ثيسيوس والشرع/ فارس البحرة

مثل غول جهنمي جثم النظام الأسدي على صدور السوريين، فهل ُيستغرب أن يُجِلّ غالبيتُهم مَن جندلَ هذا الوحشَ وحررهم منه إجلالَ الشعوب لأبطالها الأسطوريين؟
البطل الملحمي
يذكّر رئيس الحكومة المؤقتة أحمد الشرع بالبطل الإغريقي ثيسيوس. وإن لم يمتز الشرع كما يؤْثَر عن ثيسيوس بقوة جسدية استثنائية، بل إن ميزة الشرع هي العقل الاستراتيجي القادر على التخطيط العسكري وبناء علاقات دولية وتحالفات محلية، مع كثير من الصبر والأناة تحّيناً للحظة المناسبة التي جعلت الإنجاز الاستثنائي ممكناً: إسقاط النظام الأسدي بأقل خسائر ممكنة. ولكن كما يستخفّ البعض اليوم بكل هذا، استخف بعض الأثينيين يوماً ببطولات ثيسيوس التي استهلها من على الطريق البري الطويل الممتد من مسقط رأسه ترويزون حتى قصر أبيه إيجوس ملك أثينا. فقضى على شرذمة شرّيرين كانوا يروّعون المارة (يمكن مقارنتهم بسجانيّ الأسد وجلاديه) واحدهم يربط أجساد العابرين إلى رؤوس أشجار الصنوبر بعد أن يحني جذوعها بذراعيه ثم يتركها لترتد ممزقة أوصالَهم، آخر يحطم الرؤوس بالهراوات، ثالث يأمر الناس بغسل قدميه وهو جالس أعلى جرف هار مطل على البحر فيركلهم ليتردّوا ويبتلعهم الموج، ورابع هو الشهير بروكروست (الأشبه برؤساء أفرع الأسد الأمنية وأجهزة إعلامه) يقطع سيقان من يستضيفهم إن كانت أطول من سريره، ويمطّ أجسادهم إن كانت أقصر من هذا السرير المشؤوم حتى تزهق الأرواح! ويجد إسقاط رأس النظام الأٍسدي تمثيله الرمزي في درة تاج أعمال ثيسيوس المتمثّلة بالقضاء على المونيتور، الوحش البشري برأس ثور وجسد إنسان والذي سجنه مينوس ملك كريت في متاهة صُمّمت خصيصاً لهذه الغاية، وانتهت بمصرعه عبوديةٌ كانت أثينا تدين بها لكريت.
البشر الفاني
لكن عاملاً آخر يعمل عادة في مصائر الأبطال التراجيديين لا يقل تأثيره فيها عن البطولات الملحمية… فقد جعل اندفاع الصبا أوديب يقدم على قتل أبيه في عراك عارض نشب بينهما خارج حدود طيبة، ودون أن يعرف أي منهما بصلة قرابته بالآخر. كذلك جعلتْ انفعالات الشباب القوية ثيسيوس المنتشي بالانتصار على المونيتور (وربما المغتم أيضاً لفراق أدرياني ابنة الملك مينوس التي أحبت ثيسيوس وآزرته) ينسى ما أوصاه به أبوه من نشر أشرعة بيضاء إن عاد منتصراً، بدل السوداء التي كانت سفينته قد أقلعت بها من أثينا باتجاه كريت، فظن الأب الذي كان ينتظر أوبتَه من على منحدر صخري أن ثيسيوس قد قضى على يد المونيتور، فرمى بنفسه في لجة البحر. أطلق أرسطو في كتابه „الشعر” على هذا الفاعل التراجيدي اسم „Hamartia”، بمعنى مجانبة الهدف، أو ما جرى دارسو المسرح العرب على تسميته بالخطأ التراجيدي. ويقصد به خلل إنساني نابع من طبيعة البطل، يقوده رغم نبل مقصده إلى مصير مأساوي. فمازال انتماء الشرع في شبابه إلى تنظيم القاعدة يلاحقه كالشبح، نافياً عنه في أعين مبغضيه كل فضيلة، ومثيراً في الوقت نفسه المزيد من التعاطف في قلوب محبّيه ومصدقّيه، الذين يتفهمون كيف زلت قدم الشاب الغيور على دينه وبلاده ليورط سيرته بوصمة ما زالت تلاحقه.
العَود الأحمد
في الملاحم والأساطير والسير لا تقل أهمية ما يقال عما حدث فعلاً، فليس الحديث ههنا عن الشرع، بقدر ما هو عن صورته الروائية. ينقل البعض عن وثائق أفرع الأمن الأسدية، والعهدة على الراوي طبعاً، أن الشرع توجه بداية إلى العراق ليعود منها بعد إقامة قصيرة إلى دمشق، حيث وقع خلاف بينه وبين والده الدكتور حسين الشرع، رجع الابن بعده إلى العراق مجدداً، ليعمل ,أو ليواصل العمل مع التنظيمات الجهادية، ما أدى إلى اعتقاله وسجنه. يوحي الخلاف العميق في الخيارات السياسية بين الأب الناصري الأقرب للعلمانية والشاب ذي التوجه الإسلامي الجهادي السلفي آنذاك ببعد أوديبي، وكأن الشاب قد ضرب صفحاً عن تجربة والده السياسية والثقافية والعلمية، كما لو كانت مجرد مثال نظري بعيد عن الواقع وعن تحقيق نجاحات ملموسة، لكنه بعيد عن المثال بالمقدار ذاته، المثال الإسلامي الذي اختاره الابن لنفسه واختار معه بطبيعة الأمر آباء بدلاء، ماضياً بذلك إلى عالم قيمي يعترض عليه الأب. لكن عندما عاد أحمد الشرع إلى دمشق منتصراً، بدا الأب والابن متصالحين، وفي القبلة التي انحنى الابن لطبعها على ظهر يد أبيه أمام وسائل الإعلام لدى معايدة الأخير له، يتداخل القبول المتبادل بين الأب والابن تداخل الأحرف العربية في الطغراء، فبينما يعلن الابن قبول سلطة والده الأبوية، يتقبل الأب لغة الابن الرمزية المنتمية إلى عالم أكثر تقليدية من عالمه (لا يبدو أحمد الشرع متصالحاً تماماً مع رمزية تقبيل اليدين، إذ نراه يسحب يده ليقبل رؤوس الأطفال الذين يهمّون بتقبيل يده). اعترف الأب بالابن اعتراف إيجوس ببنوة ثيسيوس إذاً، ولم ينس الابن بدوره في الطريق إلى دمشق أن يرفع أشرعة بيضاء بدل السوداء التي أقلعت به إلى العراق.
الخطيئة الأصلية
يقترح أندريه جيد في كتابه „أوديب وثيسيوس”، الذي عرّبه لنا طه حسين، حواراً بين ثيسيوس ودايدالوس (أو ديدال كما يقترح عميد الأدب العربي) المثّال الإغريقي الأمهر والمهندس العبقري الذي صمم متاهة المونيتور، فعلى الرغم من كون ديدال „لا يرى أن قيمة الانسان في قوة ذراعيه” إلا أنه أحب في ثيسيوس ما أحبه في هرقل „ هذا الإقدام على غاية في غير تردد ولا تراجع، بل هذا التهوّر الذي يدفعكما إلى الأمام ويظهركما على العدو بعد أن ينصركما على ما في نفوسنا جميعاً من الجبن…” إن قوة الشكيمة ورباطة الجأش التي أوصلت أحمد الشرع إلى قهر الأسد ونظامه لا تنفصل عمّا جعله في الصبا يصمّ الأذنين عن نصائح الأب ويُسرِحَ القدمين لتلبية نداء الدرب. الإقدام هو ذاته، وإن احتاج الكثير من العمر والتجربة ليكتسي حنكة وسداد رأي لا يخفيان. ومع ذلك، كلما ارتُكِب تجاوزٌ، سواء كان للشرع فيه يد أو لم تكن له به حتى دراية، فإنه لن يعدَم من يردّه إلى الخطأ التراجيدي، كل التجاوزات الأمنية، حتى لو كانت القوات الأقرب إليه وصورة الدولة وسمعتها هي أول من يتأذى منها، كل تأخّر بإيجاد حلول اقتصادية لبلد منكوب، كل إجراء إداري غير مناسب، أيّ فوت، يُنظَم تلقائياً في القافية ذاتها… فتجد من لا يتورع عن تكذيب أي شيء، حتى التفاهمات الاقتصادية مع قطر والسعودية التي تعلن عنها قناتا الجزيرة والعربية هناك من يتشكك بها ويتهمها بأنها زائفة ومجرد ضلالات وأخيلة، حتى الزيارة التاريخية إلى الأمم المتحدة هناك من استبق حدوثها واصفاً إياها بأنها مجرد فخ للإيقاع بالشرع كإرهابي، فلما عاد إلى بلده سالماً، هناك من بخّس من شأن الزيارة وكاد أن يصفها أيضاً بأنها وهمية.
سفينة الشرع
حرّر ثيسيوس أثينا وألحق أتيكا موحدة بها، نصيراً للمظلومين والضعفاء ومغيثاً للملهوف دعا منفيي العالم إليها، وسمح عن طيب نفس لأوديب المنبوذ من أهل طيبة بأن يدفن في ترابها، مهّد لديمقراطية أثينا الأشهر وحقق مساواة بين مواطنيها، مما لم يسرّ بعض ميسوريها ووجهائها وخطبائها الذين أخذوا يتصيدون أخطاءه، ويطعنون في أصله. وعندما وقعت زوجته فيدرا في حب هيبوليتوس، ابنه من زيجة سابقة، وصدّها الابن العفيف، اتهمت فيدرا هيبوليتوس بمراودتها عن نفسها، فغضب ثيسيوس عليه ولعنه، ولعنة الأب في التراجيديا الاغريقية كافية لانهاء حياة الابن. ليُشكّل هذا الموقف المندفع المتسرع خطأ ثيسيوس التراجيدي الثاني (والمتصل بالأول من حيث المحتوى، حيث تَرتّب عن عاطفة عارمة رحيل الأب ثم الابن) الذي ساهم مع فضائح أخرى ترافقت مع غزو أجنبي في تأليب الجو العام واشتعال الثورة ضده فقام بتهريب أولاده، ثم غادر أثينا هو نفسه إلى جزيرة سكيروس التي لقي فيها حتفه. ليُلمح طيفه في معركة ماراثون التي انتصر فيه الأثينيون على الميديين بعد مضي قرون عدة، مدججاً بدروعه وشَكّته يتقدم مواطنيه لينصرهم على أعدائهم، ثم ليُجري الأثينيون بحثاً حثيثاً عن رفاته، فيُحتفى بعودتها ودفنها في تراب أثينا، كما لو كانت عودة حامي المدينة الأسطوري وفارسها النبيل بلحمه ودمه.
أعتقد أننا نرتكس على هذا الرجل، أحمد الشرع، ارتكاساً تراجيدياً، فنؤلهه ونشيطنه. لم يحلِ الحولُ بعد على هذه الحكومة المؤقتة وقد حققت الكثير رغم الأخطاء. فهل يُتوقع من أية حكومة انتقالية في ظرف سوريا الراهن أن تكون أفضل أداء وأقل أخطاء؟ لماذ يُلاحق الشرع ويُشكّك في كل ما يقول، مع أن ما يقوله غالباً متعقّل ورزين؟ ولماذا يكون البعض الآخر ملكيين أكثر من الملك، فلا يقبلون مراجعة شيء من كلامه أو أفعاله؟ وهل مرجع هذه الانحيازات العمياء غير الدراما؟
يتطرق بلوتارخ، كاتب سيرة ثيسيوس، إلى أن سفينة هذا الأخير ظلت تبحر سنوياً ولمئات السنين من أثينا متوجهة إلى جزيرة ديلوس حاملة الهدايا والقرابين للإله أبولون. ومن عام لآخر كان لا بد أن تتلف هذه الدعامة أو ذلك اللوح من السفينة، فيجري استبداله، إلى أن يأتي يوم لا تبقى فيه ربما قطعة واحدة من السفينة القديمة. اختلف الفلاسفة، يقول بلوتارخ، „في كون السفينة الجديدة هي القديمة، أم أنها لم تعد السفينة عينها”. كذلك حال ثيسيوس نفسه والتحولات التي طرأت عليه، حال بلوتارخ متعدد الهويات، الروماني اليوناني في آن معاً، الفيلسوف ومؤرخ السير والكاهن في معبد دلفي. هو حال الشرع، حالنا جميعاً، حال الحكاية والواقع ونهر هركليطس.
الفيس بوك
————————————–
سوريا تقتل نفسها/ فارس البحرة
وكأننا متفقون على ألا أحد يريد لأحد أن يعيش بسلام
لم نعد قادرين على مواصلة الفرح بالتحرير والتفاؤل ببناء بلدنا كما كان حالنا حتى آذار (مارس) الفائت، ولكن في الوقت نفسه لا يمكننا أن نرمي بكل شيء وننقلب على الحكومة، أو نهتف: «الشعب يريد إسقاط النظام»، نحن متورطون!
ينفي التقرير الأممي عن أحداث الساحل السوري تورط الحكومة المؤقتة المباشر في سياسة ممنهجة أو خطة منظمة لتنفيذ الانتهاكات التي شارك فيها أفراد ومجموعات محسوبون عليها. جيد ألّا تكون الحكومة مدانة من رأسها حتى أخمص قدميها، فهو يُشير إلى أن جزءاً من الرأس أقل تورطاً، ما يحمل دلالة على بقاء ما يُعقد عليه الأمل. لكنه غير جيد أيضاً، بل بالغ السوء، إذ يبدو أن غير قليل من المحسوبين على الحكومة سرعان ما يفقدون صوابهم، لينخرطوا في صراع مرير، بدل أن يمارسوا دورهم كقوات فصل فيه. منذا الذي يفضّ النزاع بينهم وبين الآخرين؟ إذا فسد الملح فبماذا يُملّح؟
إذا صحّت المقدمة أعلاه، فالحكومة تتخبط بحثاً عن مخرج مناسب من وضع بالغ الضيق. من سيحاسب المرتكبين؟ وإلى أية قوة سيستند؟ هل لما تبقى من «الرأس السليم» ما يكفي من «الجسم السليم» ليحمله؟ وما من دولة عميقة، ولا مؤسسات أمنية ولا عسكرية مستقلة! وكما قيل سابقاً في أزمنة وأماكن أخرى: يجب أن توجد دولة ليُنقلبَ عليها!
ذهب سوريون، ويذهبون، إلى أن انتهاكات الساحل وبعدها السويداء نتاج لإرث العقلية السلفية الجهادية، وليس متيسراً نفي ذلك، لكن هذا التفسير يبقى فائضاً عن الحاجة. فلا ضرورة للجهادية أو إيديولوجيا أخرى، ولا حتى لاصطفاف طائفي تقليدي، لتفسير فتكنا ببعضنا البعض عندما تتاح لنا الفرصة. بات الأمر أشبه بالتفاعل الكيماوي لعناصر انفجارية، بحريق الغابات في مواسم الجفاف. لا يلزم كثير من التقصي الجنائي لتحري الأسباب، لم نعد نعدم الحجج أو نحتاجها كي ننزلق إلى صراع أهلي، فلدينا من كامن العنف ما يجعل من الإيديولوجيات والاصطفافات مجرد توطئة لممارسته. فاضت الرغبة في إفناء الآخر وتهشيمه وتهميشه، وبات ممكناً الكلام عن نزوع شامل أصلي إلى الدمار، يصعب معه التمييز بين الجريمة والانتحار.
هل من محرك للعنف مثل رعب السقوط ضحيته؟ أو محرض للارتكاب مثل رهاب التعرّض للعجز الكامل وفقد السيطرة؟ يواجه السوريون اليوم غياب الضمانات: لا ضمانة لمعارض ولا لمؤيد، لا لشبّيح ولا لحمامة سلام، لا لجهاديّ ولا لشيخ عقل، لا لمعمّم ولا لسكّير، لا لرجل أعمال ولا لسائح، لا لامرأة ولا لطفل، لا لشاب ولا لشائب… في أية لحظة قد يُفغر شِدقٌ هائل كالإعصار، ينبعث من العدم ليبتلع ما حوله، ثم يغيب في ذاته وكأن شيئاً لم يكن.
يمر خبر موت أي كان مرور الكرام، بنيران إسرائيلية، بانفجار لغم أرضي من مخلفات حرب لم تتوقف، برمي نفسه من الشرفة نزولاً عند رغبة ضيوف لم يدعهم أحد، بالانزلاق في بئر جافة، على هامش عملية سطو في حي راق، غرقاً في نهر إثر اغتصاب، نتيجة تجاوز فردي، في حادث سير، أو لمجرد كون المقتول رجل أمن… بلا ريث ولا عجل يمر الخبر، كما لو كان الموت جزءاً من الروتين اليومي لحياة السوريين، يمارسونه ثم ينتقلون لما يليه، تكاد وسائل الإعلام تتمنى حظاً أوفر للقتيل لو أنها تتوقّف عند الخبر، لكنها لا تتوقف!
فهل يُستيقظ من الكابوس؟!
لا يُفهم رعب اليوم في سوريا في ضوء الأشهر الثمانية الأخيرة فحسب، فلم تبدأ الحرب الأهلية للتو، ولا هي على وشك البدء. مستمرة منذ 14 سنة، كل ما في الأمر أنها لم تتوقف مع التحرير كما تمنينا، وبات علينا الاعتراف بها والتوقف عن الإنكار. حتى ما يسمى مؤقتاً بالدولة لا تتورع أن تستعير من أدوات الحرب الأهلية ما يُعينها على تسيير الأعمال عند اللزوم. إن كان قد جرى تأميم الرعب في عهد الأسدين، فكأننا الآن أمام خطر خصخصته وتيسيره للاستخدام الشخصي، وجعله بمتناول المستثمرين على غرار الهاتف الذكي والعملات الرقمية.
***
– نحمّل الحكومة كامل المسؤولية!
– ألكي ننفي عن أنفسنا أي مقدار منها؟ فنحن نعلم أن الدولة بوضعها الراهن عاجزة عن حمل معظم المسؤولية، فما بالك بها كلّها!
– أيجوز لمن يدّعون تمثيل الدولة ألا يتصرفوا كدولة؟
– من حيث المبدأ: كلّا لا يجوز، لكن ماذا لو عدمت الدولة وسائل الدولة، هل يصح أن تقعد وتتفرج على جسد البلد وهو يتمزق؟
– إن تورطت الدولة كطرف في صراع أهلي، لا تعود دولة!
– لكنها ما زالت تحمل طموح الدولة، دعنا نأمل أنها تستعين بوسائل الصراع الأهلي مؤقتاً لتحقيق هذا الطموح، هي أصلاً ليست دولة بمعنى الكلمة، بل دولة مؤقتة، مشروع دولة!…
– أما زلتَ تتأمل بهؤلاء؟
– لا أمل بسواهم حالياً، هم الحائل في وجه الانهيار الشامل!
– وهل من انهيار أكبر مما نحن فيه؟ ألا ترى حجم الكارثة؟
– الكارثة أنني أرى فعلاً حجم الكارثة، وأخشى مع ذلك من كارثة أكبر!
***
والكثير أيضاً من ضياع البوصلة، كما الكثير من الإدانات واستسهال كيل التهم، وتجاهل أن الآخر بدوره لا يملك من الأدوات أكثر مما نملك… لا يُستهان بحجم ما ينبغي احتماله في هذه اللحظة، بموجبات الصبر وضرورة كيل الكلمة قبل التفوّه بها، لا أقول بميزان الذهب، إذ يكفي قبّان السوق، فما يُلقى من التهم جزافاً بالغ الثقل!
الجميع ضدنا: يشعر الجميع. وكأننا متفقون على ألا أحد يريد لأحد أن يعيش بسلام، ولعل كل واحد منّا يعتقد مع ذلك بأنه لا يتمنى الشر لأحد! الطاغية داخل كلٍّ منا يتجاهل حقوق ضحيته، يدينها كل الإدانة، جاهزٌ للانضمام لأقرب جماعة تقرّ بأن الضحية تستحق ما يصيبها. أمّا الضحية فلا تعترف بأن جلاداً يُشاركها الجسد نفسه والذات نفسها، تنفصم عنه، وينفصم عنها، ويعيش كل منهما في كوكب، اسمه في الحالين: سوريا تقتل نفسها.
—————————————————–



