مقالات تخص انتخابات مجلس الشعب التي جرت في سورية تحديث 17 تشرين الأول 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي:
———————————–
الانتخابات السورية… مفارقات وإشكالات/ مالك ونوس
16 أكتوبر 2025
بعدما كان اتجاه السلطة الجديدة في سورية ينحو نحو تأجيل أي انتخابات إلى سنوات مقبلة، بدافع من أسباب موضوعية وذاتية خاصة بها وبالبلاد، أصدر الرئيس أحمد الشرع، وبشكل مفاجئ، في 13 يونيو/ حزيران الماضي، المرسوم رقم 66 لعام 2025، والذي قضى بتشكيل “اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب”، مستنداً بذلك إلى المادة 24 من الإعلان الدستوري. وبينما لم يتوقع السوريون إطلاق عملية الانتخابات بهذه السرعة، جاءت الخطوة لتزيد الانقسامات والخلافات حول ضرورتها وأهدافها، ومدى شرعيتها في نظر أبناء البلاد والمجتمع الدولي. كما تفاعلت النقاشات وتفضيل بعضهم عدم إجراء انتخابات من أي نوع قبل البتّ بالاستحقاقات الأهم، إضافة إلى عدم جواز إجرائها في ظل معاناة البلاد من توتر أمني، ومن غزو خارجي لأراضيها أو تمرّد في أحد أقضيتها، وهذا ما ينطبق على سورية بجدارة، ويجعل قابلية الطعن بنتائج هذه الانتخابات وشرعيتها جائزاً في أي لحظة.
وكان الشرع قد تحدّث إلى إحدى القنوات التلفزيونية العربية، أواخر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، قائلاً إن تنظيم انتخابات قد يحتاج أربع سنوات، يسبقها إعداد دستور جديد، والذي قد يستغرق ثلاث سنوات. وعزا السبب إلى الحاجة إلى إجراء إحصاء سكاني قائلاً: “أي انتخابات سليمة ستحتاج إلى القيام بإحصاء سكاني شامل”. وهو أمر ردّده في ما بعد، مضيفاً أنه يفترض بهذا الإحصاء أن يشمل أيضاً السوريين في أماكن نزوحهم داخل البلاد، وأماكن لجوئهم في دول الجوار أو الدول الغربية، وهذه تُعدُّ من المصاعب التي تحتاج تضافر الجهود وتوفر المقومات غير المتوفرة حالياً. وكما كان متوقعاً، تبيَّن أن الهدف الرئيس من هذه الانتخابات إقرار الاتفاقات والمعاهدات الدولية، إذ قال الشرع، بعد اطلاعه على سير العملية الانتخابية، في 5 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري: “القوانين معطّلة في سورية وتحتاج إلى تصويت، والموازنات أيضاً تحتاج إلى تصويت”. ولكن لا أحد يعلم ما الذي دفع فجأة إلى تأسيس هذا المجلس، على مبدأ تعيين ثلث أعضائه تعييناً مباشراً من رئيس الجمهورية، وتنظيم الانتخابات لاختيار العدد الباقي عبر “هيئات ناخبة”، وهذه الهيئات عيّنتها “لجان انتخابات فرعية” عيّنتها بدورها لجنة عليا شكلها الرئيس بموجب صلاحياته التي حدّدها الإعلان الدستوري. في حين أن حجم التمثيل الشعبي غير واضح، لأن عموم الشعب لا يدلون بأصواتهم في هذه الانتخابات، بل هي محدودة بما يقارب 1500 مرشّح تصطفي “الهيئات الناخبة” 140 مرشحاً منهم.
وبغض النظر عن شرعية هذه الانتخابات التي تحدّدها شروط الظروف الأمنية التي تمر بها البلاد، وغياب عامل الرقابة الدولية التي تحدد مدى نزاهتها، وبغض النظر عن ضرورة البتّ في استحقاقاتٍ أكثر أهمية، من قبيل العدالة الانتقالية والتسوية السياسية وملفات المفقودين وغيرها، والتي كان يجب البتّ بها قبلاً من أجل زيادة استقرار البلاد، هنالك مفارقات عديدة تطرحها هذه العملية. إحدى هذه المفارقات غياب ثلاث محافظات، السويداء والرقة والحسكة، التي تسكنها أقليات درزية وكردية، عن المشاركة بهذه العملية نتيجة الاستبعاد ونتيجة إحجام أهلها عن المشاركة فيها. فمن ناحية الاستبعاد، صرّح عضو اللجنة العليا للانتخابات نوار نجمة، للوكالة العربية السورية للأنباء (سانا)، في 23 أغسطس/ آب الماضي: “اللجنة العليا قرّرت إرجاء العملية الانتخابية في المحافظات المذكورة إلى حين توفر الظروف الأمنية المناسبة والبيئة الآمنة لإجرائها”. ولكن، هل يمكن القول إن المحافظات الأخرى تتوفر فيها ظروف أمنية مستقرّة حتى تجرى فيها الانتخابات وتحرم منها أخرى؟ كان من الحري تأجيل هذه الانتخابات حتى تستقر أوضاع المحافظات المستبعدة، خصوصاً أن نجمة قد أضاف: “مخصّصات هذه المحافظات الثلاث من المقاعد ستبقى محفوظة إلى حين إجراء انتخابات فيها بأقرب وقت ممكن”، فهل سيجري إقرار قوانين تخص هذه المحافظات، في غياب ممثليها ومن دون أن يكون لأهلها وسكانها الذين يصل عددهم إلى أكثر من خمسة ملايين نسمة أي رأي فيها، ما يجعلها تفرض فرضاً عليهم وتصبح سبباً للخلاف المستقبلي مع دمشق؟
مفارقة أخرى تتعلق بمبدأ فصل السلطات، فكما أن رئيس الجمهورية يُعدُّ، بموجب الإعلان الدستوري، هو ذاته رئيساً للحكومة، فستجعله هذه الانتخابات رئيساً لمجلس الشعب بشكل غير مباشر أيضاً. فإضافة إلى صلاحياته بتعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب الحالي، عيّن لجنة عليا للانتخابات، أنيطت بها مهمة تشكيل “لجان انتخابات فرعية” و”هيئات ناخبة” في 11 محافظة من أصل 14، مهمتها ترشيح أعضاء لانتخابهم. ولافت أنه يحق لأعضاء هذه الهيئات الناخبة الترشح أيضاً. وهنا يمكن الاستنتاج أنه وبحكم اختيار الرئيس ثلث أعضاء المجلس، وتشكيله اللجنة العليا ممن يثق بهم وبولائهم، والتي ستختار هي من تثق بهم وبولائهم للحكم الجديد ورئيسه، سيكون جميع الأعضاء موالين له، ما يكرّسه رئيساً للسلطات الثلاث. لذلك، لا وجود لصوت معارض أو مخالف في مجلس الشعب الجديد، ما يضمن للرئيس الحصول على إجماع هذا المجلس على القوانين والاتفاقات التي يدفعها إليه للتصويت عليها وتصديقها.
هنالك مفارقة أخرى طارئة ومستجدّة، وربما يمكن تصنيفها نافرة، ليس بسبب شخصه أو ديانته، ولكن بسبب انعدام وجود من يمثلهم، وهي ترشّح الحاخام اليهودي السوري الأميركي هنري حمرا، من دون وجود مجموعة يهودية كافية من ناحية العدد (لا يتجاوز عدد اليهود في دمشق عدد أصابع اليد)، لكي يمثلها ولكي تضمن له الفوز في الانتخابات، علاوة على معضلة ازدواج الجنسية، كونه يحمل الجنسية الأميركية إلى جانب السورية. كما أن من غير المعروف إن كان يحمل الجنسية الإسرائيلية، وهذا قد يفجر خلافات مستقبلية وتصبح له إشكاليات إن تأكّد هذا، خصوصاً إذا ما تفاخر الإسرائيليون، في مقبل الأيام، بأن هنالك من يمثلهم في البرلمان السوري، ومن الممكن لبنيامين نتنياهو نفسه أن يتفاخر بهذا الإنجاز ويجيِّره لصالحه.
يمكن القول إن القيادة السورية جازفت بإجراء هذه الانتخابات في ظل انقسام جغرافي وسياسي تعانيه البلاد، وفي ظل عدم التأكد من مدى قبول المجتمع الدولي نتائجها، كونها استبعدت فئة كبيرة من السوريين ومنعتها من المشاركة بها. كما أجرتها في غياب تسوية سياسية وتوافق داخلي، ما قد يكون له تأثير على اعتراف المجتمع الدولي بالحكومة المقبلة وشرعيتها. ولأن الانتخابات كرّست غياب مبدأ فصل السلطات، ما يؤثر على صورة الحكم الجديد، ويعطي انطباعاً بعدم وجود تغيير فعلي في شكل الحكم في سورية، ويجعل البلاد مهدّدة بالعودة إلى حكم الفرد. لذلك، ربما أرادت السلطة الجديدة من هذه الانتخابات أن تكون أداة لقياس مستوى الولاء الشعبي، ولكن ليس بالولاء للسلطة وحده تبنى البلدان، خصوصاً تلك التي عانت شعوبها، على مدى عقود، من تبعات الولاء المطلق للحاكم، بعدما أشاحت نظرها عن انتهاكاته وإجرامه خاضعةً راضيةً.
العربي الجديد
———————————-
في سوريا.. شرعية برلمانية مأزومة!/ معاذ الحمد
شرعية مأزومة: البرلمان السوري بين الدين والسيطرة السياسية
2025-10-18
في سوريا يطرح المشهد السياسي المعقد سؤالاً جوهرياً: ما مدى شرعية السلطة الانتقالية ومؤسساتها الجديدة، في ظل بيئة تتسم بالاضطراب السياسي والاجتماعي؟ في قلب هذا التساؤل، يقف البرلمان السوري الجديد بوصفه أول هيئة تشريعية في عهد الرئيس الانتقالي أحمد الشرع. لكن أي نقاش حول شرعية البرلمان لا يمكن فصله عن الطريقة التي تم تشكيله بها، ولا عن دور الخطاب الديني المتشدد الذي يُستخدم لاستدامة السلطة، ما يجعل دراسة البرلمان الحالي مرآة للتناقضات بين الدين، السياسة، والمجتمع.
برلمان تشكّل في الظل: شرعية على الورق
أُجريت الانتخابات البرلمانية بطريقة غير مباشرة، سمحت للرئيس الانتقالي بتعيين ثلث الأعضاء والإشراف على اختيار الثلثين الآخرين عبر مجالس وهيئات محلية محدودة الصلاحيات. هذه العملية، التي بررت السلطة بأنها لضمان “الاستقرار الانتقالي”، أثارت جدلاً واسعاً حول تمثيل البرلمان الفعلي للسوريين.
الباحث والمحلل السياسي حسان عليان يصف في تصريحات لـ”963+” الانتخابات بأنها “صورية وليست شعبية”، مؤكداً أن العملية لا تعكس إرادة السوريين، بل رغبة النظام في تكريس “دولة صورية جديدة”. ويشير عليان إلى أن بعض المرشحين لم يحصلوا إلا على عشرات الأصوات، وهو ما يؤكد غياب التمثيل الشعبي الحقيقي، فيما يشير تعيين ثلث الأعضاء من قبل أحمد الشرع إلى “مخالفة للقوانين الوضعية والمبادئ الديموقراطية، وإعادة إنتاج النظام الفردي القديم بشكل أخطر من السابق”.
الباحث المصري والمتخصص في شؤون الجماعات المتطرفة والإرهاب، مصطفى أمين عامر، يرى في تصريحات لـ”963+” أن الصيغة التشريعية الحالية “توفر غلافاً قانونياً وشكلياً للنظام أمام المجتمع الدولي، لكنها لا تمنح البرلمان شرعية دائمة أو انتخاباً حقيقياً صادراً عن الشعب”، مشدداً على أن غياب قوى مدنية فاعلة يجعل خيار التحوّل إلى برلمان منتخب أمراً بعيد المنال.
بينما يشدد أوس درويش، الكاتب والباحث السياسي وأستاذ القانون العام، في حديثه لـ”963+” على أن “الإعلان الدستوري الذي صدر عن منظومة الشرع لا يمتلك أي أسس قانونية صحيحة، ويمثل مجرد واجهة لإضفاء مشروعية وهمية على سلطة الأمر الواقع”. ويضيف: “مجلس الشعب الذي تم تشكيله من خلال هذه الآلية مجلس تعييني بالكامل ولا علاقة له بالإرادة الشعبية”.
مرحلة حساسة
يقدم صلاح قيراطة، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، قراءة متوازنة للجدل حول البرلمان، موضحاً أن “الجدل حول طبيعته ليس بلا وجاهة، لكنه لا يمكن قراءته بمعزل عن المرحلة الانتقالية الحساسة التي تمر بها البلاد”.
ويؤكد قيراطة في تصريحات لـ”963+” أن وجود البرلمان خطوة ضرورية لإعادة بناء مؤسسات الدولة ومنح الحياة السياسية إطارًا قانونيًا، لكنه شدّد على أن الشرعية الحقيقية تُقاس بمدى تمثيل البرلمان لإرادة الناس وقدرته على ممارسة دوره الرقابي والتشريعي بحرية واستقلال.
ويضيف قيراطة: “البرلمان قد يكون رمزًا للاستمرار أكثر منه تعبيراً عن الإرادة الشعبية إذا كانت العملية الانتخابية محدودة التنافس أو محكومة بظروف استثنائية، لكنه يمكن أن يشكّل بداية لمسار سياسي أطول إذا توافرت الإرادة لتوسيعه وتحريره من الهيمنة التنفيذية”.
ويشير إلى استخدام الدين لتعزيز الشرعية، موضحاً بعدين متوازيين: “أولاً، حين يُستثار الخطاب الديني لتثبيت السلطة، يتحول الدين إلى أداة للتعبئة والسيطرة، ويصبح البرلمان منبراً للولاء للنظام. ثانياً، الدين جزء من النسيج الاجتماعي السوري ويمكن أن يكون مرجعاً مشروعاً إذا انعكس في التمثيل والتقاليد المجتمعية، وليس مجرد وسيلة شرعية للسلطة”.
ويختتم بالقول: “الشرعية الحقيقية لا تُمنح بالرموز الدينية أو الشكل المؤسسي وحده، بل تُكتسب عبر التمثيل والمساءلة والعدالة. المقياس الواقعي للشرعية هو توازن الأداء الداخلي مع الاعتراف الخارجي: السلطة التي تحقق هذا التوازن تنال شرعية نسبية، بينما تلك التي تخفق في أي منهما تبقى ضعيفة مهما بدا شكلها مؤسساتياً قوياً”.
بدوره، يضيف علاء رجب، الحاصل على دكتوراه في الإعلام والتسويق السياسي، لـ”963+” منظوراً مختلفاً حول العلاقة بين البرلمان والإرادة الشعبية، مشيراً إلى أن “ما يميز البرلمان السوري اليوم هو اعتماده على الإرادة الشعبية، كونه نتاج الحراك المجتمعي الذي تحدى الواقعية السياسية وانعتاق القرار المحلي من سيطرة الاحتلالات المتعددة التي عانت منها سوريا سابقًا”.
ويؤكد رجب أن البرلمان الحالي يمثل تحوّلاً عن “البرلمان المزيف” في عهد النظام السابق، الذي كان “نتاج السلطة السياسية لا الإرادة المجتمعية”، مضيفاً: “لن يكون هناك تناحر بين الأطراف المختلفة لأنهم طرف واحد أساساً، والوظيفة الأساسية للبرلمان اليوم هي مساعدة السلطة على التفكير وإدارة الواقع السوري قانونياً وسياسياً وثقافياً”.
وفيما يتعلق بالدين، يرى رجب أن “السلطة الحالية تسعى إلى تفعيل الدين لا توظيفه، فالتوظيف يشكل خطراً حضارياً، بينما التفعيل السياسي يمثل مصالحة بين الحامل البشري السوري والفاعل السياسي، ويجب أن يعمل البرلمان على منع التوظيف والسعي نحو المصالحة الحضارية والثقافية”.
ويختتم بالقول إن “المقياس الواقعي للشرعية اليوم هو الشرعية الثورية، لكنها لا تسمح بتجاوز المبادئ الاجتماعية والسياسية التي انتفضت الثورة لتحقيقها، ومن هنا، يقع على البرلمان دور مساعد السلطة في التفكير وتحقيق وتمكين سلطة الثورة التحررية عبر التشريع والقانون والسياسة”.
الدين كرافعة للشرعية
الدستور المؤقت استند إلى الشريعة الإسلامية كمصدر رئيسي للتشريع، في خطوة تحمل دلالات سياسية بقدر ما تحمل دلالات دينية. فالخطاب الإسلامي الصارم الذي تبنته السلطة الجديدة هدفه استقطاب القاعدة الشعبية السنية، خاصة في المناطق التي تشكل الحاضنة الأوسع.
عامر يشرح أن النظام “يحاول إضفاء شرعية دينية على أفعاله السياسية، عبر قراءة دينية خاصة تُفرض على مؤسسات الحكم”، مضيفاً أن هذه الشرعية الدينية “مصاغة بشكل شكلي، إذ اختير كثير من الأعضاء لالتزامهم بقراءات دينية متطرفة لا تعكس بالضرورة حضورًا أو تأثيرًا حقيقيًا للقوى المدنية داخل المجلس”.
وفي رؤية درويش، المنظومة القائمة تمثل “نموذجاً للحكم الاستبدادي المغلف بالدين”، حيث أن “الإعلان الدستوري هو ستار سياسي يمنح شرعية زائفة لجماعة إرهابية تحاول تقديم نفسها كبديل للدولة”.
عليان يشدد على أن استمرار الخطاب الطائفي والتحريضي “يمنع قيام دولة ديموقراطية مدنية تحترم مكونات المجتمع السوري”، ويشير إلى تصاعد اعتداءات لفظية وطائفية في مناطق حساسة مثل جوار مقام السيدة زينب، ما يفاقم الانقسام الداخلي ويزيد من هشاشة الدولة.
تأجيج المشاعر الإسلامية كأداة استدامة سلطوية
تستخدم السلطة الانتقالية الدين أداة سياسية لتثبيت الاستقرار الداخلي على المدى القصير، لكنها في الوقت نفسه تُغذي الانقسام المجتمعي على المدى الطويل. فالتعبئة الدينية تُستخدم لإنتاج حالة “تعبئة عاطفية” ضد الخصوم السياسيين والمذهبيين، ما يمنح النظام شرعية قسرية تعتمد على الدفاع عن “الهوية الإسلامية” بدلاً من التمثيل الديموقراطي أو الإجماع الوطني.
ويرى عليان أن هذا النهج يخلق “حالة تعبئة ضد الأقليات والمجتمع المدني، وقد تدفع البلاد نحو حرب أهلية مدمّرة تهدد وحدة الدولة والمجتمع السوري”.
ويضيف عامر أن هذه العملية “تحوّل الشرعية إلى أداة احتكار سياسي وديني، حيث يصبح الانتماء إلى الجماعة الدينية أو المذهبية فوق الانتماء للدولة، ويضعف بناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية”.
ويتفق درويش مع هذه الرؤية، موضحاً أن “الهيمنة الدينية تستند إلى بنية تنظيمية متطرفة، يعيد إنتاج مفاهيم التكفير والإقصاء، بحيث لا يمكن للبرلمان أو النظام أن يكونا أداة دولة مدنية، بل يكرسان عقلية الإرهاب والهيمنة”.
هيئة تحرير الشام والتحولات الدولية
إشكالية الشرعية لا تتوقف على الداخل السوري، بل تمتد إلى العلاقات الدولية، حيث يشكل وجود عناصر من “هيئة تحرير الشام” تحدياً للشرعية الدولية للبرلمان الانتقالي.
ويشير عليان إلى أن “الهيئة ما زالت تصنف كمنظمة إرهابية من قبل المجتمع الدولي، وأن أي محاولة لإعفاء الشرع تأتي لأسباب سياسية مرتبطة بأمن إسرائيل، وليست جزءاً من دعم التحول الديموقراطي”.
أما درويش فيشير إلى أن المنظومة الحالية، بما فيها البرلمان، “لا تمثل سوى امتداد لتنظيمات داعش والقاعدة، وتعمل على إضفاء شرعية شكلية على سلطة استبدادية”.
ويضيف عامر أن محاولة السلطة دمج الضوابط الشرعية ضمن التشريعات والسياسات، دون مشاركة فعلية من المجتمع المدني، تُبرز “شرعية شكلية” تفتقر إلى جوهر الديموقراطية، وتُبقي سوريا في حالة هشاشة داخلية ودولية.
تآكل مفهوم المواطنة
تولّد الشرعية الدينية المتشددة داخل البلاد حالة من الاحتقان الطائفي العميق. الأقليات المسيحية والعلوية والكردية تشعر بالإقصاء، في حين تعتبر القوى المدنية أن الصيغة الإسلامية المهيمنة عائق أمام أي تحول ديموقراطي حقيقي.
ويشير عامر إلى أن تهميش المكوّنات الأساسية، مثل الأكراد في الشمال ومدينة السويداء والعلويين والدروز، يؤدي إلى تراجع حقوق المواطنة والتعددية ويخرج هذه الفئات من المعادلة التشريعية والسياسية، ما يزيد الاستقطاب الاجتماعي ويقوّض إمكانية بناء دولة مدنية حديثة.
ويتفق عليان على أن غياب التمثيل الفعلي للأقليات يُسهم في تصاعد احتمالات الصدام الأهلي، بينما يؤكد درويش أن “الهيمنة الدينية على البرلمان ومؤسسات الحكم تكرّس عقلية الإقصاء وتمنع أي مشاركة سياسية حقيقية”.
الشرعية مقابل الديموقراطية
غياب الانتخابات المباشرة يمثل أبرز مأزق للشرعية التشريعية في سوريا. فآلية تشكيل البرلمان، سواء عبر التعيينات المباشرة أو المجالس المحلية ذات الصلاحيات المحدودة، تقلل ارتباط البرلمان بالمواطنين وتضعف الرقابة والمساءلة.
يعتبر عليان أن ما جرى يمثل “صورة شكلية للانتقال السياسي أمام المجتمع الدولي”، فيما يشدد عامر على أن البرلمان “يشرعن إجراءات النظام ويمنحه استمرارية، لكنه لا يعكس إرادة الشعب”. ويوافق درويش في أن هذا البرلمان “يفتقر حتى إلى أبسط آليات الرقابة مثل الاستجواب أو حجب الثقة عن الوزراء، وكل السلطات التنفيذية والقضائية مركزة في يد الرئيس”.
بين هشاشة الشرعية وإمكانية التحول
يتفق الخبراء (عليان، عامر، ودرويش) على أن استمرار شرعية القوة القائمة على الدين المتطرف والسيطرة التنفيذية سيؤدي إلى تفاقم الانقسام الداخلي وربما إلى صدام أهلي واسع، وأن البرلمان الحالي لا يعكس إرادة الشعب، بل يمثل أداة للحفاظ على الهيمنة السياسية والدينية بشكل شكلي.
في المقابل، يقدم قيراطة ورجب قراءة متوازنة، مؤكدين أن البرلمان يمكن أن يمثل بداية لمسار سياسي أطول إذا توفرت الإرادة لتوسيعه وتحريره من الهيمنة التنفيذية، مع تعزيز الرقابة وتمكين التمثيل الشعبي.
فوفق قيراطة، الشرعية الحقيقية تُقاس بالتمثيل والمساءلة والعدالة، وأن الدين يمكن أن يكون جزءاً مشروعاً من النسيج الاجتماعي السوري إذا انعكس في التمثيل والتقاليد المجتمعية، وليس مجرد وسيلة للسلطة.
ويضيف رجب أن البرلمان الحالي، بالاعتماد على الإرادة الشعبية والمشاركة المجتمعية، قد يساهم في إدارة الواقع السوري قانونياً وسياسياً وثقافياً، مع تفعيل الدين بشكل يحقق مصالحة حضارية، بدل أن يكون أداة للهيمنة أو التعبئة الطائفية.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن البرلمان السوري الجديد يمثل نموذجاً للشرعية المركبة والمأزومة: أداة لاستدامة السلطة وفق قراءة عليان، عامر، ودرويش، وفرصة محتملة للتحول وفق قراءة قيراطة ورجب، إذا تم توسيع التمثيل والرقابة وضبط العلاقة بين الدين والسياسة ضمن إطار مؤسساتي حقيقي.
فالشرعية هنا إذن ليست مطلقة، بل مرتبطة بالقدرة على تحقيق التوازن بين الأداء الداخلي والاعتراف الخارجي، بين التمثيل الشعبي والتحكم الديني والسياسي. وفي غياب هذا التوازن، يبقى البرلمان واجهة سياسية والدين أداة شرعية، بينما يظل الشعب خارج صناعة قراره ومصيره.
+963
——————————–
مجلس الشعب السوري: حصة الشرع قبل نهاية الشهر وستسد الثغرات/ جانبلات شكاي
كشفت مصادر اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا لـ «القدس العربي»، أن تصدر القوائم النهائية لأعضاء المجلس بما فيها تلك التي سيحددها رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، ولكن باستثناء حصة بعض المناطق المؤجلة في الحسكة والرقة والسويداء ودائرة عين العرب في حلب، قبل نهاية الشهر الجاري. وذلك، وسط آمال بأن تعجل النتائج الإيجابية المرتقبة من المفاوضات الحالية بين الإدارة الذاتية لمناطق شمال وشرق سوريا مع الحكومة في دمشق، بإجراء الانتخابات في الدوائر المؤجلة.
ثلث أعضاء المجلس
وأوضحت المصادر أن حصة الشرع التي تبلغ ثلث أعضاء المجلس بدأ العمل بإنجازها وستسد أبرز الثغرات التي ظهرت خلال الانتخابات، إن في زيادة نسبة النساء التي لم تتعد الـ5٪ أو زيادة عدد المسيحيين تحت القبة حيث لم تنجح إلا واحدة، وأيضا في تمثيل مكونات المجتمع الصغيرة مثل الشركس والآشوريين والسريان والمرشديين، إضافة إلى زيادة نسبة تمثيل الكرد، ولكن مع التشديد على موضوع الكفاءات خلال إعداد هذه القائمة.
وأعلنت اللجنة العليا للانتخابات في السادس من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، النتائج النهائية لانتخابات مجلس الشعب التي جرت في 49 دائرة انتخابية من أصل 60، وأسفرت عن وصول 119 إلى تحت قبة المجلس، من أصل 140 سيتم انتخابهم من الهيئات الناخبة، إلى جانب 70 آخرين سيتم تعيينهم من قبل الرئيس الشرع.
اللجنة التي كانت قد أعلنت سابقا أنها ستؤجل إجراء الانتخابات في محافظات السويداء والرقة والحسكة لأسباب أمنية، وباعتبار أنها لا تقع تحت سيطرة الحكومة في دمشق، عادت وأعلنت أنها ستجري الانتخابات في ثلاث مناطق انتخابية تقع ضمن مناطق سيطرة الدولة، هي رأس العين التابعة لمحافظة الحسكة ومنطقتا تل أبيض ومركز الرقة. ووفق خطتها قامت في 28 أيلول/ سبتمبر الماضي بنشر قوائم أولية للهيئات الناخبة في المناطق الثلاث السابقة، لكنها نشرت في 12 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري القوائم المتممة لمنطقتي تل أبيض ورأس العين فقط واستثنت منطقة مركز الرقة.
وفي تصريح خاص لـ «القدس العربي» أوضح عضو الهيئة العليا للانتخابات، ومسؤول هذه الدوائر أنس العبدة، أنه وبعد استمزاج الرأي من الأهالي استنتجنا بأن إجراء الانتخابات في مركز الرقة لن يتم بصورة طبيعية بسبب ضغوط كانت تمارسها قوات سوريا الديمقراطية – قسد على كل من سيشارك في الهيئة الناخبة لهذا المركز، باعتبار أن «قسد» تسيطر على مساحة من الأرض. وعلى خلاف مركزي تل أبيض ورأس العين المحررتين، تم إقرار تأجيل الانتخابات في مركز الرقة استجابة لآراء الأهالي وحتى يحصل المواطن في تلك الدائرة الانتخابية على الفرصة ذاتها التي حصل عليها الآخرون في مناطق انتخابية أخرى في سوريا.
ووفق العبدة، فإنه للأسباب ذاتها تم تأجيل الانتخابات في دائرة عين العرب في حلب وكانت حصتها عضوين إلى مجلس الشعب.
وقال: سنقوم بتنظيم الانتخابات قريبا في دائرتي تل أبيض ورأس العين، وبذلك سيتم إجراء الانتخابات في 51 دائرة ويتبقى 9 دوائر منها 3 في الحسكة ودائرتان في الرقة وواحدة في عين العرب في حلب، إضافة إلى 3 دوائر في السويداء ليصبح مجموع الدوائر الانتخابية 60 دائرة.
وأوضح أنه تم الإعلان عن انتخاب 119 عضوا، وسيتم إجراء الانتخابات في دائرتي رأس العين وتل أبيض لانتقاء ثلاثة، فيتبقى 18 عضواً مؤجل انتخابهم وهم موزعون على دوائر الحسكة (9) والرقة (4) والسويداء (3) وعين العرب في حلب (2).
وتابع: انتهت فترة الطعون بالنسبة لمنطقتي تل أبيض ورأس العين الثلاثاء، ومن المتوقع صدور القوائم النهائية اليوم الخميس، وبعدها سيتم فتح باب الترشيح لعضوية المجلس ثم عملية الانتخاب التي ستكون في غضون أسبوع.
مفاوضات الدمج
العبدة شدد على أن السبب الرئيس لتأجيل الانتخابات في مركز الرقة هو لإتاحة الفرصة ذاتها أمام الجميع، لكنه أشار أيضا الى أن تحقيق تقدم في المفاوضات الجارية الحالية بين الإدارة الذاتية لمناطق شمال شرق سوريا والحكومة السورية قد ينعكس إيجابا على تسريع إجراء انتخابات مجلس الشعب في دوائر الحسكة والرقة وعين العرب في حلب. وقال: لا شك إن ذلك يلعب دوراً، وأحد أسباب التأجيل يعود إلى عدم محاولة ترك آثار سلبية على عملية التفاوض تظهرنا وكأننا نسعى لفرض آلية استثنائية، وسط آمال لإحراز تقدم في هذه المفاوضات تفتح الباب أمام إجراء الانتخابات في الدوائر المؤجلة.
حصة الرئيس
الناطق باسم اللجنة العليا للانتخابات نوار نجمة شرح من جهته أسباب إجراء الانتخابات في رأس العين وتل أبيض وتأجيلها في مناطق انتخابية أخرى.
وقال في تصريح خاص لـ«القدس العربي» ستكون هناك انتخابات في رأس العين وتل أبيض لكونهما تخضعان لسلطة الحكومة الشرعية في دمشق. أما في الرقة والمناطق الخاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية»، فهذه ستخضع للتأجيل، وستبقى مقاعدها شاغرة إلى حين توفر الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات التكميلية في هذه المناطق.
وبين أن تطور الأوضاع بشكل إيجابي فيما يتعلق بتطبيق اتفاق 10 من آذار/ مارس، سينعكس إيجابيا بالتأكيد على اقتراب موعد الانتخابات التكميلية لمحافظتي الرقة والحسكة، وسيعجل في إجراء الانتخابات في هذه المناطق.
وعن موعد إعلان أسماء ثلث أعضاء المجلس الخاص برئيس الجمهورية، قال إنه ليس هناك موعد محدد، لكن نتوقع أن يتم ذلك قبل نهاية الشهر الجاري، مشيرا إلى أن اللجنة العليا راضية بشكل عام وإلى حد كبير عن عملها، وعن الإجراءات التي تمت على مستوى النزاهة والشفافية، وخاصة خلال العملية الانتخابية.
وتوقع أن تكون تشكيلة المجلس على مستوى طموحات الشعب السوري، وخاصة أن « الكفاءة والثورية كانتا الغالبتين على أسماء الشخصيات التي فازت بمقاعد المجلس الذي سيكون له دور كبير في المرحلة الانتقالية، خاصة على المستوى التشريعي».
سدّ الثغرات
وفي تصريحه لـ «القدس العربي» أوضح العبدة أن العمل بدأ بإعداد القائمة الخاصة بحصة الرئيس الشرع، وسيتم من خلالها تدارك الثغرات التي ظهرت خلال العملية الانتخابية وما نتج عنها.
وقال: إن نسبة عدد السيدات في الهيئة الناخبة في دمشق وصلت إلى 32 ٪ لكنهن لم ينسقن مع بعضهن لإيصال عضوات إلى تحت القبة، وذهبت أصواتهن إلى الرجال، فلم تنجح ولا سيدة واحدة في دمشق، وكذلك الحال في حلب، وكانت آمالنا أن تكون نسبة السيدات الناجحات مرتفعة في هاتين الدائرتين، غير أن النتيجة كانت مختلفة تماما.
وزاد: كان لدينا نحو 6 آلاف من أعضاء الهيئات الناخبة على مستوى البلاد، وشكلت النساء منهم 18 ٪ وشكلن كتلة وازنة لكن عدد الذين وصل منهن إلى تحت القبة كان فقط 6 سيدات من أصل الـ119.
وبين أن تعديل نسبة النساء قد تكون عبر القائمة التي سيعينها الرئيس الشرع، والمتوقع أن تصدر بعد انتهاء الانتخابات في تل أبيض ورأس العين بفترة قصيرة.
وذكر أن الثغرات التي نتجت عن انتخابات الدوائر الـ49 التي حصلت باتت واضحة وعملية استدراكها عبر القائمة الرئاسية المرتقبة بدأ العمل عليها وهي تعد حالياً، وسيتم احتساب حصص للمكونات الصغيرة في سوريا مثل الشركس والمرشديين والآشوريين والسريان وغيرهم، وطبعا للمسيحيين عموما لأنه لم ينجح منهم إلا سيدة واحدة من بين الـ119، وذلك للوصول إلى أكثر صورة واقعية وممكنة.
وأوضح أن أبرز الثغرات كانت في حصول المرأة على نسبة 5٪ فقط، وفي تراجع عدد المسيحيين الناجحين إلى عضو واحد فقط، وهاتين النقطتان سيتم النظر إليهما بعناية عند إعداد القائمة التي سيصدرها الرئيس الشرع مع لحظ التشديد على موضوع الكفاءات في هذه القائمة.
وفيما يتعلق بنسبة الكرد في أعضاء مجلس الشعب، وإن كانت قائمة الرئيس ستلحظ ضم ممثلين عنهم، قال إن عدد الأكراد تحت القبة من بين الـ199 بلغ خمسة، منهم ثلاثة نجحوا في دائرة عفرين، ومن الطبيعي أن يكون هناك أكراد في القائمة الرئاسية حتى لو تعثرت المفاوضات الحالية لتطبيق اتفاق العاشر من آذار/ مارس، والقائمة الرئاسية ستصدر ولن يرتبط موعد إعلانها بقرار تأجيل الانتخابات في دوائر الحسكة والرقة والسويداء وعين العرب في حلب، مشيرا إلى ضرورة الإسراع في تشكيل مجلس الشعب لتباشر السلطة التشريعية الغائبة حتى الآن، عملها في عملية إعادة الإعمار، مع ملاحظة أن هناك عددا كبيرا من القوانين التي يجب إعادة النظر بها أو إصدار قوانين جديدة للتخفيف عن المواطنين السوريين.
القدس العربي
————————-
الانتخابات الأخيرة وعمق الانقسامات في سوريا/ أحمد عيشة
2025.10.15
شهدت سوريا مؤخرًا انتخابات برلمانية وُصِفت بأنها تمثل تجربة جديدة في مسار إعادة تشكيل الحياة السياسية بعد سنوات من الحرب والانقسام.
فقد جرى التصويت في الخامس من تشرين الأول بمشاركة نحو سبعة آلاف ناخب يمثلون الهيئات الناخبة، موزعين على ستين هيئة، كان من المقرر أن تختار عبرها 140 عضوًا من أصل 210، لكن ما تم انتخابهم كان 119 عضوًا من أصل 140، وتُرك 21 مقعدًا آخر شاغرًا لمناطق سورية مُستثناة من التصويت الأولي لعدم خضوعها لسيطرة الحكومة بعد، في حين سيُعيَّن الباقون وعددهم 70 عضوًا بمرسوم رئاسي لاحقًا. وقد توزعت المقاعد وفق نسبة محددة: سبعون في المئة من الأكاديميين، وثلاثون في المئة من الأعيان والشخصيات المجتمعية.
ورغم تأكيد بعض الحاضرين أن إجراءات العملية الانتخابية جرت بنزاهة نسبية من دون تزوير، فإنها لم تخلُ من التحالفات السياسية الموجهة والدعم الحكومي الذي حسم النتيجة لصالح المجموعات “المنظمة” رغم أن الترشيحات كانت على أساس فردي، في حين خسر المرشحون المستقلون معظم مقاعدهم. وفي هذا السياق، يمكن اعتبار هذه الانتخابات تجربة أولى في بيئة سياسية غير مستقرة، لكنها ما تزال أسيرة منطق الانتقاء وفق اعتبارات عديدة تشمل الظروف السياسية والاجتماعية التي تعيشها البلاد.
لم تشهد البلاد كرنفال “الانتخابات” المعروفة سابقًا، حيث اقتصر الأمر على المرشحين والهيئة الناخبة وعدد من المهتمين على وسائل التواصل الاجتماعي، ويعود ذلك جزئيًا إلى الصورة المشكلة لدى السوريين عن ما يعرف بالانتخابات في عهد الأسدين، حيث النتائج معدة مسبقًا حسب الولاء والرشوة، وإلى ضعف الثقة العامة بالعملية السياسية، ناهيك عن محدودية عدد الناخبين.
أشارت النتائج إلى تمثيل غير متوازن للسوريين بين النساء والرجال، وحتى بين الجماعات السورية نفسها، إذ طغى تمثيل الجماعة السنية ومن الرجال على الجسم الجديد، فعدد النساء قليل (6) وضعفهم لباقي الجماعات، مما يطرح السؤال التالي، هل نشهد تجربة حكم ديمقراطي بما تمثله من حكم الشعب، أم حكم جماعة؟ وهل تشير النتائج إلى استمرارية ذهنية انتقاء الأعضاء؟ وما الدلالات الاجتماعية التي يمكن استكشافها من تلك النتائج؟
رغم ترحيب كثيرين بالتجربة ونتائجها، لكنها كانت انعكاسًا جزئيًا ليس لمجتمع محافظ، وإنما لبلد لا يزال يعيش سكانه وسط انقسامات عميقة تنخر تركيبته ولا تؤسس لتأسيس نواة حقيقية لحكم الشعب من خلال نوابه. فما تزال الجماعة السنية، التي تعرضت لأشرس حرب ارتكبت بحقها الفظائع، حذرة جدًا تجاه الجماعات الأخرى، وخاصة ما يعرف بالأقليات، وهو أمر يمكن تفهمه نتيجة لما عانته خلال سنوات حكم الأسدية، لكنه بالنهاية لا يشير إلى المسعى نحو حكم تشاركي يشمل عموم السوريين الطامحين لحياة كريمة في بلد يسوده القانون ويحاسب فيه المجرمون وفق قانون عادل لا انتقامي.
ثمة مخاوف يمكن قراءتها من نتائج الانتخابات، وهي ما يتوجب على الحكم وعلى الأحزاب السياسية والنقابات والهيئات المجتمعية العمل على تداركها، وتتمثل في خوف الجميع من الجميع وبالتالي شن الحرب، التي لا تقتصر فقط على السلاح، فحرب الكلمات تحفر عميقًا في النفوس، كما تقتل الرصاصات. قد يكون من المفهوم خلال الأعوام الماضية حيث القتل والتهجير وارتكاب الفظائع من الأسديين أن ينتشر الخطاب التعبوي القائم على الانقسامات، لكن اليوم، لا بد من السعي نحو إعادة البناء، وهذا يشمل عموم القطاعات، وشرطه الأساسي الابتعاد عن خطاب التميز الذي يرافق المنتصر، والانتقال نحو التشارك.
وأهم تلك المخاوف دخول سوريا حقبة تهيمن عليها “الجماعة” السنية، كونها تمثل الأكثرية العددية من جهة، ومن جهة ثانية أكثر الجماعات التي تعرضت للفظائع في عهد الأسدين، من دون نكران ما تعرضت له الجماعات الأخرى، حيث عُمم العنف والقتل تجاهها وحتى تجاه الجغرافيا التي تخصها، في حين كان العنف في أماكن أخرى انتقائيًا. وبعد الخلاص من حكم الأسدية، برز خطاب رسمي وشعبي يدعو لحق الجماعة السنية بأحقية الحكم واستعدادها النفسي لخوض أي معركة في حال تهدد “حكمها”، على الرغم من أنه لا يمكن القول بأي حال من الأحوال أن الحكم للسنة إلا من منظور “طائفي”، وهو ما يمثل خطرًا حتى على الطرح نفسه الذي يدعي بأن الجماعة هي نفسها الأمة.
ومن الجوانب الإيجابية لهذه الانتخابات أنها أعادت السياسة -ولو جزئيًا- إلى المجال العام. فمجرد خوض المنافسة، حتى ضمن شروط محدودة، يعني بداية استعادة الناس لحقهم في المشاركة وفي التعبير عن مصالحهم. لكن هذه العودة لا تكتمل إلا بتنظيم العمل السياسي ضمن أطر قانونية شفافة تتيح قيام الأحزاب والنقابات بحرية، وتمنع الاحتكار أو التلاعب بالتمثيل. فتنظيم العمل السياسي وتعزيزه يساهم في دعم وبناء مؤسسات الدولة، ومحور العمل هذا ترسيخ مفهوم الوطنية والدولة الوطنية بعيدًا عن أي أجندات ما دون وما فوق وطنية أياً كانت، وخاصة ضمن المؤسسات السيادية في البلاد. وأكثر ما يعيق وطنية الدولة هو التفرد في الحكم لأي جماعة كانت، فقوتها تنبع من حفاظها على التعدد ضمن وحدة قانونية، واعتمادها على المؤسسات، وصون الحريات العامة والفردية التي تشكل جوهر الدولة وتعطي معنى لوطنيتها.
وأخيرًا، يمكن القول إن الانتخابات الأخيرة رغم جوانب قصورها، لكنها شكلت حافزًا على السعي نحو بناء مؤسسات الدولة. لكن العملية الديمقراطية يجب ألا تقتصر على العمليات الإجرائية رغم أهميتها، فجوهر الديمقراطية هو الحكم والسيادة للشعب من خلال الانتخابات، والاكتفاء بالعملية الإجرائية قد يدخل البلاد في طريق استبداد الأكثرية. فما يعزز العملية الديمقراطية، حيث إحدى تجسيداتها الانتخابات، هو الذهاب أبعد من عملياتها الإجرائية نحو جوهرها، وهو احترام حقوق الخاسرين، وحتى مشاركتهم في صياغة مستقبل البلاد.
إن التحديات التي تواجه سوريا كبيرة جدًا، وأولى الخطوات لتذليلها أو التقليل من مخاطرها، هي مشاركة الجميع بصياغة مستقبل البلاد ضمن الأطر القانونية العادلة، بما يضمن توفير الشروط الإنسانية للحياة الكريمة من خلال السعي لتطبيق العدالة الانتقالية النقيض للعمليات الانتقامية الفردية والجماعية، والسعي لبناء حياة سياسية منظمة قائمة على احترام الحريات العامة والفردية بعيدًا عن الهياكل القائمة التي لا تنتج إلا على شاكلتها. وكلنا أمل بأن تكون هذه التجربة المحدودة بداية لولادة سياسية جديدة، لا تكرر أخطاء الماضي، بل تتجاوزها نحو مستقبل يليق بتضحيات السوريين جميعًا.
تلفزيون سوريا
————————————
برلمان في ثوب انتقالي/ أسامة سعد الدين
14 أكتوبر 2025
شهدت سورية في الخامس من أكتوبر/ تشرين الأول الحالي حدثا وصفته الرئاسة الانتقالية بـ”التاريخي”، إجراء أول انتخابات برلمانية منذ سقوط نظام بشّار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، وذلك ضمن مسار سياسي انتقالي معقد، واعتبرتها السلطة خطوة مفصلية نحو إعادة بناء مؤسّسات الدولة، بينما رآها كثيرون إجراءً شكلياً لا يرقى إلى مستوى التغيير المنشود، ولا يعكس تطلعات السوريين الذين دفعوا أثماناً باهظة في سبيل الحرية والكرامة.
جرى اختيار ثلثي أعضاء مجلس الشعب (119 عضوا) عبر لجان محلية في 11 محافظة (عدا الحسكة والرقة والسويداء)، بلغ عدد أعضائها الذين يحق لهم التصويت كما الترشّح، نحو ستة آلاف فقط، من أصل أكثر من 19 مليون ناخب محتمل. أما الثلث المتبقي، فاحتفظ الرئيس أحمد الشرع بسلطة تعيينه، في خطوة اعتُبرت ضرورية لتعويض ضعف تمثيل بعض الفئات المهمّشة، كالنساء والأقليات، في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. وخلال زيارته مركزاً انتخابياً في دمشق، وصف الحدث بأنه “مهم جدًاً”، مشيداً بما اعتبرها “حميمية وتشاركية” بين السوريين في هذه “اللحظة الحساسة”، وقال “… على السوري أيضاً أن يرفع رأسه به ويفتخر”، لكنه أقرّ بأن العملية “متوسّطة عملياً”، وتعكس الظروف الصعبة التي تمر بها سورية، من تهجير واسع، وتدمير للبنية التحتية، وتشتت ملايين السوريين في الداخل والخارج.
ورغم أن الانتخابات سدّت فراغاً دستورياً امتد منذ سقوط النظام البائد، ومنحت البلاد أول مؤسّسة تشريعية وطنية، إلا أن الطريقة التي أُجريت بها، من خلال لجان انتقائية، وغياب صناديق الاقتراع العامة، حرمت السوري من حقه الأصيل في اختيار من يمثله، فحين يُستبدل التصويت الشعبي بلجان مغلقة، تفقد العملية مضمونها الديمقراطي، ويتحوّل البرلمان إلى هيئة شكلية تكرّس السلطة القائمة بدلاً من تجديد شرعيتها.
لقد انتظر المواطن السوري، الذي عانى عقوداً من تجاهل نظامي الأسد الأب والابن إرادته وحقوقه الدستورية، أن تكون هذه الانتخابات مناسبة لتعزيز مفهوم المشاركة الشعبية، وأن يمارسها الناس بنكهة الحرية. كان الأمل أن تؤسّس التجربة الجديدة لنظام سياسي أكثر انفتاحا وتعددية، يعيد للمواطن مكانته التي فقدها، ويجعله فاعلاً لا متفرجاً على انتخاب ثلثي أعضاء البرلمان. ولكن اقتصار الانتخاب على دائرة ضيقة اختارتهم لجنة عيّنتها الرئاسة قلّص المشاركة الشعبية، وجعل من الصعب إقناع الشارع الذي عانى من الاستبداد عقوداً بأن التغيير المنشود بدأ فعلاً. فبدلاً من أن تكون الانتخابات فرصة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، بدت وكأنها تكرّس منطق التعيين والاحتكار، وتعيد إنتاج الهياكل القديمة بصيغة جديدة.
قد يعود سبب اللجوء لهذه الطريقة (الانتخاب غير المباشر) إلى صعوبة إجراء انتخابات عامة ومباشرة نتيجة تهجير ملايين السوريين وتشتتهم وفقدان الوثائق وعدم تأهيل البنية المؤسّساتية في معظم المدن والبلدات، أو في مخيمات النزوح وفي بلدان اللجوء. كما أن التعيين الرئاسي الثلث المتبقي من النواب يهدف إلى ضمان تمثيل بعض الفئات التي يصعب وصولها عبر الانتخابات في ظل التحديات القائمة.
لكن هذه المبرّرات، وإن كانت مفهومة في المرحلة الراهنة، والتي تغيب على ساحتها الأحزاب، ومكاتب لنقابات مهنية وعمّالية منتخبة، لا تلغي الحاجة إلى خطوات أكثر جرأة وشفافية في بناء نظام سياسي جديد، فالمفارقة أن الرئاسة الجديدة كانت تمتلك فرصة “تاريخية” لإطلاق تجربة برلمانية مفتوحة تعيد الثقة بين الدولة والمواطن، وتؤكد أن سورية ما بعد الأسدين تسير فعلاً نحو دولة المواطنة والحرية وحقوق الإنسان. لكن تلك الفرصة تُستنزف اليوم في خطوات وترتيبات أقل ما يقال فيها إنها ارتجالية، لا تعبّر عن تنوّع المجتمع ولا عن احتياجاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
الانتخابات، كما صيغت ونُفذت، تحرم المواطن من حقه الأصيل في اختيار من يمثله وينقل مطالبه ويشرح همومه تحت قبة البرلمان. فحين تُستبدل صناديق الاقتراع بلجان انتقائية تحتكم إلى معايير سياسية أو ولائية، تفقد العملية مضمونها الديمقراطي، ويتحوّل التداول الانتخابي إلى إجراء شكلي يكرّس سلطة المؤسسات القائمة بدلاً من تجديد شرعيتها. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هذه الانتخابات فتحت الباب لبدء صياغة دستورٍ جديد يقوم على الفصل بين السلطات، وتعزيز العدالة الانتقالية والمساءلة. كما أنها منحت البلاد أول مؤسسة تشريعية ذات طابع وطني، يمكن أن تكون منطلقاً لتطوير الحياة السياسية في حال تم توسيع المشاركة لاحقاً، وإعادة النظر في آليات التمثيل الشعبي.
في مطلق الأحوال، تبقى هذه الانتخابات اختباراً أولياً لصدقية المرحلة الانتقالية، وفرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن. وفي حين قال الرئيس الشرع: “نتمنى أن يكون لأعضاء مجلس الشعب دور مراقبة مهم على الحكومة… وأن يكون المجلس الجديد فاتحة خير على سورية”. يبقى تحقيق هذا الطموح يتطلب أكثر من الأمنيات، بل يحتاج إرادة سياسية حقيقية، ورؤية شاملة تعيد الاعتبار للمواطن السوري، وتضعه في قلب العملية السياسية.
العربي الجديد
——————————–
تناقضات الحياة السياسية… سورية تكرّر في 2025 ما فعلته عام 1919/ حسين عبد العزيز
14 أكتوبر 2025
يمكن الحِجاج بأن الحياة السياسية السورية، منذ نهاية العهد العثماني، ترنّحت في حالة النوسان السياسي: كثير من الحرية والديمقراطية وصلت حدّ الفوضى السياسية، وكثير من الاستبداد وصل إلى حدّ الجفاف السياسي. شكّل تاريخ البرلمان نموذجاً صارخاً لهذه الحالة: تجربة ديمقراطية، سواء في مرحلة الاستعمار الفرنسي أو الاستقلال، ثم موت سريري مع استحكام “البعث”.
تشهد سورية عودة شكلية للحياة البرلمانية تحت عنوان مُضمر “ظروف المرحلة التاريخية” التي تمرّ بها سورية، وإذا كانت المرحلة الأولى (الاستعمار والاستقلال) قد اتّصفت بكثير من الحرّية، وإذا كانت المرحلة الثانية (مرحلة البعث والأسدَين) قد اتّصفت بكثير من الأمن معياراً للحياة السياسية، فإنّ المرحلة الحالية جمعت بين الحرية والأمن معاً، لكن بطريقة مشوهة، يُخشى أن تنتهي الأمور إلى فقدان الاثنين معاً: لا حرية سياسية حقيقية ولا أمن واستقرار حقيقيَين.
الولادة الديمقراطية
مع دخول القوات العربية بقيادة الأمير فيصل بن الحسين إلى سورية، عقب انتهاء الحكم العثماني عام 1918، شهدت البلاد أول تجربة ديمقراطية. وكان من الاستحالة آنذاك إجراء انتخابات برلمانية يقترع فيها الشعب كاملاً، وذلك لسببَين رئيسيَين: الأول الاضطرابات الناجمة عن الانسحاب العثماني، وغياب أي خبرة سابقة في الانتخابات، والثاني ضرورة الإسراع في تشكيل برلمان يمثل الشعب من أجل لقاء لجنة كينغ ـ كراين (لجنة تحقيق عيّنها الرئيس الأميركي وودرو ويلسون أثناء انعقاد مؤتمر الصلح في باريس عام 1919 للوقوف على آراء أبناء سورية وفلسطين في مستقبل بلادهم).
في 19 يونيو/ حزيران 1919 انعقدت أول سلطة تشريعية في سورية، وهي المؤتمر السوري العام، المكون من 85 عضواً. أهم نتاجاته كانت وضع مشروع دستور جعل من سورية دولة ملكية دستورية مع نظام نيابي، وحكومة مسؤولة أمام المجلس النيابي. في 7 مارس/ آذار 1920 أعلن استقلال سورية وتتويج فيصل بن الحسين ملكاً عليها، غير أن هذه الدولة الوليدة سرعان ما قتلها الاستعمار الفرنسي. وتميّزت مرحلة الأمير فيصل بين عامَي 1918 ـ 1920، بدخول الشعب السوري أول مرة الحيّز العام السياسي، فاحتلت القضايا الوطنية والسياسية حيزاً مهماً في تفكير السوريين.
برلمان في ظلّ الاحتلال
مزجت فرنسا في سورية بين سياستَين: تقاليد استعمارية فرنسية تقوم على الهيمنة السياسية المباشرة، وتقاليد إنكليزية تحكم بموجبها بريطانيا عبر نخب سياسية منتخبة. لم يكن هذا المزج نتاجاً لفهم فرنسي للتركيبة الاجتماعية السورية فحسب، بل كان أيضا نتاجاً لأحكام صكّ الانتداب الممنوح لفرنسا من عصبة الأمم بوضع دستور سوري بالاتفاق مع السكان خلال ثلاث سنوات.
بناءً عليه؛ وبعد التواصل مع النخب السورية، دعا المندوب السامي الفرنسي هنري دي جوفنيل إلى إجراء الانتخابات في سورية في 8 فبراير/ شباط 1926 باستثناء منطقة دمشق التي أُعلنت فيها الأحكام العرفية. ولكن، بناء على طلب القادة الوطنيين (ربطوا الموافقة على إجراء انتخابات نيابية بوعد فرنسي بالاستقلال)، قاطعت مدن سورية عدّة انتخابات عام 1926، ولذلك جاءت حكومة أحمد نامي المدعوم فرنسياً حكومة باهتة وغير فعالة.
في 1928، وفي محاولة لضمان وصول نخب سياسة موالية لفرنسا، عمد المندوب السامي الفرنسي الجديد هنري بونسو إلى إقالة أحمد نامي وتعيين الشيخ تاج الدين الحسيني المعروف بمعاداته الزعماءَ الوطنيين بسبب ميولهم الليبرالية والعلمانية. جرت الانتخابات النيابية كسابقتها وفق مبدأ الجولتَين: شملت الأولى مناطق المدن والنواحي في الريف، في حين شملت الثانية مدينتَي دمشق وحلب والأقضية في الريف، مع نائب واحد لكل ستة آلاف نسمة، وكانت هذه الانتخابات الأولى التي يشارك فيها جميع الناخبين السوريين لاختيار 68 نائباً. تحالفت الكتلة الوطنية والشيخ الحسيني، على ما بينهما من نفور، في الجولة الأولى. ولكن بسبب اتهامات بتلاعب الشرطة في صناديق الاقتراع لصالح المرشحين المدعومين من الحسيني وفرنسا، قرّرت الكتلة الوطنية التقدّم بلائحة مستقلة في الجولة الثانية، لكنها ضمت الشيخ تاج نفسه أملاً باسترضائه وعزله عن حلفائه.
فازت الكتلة الوطنية بـ 22 مقعداً من أصل مقاعد الجمعية العمومية الـ70، ومن المفارقات التاريخية أن نتائج الانتخابات جاءت مؤاتية للوطنيين في المدن وللمعتدلين في الريف. ويمكن تفسير ذلك من جهة بأنّ الوجهاء والنخب الإقطاعية ذات التفكير التقليدي المحافظ والمتحالفة دائماً مع السلطات القائمة، كانت ذات تأثير قوي في الأرياف، ومن جهة ثانية حالة الاستعمار الذي جعلت النخب المدينية أكثر تطرّفاً من الناحية السياسية في مطالبها الاستقلالية، وكما سنلاحظ في مرحلة “البعث”، أي بعد القضاء على الإقطاع، انقلبت المعادلة، فاتجه الريف نحو اليسار واليسار المتشدّد، فيما اتجهت المدن نحو الاعتدال.
وافق البرلمان في قراءة أولى على نص الدستور الأول للجمهورية السورية، الأمر الذي أعاد النقاش الحاد بين النخب السورية حول شكل نظام الدولة: ملَكي أم جمهوري. … وجاء الدستور كما قال نشوان الأتاسي انعكاساً للنخبوية الديمقراطية للكتلة الوطنية، وكان أكثر ما أرضى الفرنسيين إعادة تأكيد المساواة بين جميع أفراد الطوائف الدينية كافة، مع حرية ممارسة الشعائر الدينية والمساواة بن مدارس الطوائف، باستثناء المادّة التي أوجبت أن يكون رئيس الجمهورية مسلماً.
جاءت انتخابات 1931 ـ 1932 (الجولتان، الأولى 1931، الثانية 1932) تتويجاً للخلاف حول شكل الدولة: تزعم رضا الركابي التيار المنادي بالملَكية، بينما تزعمت الكتلة الوطنية النظام الجمهوري. وعلى الرغم من أنّ الانتخابات شابتها مخالفات قانونية كبيرة (ترهيب الناخبين المؤيدين للوطنيين، وصناديق الاقتراع المحشوة بأصوات المتعاونين مع فرنسا) كما ذكر كريم الأتاسي في كتابه “سوريا: قوة الفكرة”، فإنّ نتائجها جاءت لصالح الكتلة الوطنية في هذا المضمار.
حصلت الكتلة الوطنية على 17 مقعداً، بتراجع خمسة مقاعد عن انتخابات عام 1928، لكن تأثيرهم داخل البرلمان ظلّ قوياً وفاعلاً. … انتخب المجلس في جلسته الأولى صبحي بركات رئيساً للبرلمان، وهو أحد الشخصيات البارزة من أنطاكية، وأحد المقربين من فرنسا، ثم باشر المجلس بعد أيام عدّة عملية انتخاب أول رئيس للجمهورية السورية، ونال هذا المنصب الدمشقي محمد علي العابد. كان عام 1936 موعداً لحدثين هامين في سورية: الإضراب الكبير والانتخابات النيابية.
اندلع الإضراب في 22 يناير/ كانون الثاني 1936 على إثر رفع تعرفة الكهرباء، ما أدّى إلى احتجاجات شعبية، سرعان ما تحولت إلى مظاهرات سياسية تطالب باستقلال سورية. من أبرز نتائج الإضراب الذي دام 60 يوماً وشمل كل الأراضي السورية، إجبار فرنسا على التفاوض حول اتفاقية الاستقلال، الأمر الذي أدّى إلى توحيد الأراضي السورية وإعادة تشكيل الحكومة. وفي 14 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه، جرت الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية، فيما جرت الجولة الثانية في 30 الشهر نفسه، وحصلت فيها الكتلة الوطنية على أغلبية ساحقة أدّت إلى انتخاب هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية.
بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية، تعطل إجراء انتخابات برلمانية في موعدها، فجرت عام 1943، وهي الانتخابات الرابعة من نوعها في سورية، والأولى بالنسبة للاذقيّة (16 مقعداً) والسويداء (خمسة مقاعد)، والأخيرة بالنسبة إلى لواء إسكندرون، والأخيرة في عهد الانتداب الفرنسي، والأخيرة أيضاً بنظام الجولتَين، وكما في الانتخابات السابقة، حصلت الكتلة الوطنية على أغلبية مقاعد البرلمان المكون هذه المرة من 82 مقعداً، وسط اهتمام وسائل إعلام عربية ودولية.
ما بعد الاستقلال
في 16 إبريل/ نيسان 1946، خرج آخر جندي فرنسي من سورية، لتتشكّل على الفور حكومة برئاسة سعد الله الجابري (1893 ـ 1947)، كان أحد أهم منجزاتها إصدار قانون الانتخابات. طرح موضوع تعديل النظام الانتخابي على مستوى القوى السياسية وعلى المستوى الشعبي، بحيث يجري إلغاء نظام المرحلتَين، لكن القوى الحزبية انقسمت في البرلمان بين مؤيد ومعارض. وبتأثير من الضغط الشعبي، مع اندلاع مظاهرات في دمشق وحمص وحماة وحلب، وساندته نقابات عدّة، أرغم مجلس النواب على إقرار قانون الانتخاب، الذي نصّ على الاقتراع المباشر، وزيادة عدد مقاعد البرلمان، وإلغاء صيغة الحصص الطائفية. أصبح عدد مقاعد البرلمان 131 بموجب مرسوم جمهوري صدر في بداية يونيو/ حزيران 1947، أي قبل نحو شهر من انعقاد الانتخابات البرلمانية في 7 يوليو/ تموز من العام ذاته. حافظ المرسوم على التوزيع الطائفي لمكوّنات المجتمع السوري: 89 مقعداً للسنة، 12 علوياً، ستة أرثوذكس، خمسة دروز، أرمنيان، سرياني أرثوذكس، ثلاثة كاثوليك، أرمني كاثوليك، إسماعيلي، ماروني، سرياني كاثوليك، يهودي، ثلاثة مقاعد للأقليات، وستة للعشائر.
قبل إجراء الانتخابات، تأسّس حزب البعث العربي الاشتراكي في 7 إبريل/ نيسان عام 1947، نتيجة اندماج تجمّعَين سياسيَين، واندمج معهما لعام 1952 حزب ثالث: حركة البعث العربي بقيادة ميشيل عفلق وصلاح البيطار وجلال السيد، البعث العربي بقيادة زكي الأرسوزي، الحزب العربي الاشتراكي بقيادة أكرم الحوراني.
جرت الانتخابات في موعدها وسط عمليات تزوير واسعة، وصادق البرلمان في سبتمبر/ أيلول عليها من دون الالتفات إلى الطعون. فاز حزب الاستقلال السوري (المنبثق عن جمعية العربية الفتاة عام 1919) في الانتخابات بحصوله على 76 مقعداً.
مثل حزب الاستقلال التيار الوطني التقليدي إلى جانب التيارات الرئيسيّة الأخرى في البلاد: التيار القومي (البعث)، التيار الإسلامي (الإخوان المسلمون)، التيار الماركسي (الحزب الشيوعي). اعتبرت هذه الانتخابات مفصلاً تاريخياً هاماً، فهي الأولى التي تجري بعد الاستقلال، والأولى من نوعها التي شهدت هذا الزخم الكبير من الأحزاب والقوى السياسية المتنوعة، والأولى من نوعها التي شارك فيها الشعب بكثافة عالية. بعد هذه الانتخابات، سرعان ما انقسمت الكتلة الوطنية إلى فرعَين: الدمشقي تحت مسمّى الحزب الوطني، والحلبي تحت مسمّى حزب الشعب الذي كان قد أسسه عام 1925 عبد الرحمن الشهبندر. على إثر الهزيمة العسكرية في فلسطين في 1948، حدث توتر بين الجيش والطبقة السياسية الحاكمة، وكان هذا إلى جانب مسائل خلافية داخلية، سبباً في حدوث أول انقلاب عسكري عام 1949 قاده حسني الزعيم، ثم انقلاب سامي الحناوي في أغسطس/ آب من العام نفسه.
حدّدت حكومة الحناوي 15 من نوفمبر/ تشرين الثاني 1949 موعداً لعقد انتخابات برلمانية، وتبنّت الحكومة قانوناً انتخابيّاً جديداً محلّ قانون 1947، ومن ميزات قانون 1949 أنه منح لأول مرة حقّ التصويت للنساء الحاصلات على شهادة التعليم الابتدائي. اعتمد القانون نظام التصويت بالأغلبية من جولتَين: يُنتخب المرشّح إذا حصل على 40% على الأقل من الأصوات، وإذا لم يحصل على هذه النسبة، تُجرى جولة ثانية. أعد البرلمان مسوّدة دستور جديد في إبريل/ نيسان 1949 على أن يجري اعتماده رسمياً في سبتمبر/ أيلول 1950.
حصلت تغيرات في الدستور الجديد، عكست الوضع المضطرب بين السلطتَين، التشريعية (البرلمان) والتنفيذية (الرئيس والحكومة)، فقد منع الدستور رئيس الجمهورية من إصدار المراسيم التشريعية وألزمه بتوقيع مشاريع القوانين التي تصدر من مجلس النواب في غضون سبعة أيام، كما قلّص صلاحيات الرئيس في ما يتعلق بمسألة حلّ البرلمان.
يمكن القول إن دستور 1950 شكل نقلة مهمّة على الصعيد القانوني ـ السياسي في سورية، إذ استفادت لجنة إعداد الدستور من 15 دستوراً أوروبياً وآسيوياً للوصول إلى أرقى المعايير الممكنة كما صرح ناظم القدسي. ورغم ذلك، لم يصل الدستور الجديد إلى الصيغة المثلى، فقد أبقى على صيغة دستور 1930 أنّ الإسلام هو دين رئيس الدولة، وأن الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع، كما أبقى الدستور، رغم السجال العنيف، على سقف الملكية الزراعية مفتوحاً. في المقابل، فشل الدستور الجديد في إقرار مقترح ينص على على وقوف الجيش على الحياد من دون التدخل في الحياة السياسية. وبين إعداد الدستور المؤقت في إبريل/ نيسان 1949 واعتماده في سبتمبر/ أيلول 1950، وقع انقلاب عسكري ثالث بقيادة أديب الشيشكلي الذي لم يحاول في بداية حكمه تغيير النظام السياسي أو القوانين أو الصلاحيات السياسية للسلطات الثلاث، لكنه كان مسكوناً بهاجس الجيش، فعمل على تنحية المؤسسة العسكرية من عالم السياسة، لكن الانقسامات الحادّة بين النخب السياسية حالت دون ذلك. ومع استمرار الخلافات الحادّة بين مختلف القوى السياسية، بما فيه الجيش الذي كان جزءاً رئيساً من الحياة السياسية السورية، أجبرت مجموعة من الضباط الشيشكلي على تقديم استقالته في 25 فبراير/ شباط 1954. لكن قبل سقوط الشيشكلي، جرت انتخابات لمجلس الشعب في أثناء حكمه عام 1953، وسط مقاطعة معظم الأحزاب الكبيرة، خصوصاً الحزبَين الوطني والشعب.
حقق حزب الشيشكلي (حركة التحرّر العربي) 72 مقعداً من أصل 82 مقعداً، وكان سبب هذه النتيجة عدم نزاهة الانتخابات، واعتقال معظم قادة الحزب الوطني. وبسقوط الشيشكلي، شهدت سورية مرحلة الديمقراطية الحقيقية، التي توّجت في انتخابات 1954 البرلمانية. اعتبرت هذه الانتخابات الأكثر نزاهة في تاريخ سورية، فكانت انعكاساً لحالة الازدهار السياسي التي عاشتها سورية منتصف الخمسينيات.
أظهرت نتائج الانتخابات تراجع شعبية الأحزاب السورية الكبرى، كـ”حزب الشعب” (30 مقعداً) و”الحزب الوطني” (19 مقعداً)، مقابل إحراز المستقلين وهم في الغالب من وجهاء المدن والبلدات أو من التجار أو شيوخ العشائر أكبر كتلة مستقلة في تاريخ البرلمانات السورية (60 مقعداً)، والأحزاب اليسارية، كحزب البعث (22 مقعداً). وتميّز هذا المجلس بفعالية عالية على المستوى القانوني، فقد أقرّ قوانين إصلاحية نظمت الحياة السياسية والاجتماعية، شملت دعم الحريات المدنية والسياسية، وحرية الصحافة، ودعم العمل النقابي. وفي 1958 اتحدت سورية ومصر تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة، وخلال ثلاثة أعوام، هي عمر الجمهورية، تعطّلت السياسة بإلغاء الأحزاب والانتخابات. وبعد انهيار الوحدة مع مصر عام 1961، سيطر الانفصاليون على الحكم.
عاد مجلس الشعب إلى الحياة السياسية، ولكن ليس بالزخم السابق، فقد أجريت انتخابات لمجلس الشعب في ديسمبر من العام ذاته، حصل فيها حزب “الشعب” على 33 مقعداً، و”الحزب الوطني” على 21 مقعداً، و”البعث على 20 مقعداً، والإخوان المسلمين على 10 مقاعد، بينما لم يحصل الحزبان، الشيوعي والقومي الاجتماعي على أي مقعد. تم رفع عدد مقاعد المجلس النيابي من 140 إلى 172، وبلغت نسبة المشاركة فيها 84%، وهي أعلى نسبة من المشاركة في تاريخ الانتخابات السورية.
بدأ بعض النواب في البرلمان السوري حملة معارضة ضد سلطة العسكر، مطالبين بإنهاء هيمنة الجيش على السياسة، وواجه الجيش حراكاً شعبياً في الشوارع، في وقت استمرّت البلبلة السياسية والانقسامات السياسية ـ السياسية، والسياسية – العسكرية، حتى مارس/ آذار 1963 حين قام “البعث” بانقلاب عسكري، عطّل فيه عمل البرلمان وحكم البلاد بموجب مراسيم عسكرية حتى عام 1971.
البرلمان في زمن البعث: احتكار وتصفيق
مع انقلاب حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1963 تغير المناخ السياسي جذرياً: انتهت مرحلة التنوع السياسي والأيديولوجي، وانتهت معها ضوابط (وآليات) التنافس المحصورة بين الانتخابات الفعلية والانقلابات العسكرية. ترتب على هذا الوضع نشوء حالة الاستبعاد التام، ليس عن السلطة فحسب، بل أيضا عن مجمل الحياة السياسية.
انتهت مع حافظ الأسد الصراعات الحزبية والسياسية والعسكرية، سواء داخل “البعث” نفسه، أو بين “البعث” والأحزاب الأخرى، وأصدر الأسد في بداية عام 1971 مرسومين بتحديد عدد أعضاء البرلمان بـ173 عضواً، وتسمية أعضاء هذا البرلمان بنفسه. وفي 13 مارس/ آذار 1973 وضع الأسد دستوراً جديداً، حصرت المادة الثامنة منه القيادة والحكم بالبعث.
أعطى الدستور صلاحيات واسعة جدا لرئيس الجمهورية، ونصّ على أن الترشيح لمنصب رئاسة الجمهورية يصدر عن مجلس الشعب بناء على اقتراح القيادة القطرية لحزب البعث.
تألف مجلس الشعب من 250 عضوا، ينقسمون إلى فئتين رئيسيتين: العمّال والفلاحين ويؤلفون 50 على الأقل من مقاعد المجلس، وتضم الثانية باقي فئات الشعب، ويحتفظ حزب البعث مع باقي أحزاب الجبهة بما نسبته تقريباً 85% من المقاعد البرلمانية. أما المستقلون فهم غالباً ما يكونون من رجالات السلطة، وهذا يعني غياب التمثيل السياسي الحقيقي، وبطبيعة الحال، كل ذلك يقودنا إلى غياب التعددية الفعلية. وخلال هذه السنوات، بدءا من يناير/ كانون الثاني 1978 رشّحت القيادة القُطرية للحزب حافظ الأسد لولاية جديدة من سبع سنوات، وتكرّر الأمر نفسه عام 1985، و1991 و1999 بالطريقة نفسها.
لا تخضع الحكومة في سورية للسلطة التشريعية (مجلس الشعب)، الأمر الذي يختزل عمل المجلس إلى مجرّد مراقب خارجي غير قادر على التدخّل إيجابا بإصدار القرارات المطلوبة، ما دام أن هذه القرارات لا تحمل أي إلزام قانوني تجاه الحكومة. وهنا يجد النائب نفسه غير مضطرٍّ للدخول في متاهات عمل الحكومة، لا سيما المتعلقة بالقضايا المهمة. وما دامت الحكومة ليست مسؤولة أمام مجلس الشعب، فمن الطبيعي والمنطقي ألا يمتلك حقّ التصويت أو حجب الثقة عنها، فوظيفته تختزل إلى أخذ العلم بالشيء كما أكّدت المادة 118 من دستور 1973، والتي تُلزم الحكومة عند تأليفها بتقديم بيانٍ عن سياستها وبرامجها إلى المجلس.
ومع غياب الأحزاب الفاعلة وغياب التمثيل السياسي الحقيقي، أضحى مجلس الشعب ساحة للتنافس على المكانة والنفوذ، بحيث أصبح التملّق والولاء مدخلين للوصول إليه، ثم حدث تحول مهم في مسار المجلس خلال العقدين الماضيين مع دخول رجال أعمال حديثي النعمة معظمهم من صنيعة النظام، والنتيجة أن المجلس لم يعد ساحة للمكانة والنفوذ فحسب، بل أصبح سوقا للبازار السياسي تتم عبره الملاءمة بين رأسي المال الاقتصادي والسياسي.
بقي دستور عام 1973 طوال حكم حافظ الأسد، وظلت آليات الاستفتاء الشعبي وعمل مجلس الشعب كما هي طوال 30 عاما. … جرت انتخابات مجلس الشعب في عهد بشّار الأسد في موعدها على التوالي عامي 2003 و2007، وكانت نتائجها مثل نتائج الجولات السابقة في عهد الأسد الأب، باستثناء تغيّرات في الشخوص البرلمانية فرضتها طبيعة المرحلة.
تأجلت انتخابات مجلس الشعب المقرّرة عام 2011 بسبب اندلاع الثورة، وجرت في السابع من مايو/ أيار 2012، وهي الأولى بعد الدستور الجديد الذي أجرى تعديلات على دستور 1973، منها: إلغاء المادة الثامنة، أن حزب البعث العربي الاشتراكي هو القائد للدولة والمجتمع، والسماح بتأسيس أحزاب سياسية جديدة، تحديد مدّة ولاية الرئيس بسبع سنوات قابلة للتجديد مرّة واحدة فقط، بدلا من الاستفتاء المفتوح في الدستور السابق. كما تغيّرت آليات الترشّح لمنصب الرئاسة. وكانت هذه التعديلات شكلية، ولم تغيّر من طبيعة النظام السياسي القائم، إذ بقيت الدولة الأمنية البوليسية قائمة في الواقع، بل أصبحت أكثر شراسة في ردة فعل على الثورة، وبقي الأسد يتمتّع بصلاحيات كبيرة جداً.
وعلى هذا الأساس، جرت الانتخابات عامي 2016 و2020، والجديد فيها كان فقدان النظام السوري مناطق جغرافية، وفيها أدخل النظام وجوها جديدة إلى المجلس تطلبتها طبيعة المرحلة، حيث كافأ مجرمي الحرب من قادة المليشيات الذين قاتلوا معه بالسماح لهم بالدخول إلى البرلمان. وأجرى النظام آخر ألاعيبه الانتخابية عام 2024، فجرى اعتماد آلية “الاستئناس الحزبي” أول مرة وسيلة لاختيار مرشّحي الحزب.
انتخابات بلا شعب
شهدت سورية في 5 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري (2025) ما أطلق عليه اسم انتخابات مجلس الشعب، وجاءت في صيغة تشبه صيغة انتخاب “المؤتمر الوطني العام” عام 1919 في عهد حكومة الأمير فيصل بن الحسين. فبدلاً من تصويت الشعب في صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم، اعتمدت حكومة الرئيس أحمد الشرع نظاماً يقوم على تشكيل لجان ناخبة محلية في كل منطقة، تتولى اختيار هيئة ناخبة (سبعة آلاف شخص) من المحافظات الـ 11، باستثناء السويداء والحسكة والرقّة، ومن هؤلاء يجري انتخاب أعضاء مجلس الشعب.
قلصت السلطة عدد مقاعد مجلس الشعب من 250 مقعداً إلى 210 مقاعد، منهم 140 يجري انتخابهم، والثلث المتبقّي يعين بمرسوم من رئيس الجمهورية. ولكن، إذا كانت الظروف الضاغطة عام 1919 السبب في اعتماد ديمقراطية النخبة، والإسراع في تشكيل “المؤتمر الوطني العام”، فإنّ من شأن الاستعجال في إجراء انتخابات برلمانية حالياً وسط مناخ غير سياسي وعمليات إقصاء فردية وجماعية لمكوّنات اجتماعية مهمّة، أن يؤدّي إلى نتائج عكسية على المستوى الاجتماعي ـ السياسي.
من الواضح، بحسب تصريحات المسؤولين السوريين، أنّ السلطة بحاجة سريعة إلى مجلس شعب حتى يكون غطاءً “ديمقراطياً” إلى حد ما من أجل شرعنة قرارات السلطة التنفيذية المتمثلة في شخص رئيس الجمهورية. وبهذا؛ لم يختلف مجلس الشعب الحالي، من حيث المضمون والأهداف، عن مجلس الشعب خلال عهد الأسدَين الأب والابن، بمعنى أن طبيعة النظام السياسي وآليات عمل مؤسسات محكومة من السلطة التنفيذية، وليس من السلطة التشريعية، كما هو الحال في الديمقراطيات الليبرالية.
ومع ذلك، وحتى تكون لغة هذه المطالعة لغة تاريخية لا تتعالى على الواقع وتحاول ثنيه، ولا تنصاع في المقابل لهذا الواقع القائم، يمكن القول إنّ هذا النمط الغريب من “الانتخابات البرلمانية” (لا يشارك فيها الشعب لا من قريب ولا من بعيد) قد يحقق نتائج ملموسة (أو هكذا يتمنّى كاتب هذه السطور) إذا كان المُراد النهائي للسلطة الوصول إلى نظام سياسي متطور وبمشاركة الجميع في المستقبل القريب، وسن القوانين الكفيلة بإعادة بناء الدولة والمجتمع، أما إذا كان المقصود بهذه الآلية الانتخابية (مدّتها 30 شهراً، وهي طويلة جداً) محاولة شرعنة الواقع السياسي الحالي، فإنّ مجلس الشعب سيبقى كما هو: ديكور سياسي مع اختلاف الشخوص.
العربي الجديد
——————————–
مشكلات لغوية وانتخابية طفيفة/ يعرب العيسى
14 أكتوبر 2025
المرحلة الانتقالية بطبيعتها استثنائية. ولذلك نفهم ونتفّهم أن تحتاج المرحلة الاستثنائية إجراءات استثنائية. ونفهم ما الذي يمكن أن تفعله سلطة قلقة في بلاد قلقة، بموضوعات مثل الأحزاب والحوار الوطني والنقابات والانتخابات.
سنستاء، سنعبّر عن مخاوفنا، سنحذّر، سنذّكر بما نعرفه من تجارب التاريخ، وتجارب الشعوب الأخرى. سنفعل ذلك مدركين أن كلامنا لن يغيّر شيئاً، وأن السلطة (أي سلطة) ستفعل ما يسكّن مخاوفها، لا مخاوف التاريخ. وستحكم قرارتها غريزة البقاء، لا حكمة علماء المستقبليات.
على ذلك، نبني أي قراءة للتجربة المسمّاة “انتخابات مجلس الشعب”، ونقول ما نريد أن نقول، مع علمنا إن السلطة ستفعل ما تريد أن تفعل.
بهذه القسمة “العادلة” بيننا، لدينا آلاف الملاحظات على الآلية التي سارت بها العملية، التي لا يجوز، في أي حال، أن تسمّى انتخابات، ولا أن يسمّى ما نتج عنها مجلس شعب. فلا مجلس شعب لشعبٍ لم ينتخبه. وهذا ما كان يجري بين السوريين والنظام الساقط تماماً، كان يشكّل مجلساً بانتخابات شكلية يديرها على هواه، ويسمي ما ينتج عنها: مجلس شعب. وكان الشعب برمّته (حتى أشد مواليه بينهم) يرفضون التسمية، ويطلقون عليه: مجلس التصفيق، مجلس الدمى، مجلس الشغب… وفي أفضل الأحوال: مجلس هلال هلال.
لذلك، ما زال العقد سارياً، ولنا أن نحل إشكالاتنا، ونعالج مخاوف وانتقاداتنا بلعبة لغوية طفيفة. وكنّا نأمل لو أن السلطة الانتقالية فعلتها منذ البداية، وعالجت العملية بأدوات لغوية. فتوصّف الحال كما هو، مثل أن تقول: لجنة اختيار المجلس التشريعي الانتقالي، أو التشريعي المؤقت، لجنة اصطفاء أهل الثقة، أهل الحلّ والعقد، سقيفة دمشق، العضوات. تعيين، عقد الراية… أو أي واحدة من هذه التعابير التي ستجنّب السلطة انتقادات كثيرة محقّة، لا تقدم ولا تؤخر، كما أسلفنا.
ولكن، وطالما لم تفعل ذلك، واستخدموا (السلطة وأعلامها) تعابير مأخوذة حرفياً من البلدان التي تجري انتخابات حقيقية، وقالت: عاجل: تمديد الانتخابات في مركز المكتبة الوطنية. بدء عمليات فرز الأصوات في مركز جبل سمعان. الانتخابات جرت بشفافية أمام وسائل الإعلام وسفارات الدول الصديقة. النتائج الأولية تشير. والنتائج النهائية الساعة الخامسة. فتح باب الاعتراض وإغلاقها..
طالما فعلت ذلك، فهي قد وضعت أسس العقد بيننا، وفتحت لنا المجال لنقول: ولماذا لا تكون شفّافة وأمام وسائل الإعلام وسفارات الدول الصديقة والعدوة؟ لجنة اختارت الناخبين والمرشحين، ما الذي بقي لديها لتُخفيه؟ ولماذا لا تكون شفّافة كالبلور؟
الشيء الوحيد الذي أخفته عن وسائل الإعلام هو الـ 28 مليون سوري. والذين تذرّعت بتشتتهم في أرض الله الواسعة كي تقول إن إجراء انتخابات أمر صعب لوجستياً. رغم ان كل الدول تجري انتخابات، ولدى جميع الدول جاليات موزّعة في أرض الله الواسعة، وهناك آليات عالمية معتمدة لإجراء انتخابات في السفارات والقنصليات، او في سفارات دول صديقة، في الدول التي ليس فيها سفارات.
وتذرّعت أيضاً بأن بعض السوريين لا يملكون وثائق اثبات شخصية، رغم ان هؤلاء (لا يتجاوزون بضعة آلاف ولا يشكّلون 1 بالألف من السوريين) يستطيعون اليوم عبور الحدود والعودة من دول أخرى بوثائق من مختار بالبقاع أو مدير منظمة تدير مخيماً.
العربي الجديد
————————————-
الانتخابات البرلمانية السورية: خطوة أولى أم مجرّد ديكور جديد؟/ مزن مرشد
انتخابات مجلس الشعب في سوريا.. هل هي طقس مكرر؟
2025-10-13
لأكثر من خمسين عاماً مضت، كانت “الانتخابات” في سوريا مجرّد مسرحية نعرف نهايتها قبل أن تبدأ. صناديق اقتراع تتشابه، أرقام مضحكة، ونتائج معروفة سلفاً. كنا نعلم أن كل شيء محسوم، وأن دورنا الوحيد هو التصفيق في الوقت المناسب.
اليوم، في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة، رغم كل شيء، ثمة شيء مختلف. ليس لأنها كانت مثالية – أبداً – بل لأنها جاءت بعد انهيار المنظومة القديمة. للمرة الأولى منذ زمن طويل، هناك شيء ما يتحرك، حتى لو ببطء شديد وبكثير من التعثر.
تعامل السوريون طويلاً مع “الانتخابات” بوصفها طقساً مكرراً يعيد إنتاج النظام ذاته بالوجوه ذاتها، تحت يافطات “التجديد” وبلغة تتقن استبدال الواقع بالشعارات. لكن هذه المرة، تغيّر السياق تماماً: فالنظام الذي كان يحتكر المشهد لم يعد موجوداً، والمجتمع الذي اعتاد الصمت لم يعد كما كان. ثمّة فراغ كبير بين الماضي والمستقبل، تُحاول هذه الانتخابات أن تملأه.
فالانتخابات الأخيرة لم تكن استحقاقًا روتينياً، بل الخطوة السياسية الأولى بعد انهيار المنظومة القديمة، وأول تجربة لقياس قدرة السوريين — أو بالأحرى نُخبهم — على ممارسة فعل سياسي جديد في بيئة لم تكتمل ملامحها بعد. هي نقطة انطلاق لا يمكن تجاهلها، لكنها أيضاً اختبار قاسٍ لطبيعة المرحلة: فهل نسير نحو دولة المؤسسات، أم نحو إعادة تدوير آليات التحكم القديمة بأقنعة جديدة؟
انتخابات من دون انتخابات؟
الحقيقة أن ما جرى الأحد الماضي لم يكن انتخابات بالمعنى التقليدي للكلمة. نحو ستة آلاف مندوب من هيئات محلية ومجالس انتقالية اختاروا ثلثي مقاعد البرلمان، بينما سيُعيَّن الثلث الباقي لاحقًا من قبل الرئيس الانتقالي أحمد الشرع.
قد يقول البعض إن هذا الترتيب ضروري في ظل الوضع الأمني المعقّد، وقد يكونون على حق جزئياً، فالتحديات الأمنية والإدارية القائمة بالغة الصعوبة، والبنية التحتية لانتخابات شاملة ما زالت غائبة. لكن لنكن صريحين: هذه الآلية تضع حاجزاً سميكاً بين البرلمان الجديد والناس العاديين. فأنا وأنت، لم ننتخب أحداً بشكل مباشر، والشرعية هنا تبدو محدودة جداً – شرعية تفويض لا اختيار حر.
والمشكلة لا تكمن في الآلية فحسب، بل في النتائج أيضاً. حتى الآن، لم يُعلَن سوى عن أربع نساء من أصل 119 نائباً، أربع فقط! كما أن تمثيل الأقليات – من مسيحيين وأكراد وغيرهم – جاء ضعيفاً بشكل صادم. وهذا ليس خللاً عددياً فحسب، بل فشل منهجي في عكس فسيفساء المجتمع السوري داخل مؤسسته التشريعية الأولى في العهد الجديد.
إذاً، هذا ليس برلماناً يعكس التنوع السوري، بل يعيد إنتاج الذهنية القديمة ذاتها: إدارة الأمور من فوق، وانتظار قبول الناس وصمتهم. والنتيجة أن فكرة “التمثيل الشعبي” ما زالت في طور التجربة، تخطئ وتصيب، لكنها لم تتجذر بعد في وعي الناس أو في سلوك النخب السياسية الجديدة.
والأسوأ من ذلك إبقاء ثلث المقاعد للتعيين الرئاسي. نعم، يمكن تفهّم الرغبة في “ضمان التوازن” و”الاستقرار”، لكن عملياً، هذا يعني أن السلطة التنفيذية ستبقى ممسكة بجزء كبير من السلطة التشريعية. فأين هو الفصل بين السلطات؟ ومن جهة أخرى، إلى أي مدى يمكن لممارسة غير مباشرة كهذه أن تُعيد تعريف السياسة في بلد أُقصي فيه المواطن طويلاً عن القرار؟
الأهم من الأرقام هو المنهج الذي تحكم بهذه الانتخابات: منهج لا يزال أسير مركزية القرار، حيث تُدار العملية من الأعلى إلى الأسفل، فيما يُنتظر من القاعدة الشعبية أن تمنحها “شرعية الصمت” أكثر من الثقة الفعلية. وإبقاء ثلث المقاعد للتعيين يعكس رغبة واضحة في ضمان الاستقرار والتحكم في بوصلة المرحلة الانتقالية — وهو ما يمكن تفهمه كضرورة سياسية في بيئة هشة، لكنه في الوقت ذاته يقلل من المساحة الحقيقية للتمثيل الحر والمستقل، إنها مساومة بين الضرورة السياسية الملحة والحاجة للديمقراطية الكاملة، وواضح أن كفّة الضرورة قد رجحت.
هل هناك ضوء في آخر النفق؟
ورغم كل ما سبق، لا يمكن إنكار أن ثمة أمراً جديداً حدث، للمرة الأولى منذ زمن طويل، هناك نقاش علني حول من يُنتخب ومن يُعيّن، وهذا بحد ذاته تغيّر، ولو كان محدوداً، حتى الخطاب الرسمي تغيّرت نبرته قليلاً، فلم نعد نسمع “الشعب السوري انتخب بأغلبية ساحقة”، بل “الهيئات المحلية اختارت”. هناك اعتراف ضمني، ولو غير مباشر، بأن ما يجري لا يُعد ديمقراطية كاملة.
ثم إن مجرد بروز أسماء جديدة في الحياة العامة، حتى وإن جاءت عبر الترشيح غير المباشر، يشير إلى بداية حراك اجتماعي جديد. لم يعد المشهد محتكراً على طبقة واحدة أو خطاب واحد، بل بدأ يتسع – ولو جزئياً – لأصوات كانت مُغيّبة أو مهمّشة، وهذا بحد ذاته تحول ثقافي قبل أن يكون سياسياً.
المشاركة نفسها، بوجود ممثلين عن نقابات ومنظمات مدنية وهيئات محلية، تمنح الحدث معنى مختلفاً.
صحيح أن الاختيار محدود وموجّه، لكنه على الأقل لم يعد قراراً فردياً مغلقاً كما كان في السابق. والأهم أن مجرد مناقشة معايير الاختيار والتمثيل داخل المجالس المحلية هو تدريب مبكر على السياسة، حتى وإن ظلّ تحت الوصاية.
ماذا بعد؟
المجلس الجديد اليوم أمامه مهمة تكاد تكون مستحيلة، ليس فقط صياغة قوانين انتقالية، بل إعادة بناء ما تبقّى من ثقة بين الناس والدولة، فالثقة السياسية لا تُمنح بمرسوم، بل تُكتسب عبر الممارسة والمحاسبة والشفافية. وبعد كل هذه السنوات من الخوف والانكسار، من الصعب جداً إقناع الناس بأن صوتهم يمكن أن يُحدث فرقاً فعلياً.
السؤال الحقيقي الآن: هل سيكون هذا البرلمان مجرد غرفة لتصديق القرارات، أم سيتحوّل إلى سلطة رقابية حقيقية؟ هل سيجرؤ أعضاؤه على النقد؟ وهل ستقبل القيادة بوجود معارضة تحت قبة مجلس الشعب؟ وحتى اللحظة، لا أحد يملك الإجابة، لكن ما سيحدث في الجلسات الأولى للمجلس الجديد سيكون مؤشراً على شكل الحياة السياسية القادمة.
هذه الانتخابات ليست مثالية، ولا حتى قريبة من المثالية. لكنها، رغم كل شيء، خطوة – متعثرة، ناقصة، مليئة بالثغرات – لكنها تظل خطوة مهمة، فبعد عقود من الصمت القسري، يكفي أن يُفتح باب النقاش العلني حول السياسة ليمثّل تغييراً في الذهنية العامة.
ربما الأهم ليس من فاز ولا كم عدد المقاعد، بل أن السوريين بدأوا، ولو ببطء شديد، بل شديد جداً، يستعيدون فكرة أن السياسة ليست حكراً على السلطة، بل شأنٌ عام يخص الجميع، وأن لهم الحق في السؤال، في النقد، وفي الاعتراض أيضاً.
ففي بلد لم يتعلم بعد كيف يختلف دون أن ينهار، ربما ما يحدث الآن ليس أكثر من بداية تمرين طويل على قبول الاختلاف، واكتشاف أن الطريق إلى الديمقراطية لا يُرسم بخط مستقيم، بل بخطوات مترددة، تُصيب حيًنا وتتعثر أحياناً، لكنها في النهاية تمضي إلى الأمام.
+963
—————————————-
لا نساء في برلمان مدينتي… عن العبث السياسي في الساحة السورية/ شمس الأمين
جاءت انتخابات اختيار أعضاء البرلمان السوري الأول بعد إسقاط نظام الأسد بحضورٍ نسائيٍّ مخجل، فيما كانت الصفعة الكبرى تتمثل في عدم وجود وجوه نسائية تُتوّج تاريخ دمشق النسوي الحافل.
هذه المدينة الزاخرة بالأصوات الأنثوية التي أسّست وجه السياسة النسائية السورية من ثريا الحافظ إلى ماري العجمي ونازك العابد، أمست فصلاً من حكاية سياسية انتهت قبل أن تبدأ.
على مقاعد القرار، اختنق الصوت الأنثوي، كما لو أنه يُقال لنا: “مكانكنّ المطبخ”.
في مشهدٍ يقول بصوتٍ جهوريّ: “يا الله، يا الله، انتخبوا يا نسوان”.
في صورةٍ نمطيةٍ حاولت دراما البيئة الشامية ترسيخها على مدى سنواتٍ مضت، يقف الرجال وحدهم في قاعة كان يُفترض أن تُمثّل فئات الشعب بمكوناته جميعها، يتبادلون الأدوار، فيما تُترك النساء على هامش الصورة، برغم أنهنّ حملن لعقود أعباء الموت والفقد والتهجير وإعادة الحياة من تحت الركام.
هذا الإقصاء المجحف ليس مجرد سقطة كبيرة للبرلمان السوري الجديد، بل طعنة رمزية لتاريخ السياسة السورية التي أسّستها النساء جنباً إلى جنب مع الرجال، إنه تنكّرٌ صريح لحقٍّ دفعت النساء ثمنه بالدم والتعب، ومحاولة جديدة لإسكات الصوت الأنثوي الذي كان يوماً نبض دمشق.
أولاً: إسقاط النظام وسقوط الطرق القديمة
بدايةً، علينا الحديث عن الطريقة التي لم يألفها الشعب السوري في انتخابات مجلس الشعب، حيثُ لم نجد حملات انتخابيةً ولا صوراً لناخبين في الشوارع ولا صناديق معونات غذائية ولا حتى حلقات دبكة. جاءت الانتخابات هذه المرة وفق نظام انتخابي جديد يعتمد على الانتخاب غير المباشر عبر “هيئات ناخبة” تم تشكيلها في كل دائرة انتخابية، على مستوى المحافظات السورية، وهذا بحجج مختلفة من بينها التهجير والنزوح، وفقدان الوثائق، وتدمير السجلات المدنية، وجميعها عوامل تصعّب إجراء اقتراع مباشر، لذا جاءت الهيئات الناخبة كبديل أمرٍ واقع.
فضلاً عمّا سبق، تم تأجيل انتخابات مجلس الشعب في السويداء والحسكة والرقة لأسباب أمنية، وبقاء ثلث مقاعد البرلمان بـ”تعيين مباشر” من قبل رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع.
ثانياً: هيمنة ذكورية وتهميشٌ مقنّع للنساء
برغم ترديد المطالبة بـ”الحرية” منذ اليوم الأول للثورة السورية، إلا أن السياسة في هذه البلاد لا تزال تُدار بمنطق الأب والوصيّ، حيث يُعامل حضور النساء كاستثناء يجب تبريره، وجاءت الانتخابات لتقول بصراحة: لم يتغير شيء. الأسماء تبدّلت، لكن الذهنية عادت هي ذاتها، وإن في ثوبٍ جديدٍ مخضبٍ باللون الأخضر.
نسبة 14% للتمثيل النسائي ليست رقماً نقرأه ببساطة ونمضي، إنما هي إهانة يجب التوقّف عندها كثيراً لمحوها وهي تستوجب الاعتذار عنها، لأنها إهانة سافرة لتاريخ هذه البلاد التي كانت المرأة عنصراً أساسياً في صنع حضاراتها منذ آلاف السنين، وهذا بمثابة خطوة إلى الوراء تضعُ عصيّاً في دواليب التقدّم وخلع العباءات التقليدية. ليس هذا فحسب، إنما أيضاً تعكس هذه النسبة إصرار النظام السياسي الجديد على إعادة إنتاج هرمية التهميش ذاتها، مع تغيير طفيفٍ في الوجوه المكسوّة باللحى.
أما الطامة الكبرى، في هذا السياق، فهي التبريرات التي جاءت استمراراً لسلسلة تبريرات ذكورية ضاربة في تاريخ الصراع النسوي الذكوري على مدى عقودٍ خلت، حيثُ عزا البعض سبب هذه النسبة المتدنّية إلى التمثيل النسائي وإلى أن “القيم التقليدية المحافظة” تُعيق مشاركة النساء ولا سيّما عقب مرور 14 سنةً من الصراع ساهمت بدورها في الحدّ من قدرة النساء على الترشّح أو التنافس.
في الحقيقة، لا يمكننا أن ننكر أنّ هذه النسبة المنخفضة في التمثيل النسائي كانت منذ عهد النظام الساقط، ولكن استمرار هذا التهميش يجعلنا نقول: “ليس لأجل هذا قامت الثورة”.
لذا، فإنّ هذا التمثيل المنخفض ليس إلا انعكاساً للهيمنة الذكورية السابقة التي استمرت برغم تغيّر الوجوه التي كانت تنادي بالتغيير أصلاً، بالإضافة إلى وجود الأغلبية المحافظة في الهيئات الناخبة، وذلك ما تترتب عليه نتائج سلبية في طريق الإصلاح.
ثالثاً: هل يُصلح الشرع ما أفسدته هيئاته؟
في العالم، تُكرَّم النساء بألقابٍ كـ”الملهمة” أو “صانعة التغيير”، أما هنا فتكفي السلطة بوصمهنّ بـ”الرمز”، بينما تتواطأ السياسات والمجتمع معاً لسحب الأضواء من كل يدٍ نسائية تحاول الإمساك بالمقود. فما الذي يعكسه التمثيل الهزيل لهنّ بعد الانتخابات؟ وهل تغيّر تعيينات الرئيس الانتقالي هذه الصورة؟
وذلك لأنّ انتخابات مجلس الشعب هذا العام لم تتوقّف على شكلها الجديد بتعيينات الهيئة الناخبة، فهناك ثلثٌ متبقٍّ من الأعضاء (70 عضواً) سيعيَّن بشكل مباشر من قبل الشرع، فهل ستتمّ زيادة التمثيل النسائي بوساطة هذا التعيين وسد الثغرات السابقة ورفع النسبة إلى 20% بأقل تقدير، أم أننا على أعتاب حجج جديدة ستساهم بشكل جديد في تدعيم التمثيل الرمزي الوهن للنساء في سوريا؟
وهل هذا يعني بداية الغيث، ما يعني أنه سيقال لنا بشكل غير مباشر: مكانكنّ ليس في السياسة وإدارة البلد؟ ففي هذا المشهد مكتمل الذكورة، الذي يبدو وكأنه رسالة أوضح من أي بيان رسمي تقول بكلّ وقاحة: “السياسة ليست ملعبكنّ”.
المشهد هُنا أكثر من مخيّب للآمال، وكأنّ النظام الجديد قرّر أن يكتب اسم البلد كما يريد أن يرسم وجهها: بلا تاء، بلا أنوثة، وبلا حضورٍ مؤنث. “سوريا” بلا تائها، تماماً كما البرلمان بلا نسائه.
فهل يُعقل أن لا وجود لإمرأة واحدة من بين آلاف الناشطات والمدافعات عن هذه المدينة تستحق أن تُمثّل نساء بلدها وتساهم في رفع مطالبهنّ؟
ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه بتجرّد: هل هذا التمثيل الرمزي للنساء في البرلمان مجرد صدفة انتخابية؟ أو بداية مرحلة يُراد فيها إعادة النساء إلى الهامش؟ في كل الأحوال، يبدو أنّ دمشق ونساءها اللواتي اعتدن أن يكنّ قلب السياسة والثقافة، صرن اليوم مجرّد متفرّجات على مشهد يزداد انغلاقاً.
رصيف 22
————————————
تأجيل انتخابات مجلس الشعب مجدداً في الحسكة والرقة والسويداء
لجنة انتخابات مجلس الشعب حددت موعد إجراء الانتخابات بمنطقتي تل أبيض ورأس العين
963+ 963+
أعلنت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا، عن تأجيل الانتخابات في محافظات الحسكة والرقة والسويداء مجدداً.
وقال عضو اللجنة أنس العبدة لقناة “الإخبارية” السورية، إن “هناك مفاوضات جرت بين الحكومة وسلطات الأمر الواقع في المحافظات الثلاث”.
وكان نائب الرئاسة المشتركة للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بدران جيا كرد، قد أعرب عن رفضه لنتائج انتخابات مجلس الشعب في سوريا التي أجريت في الخامس من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري.
وقال جيا كرد في حوار مع قناة “العربية” السعودية في 6 أكتوبر، إن “الأعضاء المنتخبين في هذه الانتخابات لا يمثلون الإرادة السياسية المتنوعة للمجتمع السوري”.
وأضاف، أن “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا غير ممثلة في هذه العملية، وبالتالي فإن قرارات هذا المجلس لا تعد ملزمة بالنسبة لها”.
وأكد، أن “الإدارة الذاتية تمتلك إرادة سياسية نابعة من مكونات المنطقة، التي اختارت ممثليها عبر انتخابات حرة، ما يستوجب أخذ هذه الإرادة بعين الاعتبار”.
وشدد جيا كرد، على أن “العملية الانتخابية تفتقر إلى قانون انتخابي ديموقراطي يضمن مشاركة جميع السوريين دون تمييز، كما أنها لم تستند إلى توافق وطني حقيقي في ظل الظروف الراهنة، الأمر الذي أدى إلى إقصاء مناطق وشرائح واسعة من المجتمع”.
وأمس الجمعة، حددت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا، موعد إجراء الانتخابات في منطقتي تل أبيض/ كري سبي بريف الرقة ورأس العين/ سري كانييه بريف الحسكة.
وبينت اللجنة في منشور على حسابها في “تلغرام”، أنه “تم تحديد موعد تقديم طلبات الترشح لانتخاب أعضاء مجلس الشعب في دائرتي تل أبيض ورأس العين، يومي السبت والأحد في 18 و 19 أكتوبر الجاري”.
وأشارت، إلى أن “الدعاية الانتخابية للمرشحين في الدائرتين تبدأ اعتباراً من صباح يوم الإثنين 20 أكتوبر، وتنتهي مساء يوم الأربعاء 22 من الشهر ذاته”.
وقالت، إن موعد الاقتراع لانتخاب أعضاء مجلس الشعب في دائرتي تل أبيض ورأس العين، هو يوم الخميس 23 أكتوبر الجاري.
وفي السادس من أكتوبر الجاري، أعلنت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا، عن النتائج الرسمية لعملية الاقتراع التي جرت في 49 دائرة انتخابية على مستوى معظم أنحاء البلاد.
وأكد المتحدث باسم اللجنة، نوار نجمة، أن “مستوى النزاهة العالية هو أهم ما ميز العملية الانتخابية”، مشيراً إلى المشاركة الواسعة من قبل الناخبين في جميع المناطق.
وأوضح نجمة، خلال مؤتمر صحفي، أن النتائج المعلنة بفوز 119 عضو هي نهائية وغير قابلة للطعن، وأن النواب المنتخبين سيمثلون جميع السوريين بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية.
وأكد، أن الثلث الذي يعينه رئيس الجمهورية لا علاقة له بالهيئات الناخبة، وأن التأخير الذي حصل في فرز الأصوات في دمشق كان مسألة إيجابية، ويعكس الحرص على عدم المحاصصة وضمان نزاهة النتائج.
————————————–
اللجنة العليا تصدر القوائم النهائية لأعضاء الهيئات الناخبة في الحسكة والرقة
تشرين الأول 17, 2025
أصدرت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، الجمعة 17 تشرين الأول، القوائم النهائية لأعضاء الهيئات الناخبة في محافظتي الرقة والحسكة.
وجاء القرار رقم (71) ليشمل القائمة النهائية لأعضاء الهيئة الناخبة للدائرة الانتخابية في مدينة تل أبيض التابعة لمحافظة الرقة، بينما نص القرار رقم (72) على إقرار القائمة النهائية لأعضاء الهيئة الناخبة للدائرة الانتخابية في مدينة رأس العين الواقعة في محافظة الحسكة.
وأصدرت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، الأربعاء 10 أيلول الماضي، القرار رقم /30/ لعام 2025 والمتضمن تشكيل لجان فرعية في بعض مناطق محافظتي الحسكة والرقة.
وبحسب القرار تشكل لجان فرعية في منطقة رأس العين في محافظة الحسكة، وفي منطقتي الرقة وتل أبيض في محافظة الرقة.
وقال المتحدّث باسم اللجنة نوار نجمة إن هذا القرار يأتي استجابةً لأهالي هذه المناطق، باعتبارها خاضعة لسيطرة الحكومة السورية، ولرغبة سكانها في المشاركة بالعملية الانتخابية في سوريا.
وكانت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، وقعت في 6 أيلول الماضي، مذكرة تفاهم مع خمس منظمات من المجتمع المدني، بهدف التعاون في تنفيذ برامج تدريبية وتوعوية مرتبطة بالانتخابات حرصاً على ضمان النزاهة والشفافية الكاملة للعملية الانتخابية.
وبموجب المذكرة التي نشرتها اللجنة عبر منصاتها الرسمية حينها، تلتزم المنظمات بتنفيذ تدريبات وورش عمل لأعضاء اللجان الفرعية والهيئات الناخبة.
——————————-
صدور القائمة النهائية لأعضاء الهيئة الناخبة في رأس العين وتل أبيض
2025.10.17
أصدرت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، القرارين (71- 72) المتضمنين القائمة النهائية لأعضاء الهيئة الناخبة للدائرتين الانتخابيتين في كل من تل أبيض بمحافظة الرقة، ومدينة رأس العين بمحافظة الحسكة.
وتضمنت قائمة أعضاء الهيئة الناخبة في تل أبيض 100 اسم، بينما تضمنت قائمة رأس العين 50 اسماً من أبناء المنطقة.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، أصدرت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب القرار رقم (68)، المتضمن القوائم الأولية الخاصة بترميم أعضاء الهيئات الناخبة في الدائرتين الانتخابيتين لـ تل أبيض ورأس العين بريفي الرقة والحسكة.
وأوضحت اللجنة في نص القرار، أنه يجوز لكل ذي مصلحة الطعن في هذا القرار خلال ثلاثة أيام اعتباراً من تاريخ 12 تشرين الأول الجاري، وذلك أمام لجنة الطعون الخاصة في مركز عدلية تل أبيض.
كما قررت اللجنة تمديد فترة تقديم الطعون على القرار رقم (60) الصادر بتاريخ 28 أيلول 2025، والخاص بالدائرتين نفسيهما، لمدة ثلاثة أيام اعتباراً من 12 تشرين الأول أيضاً.
تشكيل مجلس الشعب في سوريا
وفي الخامس من هذا الشهر، أُجريت عملية اختيار أعضاء مجلس الشعب في سوريا، للمرة الأولى منذ سقوط نظام الأسد، وذلك وفق آلية استثنائية تعتمد على هيئات ممثّلة عن المناطق تتولى مهمة انتخاب المرشحين.
وتنافس 1578 مرشحاً موزعين على خمسين دائرة انتخابية على 140 مقعداً في مجلس الشعب من أصل 210 مقاعد، حيث يعيّن الرئيس الشرع ثلثها مباشرة، في حين يُنتخب الثلثان الآخران.
———————————-
======================



