من دفعهم للعمل تحت السن القانوني، مضيفًا: “هذه الخطوة ستساعد في الحد من عمالة الأطفال، التي تنتشر بسبب حاجة الأسر إلى دخل إضافي، ويجب أن تترافق مع محاسبة الأسر التي تدفع أبناءها إلى العمل بدلًا من التعليم”.

وأكد قاضي ضرورة اعتماد برنامج متكامل لتطوير العملية التعليمية، يشمل توسيع المدارس، تقليص عدد الطلاب في الصفوف، إدخال الرقمنة والتعليم الافتراضي، واستخدام وسائل تعليمية حديثة.

كما دعا إلى إعادة النظر في المناهج للتركيز على الفهم والتحليل بدلًا من الحفظ، مع توفير تدريب مستمر للمعلمين لرفع كفاءتهم وخلق بيئة تعليمية مواكبة للعصر. وختم حديثه قائلًا: “هذه الإجراءات لن تحسن جودة التعليم فحسب، بل ستخلق فرص عمل جديدة للمعلمين وتضمن بقاءهم في مناطقهم، ما يعزز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ويمثل استثمارًا طويل الأمد في مستقبل سوريا وأجيالها القادمة”.

تأثير الزيادة على المعلمين والقطاع التعليمي

يأتي التحسين المرتقب للرواتب في وقت تبلغ فيه رواتب المعلمين الحالية ما بين 80 و120 دولارًا شهريًا، ما يعادل ما بين 1.2-و1.8 مليون ليرة وفق سعر الصرف الحالي، بينما تتراوح تكاليف المعيشة لأسرة متوسطة من خمسة بين 700 و1000 دولار، وفق مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة في أيلول/سبتمبر 2025، حيث بلغ الحد الأدنى 8.5 مليون ليرة، نحو 570 دولارًا، والمتوسط 13.6 مليون ليرة، نحو 910 دولار، مع ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 17% في الأشهر الثلاثة الأخيرة. يخصص الغذاء وحده 4.2 مليون ليرة شهريًا، ما يعني أن الرواتب الحالية تغطي أقل من 20% من الاحتياجات الأساسية. إذا تحققت زيادة بنسبة 100 و200%، قد تصل الرواتب إلى 200 و300 دولار، ما يغطي 25 و35% من التكاليف، وهو تحسن لا يزال محدودًا أمام التضخم البالغ 40% سنويًا.

وستساهم هذه الزيادة في تقليص الفجوة مع رواتب القضاة التي تتراوح بين 550 و1200 دولار، حيث تسعى الحكومة إلى اعتماد سلم رواتب يعكس القيمة السوقية، وفق تصريحات برنية. لكن الفجوة الحالية التي تصل إلى 70% بين القطاعين، تظل تحديًا يؤثر على الروح المعنوية للمعلمين، خاصة بعد تخصيص 15% من الموازنة العامة للقضاء مقابل 8% للتعليم.

في سياق متصل، عبّر معلمون من مناطق مختلفة عن آمالهم وتحدياتهم فيما يخص زيادة الرواتب. يقول أحمد الخالد، وهو أستاذ رياضيات في دمشق لديه 15 عامًا من الخبرة، لـ”الترا سوريا”: “راتبي الحالي 100 دولار، وإيجار منزلي 300 دولار شهريًا”.

وأضاف: “الزيادة المرتقبة تتراوح بين 200 و250 دولارًا ستساعد في تغطية جزء من النفقات، لكنني سأضطر للاستمرار في الدروس الخصوصية، التي تشكل 40% من دخلي، لتلبية احتياجات أسرتي”، مشيرًا إلى أن “التفاوت مع رواتب القضاة يجعلنا نشعر بالإحباط، لكن الزيادة قد تحسن الوضع إذا ترافقت مع دعم في السكن أو النقل”.

من جانبها، أوضحت سارة أحمد، وهي معلمة لغة عربية في حلب، لـ”الترا سوريا” أن “تكاليف أسرتي تصل إلى 800 دولار شهريًا، والغذاء يستهلك نصف راتبي الحالي. وإذا وصل الراتب إلى 250 دولارًا، قد أقلل من الدروس الخصوصية بنسبة 30%، مما يتيح لي وقتًا أكبر للتدريس في المدرسة”. وتابعت حديثها: “لكن التضخم يرفع الأسعار أسبوعيًا، ما يقلل من تأثير الزيادة”.

أما محمد اليوسف، وهو مدير مدرسة في إدلب، فيرى في حديثه لـ”الترا سوريا” أن: “الزيادة ستشجع بعض المعلمين على البقاء”، لكنه أشار إلى أنه من “دون ترميم المدارس وتقليص عدد الطلاب في الصفوف، لن نحقق جودة تعليمية”. وأضاف: “خسرنا 20% من معلمينا بسبب الهجرة إلى تركيا، والزيادة قد تقلل هذا العدد إذا تضمنت حوافز مثل التدريب والترقيات”.

بين تحديات التضخم والخطوات المستقبلية

تعتمد نسبة كبيرة من المعلمين، نحو 40%، على الدروس الخصوصية والأعمال الإضافية، التي تشكل بين 30 و50% من دخلهم، لتغطية الاحتياجات الأساسية، وفق دراسة لوزارة التربية عام 2024. هذا الاعتماد يؤدي إلى إرهاق وانخفاض جودة التدريس بنسبة 25% في الفصول. وقد يقلل الرفع المرتقب للأجور هذا الاعتماد بنسبة 20% إذا وصلت الرواتب إلى 250 دولارًا، لكن التضخم المتسارع الذي رفع أسعار الخبز 15% شهريًا، يهدد بتقليص هذا التأثير. كما تواجه سوريا تحدي هجرة الكفاءات. ووفق تقرير لمنظمة “يونيسف”، خسر القطاع التعليمي 15 ألف معلم منذ عام 2023، معظمهم إلى تركيا ولبنان. لكن هذه الزيادة في الرواتب قد تبطئ الهجرة بنسبة 10 و15% إذا ترافقت مع حوافز مثل السكن المجاني أو التدريب، إلا أن التضخم يظل العائق الأكبر أمام استقرار القطاع، الذي يضم 250 ألف معلم و6 ملايين طالب.

تتطلب الإصلاحات برنامجًا متكاملًا، كما أشار قاضي، يشمل تحديث المناهج، تقليص عدد الطلاب في الصفوف، وإدخال الرقمنة. كما يتطلب القطاع استثمارات في البنية التحتية، خاصة في المناطق الريفية، لضمان بيئة تعليمية مناسبة. كما تعد الزيادة المرتقبة خطوة إيجابية، لكن نجاحها يعتمد على مواجهة التضخم وتحقيق عدالة قطاعية، لتعزيز جودة التعليم واستقرار المعلمين، ما سينعكس باستثمار طويل الأمد على مستقبل سوريا.

————————————

القطاع العقاري يتحول إلى ملاذٍ للمضاربة بدلاً من كونه قطاعاً لإشباع الحاجة السكنية/مازن الشاهين

كيف يبدو القطاع العقاري في سوريا بعد الحرب؟

2025-10-13

يشهد السوق العقاري في سوريا منذ سنوات ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار الشقق وإيجارات المنازل والمحال التجارية، ما جعل السكن حلماً بعيد المنال لغالبية الأسر. فقد تحوّل العقار من حاجة أساسية إلى عبء يومي يرهق المواطنين، بينما تبقى المشاريع الحكومية عاجزة عن تلبية الطلب أو خفض الأسعار. ويبدو أن حل الأزمة العقارية مرتبط بمعالجة الأزمة الاقتصادية الأوسع، واستعادة الإنتاج وإعادة إعمار البنية التحتية، إذ سيظل السكن الآمن رفاهية مؤجلة حتى يتحقق استقرار اقتصادي شامل.

جذور الأزمة واحتكار السوق

يقول الخبير العقاري محمد الظفيري في حديثه إلى “963+” إن أهم أسباب أزمة العقارات هي قلة العرض وكثرة الطلب. فقد أدت ظروف الحرب والنزوح والدمار إلى نقصٍ كبير في المعروض من الشقق، مقابل زيادة أعداد الباحثين عن مساكن. ويوضح الظفيري أن الدمار الهائل الذي لحق بقطاع الإسكان خلال سنوات الحرب تسبب بنقصٍ حاد في عدد الوحدات القابلة للسكن، في حين ارتفع عدد السكان في المناطق الآمنة نسبياً. كما أدى تدمير العديد من الأسواق التجارية إلى رفع قيمة وأجرة المحال القليلة الباقية والسليمة.

ويضيف أن تراجع الاستثمارات في البناء نتيجة ارتفاع كلفة مواد البناء وصعوبة الحصول على التمويل وتعقيدات تراخيص البناء ساهم بدوره في تفاقم الأزمة. كما أن تدهور قيمة العملة المحلية جعل العقار وسيلةً ادخارية للحفاظ على الأموال، ما رفع الطلب عليه ورفع الأسعار أكثر. ويرى الظفيري أن غياب الرقابة واحتكار السوق من قبل بعض الأشخاص أو الشركات الكبيرة فاقم المشكلة، إذ يقوم هؤلاء بشراء العقارات واحتكارها، مما يقلل العرض المتاح ويرفع الأسعار.

ويتابع قائلاً: “من أسباب الأزمة أيضاً اقتصار عمليات البيع والإيجار على العملة الصعبة، حيث يسعّر الكثيرون العقارات بالدولار أو بما يعادله، مما يزيد العبء على المستأجرين والمشترين. وبذلك تحوّل القطاع العقاري السوري إلى ملاذٍ للمضاربة بدلاً من كونه قطاعاً لإشباع الحاجة السكنية”.

ويبيّن أن متوسط سعر المتر المربع في مناطق دمشق الراقية تجاوز 2000 دولار، بينما يتراوح بين 600 و1000 دولار في الأحياء المتوسطة، أي إن شراء شقة بمساحة 100 متر يحتاج إلى مبلغ يعادل دخل عدة عقود من العمل. أما إيجار الشقة المتوسطة المؤلفة من غرفتين في العاصمة، فلم يعد يقل عن مليونين إلى ثلاثة ملايين ليرة سورية شهرياً، وهو مبلغ يفوق رواتب معظم المواطنين. وفيما يخص المحال التجارية، شهدت إيجاراتها في الشوارع الرئيسية ارتفاعاً تراوح بين 300% و500% خلال السنوات الأخيرة، ما دفع العديد من التجار وأصحاب المحال إلى الإغلاق أو الانتقال إلى مواقع أقل أهمية، وهو ما أثر سلباً على حركة التجارة والاقتصاد المحلي.

آثار اجتماعية واقتصادية عميقة

توضح الباحثة الاجتماعية شيراز الحسيني لـ”963+” أن للأزمة العقارية آثاراً اجتماعية واقتصادية بالغة الخطورة. وتقول: “لقد أدت أزمة العقارات في سوريا إلى تفكك العديد من الأسر، وعودة ظاهرة السكن المشترك للعائلات الكبيرة بسبب عدم قدرة الشباب على تحمّل تكاليف السكن المستقل. كما أدت إلى تأخر سنّ الزواج، إذ أصبح شرط تأمين السكن عائقاً رئيسياً أمام الشباب المقبلين على الزواج”. وتضيف أن ارتفاع الإيجارات أدى إلى “إغلاق عدد كبير من المحال التجارية التي لم تعد قادرة على تحمّل التكاليف، وازدياد عدد الأسر التي تسكن في ظروف غير مناسبة بعد عجزها عن دفع الإيجار، فضلاً عن نزوح بعض العائلات إلى الأرياف أو إلى مناطق أقل سعراً، مما أحدث تغيراً في البنية الديموغرافية للمجتمع”.

ويؤكد سكان أن الأزمة تجاوزت حدود التحمل. يقول سمير، وهو تاجر ملابس لـ”963+”: “أغلقنا فرعين لأن الإيجار أكل كل الأرباح. البقاء أصبح معجزة. يجب وضع ضوابط أو سقوف للإيجارات لحماية المستأجرين، خاصة في المحال التجارية”.

أما فاتن، وهي معلمة وأم لثلاثة أطفال، فتقول: “نحن نعيش مع والدي زوجي في شقة واحدة. نبحث عن سكن منذ سنوات، ولكن الأسعار خارج حدود الخيال”.

ويضيف الدكتور خالد الراشد، طبيب أسنان، في حديث لـ”963+”: “عيادتي دُمّرت في الحي القديم، أما الآن فإيجار العيادة يقارب ثمن شرائها سابقاً. الأسعار لا تصدق”. بينما يرى التاجر سمير النحاس أن “السوق العقاري يعكس تشوّه الاقتصاد الوطني، والحل ليس بتنظيم الإيجارات فقط، بل في إعادة إطلاق عجلة الإنتاج واستقرار سعر الصرف”.

تجارب دولية وحلول مقترحة

أما الخبير الاقتصادي أحمد العلي فيرى أن الحلول ممكنة إذا ما تم الاستفادة من تجارب الدول التي مرت بظروف مشابهة لسوريا، سواء بسبب الحروب أو الكوارث أو النزوح أو التحولات السكانية المفاجئة.

ويوضح العلي أن العديد من الدول تمكنت من تجاوز أزمات السكن عبر تدخل الدولة المباشر لتوفير وحدات سكنية بمواصفات جيدة وأسعار مدعومة أو بطرق دفع ميسّرة، ويقول: “قضية السكن من القضايا الكبرى التي واجهتها دول كثيرة، وقد طورت تلك الدول نماذج وخبرات يمكن الاستفادة منها في الحالة السورية، خصوصاً في مرحلة إعادة الإعمار”.

ويشير العلي لـ”963+” إلى أن بعض الدول، مثل تركيا وماليزيا وعدد من الدول الأوروبية، قدمت قروضاً ميسّرة أو تمويلاً بفوائد منخفضة للفئات المتوسطة ومنخفضة الدخل، لتسهيل امتلاك أو تأجير المساكن. كما أن ألمانيا تقدم إعانات إيجار للأسر غير القادرة على السداد. ويضيف: “الشراكة بين القطاعين العام والخاص أثبتت نجاحها في دول مثل إندونيسيا والمغرب، حيث شجعت الحكومات القطاع الخاص على بناء مساكن منخفضة التكلفة من خلال تقديم حوافز كتسهيلات وإعفاءات ضريبية وأراضٍ رمزية السعر”.

يشير الخبير الاقتصادي إلى أن عدداً من الدول استطاعت تجاوز أزماتها السكنية من خلال تحديث تشريعاتها العقارية وتسهيل تسجيل وتداول العقارات، كما في الأردن وتونس، مما عزّز كفاءة السوق وسرّع عملية التمويل والتطوير. فيما تبنّت دول مثل مصر وتشيلي سياسات للبناء الذاتي بدعم حكومي فني أو مالي، الأمر الذي خفف الضغط عن الدولة ووفّر حلولاً محلية مستدامة. أما المغرب والبرازيل فنجحتا في إعادة تأهيل الأحياء العشوائية عبر تحسين البنى التحتية والخدمات الأساسية بدلاً من الهدم والترحيل، في حين قدّمت تجربة تركيا نموذجاً مهماً في توزيع الأراضي بعدالة لضمان وصول الدعم إلى الفئات المستحقة وتنويع أنماط السكن.

ويرى العلي أن بعض هذه التجارب يمكن تكييفها مع الواقع السوري من خلال تحديث القوانين العقارية، وتقديم قروض ميسّرة للفئات محدودة الدخل، وتشجيع البناء الذاتي بإشراف الدولة، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص لبناء مساكن اقتصادية مدعومة، مع ضبط التوسع العشوائي وتأهيل المناطق القائمة. لكنه يؤكد أن نجاح هذه السياسات يتطلب استقراراً أمنياً واقتصادياً، ومكافحة الفساد، وضمان شفافية توزيع الدعم. ويختتم بالقول إن الحل لا يزال ممكناً إذا ما توفرت إرادة سياسية وتخطيط استراتيجي طويل الأمد يجمع بين الحلول العاجلة والمتوسطة والاستراتيجية، مع ضرورة صياغة نموذج سوري خاص يعالج جذور الأزمة لا مظاهرها فقط.

ويشير مسؤول في وزارة الإسكان – فضّل عدم ذكر اسمه – إلى أن “المشكلة معقدة ومرتبطة بالاقتصاد الكلي، وأن الحلول تحتاج إلى وقت وتعاون بين عدة وزارات، وليست من اختصاص وزارة الإسكان وحدها”.

—————————————

سوريا تنضم إلى منصة “بنى” للمدفوعات عبر الحدود

كشف محافظ مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية عن انضمام سوريا إلى منصة “بُنى” للمدفوعات عبر الحدود التي أنشأها صندوق النقد العربي.

وبحسب حساب البنك المركزي على “فيسبوك” قال الحصرية “سعدنا اليوم بلقاء الدكتور فهد التركي رئيس صندوق النقد العربي، برفقة وزير المالية، إلى جانب فريق من الإدارة في الصندوق، حيث ناقشنا… فرص الدعم الفني وبناء القدرات التي يمكن أن يقدمها الصندوق للجمهورية العربية السورية في المرحلة المقبلة، لا سيما دعم جهود الإصلاح في مصرف سوريا المركزي”.

وأضاف “تم الاتفاق خلال الاجتماع على انضمام الجمهورية العربية السورية إلى منصة (بُنى)، المنظومة الإقليمية المتقدمة للمدفوعات عبر الحدود التي أنشأها الصندوق”.

واعتبر الحصرية هذا الانضمام “خطوة مهمة في مسيرة تحديث أنظمة الدفع والتحويلات المالية في سوريا، حيث ستمكن… المؤسسات المالية في سوريا من إرسال وتسلم المدفوعات بالعملات العربية والدولية بكفاءة أعلى، وسرعة أكبر، وتكاليف أقل، مما يُسهم في تحسين تجربة العملاء وتعزيز خدمات الدفع، بما في ذلك الدفع الفوري”.

وعبّر الحصرية عن تطلعه إلى تعزيز الشراكة مع الصندوق في خطوات قادمة تواكب “تطلعاتنا نحو بناء نظام مالي حديث، متكامل وفعال، يلبي احتياجات الاقتصاد الوطني ويرتقي بمستوى الانسجام مع التحولات الإقليمية والدولية”.

وتُعد منصة “بُنى” نظاما إقليميا مركزيا ومتعدد العملات، يتيح للمؤسسات المالية تنفيذ عمليات الدفع عبر الحدود ضمن المنطقة العربية وخارجها باستخدام العملات العربية والرئيسية العالمية.

وأطلق صندوق النقد العربي هذه المنصة لتوفير خدمات المقاصة والتسوية للمدفوعات المستوفية لمعايير الأهلية، سواء بين الدول العربية أم بين الدول العربية وشركائها التجاريين عالميا.

في غضون ذلك التقى الحصرية الرئيس التنفيذي لمجموعة فيزا للأسواق العالمية أوليفر جينكن، لتعزيز الانفتاح الاقتصادي وتطوير القطاع المالي في سوريا.

وأفاد حساب المركزي السوري على فيسبوك أن اللقاء ركز على بحث آفاق التعاون الممكنة بين الجانبين، واستعراض فرص دخول “فيزا” إلى السوق السورية، بما يسهم في دعم تطوير البنية التحتية لقطاع المدفوعات الرقمية، وتسهيل عمليات الدفع الإلكتروني، وتمكين المؤسسات المالية من تقديم خدمات حديثة وآمنة للمواطنين والشركات.

وشارك الحصرية إلى  جانب وفد يضم وزير المالية محمد يسر برنية في اجتماعات صندوق النقد والبنك الدولييين في واشنطن هذا الأسبوع، في وقت أكد البنك المركزي السوري التزامه بالسياسات النقدية والمالية الداعمة للاستقرار والنمو، والانفتاح على التعاون مع الشركاء الدوليين.

المصدر: الجزيرة

————————–

 كيف تعرقل التوترات في شمال حلب مناخ الاستثمار وإعادة الإعمار؟

2025.10.12

تواجه حلب عقبة جديدة أمام جهود التعافي الاقتصادي بسبب بقاء أحياء مثل الأشرفية والشيخ مقصود وما جاورها من تجمعات صناعية تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وهو ما يثير مخاوف رجال الأعمال والسكان من اندلاع قصف أو اشتباكات في أي لحظة، ما يعرقل مشاريع الإعمار ويثني المستثمرين عن العودة إلى المدينة، حتى إن أعداداً من النازحين في دول الجوار عدلوا عن فكرة العودة في الوقت الحالي بعدما سمعوا بالتطورات الميدانية الأخيرة في المدينة التي سادت فيها وما تزال حالة من التوتر الأمني والعسكري.

مناخ استثماري هش

يتفق عدد من أصحاب الورش الصناعية والمستثمرين المحليين على أن حالة التوتر الأمني والعسكري في عدد من الأحياء تؤثر سلباً على المناخ الاستثماري في حلب، وأكد عدد منهم، ممن التقاهم موقع تلفزيون سوريا، أن أي تهديد متكرر للأمن يرفع كلفة التشغيل ويزيد من مخاطر خسارة رؤوس الأموال، وأشاروا إلى أن وقوع قذائف هاون أو اشتباكات متفرقة في المناطق السكنية وبقاء حالة التوتر، يضع المدنيين في دائرة الخطر ويجعل من الصعب على الورش والمعامل الصغيرة مواصلة عملها بسوية منتظمة.

يرى الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر في تصريح لموقع تلفزيون سوريا أن الاستقرار السياسي والأمني والعسكري هو المدخل الرئيسي لأي انتعاش اقتصادي في سوريا، مشيراً إلى أن الحكومة السورية تبذل جهوداً واضحة لتحقيق هذا الهدف، غير أن استمرار بعض القوى، وعلى رأسها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في افتعال توترات ميدانية – خصوصاً في حلب – يعيد رسم المشهد بطريقة تعرقل أي تقدم حقيقي في مسار الاستقرار وجذب الاستثمارات.

ويمتد الضرر الاقتصادي الذي تسببت به التوترات الأمنية والعسكرية الأخيرة على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وحي بني زيد المجاور، كثير من ورش الخياطة المنتشرة في حي الأشرفية توقفت عن العمل بسبب غياب العمالة على خلفية الوضع الأمني المتردي، وكذلك ارتفاع أسعار المحروقات وتوقف دخول لوازم صناعة الألبسة الجاهزة وارتفاع أسعارها أيضاَ على خلفية تحكم التجار بتوريدها واحتكارهم لعمليات توزيعها على الورش.

جاذبية السوق

وأوضح السيد عمر أن فرص الاستثمار لا تتشكل فقط من توافر الموارد أو الحاجة إلى المشاريع، بل تعتمد أولاً على وجود مناخ مستقر سياسياً وأمنياً واجتماعياً، وهو ما تبحث عنه أي شركة أو جهة اقتصادية قبل دخول أي سوق جديدة. وأضاف أن التوترات التي تثيرها “قسد” في حلب تخلق بيئة مضطربة تصعّب اتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأمد أو إطلاق مشاريع تنموية ذات جدوى.

وأشار الباحث إلى أن الشركات عند دراسة أي بيئة استثمارية، لا تنظر فقط إلى حجم الموارد أو الحاجات التنموية، بل تأخذ بعين الاعتبار عوامل أساسية مثل الاستقرار السياسي، والأمن، ووضوح الإطار القانوني، وفاعلية المؤسسات في حماية الاستثمارات وضمان حقوق المستثمرين، وتُقاس هذه العوامل من خلال مؤشرات دولية معروفة مثل مؤشر مخاطر الاستثمار ومؤشر الاستقرار السياسي وتقرير بيئة الأعمال الصادر عن البنك الدولي، والتي تنعكس نتائجها مباشرة على قرارات الشركات الكبرى، إذ تتجنب تلك الأسواق التي تفتقر إلى الاستقرار والضمانات الواضحة.

ولفت السيد عمر إلى أنه لا يمكن الحديث بجدية عن إعادة إعمار أو انتعاش اقتصادي أو حتى بداية تعافٍ تدريجي، في ظل استمرار التوترات العسكرية والسياسية المفتعلة في مناطق مثل حلب، لافتاً إلى أن هذه الأحداث ليست مجرد اضطرابات أمنية عابرة، بل تعمّق مناخ عدم الاستقرار وتقنع المستثمرين، أفراداً ومؤسسات، بأن الوقت لم يحن بعد لضخ رؤوس الأموال أو العودة إلى السوق السورية.

وبين أن الأثر السلبي لـ”قسد” يتجاوز الجانب الأمني إلى أبعاد سياسية واقتصادية أوسع، إذ تسهم هذه الممارسات في تعقيد فرص التوصل إلى تسوية وطنية شاملة تُعيد تفعيل مؤسسات الدولة وترسّخ الوحدة الوطنية، وبحسب السيد عمر، الطريق إلى التعافي الاقتصادي في سوريا يمر عبر بوابة الاستقرار الشامل، الذي يفتح المجال أمام عودة رأس المال وتفعيل الإنتاج وبناء الثقة، مشيراً إلى أن ما تقوم به “قسد” في حلب وغيرها لا يعرقل هذا المسار فحسب، بل يعمّق الأزمة ويدفع بالفرص الاقتصادية إلى مزيد من التراجع.

التوتر يؤخر عودة النازحين

لا تقتصر آثار التوتر الأمني والعسكري في حلب على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى الجانب الإنساني والاجتماعي، فبحسب ما رصده موقع تلفزيون سوريا، فإن الاضطرابات الأخيرة في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية دفعت كثيرين من النازحين إلى العدول عن فكرة العودة إلى المدينة، لا سيما أولئك المقيمين في دول الجوار أو في أوروبا، الذين كانوا يخططون للعودة مع تحسن الأوضاع خلال الأشهر الماضية.

يقول أبو أحمد (نازح من حلب يعيش في مدينة اعزاز شمال حلب) لموقع تلفزيون سوريا: “كنت أتابع أخبار المدينة يومياً، وكنت أنوي العودة مع دخول فصل الشتاء، لكن عندما سمعت عن الاشتباكات والقصف رجعت عن قراري، لا أريد أن أعرض أولادي للخطر من جديد، كنت وعائلتي قد تجاوزنا مسألة الوضع المتردي للخدمات كمياه الشرب والكهرباء وغيرها، لكن لا يمكننا التأقلم مع وضع أمني هش، في أي لحظة ممكن أن تندلع معركة”.

ويرى عدد من سكان حلب أن التجدد المستمر للتوترات الأمنية والعسكرية على أطراف الشيخ مقصود والأشرفية واستهداف الطرق الحيوية يفقد الناس الثقة بأي وعود بالاستقرار، ويجعلهم يعيشون حالة ترقب وخوف دائمة، ما ينعكس مباشرة على قرار العودة أو البقاء في مناطق النزوح، وربما التريث قبل افتتاح مشاريع حتى وإن كانت صغيرة (محال تجارية وأفران وورش خياطة) لأن الأوضاع غير مستقرة ويخشون من ضياع أموالهم.

تلفزيون سوريا

——————————–

 سوريا تُقرّ إلزام المنتجين والمستوردين بتدوين السعر النهائي على السلع لمنع التلاعب

يجوز لبائع التجزئة البيع بسعر أقل من السعر المدون على المنتج

الرياض – العربية

13 أكتوبر ,2025

أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية قراراً بإلزام جميع المنتجين والمستوردين بتدوين السعر النهائي للمستهلك بشكل واضح ومقروء باللغة العربية وبخط واضح وظاهر وغير قابل للإزالة والمحو على المنتجات.

وحظر القرار تداول أو عرض أو تخزين أو بيع أي سلعة ما لم يكن مدوناً عليها السعر النهائي للمستهلك، كما يجوز لبائع التجزئة البيع بسعر أقل من السعر المدون على المنتج.

ومنح القرار المنتجين والمستوردين مهلة تنتهي بتاريخ 31 ديسمبر المقبل لتصريف المنتجات غير المدون عليها سعر البيع للمستهلك على أن يتم الإعلان للمواطنين عن أسعار بيع هذه السلع خلال فترة المهلة على واجهة محلاتهم ومكان عرض السلعة بخط واضح، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

سوريا تفاجئ الأسواق: تحرير كامل لتجارة الذهب دون قيود

اقتصاد اقتصاد سوريا سوريا تفاجئ الأسواق: تحرير كامل لتجارة الذهب دون قيود

وأشار قرار وزارة الاقتصاد إلى أن كل مخالفة لأحكامه سيعاقب عليها وفق القوانين والأنظمة النافذة.

وأوضحت أن هذا الإجراء يهدف إلى ضبط الأسواق والحد من حالات الغش والتلاعب بالأسعار، وضمان حقوق المستهلكين في معرفة السعر الحقيقي قبل الشراء بما يضمن حماية المستهلك وتعزيز الشفافية في عمليات البيع.

——————————

 سوريا تعيد كميات كبيرة من الذهب ومئات السيارات لأصحابها بعد سنوات من المصادرة

3548 طلباً لتسوية القضايا الجمركية القديمة في الربع الأول من العام الحالي

الرياض – العربية

13 أكتوبر ,2025

أعادت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية في سوريا ممتلكات كثيرة لأصحابها، كانت قد صادرتها مديرية الجمارك العامة دون وجه حق خلال فترة حكم النظام السوري السابق.

وأوضح مدير العلاقات العامة في الهيئة مازن علوش، أنه تمت إعادة 73.3 كيلوغراماً من الذهب، و10 ليرات ذهبية، و277 سيارة وآلية متنوعة، و562 دراجة نارية، و898 قضية بضائع منوعة، جرى تسليمها جميعاً لأصحابها وفق محاضر رسمية وتحت إشراف لجان متخصصة لضمان الشفافية وحفظ الحقوق، وذلك بعد استكمال التدقيقات القانونية والمالية اللازمة.

وقال علوش: “ما زلنا نستقبل طلبات المواطنين المتعلقة برد الحقوق والممتلكات المصادرة، والعمل مستمر دون توقف حتى إعادة كامل المصادرات الموجودة إلى أصحابها الشرعيين”، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

وأعلن علوش، في مايو الماضي، أن عدد طلبات التسوية على القضايا الجمركية القديمة التي تم استقبالها من المواطنين في الربع الأول من العام الحالي بهدف استعادة ممتلكاتهم المصادرة في عهد النظام السابق بلغ 3548 طلب تسوية.

وتنوعت المصادرات ما بين سيارات، ودراجات نارية، وخطوط إنتاج للمصانع، وغيرها، بينما تم تسوية 1438 طلباً وشملت الممتلكات آليات، وبضائع، ومعادن ثمينة، وغذائيات، وغيرها.

——————————–

 سوريا تسعى لبناء نموذج اقتصادي جديد بالتعاون مع الأمم المتحدة

توفير قاعدة بيانات شاملة تغطي كافة القطاعات في سوريا

الرياض – العربية

13 أكتوبر ,2025

بحث الفريق المختص بالنمذجة وبناء القدرات في هيئة التخطيط والإحصاء السورية مع خبراء من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي “UNDP”، تطوير العمل الإحصائي في سوريا وبناء نموذج اقتصادي جديد.

وقال رئيس الهيئة، أنس سليم، خلال اجتماع شارك فيه باحثون من كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، إن بناء نموذج اقتصادي هو جزء من منظومة متكاملة لتطوير العمل الإحصائي والتخطيطي، والربط بين المشاريع عبر المنصة الوطنية ونظام الرصد والتقييم.

وأضاف سليم، أن الهيئة تعمل على بناء قاعدة بيانات شاملة تغطي كافة القطاعات في سوريا، لتكون الأساس الذي يُبنى عليه النموذج الاقتصادي، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

سوريا تفاجئ الأسواق: تحرير كامل لتجارة الذهب دون قيود

اقتصاد اقتصاد سوريا سوريا تفاجئ الأسواق: تحرير كامل لتجارة الذهب دون قيود

وأشار الخبير في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، توفيق الراجحي، إلى أهمية استخدام أدوات علمية دقيقة في إدارة الأزمات الاقتصادية التي تمر بها سوريا، وخاصة في ظل مرحلة إعادة البناء التي تشهدها البلاد.

وأوضح عميد كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، علي كنعان، أن المرحلة المقبلة تتطلب توفير المتطلبات اللوجستية والتقنية اللازمة لبناء نموذج اقتصادي يعكس واقع سوريا الجديدة ويستجيب لطموحاتها التنموية.

وناقش رئيس الهيئة مع مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في دمشق بناء برنامج متكامل لدعم منظومة التخطيط والإحصاء، في مجالات بناء القدرات وتطوير نموذج اقتصادي للتوازن العام إلى جانب الدعم الفني لإنشاء نظام وطني للرصد والتقييم.

————————-

 سوريا تفاجئ الأسواق: تحرير كامل لتجارة الذهب دون قيود

إعادة النظر في نظام الاستيراد والتصدير وترخيص مصافي ذهب في سوريا

الرياض – العربية

12 أكتوبر ,2025

أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر الحصرية إعادة النظر في نظام استيراد وتصدير الذهب لتحريره، وتعديل القانون رقم 34 لعام 2023 المتضمن تنظيم حالات إدخال الذهب الخام إلى سوريا، ووضع نظام لترخيص مصافي الذهب الوطنية، وذلك بالتنسيق مع الجهات الرسمية المعنية وهيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وأوضح الحصرية أن سياسة مصرف سوريا تهدف إلى دعم الإنتاج الوطني وتشجيع الاستثمار في قطاع الذهب والمجوهرات، وإنشاء سوق منظّمة وشفافة لتجارة الذهب تعزّز الثقة وتحدّ من التهريب والمضاربة، وترخيص مصافي ذهب في سوريا للعمل وفقاً للمعايير الفنية والبيئية الدولية.

بالإضافة إلى ضمان أعلى مستويات النزاهة المالية والامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وجعل سوريا مركزاً لصناعة الذهب والمجوهرات وربطها بالأسواق الإقليمية في المنطقة، وتعزيز السمعة التقليدية لسوريا كبلد معروف بمهارة صياغة الذهب وصنع المجوهرات عالية الجودة، وخلق فرص عمل في قطاع حرفي مهم وتطوير الكوادر الوطنية، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

6 فئات وخالية من الصور.. سوريا تعلن تفاصيل عملتها الجديدة

اقتصاد اقتصاد سوريا 6 فئات وخالية من الصور.. سوريا تعلن تفاصيل عملتها الجديدة

وقال الحصرية إن مصرف سوريا المركزي سيعمل بالإشراف المباشر على تنفيذ نظام الترخيص المذكور من خلال سجل وطني إلكتروني لتتبع الذهب، بما يضمن الشفافية والمساءلة في جميع مراحل التوريد والإنتاج والتصدير.

وأكد أن إعادة النظر في نظام استيراد وتصدير الذهب، ووضع نظام لترخيص المصافي خطوة مهمة نحو تنظيم سوق الذهب في سوريا وتعزيز موارد الدولة، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والصناعة.

————————————

 2.5 مليون ليرة لترجمة أوراق أربعة طلاب.. عبء جديد على العائدين إلى سوريا/ سامر العاني

2025.10.16

في ظلّ تزايد عودة السوريين من تركيا ودول اللجوء الأخرى، ومع تصاعد الحاجة إلى ترجمة الوثائق الرسمية لأغراض التعليم والمعاملات القانونية، تحوّلت مكاتب الترجمة في سوريا إلى محطة إلزامية لا بدّ منها لكل عائد يسعى لتسوية أوراقه.

لكن خلف الأبواب المزوّدة بختم “الترجمان المحلّف” تدور معاناة أخرى، عنوانها الأبرز ارتفاع التكاليف وغياب الرقابة. فبينما يصفها البعض بـ”مكاتب الجزّارين” نظراً للأسعار الفلكية التي تفرضها، يرى أصحابها أنهم مجرد وسطاء يتحمّلون عبء الاحتكار والقيود الإدارية.

الشاب معن عبد الغفور يقول لموقع تلفزيون سوريا إنه اضطر لدفع رزمة كبيرة من النقود لمكتب الترجمة، قيمة ترجمة أوراق أبنائه الأربعة العائدين من تركيا، ويجرون معاملاتهم المعقّدة من أجل المفاضلة الجامعيّة والنقل الجامعي المماثل.

يشير معن إلى أنّ أوراق الترجمة كلّفته أكثر من مليوني ليرة سوريّة ونصف، أي ما يعادل 200 دولار تقريبًا، ينظر إلى كيس النقود مبتسمًا ويتمتم “سآخذه كما أعطاني إياه مكتب الصرافة، وأدفعه إلى الجزّار”، وكيس النقود أمر اعتاد عليه السوريون، إذ أصبحوا يحملون الأموال بأكياس الخضار والفواكه بعد انهيار العملة.

أمّا ربا فالأمر مختلف لديها، تقول لموقع تلفزيون سوريا بأنها استلمت حوالة ماليّة من ابنها المقيم في إحدى دول الاتحاد الأوروبي لدفع أجور الترجمة وإتمام معاملة المفاضلة الجامعيّة لابنتها.

من يحدّد الأسعار؟

تُعد مهنة الترجمة المحلفة في سوريا من المهن الحساسة والضرورية، خاصة في ظل الظروف الراهنة التي تتطلب توثيق العديد من المستندات الرسمية للأغراض التعليمية أو القانونية أو الهجرة، ومع ذلك، يواجه العائدون تحديات كبيرة تتعلق بتكاليف الترجمة الباهظة، مما يثير تساؤلات حول الجهات التي تحدد هذه الأسعار والآليات القانونية التي تحكم عمل مكاتب الترجمة.

يقول صاحب أحد مكاتب الترجمة المنتشرة في منطقة المرجة وسط العاصمة دمشق، لموقع تلفزيون سوريا، إنّهم مطالبون بحسب اللوائح والقوانين بوضع لائحة أسعار للترجمة، لكنّهم غير مطالبين بالتقيّد بسعر محدّد، ولا يمكن تحديد أسعار الترجمة، فقد تجد وثيقة تحتوي على 100 كلمة وأخرى تحتوي على 600 كلمة.

ومع أنّ القوانين الناظمة تنص على وضع لوائح واضحة لأسعار الترجمة فإنّ المكاتب لا تلتزم بذلك أبدا، إذ تخلو جميع مكاتب الترجمة في منطقة المرجة من لائحة أسعار واضحة للترجمة، بحسب ما رصده موقع تلفزيون سوريا.

يقول مراجع لتلك المكاتب، لموقع تلفزيون سوريا، إنّ الأسعار تخضع للبازار، مضيفا أنّ أحد المكاتب طلب منه مبلغ 250 ألف ليرة سوريّة (21 دولارا تقريبا) لترجمة وثيقة واحدة، بينما استطاع بعد جولة بازار في مكتب آخر أن يترجمها بمبلغ 150 الف ليرة سوريّة (13 دولارا تقريبا)

الواقع بين القانون والتطبيق

على الرغم من وجود إطار قانوني ينظم مهنة الترجمة المحلفة وشروط افتتاح المكاتب، إلا أن الواقع الذي يصفه المتعاملون مع هذه المكاتب يثير العديد من التساؤلات، فالشكاوى المتكررة حول الأسعار المرتفعة، كما في حالة معن عبد الغفور وربا، تشير إلى وجود فجوة بين التنظيم القانوني والممارسات الفعلية، فالعبارة الدارجة “مكاتب الجزّارين” تعكس استياءً كبيرا من التكاليف الباهظة التي يفرضها بعض أصحاب المكاتب.

يقول الترجمان المحلّف في في ولاية هاتاي بتركيا، حسان التركماني، لموقع تلفزيون سوريا، إنّ جزءا من هذه المشكلة قد يعود إلى قلة عدد المترجمين المحلفين المعتمدين للغات معينة، مثل اللغة التركية، مما يخلق احتكارًا ويسمح للمكاتب بفرض أسعار مرتفعة، كما أن الحاجة الملحة للترجمة الرسمية، خاصة للمستندات المتعلقة بالتعليم أو الإقامة، تضع المواطنين في موقف ضعف، حيث يضطرون لدفع أي ثمن لإنجاز معاملاتهم.

ويضيف أنّه لو اعتمدت الموسسات الرسميّة الوثائق المترجمة والمصدّقة في دول اللجوء، لخفّف هذا كثيرا عن العائدين، فأسعار الترجمة في دول اللجوء تكاد تصل إلى نصف أسعار سوريا، فضلا عن أنّ الدخل في تركيا مرتفع مقارنة بسوريا، لذلك لن تشكّل أجور الترجمة عبئا على طالب الترجمة.

ويضيف أنّ العدد الكبير للعائدين من تركيا شكّل طلبا كبيرا على السوق، مما دفع بأصحاب مكاتب الترجمة إلى رفع الأسعار بشكل جنوني لايتناسب مع الدخل في سوريا.

من جانب آخر، يشير أصحاب المكاتب إلى أن جزءًا كبيرًا من الأجور يذهب إلى المكتب الوحيد الذي يمتلك ختمًا للترجمة من لغات معينة، مما يجعلهم مجرد وسطاء يحصلون على عمولة بسيطة، وهذا يلقي الضوء على هيكلية السوق، حيث قد تكون هناك مستويات مختلفة من الاعتماد والترخيص، مما يؤثر على سلسلة الطلب والتسعير.

دور وزارة العدل والجهات الرقابية

تتولى وزارة العدل في سوريا مسؤولية الإشراف على مهنة الترجمة المحلفة، من خلال لجنة شؤون المترجمين التي تشكل بقرار من الوزير، تختص هذه اللجنة بقيد المترجمين، ومراقبة أعمالهم، والاطلاع على سجلات الترجمة، والنظر في الشكاوى المتعلقة بهم.

ومع ذلك، يبدو أن هناك حاجة ماسة لتفعيل دور هذه اللجان الرقابية بشكل أكبر، خاصة فيما يتعلق بتحديد سقف للأسعار أو وضع آليات واضحة لتسعير خدمات الترجمة، بما يضمن العدالة للمواطنين ويحد من الاستغلال، كما أن زيادة عدد المترجمين المحلفين المعتمدين، خاصة في اللغات التي تشهد طلبًا مرتفعًا، يمكن أن يساهم في كسر الاحتكار وتخفيض الأسعار.

يقول حسان التركماني إن التحديات التي يواجهها المواطنون السوريون في الحصول على خدمات الترجمة المحلفة، والتي تتجلى في التكاليف الباهظة والشكاوى المتكررة، تستدعي مراجعة شاملة للإطار التنظيمي والتطبيقي لهذه المهنة، فبينما توجد قوانين وشروط واضحة لترخيص المترجمين والمكاتب، فإن الفجوة بين هذه القوانين والواقع المعيشي للمواطنين تتسع.

ويرى أنّ الأمر يتطلب تضافر الجهود من قبل الجهات الحكومية، ممثلة بوزارة العدل، والمترجمين أنفسهم، لإيجاد حلول تضمن تقديم خدمات ترجمة عالية الجودة بأسعار عادلة، وتحمي المواطنين من الاستغلال، وتعيد الثقة إلى مهنة حيوية لا غنى عنها.

وفي ظل هذا الواقع، يتساءل معن عبد الغفور “كم من الأكياس المليئة بالنقود سندفعها حتّى نتمكّن من تسجيل أولادنا في الجامعات والمدارس؟ وهل هذا هو الأمر الطبيعي أم أننا ضحيّة قرارات خاطئة ومكاتب ترجمة لا يتطبق عليها سوى اسم مكاتب الجزّارين؟”.

——————————-

أزمة النقل تشل حركة الموظفين في ريف حلب/ هاديا المنصور

17 أكتوبر 2025

إزاء غياب النقل العام وندرة الخاص وارتفاع كلفته، يدفع موظفو ريف حلب الثمن الأكبر من وقتهم وصحتهم ودخلهم المحدود، وسط انعدام الحلول وتردي الطرقات.

تتحول رحلة الذهاب إلى العمل في ريف حلب الشمالي في سورية إلى مهمة يومية شاقة، وسط قلة وسائل النقل وارتفاع كلفتها، بعدما غابت خدمات النقل العام وتقلصت أعداد سيارات الأجرة والحافلات الخاصة، بسبب غلاء الوقود ورداءة الطرقات.

ويضطر العديد من المواطنين إلى المشي مسافات طويلة أو الانتظار لساعات على الطرقات، قبل الوصول إلى وظائفهم، علماً أن رواتبهم لا تغطي حتى نفقات المواصلات. وبين الغياب القسري والتأخر المتكرر، تتراكم معاناة شريحة واسعة من العاملين في الدوائر الحكومية والمدارس والمراكز الصحية في قرى وبلدات ريف حلب، حتى صارت قضية النقل إحدى أبرز مظاهر التدهور الخدماتي في المنطقة.

ويصف محمد درويش، الموظف في دائرة الخدمات ببلدة مارع، معاناته اليومية قبل الوصول إلى عمله، ويقول لـ”العربي الجديد”: “أصبحت رحلة الذهاب إلى الوظيفة عبئاً يومياً يتطلب تخطيطاً وجهداً مضاعفاً، إذ أضطر إلى مغادرة منزلي في وقت مبكر جداً قبل السابعة صباحاً، حتى أتمكن من اللحاق بالدوام عند الثامنة، ومع ذلك كثيراً ما أصل متأخراً بسبب ندرة وسائل النقل وتقطعها”.

ويشير درويش إلى أن سيارات الأجرة العاملة على خط بلدته قليلة وغير منتظمة، وأنه غالباً ما ينتظر لأكثر من ساعة قبل مرور إحداها. وفي حال امتلائها أو تعطلها، يجد نفسه مجبراً على اجتياز مسافات طويلة تصل أحياناً إلى خمسة كيلومترات سيراً على الأقدام. ويوضح أن الارتفاع الكبير في أسعار الوقود جعل كلفة المواصلات تفوق قدرته المادية، ويتابع: “حتى لو وجدتُ وسيلة نقل، تكون الأجرة مرتفعة لدرجة لا أستطيع تحملها، إذ إن راتبي الشهري بالكاد يغطي المصاريف الأساسية لعائلتي، ما يدفعني أحياناً إلى المناوبة مع زملائي على استخدام دراجة نارية واحدة لتخفيف النفقات، رغم ما يرافق ذلك من مخاطر وصعوبات في الطرق الريفية الوعرة”.

ويكشف درويش أن هذه الظروف دفعت بعض الموظفين إلى التغيب المتكرر أو طلب النقل إلى مناطق أقرب، فيما يستمر آخرون في المعاناة اليومية حرصاً على وظائفهم، رغم مشقة الطريق وغياب أي حلول عملية من الجهات المعنية لتأمين وسائل نقل منتظمة للعاملين في الريف.

وتتحدث أمينة الخلف، المعلمة في إحدى مدارس ريف إعزاز، عن معاناة المعلمات اللواتي يواجهن صعوبات مضاعفة في التنقل بين القرى والمدارس النائية، وتقول لـ”العربي الجديد”: “صار الوصول إلى المدرسة أشبه بمغامرة يومية محفوفة بالمشقة والمخاطر، ولا سيما في فصل الشتاء حين تتحول الطرقات الترابية إلى مستنقعات موحلة، إلى جانب ندرة وسائل النقل”. وتضيف: “اضطررت أكثر من مرة إلى ركوب شاحنة صغيرة أو سيارة نقل بضائع مع عمال ومزارعين كي أصل إلى المدرسة في الوقت المحدد. المشهد مألوف لكل معلمة في الريف، فإما أن نقبل بالمخاطرة وإما أن نغيب عن الدوام”.

وتؤكد الخلف أن “تكرار الغياب أو التأخر ليس ناتجاً عن إهمال، بل عن واقع قاسٍ لا يرحم، إذ إن غياب شبكة نقل منظمة وارتفاع أجور سيارات الأجرة الخاصة يجعلان الالتزام بالدوام مهمة شبه مستحيلة، رغم حبنا للتعليم وشعورنا بالمسؤولية تجاه طلابنا، لكننا نحتاج إلى دعم حقيقي من الجهات المعنية، حرصاً على استقرار العملية التعليمية”.

أما الممرضة سلمى عبد الله، التي تعمل في مستشفى خاص بريف حلب، فتصف معاناتها اليومية في التنقل بأنها “رحلة مرهقة تستهلك طاقتها الجسدية والنفسية قبل أن تبدأ عملها”. وتضيف: “أنتظر على قارعة الطريق لأكثر من ساعتين أحياناً، أملاً في العثور على وسيلة نقل، وأضطر إلى دفع نصف راتبي اليومي مقابل كلفة النقل، هذا إن حظيتُ بسيارة أجرة”. وتؤكد عبد الله أن المعاناة ذاتها تطاول زميلاتها في القطاع الصحي، ما يهدد استمرارية تقديم الخدمات الصحية الأساسية على أكمل وجه. وتتابع: “نريد القيام بواجبنا الإنساني، لكن كيف لنا ذلك، ونحن عاجزون حتى عن الوصول إلى مراكز عملنا”.

ويرى مدير أحد المراكز الخدمية في ريف حلب، المهندس ناصر قدري، أن تحدي تنقل الموظفين لم يعد مشكلة فردية إنما قضية مؤسسية تمسّ كفاءة وفعالية المؤسسات العامة برمّتها، ويوضح لـ”العربي الجديد” أن نسبة غياب العاملين تسجل أرقاماً مرتفعة، إذ تصل في بعض الأيام إلى أكثر من 40% بسبب صعوبات الوصول إلى أماكن العمل، ما ينعكس سلباً على تقديم الخدمات للمواطنين عبر قطاعات حيوية، تشمل البلديات والمستشفيات والمدارس.

ويتحدث قدري عن حلول مؤقتة جرى تطبيقها، مثل تنظيم نقل جماعي باستخدام سيارات خاصة، لكنها اصطدمت بشح الموارد وارتفاع كلفة التشغيل، ما حال دون استدامة هذه الحلول، ويؤكد أن معالجة إشكالية النقل الداخلي في المناطق الريفية صارت ضرورة ملحّة لا تقتصر على تسهيل حركة العاملين فحسب، بل تشمل إنعاش الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

وتعاني مناطق ريف حلب منذ سنوات من ضعف البنية التحتية وتراجع خدمات النقل العام، نتيجة الحرب السورية وتدمير الطرقات ونقص الوقود. ووسط عجز الجهات المعنية عن تأمين نقل عام منتظم، تبقى الحلول فردية مكلفة، بينما يدفع الموظفون في الريف الثمن الأكبر من وقتهم وصحتهم ودخلهم المحدود. وبين الوعود بتحسين الخدمات وواقع الطرقات الترابية المهجورة، تستمر معاناة الموظفين لتصبح وسيلة النقل حلماً بسيطاً في حياة تزداد صعوبة يوماً بعد آخر.

————————–

 سوريا وأميركا تبحثان فرص التعاون الاقتصادي

الجمعة 2025/10/17

شارك وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار في اجتماع الطاولة المستديرة في واشنطن، بحضور نخبة من ممثلي كبرى الشركات الأميركية والمؤسسات الاقتصادية الدولية، ذلك في إطار مبادرة الأعمال السورية الأميركية التي ينظمها مجلس التجارة الأميركي.

وناقش الاجتماع آفاق التعاون بين قطاعي الأعمال في البلدين، وتبادل وجهات النظر حول سبل تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية المستقبلية، وفق ما ذكرت “وكالة الأنباء السورية” (سانا).

واستعرض الشعار خلال الاجتماع الخطط الاقتصادية للحكومة السورية في المرحلة القادمة، ولا سيّما في مجالات إعادة الإعمار، وتشجيع الاستثمار، ودعم القطاع الصناعي، وتطوير البيئة التشريعية، مشيراً إلى حرص الوزارة على بناء شراكات دولية تسهم في تحقيق التنمية المستدامة وتطوير الصناعة الوطنية.

بدوره، أكد نائب رئيس مجلس التجارة الأميركي لشؤون الشرق الأوسط ستيف لوتس، خلال الاجتماع، أهمية فتح قنوات التواصل الاقتصادي وبحث فرص الاستثمار وإعادة الإعمار في سوريا.

يوم أمس، بحث الشعار في واشنطن مع عدد من المؤسسات الاقتصادية الدولية مجالات التعاون الاقتصادي وآفاقه، وإعادة بناء الشراكات الدولية في مرحلة ما بعد العقوبات، وذلك خلال زيارته إلى الولايات المتحدة الأميركية

—————————————

الناقلة “بيتاليدي” تتجه إلى سوريا محمّلة بأول شحنة نفط سعودي

من المتوقع وصول الناقلة النفطية منتصف نوفمبر المقبل

963+  963+ 

تتجه الناقلة “بيتاليدي” التي ترفع علم ليبيريا نحو السواحل السورية، وهي محمّلة بنحو مليون و71 ألف برميل من النفط الخام السعودي.

ووفق بيانات حديثة اطّلعت عليها منصة “الطاقة“، جرى تحميل الناقلة بخام الحوت من الخفجي (حقل نفط على الحدود السعودية – الكويتية)، قبل أن تتوقف في ميناء رأس تنورة السعودي لتزويدها بمكثفات حقل الخف، من أجل مزجها مع الخام الأساسي لتلبية المواصفات الفنية المطلوبة لتشغيل مصفاة بانياس السورية.

وأظهرت صور الأقمار الاصطناعية وبيانات تتبع السفن أن الناقلة تتجه نحو سوريا عبر طريق رأس الرجاء الصالح حول قارة أفريقيا، متجنّبةً العبور من البحر الأحمر رغم قرب المسافة.

وأوضحت مصادر مطلعة لمنصة ”الطاقة” أن اختيار هذا المسار الطويل يعود إلى عاملين رئيسيين، الأول امتلاء خزانات النفط في سوريا، ما يجعل من الضروري تأجيل موعد وصول الشحنة إلى منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل حين تتوافر سعة تخزينية جديدة.

أما السبب الثاني، فهو ارتفاع تكاليف التأمين والمخاطر الأمنية في البحر الأحمر نتيجة استمرار هجمات “الحوثيين” ضد السفن التجارية، وهو ما دفع الشركات المشغّلة إلى اختيار المسار الأطول والأكثر أماناً.

كما أشارت المصادر إلى أن الأنواع النفطية المطابقة لمواصفات المصافي السورية غير متوفرة في ميناء ينبع السعودي، ما استدعى تحميل الشحنة من الخليج بدلاً من البحر الأحمر.

وفي الـ11 من أيلول/ سبتمبر الماضي، أبرمت وزارة الطاقة في الحكومة السورية الانتقالية، مذكرة تفاهم مع صندوق التنمية السعودي للحصول على منحة نفطية مقدمة لسوريا.

وقالت وزارة الطاقة، إن الكمية التي من المقرر أن يقدمها صندوق التنمية السعودي بموجب مذكرة التفاهم ستبلغ 1.65 مليون برميل من النفط الخام، وفق ما أفادت به قناة “الإخبارية” السورية.

‏ومطلع سبتمبر الماضي، أعلنت إدارة شركة مصفاة بانياس التابعة لوزارة الطاقة، تسلمها مجموعة من المعدات النوعية الحديثة ضمن مشروع استراتيجي يعد الأكثر أهمية منذ تأسيس المصفاة بريف محافظة طرطوس غربي البلاد، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).

‏وذكرت “سانا”، أن المشروع يهدف إلى تحديث بعض التجهيزات القائمة، بما يعزز استمرارية العمل الآمن، ويضمن إنتاج مشتقات نفطية عالية الجودة لتلبية احتياجات السوق المحلية.

‏وكان قد قال مدير عام شركة مصفاة بانياس إبراهيم مسلم، إن المعدات الجديدة ستسهم في استبدال أجسام المفاعلات الأربعة في وحدة التحسين ووشائع الأفران بجسم موحد يضم جميع أجسام المفاعلات الأربعة، إضافة إلى توريد الملحقات والمكونات الداخلية الخاصة بالمفاعلات ووشائع الأفران ومولد البخار.

‏وأضاف مسلم، أن المشروع يعتبر استراتيجياً بالغ الأهمية، نظراً لاحتمالية خروج المعدات الحالية من الخدمة في أي لحظة، لافتاً إلى أنه تم تجهيز المكونات البديلة لتكون جاهزة للتبديل خلال العمرة الشاملة للمصفاة المقررة العام المقبل، بحسب ما نقلته وكالة “سانا”.

‏من جانبه، أكد مدير الدراسات والمشاريع في مصفاة بانياس ورئيس لجنة الإشراف على المشروع جواد عبد اللطيف، أن أهمية المشروع تكمن في استبدال الأجزاء التالفة والمعدات التي يمكن أن تتوقف عن العمل في أي وقت، ما يضمن استمرارية إنتاج البنزين وفق احتياجات السوق المحلية.

‏وأوضح عبد اللطيف، أن المعدات الحالية في مصفاة بانياس والتي سيتم استبدالها موجودة منذ عام 1980، وقد اقتصرت عمليات الصيانة السابقة على بعض المكونات الداخلية فقط.

—————————-

======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى