مقالات تناوات إلغاء بعض الأعياد في سورية

تم إلغاء العيد/ عبير داغر اسبر
14 أكتوبر 2025
لم يُمثّل العيدُ الوطنيُّ في جوهره يومَ عطلةٍ فقط، بل موعداً تتأمّل فيه الأممُ صورتَها في مرآةِ التاريخ: كم شاخت، وكم رمّمت من ملامحها في وجهِ الزمن. فهو اليوم الذي تستعيد فيه الشعوب سردها الخاص للحكايات، وتختبر فيه قدرتها على تحويل الذاكرة إلى هوية. فالأعياد الوطنية ليست احتفالاتٍ عابرة، بل طقسٌ جماعيٌّ يُعيد ربط الأفراد بعضهم ببعض وبالمكان الذي يجمعهم، مانحاً إياهم شعور الانتماء الذي يتجاوز اختلافاتهم العابرة.
في ذلك اليوم، تنطق الدولة بلغتها العاطفية، وتقدّم نفسها لا عبر القوانين أو البيانات، بل عبر الإيقاع الجمعي للفرح والاعتزاز. إنه اليوم الذي تتّحد فيه الذاكرة الرسمية والذاكرة الشعبية في روايةٍ واحدة، مهما كانت مضطربة أو ناقصة، وتُعاد فيه كتابة العلاقة بين المواطن والوطن بلغةٍ من الرموز والأغاني والشعارات التي تُنقش في الوجدان أكثر مما تُكتب في الوثائق.
غير أنّ العيد الوطني، ككل طقسٍ رمزي، يحمل في طيّاته سؤالاً آخر: من الذي يحدّد ما يُحتفل به، وما يُترك للنسيان؟ إنّه اختبارٌ دقيق لذاكرة الأمم، بين ما تُكرّمه وما تتجاوزه، بين التمجيد والمراجعة، بين الماضي الذي نحتفل به والمستقبل الذي نريد أن نصنعه.
فحين تُلغي دولةٌ عيداً من أعيادها، فإنها لا تُسقط يوماً من الروزنامة فقط، بل تعيد صياغة ذاكرتها الوطنية التي لم تتصدّر تاريخنا بريئةً من الدلالات، إذ لطالما جُدّلت برواية السلطة وحدّدت برفقتها ما ينبغي أن يُتذكّر وما يُترك للنسيان.
في القرن العشرين، شهدت دول كثيرة تحوّلاتٍ مشابهة. بعد فرانكو، ألغت إسبانيا عيد النصر الذي كان يحتفل بالانتصار الممجّد للدكتاتور بعد حربٍ أهليةٍ طاحنة، لتفتح الباب أمام مصالحةٍ وطنيةٍ خاليةٍ من الشعارات. والبرتغال بدّلت “يوم العِرق” ذي الطابع الإمبراطوري بـ”يوم الحرية” بعد ثورة القرنفل. وفي جنوب أفريقيا، حُوِّل “يوم العهد” الذي كان يمجّد انتصار المستوطنين البيض إلى “يوم المصالحة” بعد سقوط الأبارتهايد، في محاولةٍ لتوحيد الذاكرة النازفة. وفي العالم العربي أيضاً، غيّرت ليبيا وتونس رموزها الزمنية بعد سقوط معمّر القذافي وبن علي، حين أُلغيت تواريخ الانقلابات لصالح أيام الثورة.
لهذا، لا يبدو إلغاء الأعياد حدثاً فريداً في الزمن السوري، بل ممارسةً شائعة في لحظات التحوّل السياسي. ويمكن قراءة قرار إلغاء ذكرى حرب تشرين “التحريرية” من التقويم الرسمي في هذا الإطار، بوصفه خطوةً لإعادة ترتيب الرموز السياسية. فحرب تشرين، على امتداد خمسة عقود، لم تكن مجرد معركةٍ عسكرية، بل جزءاً من جهاز الشرعية الذي استخدمه النظام السابق لترسيخ صورته حارساً للوطن. ومع سقوط تلك المنظومة، باتت الرموز المرتبطة بها عبئاً على الدولة الجديدة التي تسعى إلى تأسيس مقولاتها الخاصة.
من منظورٍ سوسيولوجي، يمثّل القرار محاولةً لتفكيك “الزمن الرسمي” الذي صنعه النظام القديم، حيث عكس التقويم نفسه هرمية السلطة ومناسباتها. وتغيير هذا التقويم يعني إعادة ضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الذاكرة السياسية والذاكرة المدنية. وعلى المستوى الرمزي، يمكن فهم الإلغاء كوقفٍ لتكرار خطاب البطولة العسكرية الذي سيطر على المجال العام لعقود؛ فالحرب في الذاكرة الرسمية كانت تُستحضَر كل عام لتثبيت صورةٍ واحدة عن الوطن والانتصار. إعادة الحدث إلى مكانه في التاريخ شكلٌ من أشكال إعادة التوازن بين التذكّر والنقد، بين الذاكرة والواقع.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال البعد البراغماتي أيضاً؛ فدولٌ كثيرة خارجة من النزاعات تميل إلى تقليص عدد الأعياد ذات الحمولة السياسية أو الانقسامية، سواء لتخفيف الأعباء الإدارية أو لتجنّب استدعاء انقساماتٍ رمزية أثقلت اللحظة السورية الراهنة.
العربي الجديد
————————————
هل هناك شعب في سوريا؟/ نوار جبور
الثلاثاء 2025/10/14
أصدر الرئيس أحمد الشرع قائمةً بالأعياد الرسمية، واستبعد منها عيد الشهداء (6 أيار) وذكرى حرب تشرين (6 تشرين الأول) التي كان النظام السابق يسمّيها “حرب تشرين التحريرية”. أثار القرار تساؤلاتٍ حول ملاءمته لمرحلة انتقالية يُفترض أن تقتصر تشريعاتها على الضروري والعاجل. فالأعياد ليست جدولًا للعطلات؛ إنها سياسة ذاكرة. ولهذا لا يكفي تعميم إداري، بل يلزم مسار تشاركيّ وجلسات استماع ومذكّرات “أسباب موجبة”.
وجاءت الصدمة الأكبر مع إلغاء السادس من أيار. فهذا اليوم يحمل سردية يصعب التخلّي عنها؛ لحظةٌ شكّلت منبعًا للسردية الوطنية، ورمزًا غير منقسم جمع في وقت واحد ذاكرة شهداء العهد العثماني وبزوغ وعيٍ مجتمعي–سياسي مبكّر، سابق على الانقسامات الحزبية والطائفية. وفقًا لمنطق الذاكرة الجمعية، لم يولَد السادس من أيار في منشور رسمي، بل في أطر اجتماعية صنعتها المدارس والساحات والعائلات.
حين حُذف العيد، بدا الأمر أبعد من تعديل تقني في جدول العطل، وأقرب إلى محاولة لإعادة برمجة الذاكرة العامة بلا تفويض اجتماعي. فشهداء السادس من أيار ارتبطوا بولادة الحداثة السورية وبالتحوّل نحو المؤسّسة: المدرسة، التقويم الرسمي، واللغة المعيارية. ومع الزمن، صار هذا اليوم تطابقًا نادرًا بين الدولة والمجتمع ونُخبه، وتحول إلى جزء من جماليات الفضاء العام بعد الاستعمار: أرشيفٌ حيّ للذاكرة احتفظت به المدرسة، وساحة المرجة، وساحة الشهداء. قطع السلسلة الطقسية يوقف تدفّق الطاقة العاطفية التي غذّت تضامنًا طويل الأمد حول 6 أيار.
إن قيمة تلك اللحظة ليست مجرّد سرد، بل ركيزة لِهُوية سورية تعدّدية حيث يتداخل المسلم والمسيحي، الكردي والعربي، القومي واليساري، في سرديةٍ لا يحتكرها أحد. عيد الشهداء لم يكن أداة سيطرة رمزية، ولا بطاقة سياسية في يد سلطة؛ كان ذاكرةً جريحة أنتجتها لحظة أخلاقية جامعة. لذلك لم تكن سوريا بحاجة إلى إلغائه، لأن ما يجمع لا يُمحى، وما يُراجع يُراجع معًا.
في ما يخص حرب تشرين، هناك إشكالية كبرى: كيف يُدار التذكّر والنسيان. فالنظام السوري الجديد لم يحرص على التفريق بين العابر والخاص بسلطة الأسد، وما يتجاوزها. الدولة لم تكن يومًا المالك الحصري لذاكرة الحرب، بل إن المجتمعات المحلية، الأُسر، أهالي الضحايا، الشهادات الشفوية، وحتى التجارب الفردية الهامسة، ساهمت جميعها في صياغة ذكرى تتجاوز سردية النظام. وإن كان عيد الشهداء يخص الثلث الأول من القرن العشرين، فإن حرب تشرين ما زالت قريبة، حاضرة بثقلها ورمزيتها في الذاكرة السورية والمصرية معًا.
صحيح أن عشر سنوات سبقت الحرب كانت بائسة ومأسوية تحت حكم “البعث”: جيش بلا كفاءة، مستنقع من التصفيات والولاءات الطائفية، جهاز عسكري مهترئ من الداخل، أُقصي فيه الضباط السُنة، واعتُقل الآلاف منهم تحت شعار التحصين الأمني، لكن ذلك كله لم يمنع ولادة لحظة شعورية وطنية عابرة للطائفة والولاء.
كثيرون تذكّروا الحرب بوصفها لحظة نادرة شعروا فيها أنهم يقاتلون من أجل الأرض، من أجل شيء أوسع من النظام، وأعمق من الطائفة. جيلٌ كامل شارك أو تابع، وعايش ما يشبه الإجماع العاطفي حول لحظة وطنية خالصة. صحيح أن حافظ الأسد استغل الحرب وبنى على سرديتها، لكن هذه السردية ضد إسرائيل لم تكن السردية الوحيدة. فهناك سرد آخر، “تاريخ من تحت”، يمتد بين أصوات الجنود، أمهات القتلى، الصمت المتراكم، والمجتمعات التي صدّقت القتال لا السلطة. فساد السلطة والدولة والجيش لا يُفسد البذور الأخلاقية لهؤلاء الذين فقدوا حياتهم بصدق، ولا لمن قاتلوا وهم يظنون أن المعركة من أجلهم.
هناك في الحقيقة تاريخان لسوريا:
تاريخ رسميّ يُعاد إنتاجه من فوق، وتاريخ حيّ ينتقل شفويًا، يتسرّب من الصور والمرويات والتجارب. المؤلم في هذا كلّه أنّ الناس لم يفهموا — ولن يفهموا — لماذا تتعامل السلطة مع هذه الذاكرة كأنّها أداة تخصّها وحدها لتلغيها اجتماعيًا. نعم، النظام الأسدي كاذب مراوغ مُخادع أيديولوجيًا؛ لكنه كذبٌ آمن به كثيرون، قاتلوا من خلاله وخسروا من خلاله، وفي الوقت نفسه أرادوا الأرض لا النظام. من هنا جاء خطأ النظام السوري الجديد: أنّه لم يرَ الأرض في الحرب.
لقد وضعت السلطة السورية الحالية، حرب تشرين في إطارٍ ضيّق: الزعيم/الدولة/الهيبة، بدلاً من الأرض/الكرامة/الحداد. لم تُترك للناس فرصة اختيار الأرض كإطار للسرد؛ المكان/التربة، لا الصورة المعلّقة على الحائط وفي الشارع وفي كتب المدرسة. صارت حرب تشرين تُعرض تحت ظلّ الأسد: استعراضُ مواجهةٍ مع الأسد ونسيانٌ للشعب. وما كان يحتاجه العيد هو تحرير معناه وإعطاءُ الأهالي والأحفاد حقّ السرد، لا محو تاريخ الذكرى كلّيًا لأنّ عداءنا مع الأسد مستمر. نغيّر القصة، لا اليوم. نعيد الإطار إلى الأرض، لا إلى الصورة.
ذكرى الشهداء
العيدان وقسوة الممارسة
السلطة الانتقالية، حين ألغت العيدَين، لم تفعل ذلك من باب النسيان، بل من باب التحكّم: كأنّها تقول إنّ حتى الذكرى التي لم نُنشئها يجب أن تمرّ عبرنا كي نعترف بها. لم يكن الإلغاء “مجاملةً للأتراك” أو تناغمًا مع العدوّ الإسرائيلي فحسب، بل إشارة إلى دخول زمن تُكتب فيه الهوية بأيدي من يملكون القدرة على القطع مع مَن عاشوها.
هنا تكمن المشكلة: ليس في القرار وحده، بل في انقطاع السرد. السلطة لا تواصل سردًا وطنيًا سابقًا عليها، بل تُعيد إنتاج ذاكرة مختلَقة مفصولة عن مشاعر الناس وتاريخهم، ثم تطلب منهم التصفيق وضرورة أن لا يملكوا أي قدرة على الاعتراض. الذاكرة ليست حكرًا لسلطة، وعلى أي سلطة أن تقول للناس: “نريد أن نُغيّر معكم”، لا من فوق، خصوصًا وهي غير منتخبة.
كانت ممكنة إعادة تأطير العيد، بدلاً من شطبه: يومٌ لضحايا الأرض السورية يحرّرنا من سردية حافظ الأسد، ويجعل من حرب تشرين درسًا في القدرة والحدود، لحظة تآلُفٍ مجتمعي ضدّ عدوّ على الأرض، لا ميثولوجيا زعيم. الأخطر أنّ الحذف يسلب السوريين فرصة اتحادٍ ممكن لذكرياتهم الجامعة لتجاوز حربٍ أهلية طاحنة، كما يمنع الجميع من المشاركة في صياغة الطقوس والمشاعر.
لدى السلطة شعورٌ بأن سرديتها الخاصة هي لغة كلّ ذكرى ممكنة، وتنسى أنّ ذكرى مثل النوروز (العيد الكردي)، هي ذكرى شعبٍ وأطفالٍ ومدارسٍ وغناءٍ ومجتمع. لغة الذكرى لا تحتكرها الدولة. نحن نتكلّمها لأننا تلقّيناها اجتماعيًا قبل أيّ مرسوم. والمعيار العادل لأيّ طقسٍ تذكاريّ بسيط: مَن الذي يُسمَع ويُرى فيه حقًا؟ إن ظلّ الصوت واحدًا والمشهد واحدًا، فلن تتغيّر الذكرى ولو تغيّر القرار الرسمي. أمّا تجنّب تواريخ حسّاسة، مثل النوروز أو يوم انتهاء الحرب الأهلية، أو افتراض أن هناك حرباً أهلية قد تجاوزناها، هذا مشكلة في حدّ ذاته، لأنّه يكرّس تفضيل ذاكرة على أخرى. وليس صحيحًا أنّ عدم اعتراف السلطة بمناسبةٍ، رسميًا، يجدي نفعًا. فمحتوى الذكرى لن يكون ورقيًا أبدًا؛ محتواها اجتماعيّ وحسّيّ خالص، يتشكّل في الناس وأماكنهم قبل أن يُسطَّر في جداول الدولة.
الحلّ المؤسّسي واضح: إنشاء هيئة مستقلة للذاكرة، تُنظّم الاعتراف والتعدّدية والشفافية عبر مسارٍ تشاركي، وأسباب موجبة معلنة، جلسات استماع، نشر محاضر وتحديد المعايير والطقوس بما يضمن شمولها الجميع. عندها فقط تصبح الذكرى مِلكًا عامًا، لا سوقًا تختار منها السلطة ما تريد. السؤال هو: هل هناك شعب يريد أي أحد أن يستمع لسرديته؟
المدن
———————————–
إنقاذاً للتاريخ والذاكرة/ رباب هلال
14 أكتوبر 2025
لا نكاد نستيقظ من حدث أليم مباغت، أو قرار حكوميّ صادم، حتى نفاجأ بأحداثٍ موجعةٍ أخرى، وقرارات جديدة أكثر غرابة! وأحدثها، إلغاء ثلاثة أعياد، منها عيد المعلّم. وإن كان إلغاء هذا العيد غير مبرّر أو مفهوم، إنّما يمكن للسوريّ أن يمرّره. فالوضع التربويّ والتعليميّ كان تعيساً، إبّان مرحلة الأسدَين البائدَين، إلى الحدّ الذي يكفل وحده باندلاع ثورة، وبها يثبت عيد للمعلّم بجدارة. سيغفل المواطن عن قرار إلغاء هذا العيد لهولٍ صادمٍ أصابه جرّاء إعلان إلغاء عيدَين آخرَين إنّما وطنيّين، يحتفيان بذكرى عظيمة بنبالتها الإنسانيّة والأخلاقيّة والوطنيّة، وتخصّ الشعب السوريّ بانتماءاته الضيّقة كلّها، هذه التي كانت تضمحلّ وتختفي في حضرة الانتماء الوطنيّ المقدّس والراسخ. وبالتالي؛ هي ذكرى تخصّ الذاكرة السوريّة الجمعيّة الموحّدة، وقد وحّدت حتّى جدران البيوت السوريّة، بصور أبطال شهداء السادس من أيّار، الذين أعدمهم جمال باشا السفّاح، إبّان الاحتلال العثماني. وفيما بعد ستجاورها، صور أبطال حرب تشرين التحريريّة شهداء مقاومة الصهاينة. ويا لفخرنا بكرامتنا الوطنيّة والحريّة، وبمددنا بالأمل في دياجيرنا.
مثّل حدث إعدام شهداء 6 أيّار (1916)، رمزيّة ناصعة لحقد الاحتلال وقتله للفكر والثقافة الوطنيّة، لصحافتها، منابرها الإعلاميّة، خطاباتها وأبحاثها. إنّما هيهات. ففي 1925، ستندلع الثورة السوريّة الكبرى. تحرّرت البلاد، من احتلالات ثلاثة؛ العثمانيّ، الفرنسيّ، والإنكليزيّ. وصولاً إلى حرب تشرين (1973)، التي خاضها الشعبان السوريّ والمصريّ، وبدعم عديد من الجيوش الوطنيّة الشقيقة، لمجابهة الصهيونيّ مغتصب أرض فلسطين العربيّة. ومن نافل القول أنّ شهداء الاحتلالين جسّدوا الالتحام العربيّ أيضاً. فالشعوب والجيوش الوطنيّة هي التي صنعت تحرّرها سابقاً، ومحاولاتها الباسلة اللاحقة. وإن كانت تسمية البائد الأسد الأب قائداً لتلك الحرب المجيدة، فذلك للأمر الواقع وحسب، فقد صادف أن يكون رئيساً لسوريّة آنذاك. ولا يخفى على أحد اتّجار الأسد الأب والابن بالقضيّة الفلسطينيّة العادلة، على عادة الأنظمة الديكتاتورية الشموليّة، لم يقصدا يوماً القضاء على العدوّ، وخلق أيّ عدوّ، لتبرير استبدادهما وجرائمهما بحق الشعب السوريّ. وإذاً، العيدان وطنيّان يخصّان الشعب برمّته وذاكرته الوطنيّة الجامعة، يحتفى بهما للاستقواء، واستعادة الأمل مهما حلكت الظروف وقست. فلا حقّ لأيّ كان مهما علا شأنه وازداد بطشه بمحو الذاكرة، ومن المحال أن تمحى ذاكرة الشعوب.
كان عشمي كبيراً بعد اندحار الحقبة الأسديّة، بأن تُلغى مادّتا الوطنيّة والقوميّة من المناهج المدرسيّة، لما كانت تسطّره من أكاذيب الأسدين وترّهاتهما، وتسخيف عقول الطلّاب. ويحلّ محلّهما مثلاً نصوص للمناضل الثوري عبد الحميد الزهراوي، ولرفيق نضاله والشهادة شكري العسلي، هذا الذي كان أوّل من حذّر من الاحتلال الصهيونيّ وندّد به، وكان أغضب السلطة العثمانيّة لفضحها ببيع أراضي فلسطين. واليوم، منعت السلطة الانتقاليّة المادّتَين فعلاً. إنّما أصابني إلغاء العيدَين المذكورين سابقاً بخذلان شنيع وقلق شديد. فما الذي سيدرج في مناهجنا وعقول طلّابنا وذواكرهم؟ أأنّنا بلا تاريخ شهد الحقب الناصعة، وقدّم التضحيات الجُلّى في سبيل بقاء الوطن موحّداً حرّاً وكريماً؟ وهل ستعتّم المناهج الجديدة على إبداعات محمود درويش، سميح القاسم، السيّاب، محمد الماغوط، نزار قبّاني، وتطول القائمة بأسماء المبدعين الوطنيّين الراسخة في الوجدان والذاكرة؟
لن تعوز السوريّين الحيلة كسابق عهدهم لحماية عقول أبنائهم واحترامها، وصون الحقائق. ومهما اشتدّت المحن لن يصحّ غير الصحيح، فلا الظلم صحيح ولا الاحتلال.
العربي الجديد
———————————-
ذاكرة الأعياد التي لا تطوّقها المراسيم/ فاتح كلثوم
14 أكتوبر 2025
قُدّر لي أن أشهد بأم عيني حدثاً تاريخياً تتناقض فيه المشاعر بين الفرحة بانتصار أبنائنا وإخوتنا من رجالات الثورة، على سلطة الاستبداد.
بين الأسى من مشهد أبنائنا وأخوتنا من أفراد الجيش العربي السوري المنهار، وهم يتخلصون مِنْ ملابسهم العسكرية وعتادهم الحربي، برميه وحيداً، من دون أسف، على أطراف الطرقات العامة، وحاويات القمامة في شوارع المدن وأزقتها الفقيرة، وكأنهم أرادوا بهذا التصرّف الاحتفاء بهذا النصر العظيم مع أخوتهم في الجبهة الثانية، فهل يستطيع أي قرار صادر من جهة رسمية محو هذا المشهد من ذاكرتنا الجمعية، أو ترجيح كفّة الفريق الأول والاحتفاء بيوم نصره، لصالح الابتعاد عن الذاكرة التي كانت تجمعنا في رؤيتنا إلى البطولات والتضحيات التي قدّمها في حرب تشرين (1973)، وهل من أحد يستطيع فصل الخيط السرّي الذي يربط أرواح هؤلاء الأبطال مع أرواح شهداء 6 أيار (1916)، ومن سار على خطاهم من المناضلين في سبيل الحرية والكرامة لتسجل الفوز أخيراً، على من كان يسرق تلك الانتصارات لصالح كرسيّه المصفح بشعاراتٍ تطاول رقبة كل من يعارضها.
أثار المرسوم الرئاسي رقم 188 لعام 2025 القاضي بإلغاء أعياد: حرب تشرين، الشهداء، المعلم، جدلاً واسعاً في الوسط الشعبي في العموم، حيث رأى كثيرون إلغاء عيد الشهداء مساساً بمسيرة النضال الوطني ضد الاستبداد، وصدمة وجدانية موجّهة في رمزيتها ضد الذاكرة السورية، كون هذا العيد يخلد إعدام مجموعة من رجالات الفكر والسياسة والدين من السوريين واللبنانيين بحبال مشانق جمال باشا (السفاح) في 1916 الذين دانتهم محاكمه العرفية بتهمة المؤامرة على وحدة أراضي الخلافة العثمانية، الذين هم جزءُ منها، والتعاون مع فرنسا وبريطانيا، لتنفيذ أهدافهم الانفصالية المتقاطعة علناً مع أهداف العدو في الجناح الآخر إبّان الحرب العالمية الأولى، بينما هم ليسوا سوى نخب مثقفة ممن عشقوا الوطن، فصبوا جام غضبهم على الاستبداد، ساعين من خلال تحالفهم السرّي إلى إنقاذ هويتهم العربية من الاندثار، حتى أنهم ضحّوا بأنفسهم من أجل هذا الهدف السامي، فإذا كان الهدف من إلغاء عيد الشهداء إرضاء الحليف التركي للدولة الجديدة، فإن الدولة التركية العلمانية، مطالبة أيضاً باعتبار مؤسّس تركيا الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك، من الذين ساهموا تحت أي مسمّى بإسقاط الخلافة الإسلامية، فهو أحد مؤسّسي النزعة القومية التركية، وقاد، مع زملاء له من الضباط في الجيش العثماني، الانقلاب الذي أسس للجمهورية التركية الحديثة، ولم يكن شهداء 6 أيار من العرب خارج هذه النزعة القومية التي سادت في عموم أراضي الخلافة، بفارق أن روّاد حركة التحرّر العربية، تأخر تحقيق حلمهم إلى ما بعد التحاق أرواحهم الطاهرة بدار الخلود، بينما استطاع أتاتورك إنقاذ أبناء قوميته من التشرذم والضياع في مشاريع الدول الخارجة من الحرب العالمية الأولى بزهو المنتصر.
في السياق نفسه، يرى آخرون أن إلغاء عيد الشهداء من قائمة الأعياد الرسمية ما هو سوى خطوة أولى نحو صياغة سردية جديدة للدولة الحديثة. إلا أن هذا العنوان – الرأي يبدو فضفاضاً، فمفرداته تحمل احتمالاتٍ كثيرة يمكن أن تؤسس لسردية تصادمية مع الذاكرة السورية، التي نحن في أشدّ الحاجة إليها لجمع شمل البلاد والعباد تحت سقف الوطن، وخصوصاً أن القرار نفسه استبعد حرب تشرين (1973)، الحرب الأولى التي جرى فيها إحراق “أسطورة جيش إسرائيل الذي لا يقهر”، بالمشاركة مع جيوش عربية شقيقة، قدمت دماءها لتحقيق هذا الانتصار. وبالتالي، ليس هذا العيد من أملاك السوريين الحصرية لنعبث بذكراه، مثلما هو ليس من أملاك حافظ الأسد الذي استغلّ نصر الشعب السوري ليتمكّن من استعباد طاقات هذا الشعب الجبار وخيراته الطبيعة واستنزافهما عقوداً، ولن يرضى أحداً من السوريين بمحوه من ذاكرتنا تحت أية ذريعة، لا بل إن القيادة السورية الجديدة مطالبة بالعمل على تخليصه من الشوائب الدخيله عليه، وإحلال سردية تعيد الحقوق الوجدانية المسلوبة إلى أصحابها. ولنا في القيادات المصرية التي تعاقبت بعد أنور السادات أسوة حسنة. أما إذا كان إلغاء ذكرى الانتصار الذي تحقق بحرب تشرين من باب محاباة العدو الصهيوني، لمداراة ضعفنا الراهن، فإن هذا العدو الذي ما زال يمارس التنمر على الشعب السوري وأرضه، لن يكون لهذا الإلغاء أية قيمة لدية، سوى ظهورنا أمامه أننا على استعداد لمحو ذاكرتنا من أجل عزته!
وبخصوص عيد المعلم، يرى الشعب السوري بمختلف فئاته وطبقاته أن رفعة قيمة المعلم ورد الاعتبار الذي سلب منه على مدى العقود التي سبقت انتصار الثورة لن يكون بإلغاء العيد الذي أسس للاحتفاء به، وإنما بمنعه من التسوّل على أبواب طلابه تحت ذريعة الهدايا التي تقدّم له في هذا العيد، أو الدروس الخاصة لأبناء من لا يرون في العلم والتفوّق سوى إطار مهذّب لتزيين صورهم التي تخفي انتهاكات إنسانية كثيرة تطاول حتى هذا المدرّس المتعب. أما من كان انتماؤه لطبقة الفقراء الذين لا بد وأن يقطعوا من زادهم لتعليم أبنائهم، فالمتهم أمامهم هو المدرّس المقصّر في أداء واجبه، وهو نفسه الذي يتبادل وإياهم الأدوار على طبق الألم والأمل المفقود، الذي كان يستخدم بوصفه أحد الأسلحة الفتّاكة التي تبنتها دولة البعث لاستجداء الولاء المقنّع بالخوف، وليس هناك من شك في أن الدولة الحديثة قد غفلت عن هذا الموضوع، فقد حاولت استدراك هذا الموات التعليمي، الذي أمه في الماضي المعلم الفقير مجبراً، فأسرعت برفع الخط البياني لراتبه الشهري ليتجاوز في صعوده زملاء له من الفئة نفسها يشغلون وظائف أخرى خارج قطاع التعليم، إلّا أن هذا الإجراء لن يعطي للدولة الحقّ بأن تسلب منه العيد.
في السياق، يطالب ناشطون بتخصيص يوم عطلة للاحتفاء بالربيع، فمعظم السوريين يحتفلون بهذا العيد تحت أسماء مختلفة، وتواريخ متفرّقة، لكنها قادرة على أن تجمع السوريين، مثلما تجمعهم الأعياد الدينية، فالعيد، أي عيد، ما هو سوى استعادة لحدث من الماضي قادر من خلال تناقله في الذاكرة الجمعية على جمع شمل الأمة على طبق كريم، وأمل مستدام، ونداء واحد في مواجهة الشر، ولا أحد يظن أن الأعياد الوطنية لا تحمل الهدف نفسه، وإذا كان هناك خطأ ما يجعلنا نعتقد أن تكريسها يفرّق السوريين فإن الخطأ الحقيقي في السردية فقط.
العربي الجديد
————————————–
==========================



