رسالة إلى الحكومة السورية/ مصطفى إبراهيم المصطفى

2025.10.15
يعرف النظام السياسي بأنه مجموعة هامة من المؤسسات الاجتماعية التي تعنى بصياغة الأهداف العامة لمجتمع ما أو لمجموعة ضمن هذا المجتمع، والعمل على تنفيذها.
وتدعم قرارات النظام السياسي عادة بالشرعية القسرية، ويمكن فرض الخضوع لها بالقوة. ومن الناحية الواقعية؛ قد تتباين شرعية النظام بشكل كبير بين الارتفاع والتدهور، وقد يكون ضعف شرعية النظام سببًا في تحطيم المؤسسات السياسية وفشل السياسة العامة، كما قد يكون فشل السياسة سببًا في تراجع شرعية النظام. وعندما يصبح التراجع واضحًا، لا يمكن وقفه بالإنتاجية الاقتصادية.
شرعية الفاعلية
تستمد المؤسسات شرعيتها من صندوق الانتخاب، وفي ظل استحالة إجراء الانتخابات في دولة تعبر طورًا انتقاليا – كما سورية اليوم – يمكن للسلطة السياسية ومؤسسات الدولة التابعة لها أن تستند إلى الشرعية الثورية. والشرعية الثورية عادة ما تضعف وتتراجع مع الزمن إذا لم تتم إعادة إنتاجها كشرعية قانونية أو ديمقراطية. من هنا، ينصح خبراء السياسة بدعم الشرعية الثورية أو إسنادها بما يمكن أن نسميه: “شرعية الفاعلية”، أو “شرعية الأداء الفعال” من خلال فاعلية الأداء. فالكفاءة والأداء الفعال هما الخيار الأمثل لوقف عملية التآكل التي تتعرض لها الشرعية الثورية عادة.
عند الحديث عن الكفاءة والفاعلية، فإننا نتحدث عن أشخاص تتوافر لديهم مهارات قيادية مثل الرؤية والتواصل، والكفاءات الشخصية مثل الذكاء العاطفي والنزاهة، بالإضافة إلى خبراتهم العملية وقدرتهم على تطوير الأداء والتعاون مع القيادات أو الإدارات الأخرى. والأهم من ذلك كله، أن يكون لدى هؤلاء الأشخاص المقدرة على إدارة مؤسسات الدولة بعقلية رجل الدولة وليس بعقلية المجرب، فالحالة لا تحتمل المغامرة؛ لأن استعادة الشرعية بعد فقدانها يكاد يكون مستحيلًا، خصوصًا عندما يكون للحكومة أعداء ناقمون يحاولون إيذاء الحكومة في شرعيتها.
البحث عن الكفاءات
يقابل هذا الطرح (اعتماد الكفاءات) برفض شديد؛ إذ يُفسر بأنه طلب للاستعانة بخبرات وكوادر النظام البائد، ولكن الأمر ليس كذلك دائمًا. حتى وإن كانت الاستعانة ببعضهم ممن لديهم المقدرة على التكيف مع البيئة الجديدة إجراء مقبول، ففي النهاية ليس من الصواب إقصاء نصف المجتمع؛ على أن تكون نسبتهم محدودة، لأن النصيب الأكبر من عناصر الإدارة في مؤسسات الدولة يجب أن يكون من الكوادر الثورية، ولكنها الكوادر ذات الكفاءة والفاعلية، وبالتالي: الكفاءات التي يمكنها خلق الشرعية.
هناك ثلاث فئات يمكن للحكومة أن تبحث عن الكوادر القيادية من بين عناصرها؛ أولهم فئة الأشخاص الذين أوكلت لهم المهام في الأشهر السابقة وأثبتوا جدارتهم. والفئة الثانية هم من أصحاب الخبرات التقليدية الذين انشقوا عن النظام البائد مع السنوات الأولى للثورة. أما الفئة الأهم التي يتوافر لديها أعداد كبيرة من الشخصيات القيادية التي حازت على تدريبات مكثفة في أساليب الإدارة الحديثة والمتطورة، والتي صُقلت بالخبرة من خلال الممارسة، فهي فئة المديرين في المنظمات الإنسانية والخدمية التي مارست أعمالها خلال سنوات الثورة في المناطق التي كانت تعرف بالمناطق المحررة.
تفضيلات السوريين وتصوراتهم عن المجتمع الصالح
تختلف تفضيلات الشعوب وتصوراتها الكامنة عن المجتمع الصالح. فبعض المجتمعات تعطي للملكية الخاصة أهمية عالية، وفي مجتمعات أخرى تعتبر الملكية المشتركة هي القاعدة. ونجد أحيانًا بعض المجتمعات تؤكد على المساواة وحد أدنى من المستوى المعيشي للجميع، والبعض الآخر يعطي أهمية أكبر للحرية وإجراءات العدالة، وتعطي بعض الثقافات وزنا أكبر للرفاهية والأمن. ولعل التفضيل الأخير هو الأقرب لثقافة الشعب السوري. ولأن الحكومة السورية – فيما يبدو – كانت لديها هذه القراءة، يستطيع الباحث بسهولة أن يقرأ في ثنايا خطاب الحكومة أن الاقتصاد والأمن هما في أعلى سلم قائمة أهدافها.
إن العلاقة بين الأمن والاقتصاد علاقة وثيقة ومتكاملة، إذ يؤثر كل منهما في الآخر تأثيرًا مباشرًا ومتبادلًا. فالاستقرار السياسي والأمني شرط أساسي للنمو الاقتصادي؛ فوجود أجهزة أمنية فعالة يحمي الممتلكات العامة والخاصة، والطرق والموانئ والمنشآت الحيوية، ما يضمن استمرارية النشاط الاقتصادي. وكذلك تزدهر حركة الاستثمار، وتزداد الثقة بالأسواق، وتنشط السياحة والتجارة. وفي المقابل: يوفر الاقتصاد القوي الموارد اللازمة لبناء مؤسسات أمنية فعالة، وتجهيز القوات المسلحة والتقنيات الأمنية الحديثة. وعندما تتوفر فرص العمل وتتحسن مستويات المعيشة، وتقل معدلات الجريمة والاضطرابات الاجتماعية.
المخابرات والجيش
في أثناء الحديث عن الأمن يتبادر إلى الذهن فورًا أجهزة المخابرات، فهي من أهم مؤسسات الدولة الحديثة لما لها من دور حيوي في حماية الأمن القومي وضمان استقرار النظام السياسي والاجتماعي. ولعل أهم ما يميزها مقدرتها على الكشف المبكر والتصدي للتهديدات قبل حدوثها. فأجهزة المخابرات لا يقتصر دورها على ردات الفعل، بل تعمل بشكل استباقي لمنع الأزمات قبل تفاقمها، ما يجعلها خط الدفاع الأول عن الدولة. بهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى هذه الأجهزة كأجهزة ثانوية، أو أنها تأتي في المرتبة الثانية من حيث الأهمية، بل على العكس تمامًا؛ يجب أن تكون من أهم مؤسسات الدولة وأقواها.
إذا كانت أجهزة المخابرات هي القوة الخفية للدولة، فالجيش هو القوة العلنية. لذلك اعتادت الدول أن تلجأ للاستعراضات العسكرية لإظهار قوتها، ومنح المواطن شعورًا بالفخر والاعتزاز والأمان. من هنا، فالجيش هو المؤسسة التي تتجلى فيها هيبة الدولة واستقرارها الأمني. ولأن الجيش هكذا، فهو يمتاز بالانضباط والهيكل الهرمي الصارمين. بمعنى أن الجيش لا يكون جيشًا، أو لا يؤدي المهام النفسية والمعنوية المطلوبة منه ما لم يظهر للعيان انضباطه الصارم، وما لم يشاهد المواطنون وغير المواطنين التراتبية الواضحة واحترام الرتب الأعلى، والتي لا بد أن تظهر على البزات العسكرية بوضوح تام.
المؤسسة الإعلامية
علاوة على ما سبق، يُعَدّ الإعلام من أهم الأدوات التي تعتمد عليها الحكومات في إدارة شؤون الدولة والتواصل مع المجتمع. فمع افتراض أن الحكومة حققت نجاحًا باهرًا على المستويين الأمني والاقتصادي، لا يمكن لهذا النجاح أن يقابل برضا الجمهور ما لم يوجد الإعلام القوي القادر على تسويق النجاح وإبرازه للجمهور، ومن ثم تشكيل الرأي العام وتوجيهه. إن الذكاء الفطري للمجتمعات لا يمكنه أن يميز بين الفشل والنجاح إلا على المدى البعيد وببطء شديد، لذلك لا يمكن الركون إليه.
والإعلام لا يستطيع تسليط الضوء على النجاح وتسويقه وحسب، بل هو يستطيع – في كثير من الأحيان – تسويق الفشل على أنه نجاح، في حين لا يمكن للنجاح والأداء الجيد أن يجد طريقه إلى رضا الجمهور لوحده؛ خصيصًا عندما يكون للحكومة خصوم لديهم الكثير من المهارات في تضليل الجمهور وتقزيم إنجازات الحكومة. وهكذا، فالمؤسسة الإعلامية ليست مجرد مؤسسة كمالية من مؤسسات الدولة، بل هي مؤسسة حيوية تؤدي مهامًا شديدة الأهمية؛ كتشكيل الرأي العام وتوجيهه، ومواجهة الشائعات والأخبار الكاذبة، والترويج للسياسات والإنجازات الحكومية، وتعزيز الهوية الوطنية.
أخيرًا، إذا كان جوهر هذه الرسالة يتمحور حول فكرة الشرعية المستمدة من الأداء الفعال، فإن جوهر الأداء الفعال هو المهارة والخبرة. وعند الحديث عن الخبرة يُفترض تلقائيًا استبعاد العناصر الشابة من المراكز القيادية أو مراكز صنع القرار في مؤسسات الدولة مهما تضاءل حجم هذه المؤسسة، لأن الدعوة لإتاحة الفرص أمام الشباب لا تعني بأي شكل أن ندفع بهم إلى الواجهة مرة واحدة. فالسلوك من هذا النوع نتيجته للحتمية: فشل الشباب وفشل المؤسسات التي كُلفوا بإدارتها.
تلفزيون سوريا



