مسألة المفصولون من اتحاد الكتاب العرب

لا بواكي على حرية كاتب كان شريكًا في الجريمة/ مصطفى ديب
13 أكتوبر 2025
لم يكن حسن م. يوسف يومًا كاتبًا حرًا، بل أحد أبرز الوجوه التي خدمت ماكينة البعث الثقافية، وكرّست خطابها الدعائي. صعد اسمه لا بفضل مشروع أدبي، بل عبر مواءمةٍ دقيقة مع سرديات النظام، حتى في أكثر لحظاته فظاعة، حين تعرّض السوريون للإبادة بالسلاح الكيميائي فاختار يوسف أن يسخر من الضحايا بدل أن يشهد لهم.
لم يكتب يوسف من موقع الحرية يومًا، بل من موقع التواطؤ. سواء في الصحافة أو التلفزيون، وكانت كتابته في إطار السردية التي يريد النظام تكريسها. ولذلك، لا يُعتبر فصل كاتب مثله مسًا بحرية التعبير، وإنما، ببساطة، نهاية رمزية لمرحلة كاملة من التزييف والتدجين الإعلامي الذي مثّله بأدقّ صورة: كاتب بلا أثر، بلا شجاعة، وبلا موقف إلا الموقف الذي تمليه عليه السلطة.
أما أحمد جاسم الحسين، فرغم أهمية رمزية الخطوة، بدا في قراره أقرب إلى استعراضٍ إداري منه إلى مراجعة أخلاقية حقيقية. بدا الحسين، في الفيديو الذي صوّر فيه توقيع قرار الفصل، أقرب إلى مدير مدرسة يوبّخ تلميذًا مشاغبًا منه إلى مسؤول ثقافي يفهم معنى العدالة الرمزية.
حين يكون التعبير تبريرًا للقتل، لا يمكن لأحد أن يدافع عن “حق التعبير”، ولا يمكن في الوقت نفسه أن يُبكى على “حرية كاتب” حين يكون هذا الكاتب جزءًا من ماكينة تغطية الجرائم وتبريرها، بل والسخرية من ضحاياها. هكذا جاءت ردود فعل السوريين على خبر فصل حسن م. يوسف من اتحاد الكتّاب العرب: سخرية لاذعة، وغضب أخلاقي مكتوم، ووعي جديد يرفض تلميع الوجوه التي لوّثها الصمت والتبرير.
لم يكن حسن م. يوسف سوى واحدًا من وجوه تلك المنظومة الواسعة من الكتبة والمخرجين والمحررين والمثقفين الذين أنشأوا، عن قصد أو عن تبعية، آلةً متكاملة لإنتاج المعنى المزيّف.
ولأنه لا مكان للمقايضة في أخلاقيات الذاكرة، لم يشفع الدفاع الشخصي الذي قدّمه محمد حبش — من باب أنه “دافع عني أنا وزوجتي في موقف سابق” — أمام وعي الناس الذين أعلنوا موقفهم: لا يبرّئك أن تنقذ شخصًا حين تبرّر قتل ألف.
ثمة تحوّل عميق في وعي السوريين، خصوصًا في نظرتهم إلى الثقافة السلطوية. فقد انهارت الرموز القديمة التي كانت تتصدّر الشاشات والمنتديات، بعدما تبيّن أنها لم تخلّف أثرًا فكريًا حقيقيًا، بل كانت مجرّد أدوات لإعادة إنتاج السلطة بلغة أدبية منمقة.
وبات واضحًا أيضًا أن الوعي الجديد يرفض الانتقائية والانتهازية التي تجعل الدفاع عن الجلاد ممكنًا فقط لأنه “كان لطيفًا معنا شخصيًا”، ويعبّر في الوقت نفسه عن توقٍ صادق إلى العدالة الرمزية، وإلى تسمية من وقفوا ضد الناس بمسمياتهم الحقيقية: شركاء في الجريمة، لا مثقفين.
وفوق كل ما تقدّم، يتبدّى سقوطٌ نهائيّ للحياد الكاذب وللرمادية المريحة، بعدما أدرك السوريون أن الغموض ليس موقفًا، بل تواطؤٌ وجبنٌ متنكران بلبوس الحذر، وأن السؤال وحده لا يكفي إن لم يُتبَع بإجابة ومسؤولية.
وفي قلب هذا الوعي الجديد تبرز مهمة كبرى: تفكيك شبكة الثقافة السلطوية التي لم تُبنَ في يوم، بل تراكمت عبر عقودٍ من ترويض العقول، وتدجين الحساسيات، وتمجيد الخضوع.
لم يكن حسن م. يوسف سوى واحدٍ من وجوه تلك المنظومة الواسعة من الكتبة والمخرجين والمحررين والمثقفين الذين أنشأوا، عن قصد أو عن تبعية، آلةً متكاملة لإنتاج المعنى المزيّف.
واليوم لم يعد يكفي أن نسقط شخصًا أو نحتفل بفصله، بل أن نعرّي المنظومة بأكملها: كيف تُكتب سردياتها، وكيف تُكافأ طاعتها، وكيف يُصادَر فيها الكلام باسم الأدب والالتزام، إذ إن فصل حسن م. يوسف لم يكن عقوبةً بقدر ما كان انعكاسًا لصراع هويات داخل النظام نفسه، أما العقوبة الحقيقية فقد جاءت من الناس.. من جمهورٍ لم يعد يُخدع، ولا ينسى.
الترا سوريا
——————————–
المفصولون من اتحاد كتاب سورية.. السياسة تعيد ترتيب المشهد الثقافي/ محمد أمين
14 أكتوبر 2025
قرار اتحاد الكتاب العرب في سورية بفصل عدد من أعضائه على خلفية دعمهم للنظام السابق، و”تحريضهم ضد السوريين”، عاصفة جدل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي وسجالاً في الوسط الثقافي في البلاد، سيما أن القرار عُدّ بداية لتحييد من شارك أو دعم أو تبنّى خطاب حكم البعث في قمع السوريين طيلة 14 سنة. وفور تسلّم مهامه رئيساً لاتحاد الكتاب العرب في سورية، السبت الماضي، أصدر الأكاديمي والكاتب أحمد جاسم الحسين قراراً نصّ على فصل عدد من الأعضاء، هم: رفعت الأسد (عم بشار الأسد)، وبثينة شعبان وبشار الجعفري وخالد العبود وعلي الشعيبي وخالد الحلبوني وطالب إبراهيم وخليل جواد ونهلة السوسو ورجاء شاهين وحسن أحمد حسن وسعد مخلوف وحسن م. يوسف. وأوضح الحسين أن الأيام القليلة المقبلة ستشهد إعادة كل الأعضاء الذين “تمّ فصلهم لأسباب سياسية أو فكرية” من قبل الاتحاد خلال سنوات الثورة.
وضمت قائمة المطرودين عدداً من أبرز الذين دافعوا عن النظام أو اشتغلوا في مؤسساته، وعلى رأسهم بثينة شعبان مستشارة بشار الأسد، وهو ما ينسحب على بقية المفصولين الذي دعا بعضهم إلى مواجهة الثورة بالحديد والنار، مثل طالب إبراهيم الذي قال في السنوات الأولى من الثورة إن قتل المتظاهرين “واجب”.
ولم يتأخر رد كل من بشار الجعفري سفير سورية السابق في موسكو، والكاتب حسن م يوسف على فصلهما من اتحاد الكتاب العرب، فالجعفري تهكّم على القرار واستخدم لغة لطالما اشتهر بها عندما كان سفيراً في الأمم المتحدة. وكتَب في منشور على فيسبوك، أنه كان “عضو شرف”، وليس “عضواً أصيلاً” في الاتحاد. وكذلك قال الكاتب حسن م يوسف إنه كان “عضو شرف” وإن رئيس الاتحاد الأسبق نضال الصالح منحه هذه الصفة، عام 2015، مدعياً أنه لم يحصل على بطاقة الانتساب. وكان الاتحاد يمنح عضوية الشرف لأسباب غالباً ما تكون سياسية، وينالها من دون أن يقدم كتابين مطبوعين كما تنص إجراءات الانتساب، ودون أن تُعرض كتبه على لجنة قراءة ودون أن يقدم طلب انتساب، وفق مصدر في الاتحاد.
وفي حديث لـ”العربي الجديد”، أشار أحمد جاسم الحسين، رئيس الاتحاد إلى أن الجعفري دافع عن نظام مجرم طيلة سنوات، والأولى به تقديم اعتذار للشعب السوري لفعلته هذه. وتابع: “أي منظمة في العالم لا يمكنها قبول أن يكون أحد أعضائها مدافعاً عن القتلة أو ينكر مجازرهم”.
وبيّن الحسين أن الكاتب حسن م يوسف “هو عضو شرف في الاتحاد”، مرجعاً سبب طرده إلى “محاولاته خلال السنوات الفائتة تمييع وتمويه ما كتب وما نشر حول مجزرة الكيماوي التي ارتكبها النظام البائد في منطقة خان شيخون بنيسان عام 2017”. وأضاف: كتب سيناريو فيلم تبنّى فيه رواية النظام السابق، واستهتر بعمل الخوذ البيضاء (الدفاع المدني)، إضافة إلى منشوراته التي دافع فيها عن جيش النظام. ورأى الحسين أنه “من المؤلم عدم اعتذار هؤلاء منذ الأيام الأولى للتحرير عن ما كتبه، وعن دفاعه عن الجرائم التي ارتكبها”.
وتوالت ردات الفعل في الوسطين الثقافي والإعلامي ما بين مؤيد أو مدافع عن بعض المفصولين ولا سيما الكاتب حسن م يوسف، والموجود خارج البلاد منذ سقوط نظام الأسد. فكتَب الممثل أيمن زيدان على فيسبوك أن “حسن م يوسف هو القاص والصحافي والأديب الحر الذي كان مسكوناً بهموم وأوجاع البسطاء والمقهورين طوال رحلته الأدبية والصحافية التي تقارب نصف قرن من الشغف والإنجاز”. وتابع “يوسف كان من أوائل من أسهم في حمل الدراما السورية خارج الوطن عبر رائعته ’نهاية رجل شجاع‘ عن رواية حنا مينه. ولعب زيدان بطولة هذا العمل الذي عُرض في تسعينيات القرن الفائت، وتلاه مسلسل “إخوة التراب”، الذي كتبه يوسف أيضاً وتناول السنوات الأخيرة من الوجود التركي في بلاد الشام في الربع الأول من القرن الفائت، إذ حاول البعض ربط قرار فصل يوسف من عضوية الاتحاد بذاك المسلسل. كما دافع رجل الدين محمد حبش عن يوسف في منشور له معتبراً موقفه خلال سنوات الإبادة للسوريين “نبيلاً”.
وفي المقابل، رحّب عدد كبير من الكتاب والإعلاميين بقرار فصل الكتّاب الـ 14، واستغرب بعضهم بقاء شخص مثل رفعت الأسد الذي ارتكب المجازر بحق السوريين سيما مجزرة تدمر عام 1980 ومجزرة حماة 1982، في مؤسسة تُعنى بالثقافة والفكر. وطالب عدد من الناشطين على فيسبوك، إحالة المفصولين من الاتحاد للقضاء، مع التذكير بمنشوراتهم السابقة المؤيدة لنظم الأسد، ومنهم الإعلامي غازي عبد الغفور الذي أدرج منشوراً يقول فيه: “يتوهم مَن يعتقد أن العمل الدرامي “نهاية رجل شجاع” لصاحبه حسن م يوسف هو صك غفران يجبُّ ما بعده”، مضيفاً “المثقف الذي يُفترض أن يكون ضمير الأمة وصوتها وباع نفسه وكلمته للمال السياسي والسلطان على حساب دم شعبه ووجعه، أو رهن نفسه ووضع ذاته في اصطفافات ضيقة، طائفية كانت أو نفعية، حقيقةً، لا يهتم لمثل هذه القرارات”، في إشارة الى حسن م يوسف وقرار فصله.
————————————————
أحمد جاسم الحسين رئيساً لاتحاد كتاب سورية/ 12 أكتوبر 2025
عُيّن أمس السبت، الأكاديمي والكاتب السوري أحمد جاسم الحسين رئيساً لاتحاد الكتاب العرب في سورية، خلفاً للشاعر محمد طه العثمان، الذي كان أول رئيس للاتحاد بعد سقوط نظام الأسد، تعيّنه الإدارة الجديدة في البلاد، وقد قدم استقالته قبل نحو أسبوعين.
الحسين المولود في مدينة الميادين شرقي سورية عام 1969، أصدر قراراً اليوم الأحد، بفصْل كلّ من رفعت الأسد وبثينة شعبان وبشار الجعفري وخالد العبود وعلي الشعيبي وخالد الحلبوني وطالب إبراهيم وخليل جواد ونهلة السوسو ورجاء شاهين وحسن أحمد حسن وسعد مخلوف وحسن م. يوسف من عضوية الاتحاد.
وفي تصريح للحسين، نُشر على صفحة اتحاد الكتاب في فيسبوك، أوضح أن “هذا القرار هو الأول وستليه عدد من القرارات الأخرى التي تهدف لإعادة الاتحاد إلى دوره الثقافي بما ينسجم مع حقوق الإنسان التي أقرتها الأمم المتحدة”. مضيفاً أنه “في الأيام المقبلة سيواصل الاتحاد إعادة كل الأعضاء الذين تمّ فصلهم لأسباب سياسية أو فكرية”.
وجاء في نص القرار أنه: “بسبب خروج هؤلاء على شرعة حقوق الإنسان التي قررتها الأمم المتحدة والنظام الداخلي للاتحاد حيث أنكر هؤلاء الأعضاء جرائم النظام البائد. ومنها جريمة الكيماوي وعشرات المجازر، وقام عدد منهم بالدعوة لقتل السوريين”.
ويحمل أحمد جاسم الحسين شهادة الدكتوراه في الأدب الحديث والنقد من جامعة دمشق عام 2000، وعمل أستاذاً مشاركاً في قسم اللغة العربية فيها، وعميداً لكلية الآداب في جامعة الفرات فرع الحسكة، ومستشاراً ثقافياً لوزارة التعليم العالي، وأستاذاً مساعداً في كلية المعلمين بجامعة تبوك في السعودية لعدة سنوات.
وصدر له نحو 15 مؤلفاً، منها: تحقيق كتاب “حقوق الجار للإمام الذهبي”، ومجموعة قصصية بعنوان “لو كنت مسؤولاً”، وكتب نقدية بينها “قصة التسعينات في سوريا”، و”سعد الله ونوس في المسرح العربي الحديث”.
وكانت الأمانة العامة للشؤون السياسية في الإدارة السورية الجديدة، عيّنت في إبريل/ نيسان الفائت هيئة إدارية جديدة لاتحاد الكتاب العرب، وهو ما أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية السورية في حينه، ولا سيما أن القرار يحمل تجاوزاً واضحاً لقوانين اتحاد الكتاب العرب الخاصّة بانتخاب قيادته أو سحب الثقة منها. وحددت الأمانة العامة دور الهيئة بتهيئة الأجواء لعقد مؤتمر عام لأعضاء الاتحاد خلال عام، وإجراء انتخابات تؤسس لاستقلالية عن السلطة السياسية.
يُذكر أن اتحاد الكتّاب العرب في دمشق لم ينج منذ تأسيسه عام 1969 من هيمنة حكم البعث ووصايته على كل المنظمات الشعبية، وتبنى بشكل كامل خطاب النظام البائد في سنوات الثورة السورية (2011- 2024).
———————————–
========================



