العلاقات السورية-الروسيةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

العلاقات السورية الروسية تحديث 12-18 تشرين الأول 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

العلاقات السورية الروسية

———————————

تحديث 18 تشرين الأول 2025

—————————–

 شروط حقوقية أساسية لتطبيع العلاقات السورية-الروسية/ فضل عبد الغني

2025.10.18

يمثّل تطبيع العلاقات بين سوريا وروسيا، بعد سنوات من التدخل العسكري غير القانوني في سوريا، تحديات غير مسبوقة للقانون الدولي والعدالة الانتقالية؛ فمنذ 30 أيلول/سبتمبر 2015 وحتى سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، خلّف التدخل العسكري الروسي انتهاكات موثّقة غيّرت بصورة جذرية الإطار القانوني الناظم لأي علاقات ثنائية مستقبلية.

ووفقاً للشبكة السورية لحقوق الإنسان، قتلت القوات الروسية 6993 مدنياً، بينهم 2061 طفلاً و984 امرأة، وارتكبت 363 مجزرة، واستهدفت ما لا يقل عن 1262 منشأة مدنية حيوية. كما عرقلت روسيا آليات المساءلة الدولية عبر استخدام حق النقض في مجلس الأمن ثماني عشرة مرة لحماية نظام الأسد ومنع إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية. وتُنشئ هذه الأفعال التزامات قانونية ملزمة بموجب القانون الدولي الإنساني وبالقواعد الآمرة في القانون الدولي العام، بما يتجاوز الموازنة الدبلوماسية التقليدية، ويجعل أي مقاربة للتطبيع مشروطة بالمساءلة عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وبالتعويض الشامل للضحايا، وبضمانات فعّالة لعدم التكرار.

المساءلة والالتزامات المترتبة بموجب القانون الدولي

يمثّل مبدأ المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني شرطاً تأسيسياً لأي تطبيع سوري-روسي؛ ويُرسِي القانون الدولي التزامات واضحة على الدول المسؤولة عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك من خلال مسؤولية القيادة والمسؤولية الجنائية الفردية. وتشكل الانتهاكات الموثّقة المنسوبة إلى القوات الروسية، ومنها الاستهداف المتعمد للمدنيين، والهجمات المنهجية على المرافق الطبية والتعليمية، واستخدام أسلحة محظورة دولياً، خروقاً جسيمة لاتفاقيات جنيف تستدعي التزامات إلزامية بالتحقيق والملاحقة. ويتجاوز إطار المساءلة حدود الاعتراف السياسي إلى آليات ملموسة للمقاضاة، إذ يقرّر مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية، الراسخ في العرف الدولي، إخضاع القادة العسكريين والسياسيين الذين خططوا أو أمروا أو أشرفوا على تلك الهجمات لإجراءات التحقيق والملاحقة. وينبثق هذا الالتزام من القاعدة المقررة في المادة الأولى المشتركة لاتفاقيات جنيف التي توجب على جميع الدول «احترام» الاتفاقيات و«كفالة احترامها في جميع الأحوال»، بما ينشئ التزامات مباشرة على الدولة المرتكِبة، والتزاماتٍ على الدول الأخرى بصفتها أطرافاً ثالثة. كما ينهض مبدأ «التحقيق أو التسليم» في الجرائم الأشد خطورة (aut dedere aut judicare) كمعيار إجرائي لازم لتجسيد هذه الالتزامات.

كما تُعدّ مسألة تسليم المجرم بشار الأسد محوراً في هذا الإطار؛ فوفق الفقرة (و) من المادة 1 من اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، تُستثنى من الحماية كلُّ شخصية تتوافر بشأنها أسبابٌ جدية للاشتباه في ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية. كما يؤكد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 3074 (الدورة 28 لعام 1973) أن على الدول الامتناع عن منح اللجوء لمن تتوافر أسبابٌ جدية للاعتقاد بارتكابه جريمة ضد السلم أو جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية. وبناءً على ذلك، فإن إيواء روسيا للأسد لا يُعدّ عقبة سياسية فحسب، بل مخالفةً لالتزاماتٍ تعاهدية ودولية، ما يجعل تسليمه للسلطات السورية المختصة شرطاً قانونياً أساسياً في أي مسار لتطبيع العلاقات.

إطار للانتصاف وجبر الضرر

يمثّل الالتزام بتقديم جبرٍ كاملٍ عن الأفعال غير المشروعة دولياً مبدأً أساسياً في القانون الدولي، كرّسته المحكمة الدائمة للعدل الدولي بوضوح في قضية مصنع تشورزوف، التي قررت أن الجبر «يجب، قدر الإمكان، أن يمحو جميع عواقب الفعل غير المشروع وأن يعيد الحالة إلى ما كانت عليه على الأرجح لو لم يقع ذلك الفعل». وبالنسبة لضحايا الانتهاكات المنسوبة إلى التدخل الروسي في سوريا، ينهض من هذا المبدأ إطارٌ متعدد الأبعاد يشمل ردّ الحقوق، والتعويض، وإعادة التأهيل، والترضية، وضمانات عدم التكرار.

ينبغي أن يتناول إطار الجبر الأضرار المادية والمعنوية الناجمة عن العمليات العسكرية الروسية؛ ويقتضي ردّ الحقوق إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل وقوع الانتهاكات، بما في ذلك إلغاء الاتفاقات القسرية وإعادة الأراضي والممتلكات المصادَرة. ويُعد ردّ الحقوق الشكل الأمثل للجبر متى كان تطبيقه ممكناً، غير أنّ حجم الدمار الواسع في سوريا الذي تسببت به روسيا يستلزم تدابير تعويضية مكمِّلة. ويجب أن يغطي عنصر التعويض الأضرار القابلة للتقييم المالي، بما يشمل الخسائر المادية المباشرة كتدمير الممتلكات وفقدان مصادر الدخل، والخسائر غير المادية مثل الأذى النفسي، وفقدان الفرص التعليمية، وتفكك الروابط الأسرية.

وتُعدّ تدابير إعادة التأهيل ركناً رئيساً في منظومة الجبر، إذ تستلزم توفير خدمات طبية ونفسية وقانونية واجتماعية متكاملة تكفل تعافي الضحايا واستعادة قدرتهم على الاندماج. وتؤكد المبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الحق في الانتصاف والجبر أنّ لضحايا الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني حقوقاً واجبة النفاذ في تعويضٍ مناسب وفعّال وسريع يتناسب مع جسامة الانتهاكات. وينشأ عن ذلك التزامٌ على روسيا بوضع برامج عملية تُقدَّم من خلالها خدمات دعم شاملة للفئات المتضررة.

ويقتضي عنصر الترضية الاعتراف الرسمي بالانتهاكات والتعبير الصريح عن الأسف وتقديم اعتذارٍ علنيّ لا لبس فيه؛ ولا يقف هذا عند حدود المجاملة الدبلوماسية، بل يُعدّ التزاماً قانونياً مترتباً على مسؤولية الدولة عن الفعل غير المشروع دولياً. ومن ثمّ يتعيّن على روسيا الإقرار الرسمي بالمسؤولية وتقديم اعتذارٍ علنيّ واضح عن الانتهاكات المرتكبة خلال تدخلها العسكري، لما لذلك من وظيفة رمزية وعملية معاً، إذ يثبت معاناة الضحايا ويُرسّي قاعدة واقعية لتفعيل بقية تدابير الجبر.

ويستوجب بُعدُ إعادة الإعمار في إطار الجبر مساهمةً مباشرةً من روسيا في ترميم وإعادة بناء البنية التحتية التي دمّرتها العمليات العسكرية، بما في ذلك مرافق الطاقة وشبكات النقل والمنشآت الطبية والمدارس وسائر المرافق الحيوية التي استهدفت بصورة منهجية. وهذا الالتزام يُعدّ فرصةً اقتصادية، والأهم، أنه مسؤوليةً قانونيةً ناشئةً عن الفعل غير المشروع دولياً، ما يفرض أن تتقدّم جهودُ الإعمار وفق نهجٍ يرتكز إلى حقوق الضحايا، ويكفل مشاركتهم الفاعلة في تحديد الأولويات وطرائق التنفيذ، بما يضمن فعالية الإجراءات واستدامتها ويحول دون تكرار الانتهاكات.

منظومة العدالة الانتقالية وضمانات عدم التكرار

يشكّل تكامل آليات العدالة الانتقالية ركناً أساسياً في أي إطار لتطبيع العلاقات السورية-الروسية. ويقتضي القانون الدولي أن تنهض ضمانات عدم التكرار بوظيفتين متلازمتين: وقائية وإصلاحية؛ بما يعزّز الأداء المؤسسي المستقبلي ويعالج في آنٍ واحدٍ الانتهاكات السابقة. وتستلزم هذه الضمانات إنشاء ترتيبات فعّالة تحول دون تكرار الاعتداءات على المدنيين والمرافق الحيوية، وإقرار إصلاحات قانونية ومؤسسية تكفل الامتثال لقواعد القانون الدولي الإنساني، واعتماد آليات تحقق مستقلة لمراقبة تنفيذ الالتزامات الدولية، إلى جانب تدابير ملموسة في مجالي نزع السلاح وتقليص التدخلات العسكرية المستقبلية.

وتُعدّ عمليات تقصّي الحقائق عنصراً محورياً في منظومة العدالة الانتقالية، إذ تكرّس حق الضحايا في معرفة الحقيقة بشأن الانتهاكات التي تعرّضوا لها. وقد أنشأت السلطات السورية هيئة وطنية للعدالة الانتقالية للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة، ويقتضي تعاون روسيا مع هذه الهيئة إتاحة الوصول إلى السجلات والوثائق العسكرية ذات الصلة، وتمكين الإدلاء بشهادات العسكريين الروس المشاركين في العمليات. وتستند هذه الالتزامات إلى قواعد قانون المعاهدات ومبادئ القانون الدولي الإنساني العرفي التي تُلزم الدول بالتحقيق في الانتهاكات وضمان احترام القانون الإنساني.

ويمثّل حفظ الوثائق ومواصلة التحقيق التزاماتٍ مستمرة لا يجوز إنهاؤها باتفاقات سياسية؛ فالبيانات الشاملة التي راكمتها لجنة التحقيق الدولية المستقلة والشبكة السورية لحقوق الإنسان وغيرهما على مدى أربعة عشر عاماً تُعدّ أدلة فاعلة لآليات المساءلة المستقبلية. ومن ثمّ ينبغي لأي إطارٍ للتطبيع أن يحمي جهود التوثيق ويعزّزها، مع ضمان إتاحة الأدلة للإجراءات القضائية الوطنية والدولية. ويشمل ذلك صون سلسلة حيازة الأدلة المادية، وحماية شهادات الشهود، والحفاظ الآمن على الأرشيف الرقمي لانتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني باعتبارها جزء من التاريخ والسردية الوطنية.

خاتمة

لا يمكن للسلطات السورية مقاربة تطبيع العلاقات السورية-الروسية عبر قنوات دبلوماسية تقليدية في ضوء حجم وشدة الانتهاكات الموثّقة خلال التدخل العسكري الروسي؛ ويُرسِي القانون الدولي شروطاً غير قابلة للتفاوض تسبق أي علاقة طبيعية، تتمثل في: مساءلة لمرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وجبرٍ كامل يعالج الخسائر البشرية والمادية والمعنوية التي تكبّدها الضحايا السوريون، وضماناتٍ قوية لعدم التكرار، ودعمٍ فعّال لآليات العدالة الانتقالية التي تضع حقوق الضحايا في صميمها. وتنبع هذه المتطلبات من قواعد آمرة لا يجوز التنازل عنها بتسويات سياسية أو ترتيبات دبلوماسية. ومن ثمّ فإن تسليم بشار الأسد، ورفع العوائق الدبلوماسية أمام مسارات المساءلة، وإطلاق برامج جبرٍ تتمحور حول الضحايا، تعتبر التزامات قانونية أساسية مترتبة على مسؤولية روسيا عن الأفعال غير المشروعة دولياً. وأي إطار يتجاوز هذه الشروط سيعزز الإفلات من العقاب، ويقوّض سيادة القانون، ويحرم آلاف الضحايا وعائلاتهم من العدالة.

تلفزيون سوريا

———————-

 الشرع في روسيا برضى أميركي/ عمر قدور

السبت 2025/10/18

من المعلوم أن لزيارة الشرع إلى روسيا، يوم الأربعاء الفائت، وقعاً مختلفاً عن لقاءاته الخارجية حتى الآن. فموسكو أنقذت الأسد من السقوط قبل عشر سنوات، وارتكب طيرانها الكثير من المجازر بقصف المدنيين في أماكن سيطرة فصائل معارضة، بل وبقصف المستشفيات والأفران. تباهى مسؤولون روس بأن مجازرهم في سوريا هي فرصة لاختبار فعالية أسلحة جديدة، وبأنها كلفتها لا تتعدى تكاليف التدريب الروتينية. بوتين شخصياً لم يكن خارج منطوق الصفاقة العدوانية تجاه الضحايا السوريين، وكان صريحاً في رفض التسوية بموجب القرار 2254 الذي وافقت عليه بلاده في مجلس الأمن.

تباينت ردود الأفعال حول زيارة الشرع حتى بين مؤيديه، فضحايا التدخل الروسي لصالح بشار لم تجفّ دماؤهم بعد، والأخير موجود في موسكو، يتمتع بحمايتها وبالثروات التي تم نهبها خلال أكثر من نصف قرن من حكم العائلة. في المقابل، هناك من رأى في الزيارة سلوكاً ينتمي إلى الواقعية السياسية، لأن روسيا بلد له مكانته الدولية، بما في ذلك حق الفيتو في مجلس الأمن، والمواجهة معها غير ممكنة بسبب الاختلال الكبير في الموازين.

في الجدال يبدو كأن قرار الاستمرار بالعلاقة مع روسيا داخلي بحت، رغم أن المنطق يشير إلى لعب أنقرة دوراً أساسياً في التمهيد للزيارة، وربما في تحديد تفاصيلها التقنية وتلك المتعلقة بمحاور المباحثات. أيضاً، من المستحسن الانتباه إلى عدم وجود اعتراض غربي، أميركي في المقام الأول، على تحسن العلاقات بين الشرع وموسكو، فضمن السعي إلى استمالة واشنطن لن يكون منطقياً إغضابها بمدّ الجسور في اتجاه لا تريده.

من المؤكد، في الحد الأدنى، أن واشنطن غير مكترثة بالزيارة. بل لعلنا لا نجازف بالقول إن الزيارة تحظى برضى واشنطن لأنها تتوافق مع مشيئتها، ومع مجمل سياساتها إزاء سوريا. نذكّر بأن الوجود الروسي في سوريا، والتدخل العسكري لصالح بشار الأسد، لم يُقابلا باعتراض أميركي جاد، لا في عهد أوباما ولا في ولاية ترامب الأولى. والآن، في الولاية الرئاسية الثانية له ليس ثمة ما يشير إلى تغيّر في سياسة واشنطن يجعلها ترفض الوجود الروسي في سوريا، وإلا كانت الأحداث مضت في اتجاه مغاير تماماً.

طوال عقود من حكم عائلة الأسد لم تدخل سوريا ضمن مناطق النفوذ الأميركي، ولم تكن أيضاً مصدر خطر وهي تقيم علاقات أوثق مع روسيا. الأقرب إلى الواقع هو أن سوريا لا قيمة استراتيجية لها في المنظور الأميركي الأوسع، فخريطة القواعد العسكرية الأميركية تغطّي المنطقة على نحو كافٍ، والتواجد الأميركي مرتبط إلى حد كبير بأوزان البلدان وتأثيرها. مثلاً، يمكن بسهولة فهم القيمة الاستراتيجية لتركيا، بثقلها العسكري والاقتصادي وبموقعها. وبمقارنة تركيا مع سوريا، من كافة النواحي، لا يصعب فهم القيمة الاستراتيجية المتدنية للثانية منهما.

هذه القيمة المتدنية جعلت أوباما يتعامل مع سوريا كأقلّ من ملف، لتكون عبارة عن ورقة تفاوض مع طهران لا أكثر. ثم، عندما فشلت طهران في حماية حليفها، تواطأ أوباما مع التدخل الروسي، ولم يحاول إعاقته أو تكبيد موسكو أقل ثمن في سوريا، بل أبرم تفاهمات لضمان عدم الاحتكاك بين القوتين على الأراضي السورية. وتابع ترامب على هذا الصعيد سياسة سلفه الذي لا يطيقه، وكانت إدارته طرفاً غير معلن في تفاهمات بين أنقرة وموسكو في سوريا.

لقد سُمِح لموسكو بالقيام بالمهمة القذرة في سوريا، وبثمن مغرٍ لها في حين لا وزن له في الميزان الاستراتيجي الأميركي. هنا أيضاً ما يجب ملاحظته جيداً، لجهة الدور الذي يمكن أن تلعبه موسكو مجدداً في سوريا، ويوافق المشيئة الأميركية والغربية عموماً. فحتى الآن لا يبدو أن الدول الغربية مستعدة لتسليح الجيش الذي تبنيه السلطة الجديدة، والقوة الوحيدة التي ترغب في المساعدة هي تركيا، لكنها محدودة الإمكانيات من حيث تنوع العتاد الذي تستطيع تقديمه، وفي أكثر من مناسبة كانت محاولات الدعم التركي عُرضة لغارات إسرائيلية، عندما تجاوزت الشمال السوري إلى المنطقة الوسطى.

مثال الجيش مهم وحاسم جداً، ومن الصعب وفق المعطيات المنظورة توقّع وصول عتاد عسكري غربي متطور إلى سوريا، فهذا دونه فيتو إسرائيلي صارم. وهناك سوابق كثيرة على تدخل تل أبيب في صفقات أسلحة أميركية إلى دول في المنطقة ليست في الجوار، خصوصاً في مجال الطيران والدفاع الجوي حيث تريد الحفاظ على تفوقها وسيطرتها على أجواء المنطقة.

لكن الأمر لا يتوقف عند الأسلحة المتطورة، فحتى توريدات الأسلحة الأقل شأناً غير متاحة بسهولة في البلدان الغربية، لأنها تخضع للعديد من المستويات الرقابية، في البرلمانات وفي الإعلام، ما يلجم حرية الحكومات في إبرام الصفقات. واليوم يمكن الجزم بأن السلطة الجديدة في دمشق ليست خياراً مقبولاً لدعمها بعتاد لا يشكّل أدنى خطر على إسرائيل، ما يُرجِّح بشدة أن يكون مجال استخدامه الوحيد هو في الداخل السوري، الأمر الذي قد يضع الحكومات الغربية أمام مساءلات هي بغنى عنها حول الالتزام بمعايير حقوق الإنسان.

على العكس تماماً من الغرب، تُعدّ الصناعات العسكرية أساسية في الاقتصاد الروسي، من دون ربط توريدات الأسلحة بشروط سوى ما قد تقتضيه المصالح الخارجية الروسية، أي من دون تدخُّل في الشؤون الداخلية للأنظمة التي تحصل على السلاح الروسي. هذا بالضبط ما ركّزت عليه الدعاية الروسية بالقول إن موسكو تحترم سيادات الدول، ففحوى القول أنها لا تكترث بسلوك الحكومات تجاه شعوبها، ولا تربط تحالفاتها بهذا المعيار. وما تؤكّد عليه الدعاية الروسية ينسجم مع الواقع الروسي، حيث لا توجد آليات رقابية تبدأ في الداخل وتتضمن مساءلة السياسة الخارجية عموماُ، ومنها صفقات توريد الأسلحة. وبسبب الواقع نفسه تركّز الدعاية الروسية على أن بوتين حليف موثوق، بخلاف القادة الغربيين. وهو للحق كذلك، لأنه يحكم بلا رقابة أولاً، ولأنه ثانياً يحكم بلا حدود زمنية كالتي تتحكم بقادة الغرب، ولن يأتي بالانتخابات بديل يتراجع عن سياساته. لذا هو موثوق ما بقي في السلطة، وهو باقٍ فيها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

فيما يظهر نوعاً من الطرفة التي قد لا تخلو من خبث، نقلت وسائل إعلام عن بوتين إشادته بـ”انتخابات مجلس الشعب” في سوريا، أثناء زيارة الشرع. الطرفة تأتي من أنها لم تكن انتخابات بالمعنى المتداول عالمياً، لكنها حقاً من النوع الذي يفضّله بوتين داخلياً وخارجياً. والخبث لا يأتي من توجيه رسالة مبطّنة بالسخرية لضيفه، بل من كونها رسالة جادة مفادها أنه سيلقى الترحيب في موسكو على نهج قد يلاقي الاستياء في الدوائر الغربية. هنا أيضاً قد يؤدي بوتين المهمة التي لا يريد الغرب تأديتها بنفسه، أي أن مصالح بوتين قد تتوافق في هذا الجانب مع المشيئة الغربية.

المشكلة في استعادة العلاقة السورية-الروسية، بدءاً من جانبها التسليحي، ليست في التنكّر للدم السوري الذي لم يجف بعد، ولا في استضافة بشار الأسد وجزء من حاشيته. المشكلة ليست فيما مضى فحسب، هي في محاذير ما قد يأتي.

المدن

————————–

خطوة لإعادة بناء العلاقة مع روسيا/ عمر كوش

18 أكتوبر 2025

تشكّل زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع، والوفد المرافق له، موسكو خطوةً مهمة في اتجاه إعادة ترتيب علاقات سورية الجديدة مع دول فاعلة في العالم، مثل روسيا، وذلك بعد أن أعادت تقييم الاتفاقات السابقة معها، ووضعتها محلّ مراجعة وفق معيار الموازنة بين السيادة والمصالح. وتكتسي أهميتها، ليس من أنها الأولى من نوعها بعد سقوط نظام الأسد (8 ديسمبر/ كانون الأول 2024) وحسب، بل أيضاً لأنها تعيد رسم العلاقات السورية الروسية وفق محدّدات وأسس جديدة مبنية على البراغماتية السياسية، تأخذ في الاعتبار التوازن بين المصالح والواقعين الجيوسياسيين، الإقليمي والدولي، وتجد مسوّغاتها في ما تفرضه ضرورات الواقع السوري والظروف الإقليمية والدولية، وما تمّثله روسيا على المستوى الدولي، على الرغم من أنها كانت أحد أكبر داعمي نظام الأسد وارتكبت مجازرَ بحقّ السوريين خلال تدخّلها العسكري المباشر دفاعاً عن نظام الأسد البائد.

استبق الشرع الزيارة في تصريحات أكدت أن استقرار سورية فرصة تاريخية للمنطقة والعالم، وأن الدخول في صراع مع روسيا “سيكون مكلفاً ولا يخدم مصلحة سورية”، ولا يتماشى مع السياسة الخارجية السورية الجديدة، القائمة على الواقعية والتوازن لا على المواجهة. ولذلك قال الشرع أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن “سورية الجديدة تسعى إلى إعادة ربط العلاقات السياسية والاستراتيجية مع مختلف الدول، وفي مقدمها روسيا الاتحادية، لما لها من روابط تاريخية ومصالح مشتركة”، وهو ما جعل العلاقات التاريخية بين البلدَين ركيزةً أساسية في المباحثات، والجهد الذي تبذله القيادة السورية من أجل توظيف هذا الإرث لبناء شراكة مستقبلية تحترم إرادة الشعب السوري. ولم ينسَ الشرع طمأنة الرئيس الروسي بأن “سورية تحترم كل ما مضى من اتفاقيات مع موسكو”. أمّا بوتين، فأكّد أن “علاقات روسيا مع سورية كانت دائماً تسترشد بمصالح الشعب السوري، لا بالمصالح السياسية أو الظروف الخاصة بموسكو”.

جاءت الزيارة في سياقات دبلوماسية هادئة عنوانها الانفتاح على الحوار، حسبما أظهر ذلك مسؤولون روس وسوريون عديدون في تصريحاتهم ولقاءاتهم، ولذلك تعتبر الزيارة تتويجاً لمسار بدأ منذ سقوط نظام الأسد، وشهد اتصالات القيادة الروسية ومحادثاتها مع الإدارة السورية الجديدة عبر قنوات دبلوماسية وعسكرية، فزار نائب وزير الخارجية ومبعوث الرئيس الروسي إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ميخائيل بوغدانوف، دمشق في يناير/ كانون الثاني 2025. ثمّ توّجت الاتصالات الروسية مع الإدارة الجديدة بمكالمة الرئيس الروسي الهاتفية مع الشرع (12 فبراير/ شباط 2025) التي أكّد فيها عزمه تقديم المساعدة لسورية من أجل تحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي في سورية، واستعداده لإعادة النظر في الاتفاقيات التي أبرمتها روسيا مع نظام الأسد البائد. ثمّ زار موسكو وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (31 يوليو/ تموز 2025).

شكّل اللقاء بين الرئيس أحمد الشرع ونظيره الروسي بوتين حجر الزاوية في هذه الزيارة، بالنظر إلى أن كلّاً منهما أوضح تصوّره لمستقبل العلاقات الثنائية، فأوضح الشرع محدّدات النهج السوري الجديد القائم على الندّية والاحترام الكامل للسيادة، والساعي إلى إعادة تنظيم العلاقة لتصبّ بشكل واضح ومباشر في مصلحة سورية والسوريين، وتلبية تطلّعاتهم، بعد أن عاشوا سنوات طويلة من الحروب، وعانوا من الاستبداد والقهر، إضافة إلى العزلة الدولية التي عانتها سورية نتيجة سياسات المحاور والتبعية التي انتهجها نظام الأسد.

ملفّات عديدة طُرحت خلال لقاء الرئيسين، أهمها إعادة صياغة الوجود العسكري الروسي في قاعدتي طرطوس وحميميم السوريَّتَين، إذ تسعى الإدارة السورية إلى إعادة تعريف طبيعة الوجود العسكري الروسي وحجمه في أراضيها ليكون متوافقاً مع السيادة الوطنية والمصلحة السورية العليا، وضمن إطار قانوني جديد يضمن السيادة السورية. أمّا روسيا، فلا تريد أن تظهر أنها خسرت سورية، لذلك يتمحور سعيها حول المحافظة على وجودها العسكري في سورية، وإن كان ليس بالحجم والشكل السابقَين، وبأقلّ تكلفة ممكنة. وترى في محافظتها على وجودها العسكري فرصةً جيّدةً لإعادة تأكيد حضورها قوةً ضامنةً إقليميةً، من دون انخراط مباشر، مثلما كان الأمر في الفترة السابقة.

تفيد تقديرات بأن الحديث بشأن مستقبل القواعد الروسية يركّز في اقتراحات بإعادة توجيه دورها لخدمة أهداف إنسانية، تسهم في عودة الاستقرار وإعادة الحياة الطبيعية للسوريين. وباعتبارها دولةً دائمةَ العضوية في مجلس الأمن، تنتظر دمشق أن تلعب موسكو دوراً محورياً في رفع العقوبات الأممية المقروضة عليها، إلى جانب الاستفادة من دورها في المحافل الدولية سيّما مجلس الأمن، للدفاع عن مبدأ وحدة الأراضي السورية وسيادتها الكاملة.

على المستوى الاقتصادي، يمكن لروسيا أن تلعب دوراً محدوداً في مرحلة إعادة الأعمار في سورية، لأن الشركات الروسية الكبرى، من غازبروم إلى روسنفت، تتحضّر للاستفادة من هذه المرحلة والحصول على عقود وامتيازات في حقول الغاز والمرافئ والطاقة. إضافة إلى أن روسيا تصدّر إلى سورية كمّيات مهمّة من القمح، فتتحدّث تقارير عن إمكانية إنشاء صندوق مشترك لتأمين الوقود والقمح والأدوية تحت رقابة مالية روسية سورية مشتركة. وعلى المستويين، العسكري والأمني، طرح الشرع على نظيره بوتين فكرة إعادة نشر الشرطة الروسية في الجنوب السوري، واستعادة الدوريات الروسية، وذلك بغية منع أيّ خروق عسكرية إسرائيلية، وكبح الاستهداف الإسرائيلي للسيادة السورية. كما أن الإدارة الجديدة ترغب في تحديث المنظومات الدفاعية السورية، وإعادة دمج الضباط السوريين في منظومة التدريب الروسية.

لا يمكن تجاهل ملفّ تسليم المجرم بشّار الأسد، بوصفه أبرز الملفّات حساسيًة في العلاقات السورية الروسية، خصوصاً أن الإدارة الجديدة سبق أن طلبت من موسكو تسليمه بغية محاكمته. لكن يبدو أن الكرملين ليس في وارد تسليمه، فهو ينظر إلى الأمر بحذر، مع أنه يدرك تماماً رمزية الخطوة للسوريين، لكنّه يرى في بقاء الأسد تحت قبضة موسكو ورقة تفاوضية تصلح للمساومة، ليس مع السوريين، بل مع دول الغرب أيضاً، وربّما تجد موسكو صيغةً وسيطةً تساوم عليه.

تعوّل الإدارة السورية على علاقات جديدة مع روسيا، وتعتبر أنها لن تؤثّر في التزامها بمحاسبة كل من ارتكب جرائم بحقّ المدنيين خلال فترة حكم النظام البائد، انطلاقاً من مبدأ عدم السماح بطي صفحة الجرائم من دون تحقيق العدالة وأنها ستستخدم جميع الوسائل القانونية لملاحقة “الإرهابي الفارّ بشّار الأسد”، والمتورّطين معه في الجرائم ضدّ الشعب السوري، حسبما قال الشرع.

العربي الجديد

——————————–

الشرع في إيران؟/ بيار عقيقي

18 أكتوبر 2025

بعيداً من المقارنات بين الرئيسيَن السوريَّين، الحالي أحمد الشرع والمخلوع بشّار الأسد، في ما يتعلّق بزيارة الشرع موسكو، إلا أن دلالاتها تتجاوز مجرّد العلاقات الشخصية، سواء بين رؤساء الاتحاد السوفييتي وسورية حافظ الأسد، أو بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وبشّار الأسد. تبيّن لبوتين بالذات أن من يمسك سورية هو حاجة لروسيا والمياه الدافئة في البحر المتوسط. وأظهر استقباله الشرع الأربعاء الماضي أن موسكو مستعدّة للعمل وفق مبدأ “مات الملك، عاش الملك” بما يتعلّق بسورية. كذلك، تعامل الشرع مع الروس انطلاقاً من مبدأ المصالح المتبادلة، وإن كانت الظرفية العالمية ليست في مصلحة روسيا إطلاقاً، مع تعرّضها لنكسات عسكرية فادحة، بعد استهداف القوات الأوكرانية مصافيها ومنشآتها النفطية.

انتقل بوتين من “التوجّه إلى سورية لمحاربة الجهاديين كي لا يأتوا إلى روسيا”، لتبرير تدخّله العسكري في الأراضي السورية العام 2015، إلى استقبال من كان جهادياً تقاتله روسيا في جبهات إدلب السورية. في الانقلاب الروسي محاولةٌ لاستدراك مصالح مهدورة في أوكرانيا وليبيا وإيران ودول أفريقية عدّة، وذلك عبر العودة إلى الجذور، إلى حيث أرسى تفاهم دمشق وموسكو في 1971، قاعدةً عسكرية بحرية على الساحل السوري للاتحاد السوفييتي، ورثتها روسيا. في المقابل، يفتح الشرع أبواباً مع روسيا، بضوء أخضر عربي وأميركي، متّصلة بالتشابك الاقتصادي والاجتماعي مع الروس. الفراغ الروسي في سورية لا يمكن ملؤه إلا بالروس، طالماً أن هناك أمكنةً محفوظةً للأتراك والأميركيين والعرب.

حتى يستوعب العالم حقيقة ما يحصل، يجوز إدراك أن بعض المصالح لا يمكن تخطّيها أو ملء فراغها سريعاً، بالتالي لا بدّ من طريقة تعاطٍ مختلفة، تسمح في إعادة تشكيل العلاقات، مثلما يحصل بين موسكو ودمشق. هذا ليس تبريراً. سورية الجديدة على سبيل المثال تعترف بسيادة أوكرانيا كاملةً في أراضيها، بما فيها شبه جزيرة القرم، أمّا سورية ـ الأسد فكانت أكثر ميلاً إلى الخضوع للروس وللإيرانيين، بحكم انعدام الشركاء والحلفاء الدوليين، بالتالي كانت قراراتها مطابقة لتوجّهات روسيا من دون أيّ استقلالية فعلية.

لا يعني تلاقي بوتين والشرع أن الأول بقوة ما كان عليه في 2015، ولا أن الثاني معدوم الخيارات، بل يعني حصراً أن الفوضى في العلاقات السورية ـ الروسية، أياً كان الحاكمان في البلدين، تبدو غير منسجمة مع واقع العلاقات التاريخي بينهما. في المقابل، سيزداد بوتين ضعفاً في الفترة المقبلة، ما قد يدفعه إلى اتخاذ خيارات متهوّرة فيما يتعلّق بحربه على أوكرانيا، واستطراداً أوروبا. أمّا الشرع فأمامه تساؤلٌ محدّد: هل سيزور إيران بعد روسيا؟ وإذا فعل ذلك، فعلى أيّ أساس؟ وما انعكاس هذه الزيارة على الفصائل المسلّحة الموالية لإيران في المنطقة، تحديداً حزب الله، الذي ترفض دمشق التواصل معه، بل تواظب على إظهار عملياتها في سبيل وقف تهريب الأسلحة من سورية إلى حزب الله في لبنان، ببيانات رسمية؟

يجوز هنا فهم أن العلاقة بين إيران وسورية مختلفة عن التي بين سورية وروسيا. ما جمع الإيرانيين والسوريين كان عراق صدّام حسين، وليس مفهوماً جيوبوليتيكياً جوهرياً. وأثبتت إيران من خلال وجودها المباشر وعبر حلفائها في الحرب السورية، أنها تعمل على تعميم عقيدتها على السوريين، وأن حربها هناك ذات بعد أيديولوجي متعلّق بها، لا ضمن مبدأ المصالح المباشرة بين طهران ودمشق. وهو ما يجعل الروس أكثر قبولاً لدى الشعب السوري من الإيرانيين. كذلك، فإن أيَّ علاقة سوريّة مع إيران ستستجلب جسّ نبض عدة دول عربية وتركيا، والأهم الولايات المتحدة، الداعم الأساس للشرع وحكومته. حتى الآن، يُمكن فهم زيارة الشرع إلى موسكو أنها محاولة لتحديد مسار العلاقات السورية ـ الروسية مستقبلاً، لكن مع إيران، مثل هذه العلاقة ستكون طرفاً يأخذ ولا يعطي.

العربي الجديد

—————————

 ليس لروسيا مصلحة بالفوضى في سوريا/ ناصر زيدان

الجمعة 2025/10/17

على عكس ما يتمّ ترويجه بأن روسيا تسعى لإحلال الفوضى في سوريا، بعد أن فقدت امتيازات كثيرة فيها بسقوط النظام السابق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024؛ فإن مصالح موسكو تتوافر من خلال الاستقرار، حيث لم يعثُر قادة الكرملين على بديل عن الساحة السورية لإقامة قواعد تحمي حضورهم السياسي والاستراتيجي واستثماراتهم الاقتصادية والنفطية، بينما الإدارة السورية الجديدة بدت مُتفهِّمة للطموحات الروسية، ولم يصدر عنها ما يمكن أن يؤسس لخلاف مستقبلي كبير.

زيارة الرئيس الروسي أحمد الشرع الى موسكو في هذه اللحظة الحساسة من حياة المنطقة، لها خصائصها، وفيها الكثير من المؤشرات والدلائل، وهي جاءت في ذات التوقيت الذي كانت ستحصل فيه القمة الروسية – العربية، والقمة تأجلت بسبب ما رافق اعلان وقف النار في قطاع غزة، و”الجَمعَة” الدولية الكبيرة التي حصلت في شرم الشيخ.

لكن الشرع الذي لم يُدعى الى هذه الجَمعَة، أصرّ على الذهاب الى روسيا، وبدت زيارته كأنها “بدل عن ضائع”. وفي القضايا التي طرحت بينه وبين الرئيس فلاديمير بوتين؛ اختصار لسياق العلاقات بين العرب وروسيا، فما ينطبق على سوريا في هذا السياق؛ قد يُشبه ما ينطبق على دول عربية كثيرة، لا سيما في مجالات التعاون المُتاحة والمنشودة في مرافق الطاقة والصحة والنقل والسياحة.

الخصائص المضافة للمباحثات الروسية – السورية تتعلَّق بتشعبات الملف الأمني والعسكري، واصطحاب الشرع لوزيري الخارجية والدفاع أسعد الشيباني ومرهف أبو قصرة، ولمدير المخابرات حسين سلامة معه؛ ليس تفصيلاً بروتوكولياً، إنما خياراً مدروساً، وهو يتلاءم مع سعيه لتأمين مستلزمات التسليح والتجهيز للجيش السوري والتي هي روسية بمعظمها، ويستحيل على الإدارة الجديدة تأمين بديل عنها خلال الفترة القريبة المقبلة، لأسباب مالية، ولأسباب تدريبة وتأهيلية. وهناك ملف أمني مرتبط بما يُحكى عن مساعدات يمكن أن تُقدَّم لفلول النظام البائد، وهؤلاء ما زالوا على تواصل مع قياداتهم السابقة، وعدد من قادة هذا النظام لجأوا الى روسيا. ويبقى الأهم في سياق البحث العسكري والاستراتيجي، هو مستقبل ودور القواعد الروسية في مطار حميميم وفي ميناء طرطوس البحري.

بالغ المعارضون للزيارة من السوريين وغير السوريين في التشويش عليها، سواءً لناحية اعتبارها مدّ اليد الى عدو سابق أصاب بالإذية المعارضة العارمة لنظام الأسد، أو لناحية إشارتهم إلى أفول الدور الروسي، واعتباره لم يعُد مؤثراً في المنطقة على الاطلاق.

فالدول لا تُدارُ بالنكايات وردود الفعل والنكد، وقد وَقَعَ هؤلاء المتشائمون في فخّ سوء تقدير حجم التأثير الروسي على المستوى الدولي، فروسيا عضو دائم في مجلس الأمن، ويمكنها استخدام حق النقض (فيتو) ضد مشروع قرار رفع العقوبات عن الشرع المطروح حالياً أمام المجلس على سبيل المثال، وفي اعتبار بعض الانكفاء المؤقت كأنه هزيمة.

وقد يكون أحد أهم أسباب تراجع وهج الدور الروسي في المنطقة، الانشغال بحرب أوكرانيا، ودوافع أخرى تتعلَّق بعدم الرغبة بالمشاركة بأي صدام على الساحة السورية، وهناك معطيات تؤكد أن روسيا كانت قادرة على إرباك الثورة قبل الوصول الى النصر، وعلى إيجاد متاعب للإدارة الجديدة في الساحل وفي الشمال وفي الجنوب، نظراً لما لها من صداقات وازنة مع مؤثرين في تلك المناطق، لكنها لم تفعل ذلك قط.

المعطيات أو المعلومات المتوافرة، تُشير الى حصول تفاهُم بين القيادتين الروسية والسورية على تنظيم التباينات القائمة على بعض الملفات الحساسة – ومنها استضافة موسكو للرئيس المخلوع بشار الأسد – كما الاتفاق على بقاء القواعد العسكرية الروسية في سوريا، مع لحظ تطوير مهامها لتقوم بدور إنساني وإغاثي في سوريا، وفي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو ما أكده وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف، وتجديد حزمة واسعة من الاتفاقيات التي تتعلَّق بالتعاون في قطاعات النقل والطاقة والزراعة والصحة، والإسراع بتسليم كميات النقد الجديدة التي يتم تجهيزها في المطابع الروسية.

ويبدو أن دمشق حصلت على تفهُّم موسكو لمقارباتها الانفتاحية الجديدة على الغرب، وعلى توسيع منسوب التأثير العربي والتركي في البلاد، وعلى تأييد وحدة الدولة. مقابل تأكيد القيادة السورية الجديدة على الاستمرار بالتعاون مع روسيا في المستقبل، وعدم احداث تبديل جذري لأسلحة الجيش السوري الروسية. وقيل من مصادر متابعة؛ إن دمشق طلبت من موسكو تقديم نصائح لبعض الأطراف الداخلية السورية التي ما زالت خارج نفوذ الحكومة المركزية، خصوصاً في الشمال وفي السويداء، وتمنَّت على موسكو لعب دور للحد من الجنوح العدواني الإسرائيلي، وضبط تدخلات تل أبيب في الشأن السوري الداخلي، وهو ما قد يفتح الباب أمام تجديد اتفاقية الهدنة للعام 1974، من دون تعديلات جوهرية عليها.

المدن

——————————-

 بوتين “تسوّل” زيارة الشرع!/ بسام مقداد

السبت 2025/10/18

أسبوعان فصلا بين السنوية العاشرة لتدخل روسيا العسكري في سوريا وزيارة الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو. ولعل بشار الأسد المقيم في أحد أبراج موسكو القريب جداً من الكرملين، كان أكثر المتابعين لمجريات الزيارة. ولم يكن يتحسس عنقه، إذ أنه يثق كلياً بأن بوتين لن يسلمه للشرع، ليس خوفاً عليه، بل لأنه يعتبرها إهانة شخصية له. ولم يسبق أن سلّم بوتين رئيس قيرغيزيا عسكر أكاييف والرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش، واللذين فرا إلى روسيا أيضاً بعد انتصار الثورة على نظامهما.

وصل الشرع إلى موسكو في اليوم الذي كان يجب أن تنعقد فيه القمة العربية الروسية ورفض القادة العرب حضورها. وكان بوتين قد نسب لنفسه المبادرة إلى تأجيل القمة، “لأنني لا أريد التدخل” في عملية إنهاء الحرب غزة التي يقودها ترامب. وكان نفسه قد أعلن قبل قرار التأجيل بأنه تحدث هاتفياً مع رئيس القمة العربية الحالي، رئيس وزراء العراق، الذي أبلغه بأن القادة العرب منهمكون الآن بقمة شرم الشيخ، ولن يتمكنوا من حضور قمة موسكو.

تعددت الآراء وتباينت كثيرا في الإعلام الناطق بالروسية بشأن زيارة الشرع، والتي اعتبرتها النيويورك تايمز “حدثاً ملفتاً”. الإعلام الدائر في فلك الكرملين والمحللون التابعون له، صوروا الأمر وكأن الشرع جاء يستجدي موسكو تعزيز شرعيته الدولية ليقيم توازناً في علاقات سوريا الخارجية. كما صوروا الزيارة بأنها انتصار لبوتين والدبلوماسية الروسية وترسيخ مواقع روسيا في الشرق الأوسط، والتي استبعدت مع إيران عن التسوية في غزة. ولم يأت أحد على ذكر رفض القادة العرب لحضور قمة موسكو، بل أعلن الكرملين أن بوتين اتفق مع رئيس الوزراء العراقي على تأجيل القمة إلى موعد آخر، قد يكون الشهر المقبل.  

أما الإعلام الغربي الناطق بالروسية، فقد صور الأمر عكس ذلك تماماً، وأن روسيا هي التي “تسولت” زيارة الشرع، و”أن المنتصر تكرم بزيارة المهزوم”.

المعلق السياسي الأسبوعي في موقع الخدمة الروسية في دويتشه فيله DW كونستانتين إيغرت (Konstantin Eggert)، نشر في 16 الجاري نصاً عنونه بالقول “بوتين في المرتبة الثانية بالنسبة للسلطات السورية الحالية”.

استهل الكاتب نصه بالقول أنه خطر على باله فوراً لدى مشاهدة فيديوهات موكب الشرع وهو يعبر شوارع موسكو بأن “المنتصر تكرم بزيارة المهزوم”. ورسخت في ذاكرته صورة بدلة الشرع “متقنة التصميم”، وبدا له أن الرجل يتأقلم بسرعة مع دور “رئيس الدولة المحترم”.

يسارع الكاتب إلى النفي المطلق لأي إمكانية بتسليم الشرع الرئيس المخلوع بشار الأسد الذي يبقى “نصف ضيف ونصف أسير”. ويرى أنه بالنسبة لروسيا كانت قضية الاحتفاظ بقواعدها في سوريا، هي القضية الأهم التي طرحت على طاولة المفاوضات. “ويبدو أن بوتين قد حصل على ما يريد”. وتشير نتائج المفاوضات إلى أن الشرع قد أكد على بقاء الاتفاقيات  الروسية السورية السابقة سارية المفعول، على أن تخضع لمفاوضات لاحقة التفاصيل المتعلقة بالقواعد، من حيث مهامها وعدد عسكرييها. فبالنسبة لبوتين، تعد اللاذقية وحميميم مهمتين كنقطتي إمداد لحليف الكرملين في ليبيا، المشير خليفة حفتر، وما يسمى بـ”فيلق أفريقيا” التابع لوزارة الدفاع الروسية (المعروف سابقًا باسم شركة فاغنر/ العسكرية الخاصة) في أفريقيا الاستوائية.

أما بالنسبة للشرع، فإن تقليص الوجود العسكري الروسي يعتبر جزءاً من اللعبة الإقليمية الكبيرة. وهو يسعى لحماية سوريا وحكومتها الجديدة من الاضطرابات المستقبلية المحتملة. فالمدافع الرئيسي عن سوريا اليوم هو الرئيس التركي الذي يعتبر السلطة الجديدة في سوريا توسعاً كبيراً للنفوذ التركي في المنطقة، والذي يجعل تركيا لاعباً إقليمياً رئيسياً إلى جانب السعودية وإسرائيل. ولهذا السبب بالذات، تتمتع سوريا بأهمية كبيرة بالنسبة لإسرائيل التي تعتبر أنها في حالة “حرب باردة” مع تركيا. ومن مصلحة إسرائيل أيضاً بقاء القواعد الروسية في سوريا، إذ كلما تزايد وجود لاعبين آخرين غير تركيا في سوريا، كلما انخفض خطر المواجهة المباشرة مع تركيا. ولهذا، يقول الكاتب، أن الإعلام الإسرائيلي يبث يومياً أنباء اللقاءات بين ممثلي نتنياهو وممثلي السلطة السورية الجديدة.

يؤكد الكاتب أن الخبراء والدبلوماسيين الإسرائيليين أبلغوه منذ الربيع الماضي أن نتنياهو مرتاح لفكرة وجود عسكري روسي محدود في سوريا، وأطلع الشرع على ذلك عبر قنواته الخاصة. ونقل عن البروفسور في جامعة ستانفورد عميحاي ماجن (Amichai Magen) قوله له إنه يجب أن نتوقع قريباً، إن لم يكن اتفاقية إقامة علاقات دبلوماسية بين سوريا وإسرائيل لا زالت تعرقلها مسأة الجولان، فاتفاقية أمنية تشتمل على ضمانات أمنية للدروز في السويداء.

الموقع الروسي URA.RU نشر في 15 الجاري نصاً رأى في عنوانه أن “بوتين تفوق على نتنياهو وأردوغان في سوريا”.

استهل الموقع نصه بالقول إن بوتين تغلب على كل من له مصلحة في إضعاف موقع روسيا في سوريا. ولم تتحقق التوقعات العديدة بأن روسيا سوف تضعف في الشرق الأوسط بعد الإطاحة “بزعيم البلاد بشار الأسد”، وأنها سوف تضطر إلى سحب قواعدها العسكرية. ويرى الخبراء أن لقاء بوتين بالرئيس السوري الجديد في الكرملين، يُظهر نجاحًا استراتيجيًا للدبلوماسية الروسية. فقد أدركت السلطات الجديدة في دمشق أنه من دون موسكو، يستحيل تحقيق توازن القوى في المنطقة. واقتطف الموقع إقتباساً من ترحيب بوتين بالشرع، حين قال إنه لم تكن لروسيا أي علاقة مع سوريا مرتبطة بأجندتها السياسية أو مصالحها الخاصة. و”لطالما استرشدنا بأمر واحد: مصالح الشعب السوري”.

نقل الموقع عن البوليتولغ الروسي ميخائيل كارياغين (Mikhail Karyagin) أنه رأى في المطالبة بتسليم الأسد رغبة من الشرع في تحقيق نصر رمزي آخر على الماضي على حساب الأسد. ومن غير المرجح أن تُقدم موسكو على خطوة كهذه. ويشير إلى أن أحداً لم يُقدّم أي ضمانات علنية بتسليم الأسد، ويعتبر هذا “مسألة حساسة” بالنسبة لسمعة روسيا. يؤكد كارياغين أن المسألة الأساسية بالنسبة لروسيا، هي وجودها العسكري في سوريا.

رئيس مركز الأبحاث الجيوسياسية دمتري روديونوف (Dmitry Rodionov) يوافق على الرأي السابق بالنسبة لأهمية الوجود العسكري في سوريا بالنسبة إلى روسيا. ويرى أن القواعد لا تقتصر أهميتها على سوريا والشرق الأوسط فقط، بل هي أيضًا بوابة إلى أفريقيا، “إذا فقدناها، فسنفقد فعليًا نفوذنا في أفريقيا”.

يقارن روديونوف بين سلطة الشرع وسلطة طالبان في أفغانستان. ويقول بأن روسيا بدأت تتعاون مع طالبان منذ تسلمهم السلطة في العام 2021، بينما لم ترفعهم عن قائمة المنظمات الإرهابية سوى في العام الحالي. ويشير إلى أن روسيا لم ترفع “هيئة تحرير الشام” عن القائمة المذكورة حتى الآن، يفترض أن ذلك سيجري في حال لم تغرق سوريا مجدداً في الحرب الأهلية ويحتفظ الشرع بالسلطة.

المحاضر في قسم النظرية السياسية في  جامعة MGIMO التابعة لوزارة الخارجية الروسية كيريل كوكتيش (Kirill Koktysh) رأى أن زيارة الشرع إلى موسكو تملك أهمية مبدئية ليس لموسكو فقط، بل وللزعيم السوري أيضاً. فالشرع، الذي يدرك مدى ضعفه أمام إسرائيل وتركيا، اللتين تتنافسان على النفوذ في سوريا، جاء من أجل المحاولة للحصول على وسيلة دعم لسلطته.

المدن

—————————–

 هل ستعود الشرطة العسكرية الروسية قواتِ فصلٍ جديدةٍ في الجنوب السوري/ عبد الله الأسعد

2025.10.18

في أول زيارةٍ رسميةٍ بعد الإطاحة بحليف الكرملين المخلوع بشار الأسد، قام الرئيس السوري أحمد الشرع بزيارةٍ إلى موسكو من أجل خلق نوعٍ من التوازن في العلاقات بين سوريا والدول الكبرى، حتى تتمكّن من مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة، ورغبةِ البلدين في ترميم العلاقات بما يحقّق مصالحهما الاقتصادية والأمنية.

لقد أخذ مصير القواعد الروسية العسكرية في سوريا حيزاً كبيراً من محادثات الشرع ـ بوتين، بهدف رسم الإطار الأخير للوجود العسكري الروسي في سوريا ومحدداته وضماناته المشروطة بعدم تسليح روسيا لفلول الأسد، ودور روسيا المستقبلي الفعّال في تسليح الجيش السوري الجديد حسب الاحتياجات القتالية التي تضمن الاستفادة من الوجود الروسي وتسخيره لخدمة الشعب السوري في كل المجالات كالطاقة والزراعة والصحة وكافة مجالات الحياة.

لم يُخفِ بوتين القلق الكبير الذي يعتمل في صدره، والذي ظهر من خلال حركات جسده وطريقة حواره، وإصرارِه في قرارة نفسه أنه حتى لو تمكّن من الحفاظ على قواعده في سوريا، فإنه لن يستطيع أن يكون من بين اللاعبين المؤثرين في القرار على الجغرافيا السورية، لأن استنزافه في أوكرانيا جعل بلاده تفتقر إلى أدنى الموارد المالية والعسكرية، وأبقاها في خانة القرار الهزيل أمام تركيا وأمريكا ودول الخليج والدول الأوروبية الممتعضة من الوجود الروسي في سوريا، لكنها تريده وجوداً ضعيفاً ووظيفياً غير ذي شأن.

فاليوم ليس كالأمس، وسوريا قبل سقوط نظام بشار الأسد ليست كما هي بعده، ومما لا يدع مجالاً للشك أن روسيا لديها شغفٌ بإعادة تعريف العلاقة مع سوريا من جديد، من أجل تحديد مصير قواعدها في قاعدتَي حميميم البرية وطرطوس البحرية، ومطار القامشلي. فقد ثمّنت روسيا عالياً الخطوات التي اتخذتها سوريا لحماية مصالحها وبعثاتها الدبلوماسية، وأكّدت أهمية تكثيف الحوار معها للحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها.

فالأتفاق الذي تم إبرامه مع الدولة السورية بتكليف الجانب الروسي بالقيام بمراقبة خطوط وقطاعات المسؤولية هو قرارٌ سوريٌّ بامتياز، متّفقٌ عليه لتنفيذ دورياتٍ في القامشلي عقب زيارة الشيباني إلى موسكو، وذلك للمرة الأولى منذ سقوط الأسد، مما يشير إلى تعزيز التعاون بين سوريا وروسيا، لا سيما أن القوات الروسية نفّذته منفردة من دون إشراك قوات سوريا الديمقراطية “قسد”. وهذا الأمر سيُبنى عليه لاحقاً عودة دوريات الشرطة العسكرية الروسية إلى مواقع انتشارها السابقة في المحافظات الجنوبية، لمنع تدخل إسرائيل في الشؤون السورية.

وموسكو قادرةٌ على تنظيم العلاقة بين الحكومة السورية وتل أبيب، وأن عودة الدوريات الروسية قد تقلّص عمليات الاحتلال الإسرائيلي التي تصاعدت خلال الأشهر الماضية تحت ذريعة إقامة منطقةٍ عازلةٍ وحمايةِ الدروز. ودمشق مهتمةٌ بتسخير الدوريات الروسية في محافظات الجنوب السوري مقابل الإسرائيلي، على نحوٍ مشابهٍ لما كانت عليه قبل سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول الماضي، لأن الدولة السورية ستكون مفتوحةً على الحوار مع الجميع، ولقطع الطريق على الذين استنجدوا بالخارج، وهذا ما قام به (الأزرق) في أثناء أحداث السويداء وصحنايا وجرمانا.

ليس من الغرابة أن تشغل روسيا مهامّ قوات الطوارئ الدولية المتواجدة في منطقة الفصل العازلة بين سوريا وإسرائيل على تخوم الجولان السوري، والقيام بدورياتٍ تفتيشيةٍ لتدقيق المهام المنوطة بها لتثبيت قواعد خفض التصعيد التي أوكلت لها سابقاً بعد اتفاق أستانة، سواء في المنطقة الشرقية أو الجنوبية الغربية من سوريا.

فالأمر مرتبطٌ بعدة عوامل، من بينها الاتفاقات بين روسيا وإسرائيل، والموقف الذي ستتخذه موسكو في حال إبرام اتفاقيةٍ مع الحكومة السورية بشأن استئناف الدوريات وتموضع الروس على تخوم الجولان السوري المحتل. فقد كانت روسيا تنتشر في مناطق عدة منها تل مسحرة وتل الحارة وبريقة وبئر عجم في القطاعين الأوسط والشمالي والجنوبي، ولديها إحداثيات المنطقة ومفاتيح الملفات الأمنية والعسكرية والاستراتيجية والسياسية في سوريا من جنوبها إلى شمالها، ومن شرقها إلى غربها.

توجد تفاهماتٌ أوليةٌ بين سوريا وروسيا بالتنسيق مع حلفاء مشتركين كالدولة التركية، وهذه التفاهمات تخدم الدولة السورية لأن الأتراك يشعرون بأن الدور الأميركي فشل في تقديم دعمٍ حقيقيٍّ يساعد سوريا في السيطرة على جغرافيتها. فوجد الأتراك أن الخطوات الأكثر سرعة باتجاه الاتحاد الروسي قد تكون أكثر إيجابيةً ومفيدةً جداً، حيث تأخذ روسيا دور الراعي لمناطق خفض التصعيد في الجنوب السوري بانتشار الشرطة العسكرية هناك، ولكن الآن من دون الفيلق الخامس.

وتأخذ روسيا دوراً ذا أهميةٍ كبرى في تحقيق فصلٍ مع القوات الإسرائيلية وتنسيقٍ مع الحكومة السورية، وتسحب الذرائع من يد إسرائيل بموضوع الخوف من قوى عسكرية تهدد أمنها. وربما سيكون للروس لاحقاً دورٌ في مدينة السويداء من أجل إعطاء الطمأنينة للسكان الدروز هناك وتلاشي القلق الذي يشعرون به من عودة الاشتباكات مع العشائر وأعمالٍ انتقاميةٍ بين الطرفين، إضافةً إلى قلق العشائر التي هجّرت. وربما تساعد الشرطة العسكرية الروسية على إعادة العشائر المهجّرة إلى بيوتها بخلق نوعٍ من الفصل بينهما.

ومن هنا تأتي أهمية الدور الروسي المتناغم مع التركي في جنوب سوريا وشرقها، بالتفاهم الدائم مع الأميركي الذي سيبقى حاضراً بشكلٍ دائم، ولا ينفصل عن اجتماع عمان الذي اتُّفق فيه على تشكيل لجنةِ عملٍ مشتركةٍ لدعم جهود الدولة السورية، واستخدام الصيغة الدبلوماسية القائمة على التفاهم بين مختلف أطياف الشعب السوري، وإعادة تذليل الصعاب القائمة في الجنوب.

وربما تحتاج روسيا إلى بناء قاعدةٍ عسكريةٍ في الجنوب، وقد تكون في السويداء، ومع الزمن وبشكلٍ تدريجي تنسحب هذه القوات وتحل محلها القوات الحكومية السورية، مع الحرص على بقاء قواعدها ومصالحها الجيوسياسية في سوريا.

أما بالنسبة لفكرة اللامركزية والفدرالية والاستقلالية بالنسبة للدروز، فهي أصبحت من الماضي، وستسيطر الدولة على ترابها بالكامل بالتنسيق مع الحلفاء المساعدين. وفي الوقت الذي يكون فيه الأميركي على استعدادٍ للانسحاب من شرقي سوريا، ستدخل الدولة السورية بجيشها الذي سينتشر، وتأخذ الحكومة دورها باستلام المؤسسات بالتزامن مع دخول التركي والروسي لتثبيت الوضع الأمني والعسكري في المناطق الواقعة تحت سيطرة “قسد”، واستعادة الدولة السورية لثرواتها ومرافقها دون الاشتباك مع “قسد”، على مبدأ فرض الحلول من دون استخدام القوة، والتهديد بالقوة من دون استخدامها، مما سيُضفي السلام والاستقرار على ربوع سوريا من دون ظلم أي مكوّنٍ من مكونات الشعب السوري.

مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة محاسبة مروّجي الخطاب الطائفي من جميع الأطراف، وتعويض المتضررين، وإعادة الحياة الطبيعية إلى السويداء، وعودة المهجّرين قسراً إلى ديارهم، ومنع تهميش أي مكوّن، وخاصةً الدروز في السويداء.

وفي الختام، إن المناخ السياسي السائد في المنطقة على جميع المستويات، عربياً وإقليمياً ودولياً، هو مناخٌ مؤيدٌ لنهوض الدول واستبعادِ ميليشياتِ ما دون الدولة، مثل حزب الله والحشد الشعبي والفصائل الأخرى التي تعتمد على الأجندات الخارجية كبندقيةٍ مأجورةٍ وأداةٍ وظيفية.

تلفزيون سوريا

——————————

الخارجية السورية: الشرع طالب بوتين بتسليم بشار الأسد

18 أكتوبر 2025

صرّح نائب مدير إدارة روسيا وشرق أوروبا في وزارة الخارجية والمغتربين السورية، أشهد صليبي، بأن الرئيس السوري أحمد الشرع طالب خلال لقائه نظيره الروسي فلاديمير بوتين تسليم “الهارب بشار الأسد” بشكل صريح. وأوضح في لقاء مع قناة الإخبارية السورية، الليلة الماضية، أن الجانب الروسي أبدى تفهماً واضحاً تجاه تحقيق العدالة الانتقالية في سورية، لافتاً إلى أن زيارة الرئيس الشرع لروسيا جاءت للتشديد على إعادة التنسيق والتعاون مع جميع الدول.

وأضاف صليبي أن سورية مقبلة على إعادة بلورة سياستها الخارجية بما يتوافق مع مصالحها الوطنية، وأنها تعمل على ترسيخ علاقاتها مع جميع الدول والمجتمع الدولي. وقال إن القيادة السياسية الجديدة تعتمد مبدأ الشفافية في التعامل مع ملف روسيا، مع الحرص على إطلاع الشعب السوري على جميع التحديثات، مضيفاً أن جميع الاتفاقيات بين دمشق وموسكو ستعاد صياغتها بما يضمن المصلحة العليا للشعب السوري. وأوضح صليبي أن المباحثات بين الجانبين شملت وضع آليات قانونية جديدة للتعاون في ملفات المطلوبين والملفات العالقة، إلى جانب دعم الموقف السوري بالمحافل الدولية، مؤكداً استمرار التنسيق مع موسكو في مجلس الأمن والأمم المتحدة، بما يعزز حضور سورية ويدعم مصالحها الاستراتيجية.

وتمحورت زيارة الشرع لموسكو الأربعاء الماضي حول العلاقات الثنائية بين سورية وروسيا والمستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى مناقشات تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية وملفات إعادة الإعمار. وأكد الشرع أن استقرار سورية مرتبط بالاستقرار الإقليمي والعالمي، ونقلت قناة “الإخبارية” السورية قوله: “نحن في سورية الجديدة نعيد ربط العلاقات مع كل الدول الإقليمية والعالمية”. من جهته، هنأ بوتين الشرع بإجراء الانتخابات البرلمانية، وأكد بوتين استعداد موسكو لتعزيز العلاقات مع دمشق، مشدداً على أنّ “مصالح الشعب السوري هي التي تحركنا دوماً”.

وكان رئيس النظام السوري السابق بشار الأسد قد فرّ إلى روسيا بعد انهيار نظامه في ديسمبر/كانون الأول 2024، وشكلت موسكو داعماً رئيسياً للرئيس المخلوع على مدى ربع قرن من حكمه، وتدخلت موسكو عسكرياً مباشرةً لدعم النظام بوجه الثورة السورية اعتباراً من سبتمبر/أيلول 2015 وحتى سقوطه حيث تجمعت القوات الروسية أساساً في قاعدة حميميم بريف اللاذقية. وكان الشرع قد كشف بمقابلة تلفزيونية 12 سبتمبر/ أيلول الماضي أن قوات “ردع العدوان” التي خاضت معركة إسقاط الأسد أجرت مفاوضات مع موسكو بعد وصولها إلى حماة، فيما تعهّد الطرفان بـ”التزامات” تم تنفيذها. وأوضح: “عندما وصلنا إلى حماة في معركة التحرير، جرت مفاوضات بيننا وبين روسيا، عند وصولنا إلى حمص، الروس في هذا الوقت ابتعدوا عن المعركة، يعني انسحبوا تماماً من المشهد العسكري”.

(أسوشييتد برس، العربي الجديد)

—————————

===========================

تحديث 17 أوكتوبر 2025

————————————

 براغماتية دمشق ومصالح موسكو/ عبد الله مكسور

2025.10.17

مع خطوات الرئيس السوري أحمد الشرع في الكرملين، دخلت العلاقة بين دمشق وموسكو طوراً جديداً يتجاوز إرث التحالف العسكري والسياسي التقليدي، لتتحول إلى مساحة أكثر تعقيداً وتوازناً، ربما يُعاد فيها تعريفها وحدودها معاً.

وتعيد روسيا رسم أولوياتها وفق مصلحتها الباردة القائمة على الاستقرار لا الحماية في المشهد الحالي. في حديث الرئيس أحمد الشرع في موسكو بدا واضحاً أن “إعادة تعريف طبيعة العلاقات” ليست مجرد جملة سياسية؛ بل محاولة حقيقية لترسيم قواعد جديدة لعلاقةٍ وُلدت بتعقيداتها في أتون الحرب وجولات المواجهة، وتريد اليوم أن تعيش في مناخ من البراغماتية الاقتصادية والسياسية على إيقاع ضوابط السيادة المحسوبة، والأهم الممكنة.

فروسيا، التي لم تعد ترى في سوريا نظاماً ينبغي حمايته بقدر ما تراها فضاءً ينبغي استقراره، تبدو مدفوعة برؤية واقعية: هي غير ملزمة أبداً بالدفاع عن نظام الحكم كما فعلت في مراحل سابقة، لكنها معنية تماماً بعدم سقوطها أو انزلاقها إلى فوضى تهدد مصالحها في المتوسط وشرق المتوسط. فالتاريخ الروسي، كما تُظهر تجارب الكرملين مع حلفائه السابقين، لم يقم يوماً على تسليم القادة الذين خدموا مصالحه، لكنه أيضاً لم يُقم حروبه لأجلهم بعد سقوطهم. المعادلة الروسية بسيطة: الشريك الذي يحفظ الاستقرار يمكن أن يبقى، أما الذي يكلّف كثيراً أو يجرّها إلى صراعٍ مفتوح، فيُترك لمصيره وفق مصالح الكرملين القابل للتفاوض على كل شيء كما ينبئنا التاريخ.

في المقابل، العلاقة بين سوريا وروسيا ليست علاقة مكلفة لدمشق كما هو الحال مع طهران. فروسيا لا تُقحم نفسها في تفاصيل النسيج الداخلي السوري – على الأقل في العلن – ولا تُثقل الدولة بشبكاتٍ مذهبية أو اقتصادية مغلقة. إنها علاقة تقوم على المصلحة الصافية: قواعد عسكرية، نفوذ سياسي مضبوط، ومشروعات اقتصادية واضحة يمكن التفاوض عليها. بخلاف إيران التي بنت داخل سورية منظومات نفوذ متشعبة – أمنية ومذهبية ومالية – فإن روسيا تميل إلى البقاء خارج النسيج الاجتماعي السوري، مكتفية بالتحكم في مسارات كبرى: الطاقة، المرافئ، بعض الملفات الأمنية والعسكرية، وإعادة الإعمار. ولهذا فإن “الكلفة السياسية والاجتماعية” للعلاقة مع موسكو تبقى أدنى بكثير من كلفة الارتهان لطهران، وهو ما يمنح دمشق مساحة أوسع للمناورة وإعادة التموضع.

ميدان الاختبار

زيارة الشرع إلى موسكو تأتي في لحظة اختبارٍ دقيق: الاقتصاد السوري في أضعف حالاته منذ عقود، التضخم يلتهم الطبقات جميعها، والقدرة الشرائية للمواطن تتآكل بشكل غير مسبوق. وسط هذا الإنهاك، تعود روسيا لتقدّم نفسها كجسرٍ ضروري نحو التعافي، لا كقوة حماية تبيع الوهم بالمنطق السياسي والاقتصادي، بل من منطق التحدث أو التلميح بتقديم عروض استثمارية ومشروعات طاقة ونقل وبنية تحتية، في مقابل إعادة إحياء النفوذ. وهنا يكمن جوهر “التحول الجديد”: أن موسكو لا تُريد نظاماً معادياً للمحيط، بل شريكاً مستقراً يوفر لها موطئ قدم في المنطقة من دون أن يُكلّفها المزيد من المواجهة مع الغرب والشرق الأوسط. وسوريا الجديدة لا تريد الاحتفاظ بالماضي الذي نُسِج على جبهات المعارك فيما يتعلق بروسيا.

ولعل ما يؤكد هذه القاعدة الجديدة ما حدث بعد سقوط نظام الأسد، حين بادر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بإرسال شحنات من القمح إلى دمشق، وأوفد وفوداً أوكرانية إلى العاصمة السورية في خطوةٍ رمزية تهدف إلى اختبار إمكانية فصل سوريا عن المدار الروسي، مستنداً إلى الظرف السياسي الجديد ومحاولة تقديم حافز إنساني واقتصادي لدمشق. لكن في مقابل ذلك كانت الرسالة الروسية واضحة: العلاقات لا تُقاس بمظاهر المساعدات العاجلة، بل بعمق المصالح الاستراتيجية. دمشق، بدورها، لم تردّ بإغلاق الباب أمام كييف، لكنها أيضاً لم تنزلق إلى مقايضة آنية على حساب التوازن الجديد المفترض مع موسكو. لقد بدت أكثر براغماتية من أي وقتٍ مضى.

اليوم، تسعى دمشق إلى أن تكون شريكاً لا تابعاً. فهي تدرك أن الاقتصاد هو ساحة الصراع المقبلة، وأن الاستقلال السياسي لا يُقاس بعدد البيانات، بل بالقدرة على فرض شروط التعاون. من هنا يأتي تركيز الخطاب السوري الجديد على “استقلال الحالة السورية” و”سلامة ووحدة الأراضي السورية”، ليس كشعاراتٍ وطنية فقط، بل كأساس لتوازنٍ جديد مع موسكو يقوم على المصالح لا الامتنان، وعلى الشراكة لا الحماية. وفق ما يُفهم على الأقل من كلمات الرئيس السوري خلال لقائه مع بوتين، التي أحاطها بحديث عن التعب في الوصول إلى قاعة الاستقبال.

سوريا بوابة التنافس

تاريخياً، كانت الجغرافيا السورية قدرها؛ بوابةً لكل القوى المتنافسة، ومسرحاً للتقاطعات بين البحر والصحراء، بين الشرق والغرب. واليوم، في ظل تحولات النظام الدولي، تحاول دمشق الجديدة تحويل هذه الجغرافيا من عبءٍ إلى أصلٍ تفاوضي. روسيا تعرف قيمة هذا الموقع، وتدرك أن استقرار سوريا شرط لاستقرار حضورها في المتوسط، أو بتعبيرٍ أدق في المياه الدافئة، لذلك فإنها مستعدة – في تقديري – للذهاب بعيداً في الشراكة الاقتصادية، ولكن من دون التورط في التزامات عسكرية مفتوحة.

بهذه القواعد الجديدة، تتشكل علاقة أقل عاطفية وأكثر عقلانية: موسكو لا تمنح شيكاتٍ بيضاء، ودمشق لا تريد أن تعود إلى زمن الوصاية. كلا الطرفين يسعى إلى أن تكون الشراكة أداة بقاءٍ متبادلة: روسيا لتثبيت نفوذها العالمي بأقل كلفة، وسوريا لاستعادة اقتصادها وسيادتها بأكبر قدر ممكن من التوازن. وفي هذا التلاقي الحذر بين الحاجة والبراغماتية، تُكتب فصول جديدة من علاقةٍ لن تُقاس بعدد الصواريخ التي أطلقتها روسيا في الماضي على فصائل المعارضة السورية لنظام الأسد، بل بكمّ المصالح الاقتصادية والسياسية التي ستبقي البلدين على خطٍّ واحد من الاستقرار من دون الارتهان.

وهنا يمكن الإشارة إلى فهم الحديث عن “إعادة تعريف العلاقات” بأنه يبدو محاولة تجميلية من دمشق لتبرير اعتمادٍ مضاعفٍ مقبلٍ على موسكو، في الوقت الذي تشتد رغبة روسيا في تأمين نفوذها البحري والاقتصادي على المتوسط بعد عزلتها الأوروبية. ووفقاً لهذا لا يمكن الحديث أبداً عن علاقة متوازنة، بل معادلة مفروضة من الأعلى، حيث تُقدّم سوريا مواردها ومرافئها ومواقعها الاستراتيجية مقابل وعودٍ غامضةٍ بالاستثمار والاستقرار.

المطلوب والممكن اقتصادياً

الخطة الاقتصادية الروسية التي يتم الحديث عنها في التسريبات، وكما تتبدى من مسار العلاقة في إطارها الجديد، تقوم على فرض معادلة نفوذٍ ناعمة تتجنب التصادم المباشر، وتتمدد عبر مفاصل الاقتصاد: الطاقة، المرافئ، النقل، والمناجم. فهي بالتالي – وفقاً لهذا المنطق – ليست خطة إنقاذ بقدر ما هي مشروع استقرارٍ طويل الأمد، غير أن نجاح هذه الخطة أو فشلها يعتمد على قدرة دمشق على إدارة هذا الحضور من موقع الندية لا التبعية.

فالتجربة الروسية في شراكاتها مع دول ما بعد الاتحاد السوفييتي تُظهر أن موسكو تفضّل أن تمسك بالمفاصل الاقتصادية التي تضمن لها النفوذ الاستراتيجي، من دون أن تتحمل عبء إعادة الإعمار الكامل. هنا تكمن مسؤولية الدولة السورية: تحويل الاستثمار الروسي من مشروع نفوذ إلى شراكةٍ قابلةٍ للضبط، عبر توزيع المخاطر والفرص، وإشراك رأس المال المحلي، وإرساء قواعد شفافة للمشاريع الكبرى. المطلوب ليس مواجهة موسكو، بل إعادة تعريف العلاقة الاقتصادية على أساس السيادة الإنتاجية: أي أن تكون المشاريع الروسية خادمةً للاقتصاد السوري لا حارسةً له.

فكل استثمارٍ غير مشروط يمكن أن يُعيد تشكيل البنية الاقتصادية نحو الاستقلال، أما ترك الحبل الاقتصادي لموسكو من دون إدارة داخلية محكمة فسيفضي إلى اقتصادٍ مشروطٍ بالمواقف السياسية. التحدي هنا – في تقديري – سياسي بقدر ما هو اقتصادي، والسؤال يكمن في قدرة الإدارة السورية على الاستفادة من المال الروسي من دون أن تُصبح أحد خطوط الدفاع عن مصالح الكرملين. النجاح في ذلك يقتضي أن تُعامل دمشق موسكو كشريكٍ مؤقتٍ في التعافي، لا كراعٍ دائمٍ لبنية النظام وسلطته، والأهم من ذلك بقائه.

هندسة الوجود العسكري

الملف الثاني الذي يطرح نفسه في العلاقة بين دمشق وموسكو هو الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية. اليوم هذا الوجود لم يعد ضمانةً أمنية أو ورقة تفاوضٍ ميدانية، بل تحوّل إلى أداة دقيقة من أدوات “النكد السياسي” في الإقليم. فموسكو، بخلاف واشنطن أو طهران، لا تستخدم وجودها العسكري لتغيير الأنظمة أو إعادة هندسة الخرائط، بل لتذكير الآخرين بأنها اللاعب القادر على التعطيل أو التهدئة متى شاءت.

فروسيا لا تفهم وجود قواعدها العسكرية في سوريا على أنه مجرد رموز نفوذ، بل مفاتيح ضغطٍ في كل معادلات الشرق الأوسط يمكن استخدامها في الوقت المناسب. وفي هذا الإطار، يصبح الوجود العسكري الروسي أداةً مزدوجة؛ فهو يحمي مصالح موسكو الإقليمية، ويمنح دمشق ورقة تفاوضٍ إضافية في وجه القوى الغربية والإقليمية. لكنه في الوقت ذاته قد يتحول إلى عبءٍ إذا لم تستطع سوريا ضبط إيقاعه ضمن رؤية وطنية مستقلة.

وتحويل هذا الوجود من حالة رمزية إلى ورقة سيادية يمر عبر تحديد دوره وحدوده، بحيث يبقى أداة توازن لا أداة وصاية. فالقوة التي تُبقي الجميع في حالة “حسابٍ دائم” قد تكون مفيدة مرحلياً، لكنها خطيرة إن تحولت إلى غطاءٍ دائمٍ للجمود. موسكو تدرك ذلك، وتتعامل مع وجودها العسكري كرافعة ضغط أكثر منه التزاماً وجودياً. وفي هذه النقطة على دمشق أن تستثمر هذا الوجود لا كمصدر تهديدٍ للآخرين، بل كآلية لإعادة التموضع، بحيث يُصبح الوجود الروسي عنصر ردعٍ متزنٍ يوازن النفوذ الإيراني والتركي والأميركي معاً، من دون أن يتحول إلى مظلةٍ فوق السيادة الوطنية.

وبمعنى آخر، في المنطق السياسي من الممكن أن يتحول هذا الوجود العسكري من أداة زعزعة أو “نكدٍ سياسي” إلى عنصر استراتيجي قابلٍ للضبط إن اعتمدت الاتفاقات إطاراً قانونياً واضحاً، وحدوداً تشغيلية ومراجعاتٍ دورية.

أمام الإدارة السورية اليوم فرصة لصياغة علاقةٍ مع موسكو تقوم على مصالح واضحة وشفافة تقلّل من مخاطر التبعية السياسية والاقتصادية والعسكرية التاريخية التي عاشتها سوريا تجاه روسيا. وهذا يتطلب، على مستوى الداخل، مزيجاً من إجراءاتٍ تشريعية، وأجهزةٍ رقابية مستقلة، وآلياتٍ تعاقدية تقيّد الشروط، إلى جانب تنويع شركاء الاقتصاد.

فهل تستطيع سوريا إعادة تعريف الحضور الروسي لا كقدرٍ جيوسياسي، بل كخيارٍ يمكن إدارته، وتمنح دمشق فرصةً نادرة لتتحرك ضمن هوامش الممكن، لا على إيقاع الإملاءات؟ في موسكو بدا واضحاً أن الصفحة الجديدة تُكتب بلغة المصالح لا العواطف، وأن سوريا تقرأ جيداً أن قوتها المقبلة لن تكون في تحالفاتها وحدها، بل في قدرتها على ضبطها.

تلفزيون سوريا

————————————

الشرع في موسكو: ذرائعية إعادة التعريف/ صبحي حديدي

مفارقات زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى موسكو عديدة ومتنوعة المضامين والدلالات، وقد لا تكون الأبرز بينها أن «هيئة تحرير الشام» ما تزال مصنفة في لائحة «المنظمات الإرهابية»، وهي محظورة في الاتحاد الروسي، لأنها قاتلت التدخل العسكري الروسي في سوريا. تلك، وسواها، حيثيات لم تمنع (بالطبع!) الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من استقبال قائد الهيئة السابق، الذي لا خَلَف له أصلاً بعد التغييرات، في الموقع السياسي ـ الجهادي والتسمية الفصائلية، التي أدخلها عليها الشرع نفسه. تلك، غنيّ عن القول، حدود دنيا في الاشتراطات الذرائعية للسياسة عموماً، ولتطبيقاتها ذات الخصوصية في منطقة الشرق الاوسط خصوصاً، وضمن التقليد العريق الذي يضع المصالح فوق كلّ، وأيّ، اعتبار أخلاقي أو معنوي أو حتى سياسي مرحلي، ليس ثمة كبير اختلاف بين الاحتفاء بالشرع في موسكو، وما استُقبل به خلال لقاءات أخرى شهدتها باريس ونيويورك، وقبلها الرياض، وأبو ظبي والقاهرة وسواها.

تفصيل واحد يتوجب أن يلفت الانتباه أوّلاً، في المقابل، هو أنّ زيارة الشرع كانت أصلاً مبرمجة ضمن إطار القمة الروسية ـ العربية التي سعت موسكو إلى احتضانها، ثم اضطرت إلى تأجيلها أو إلغائها بسبب ضعف مشاركة الرؤساء والملوك العرب فيها، لارتباطات أخرى أكثر أهمية على غرار قمة شرم الشيخ الأخيرة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، للتوقيع على اتفاق المرحلة الأولى من خطة ترامب لإنهاء حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزّة.

في قراءة أخرى، لو كان الكرملين غير مستعدّ، وربما غير متلهف، لاستقبال الشرع في موسكو، لتذرّع بانتفاء السبب الأصلي للزيارة، وطوى الفكرة نهائياً، أو أحالها إلى أجلٍ لاحق غير مُسمّى. ذلك، في ضوء أيّ مستوى من منطق خدمة المصالح الروسية في الشرق الأوسط عموماً، وفي سوريا مياه البحر الأبيض المتوسط خصوصاً، يعني أنّ موسكو راغبة في، بل لعلها بالغة الحرص على، استئناف «علاقات قوية مع سوريا منذ أكثر من 80 عاماً»، وكانت دائماً «علاقات صداقة»، كما عبّر بوتين خلال الترحيب بالشرع.

صحيح، بالفعل، أنّ العلاقات بين موسكو ونظام «الحركة التصحيحية» كانت قوية، خلال 30 سنة من حكم الأسد الأب، وبلغت ذروة غير مسبوقة خلال توريث الأسد الابن مع التدخل العسكري الروسي لإنقاذ النظام في أيلول (سبتمبر) 2015، وغير صحيح، بمعدّلات عالية أو شبه مطلقة، أنها كانت «علاقات صداقة»، و«لم تكن لروسيا أيّ علاقات منوطة بالحالة السياسية أو المصالح الضيقة، وهي مرتبطة بالمصالح المتبادلة ومصلحة الشعب السوري»، كما قال بوتين أيضاً.

موسكو، في سوريا ولانتشال نظام الأسدين الأب والوريث، قصفت المدن والبلدات والقرى ومخيمات اللجوء والمشافي والأفران والمدارس، وتعاملت مع ضباط النظام/ مجرمي الحرب الأشنع إجراماً ضدّ الشعب السوري، ودرّبت ميليشيات طائفية، ومكّنت عصابات مرتزقة وبلطجة، وتسترت على شبكات تصنيع وتهريب مخدرات، وأتاحت للمافيات الروسية أن تعيث فساداً في الاقتصاد وتنهب الثروات…

ففي الأسابيع القليلة التي أعقبت التدخل العسكري الروسي في سوريا، وبعد انكشاف حقائق مريعة حول حصار بلدة مضايا وتجويعها، ضرب الكرملين مثالاً سوريالياً حول أخلاقيات التعامل مع الشعب السوري، حين ألقت بعض الطائرات الروسية ما أسمته موسكو «مساعدات غذائية»، بعد أن تولت قاذفات الـ»سوخوي ـ 24» إسقاط القنابل العنقودية والصواريخ الانشطارية! ولم تكن مصادفة أن يتقصد الكرملين إماطة اللثام، خلال الفترة ذاتها، عن تفاصيل عقد تمّ إبرامه في آب (أغسطس) 2015 مع الأسد، منح روسيا حق استخدام مطار حميميم، في اللاذقية، إلى أجل غير محدود، أو حرص بوتين، شخصياً، على الإعلان بأنّ منح اللجوء إلى الأسد ـ إذا فشل في الانتخابات الرئاسية لعام 2017، بالطبع! ـ أمر أسهل من حالة إدوارد سنودن، المتعاقد التقني السابق لدى المخابرات المركزية الأمريكية، أو تركيز أجهزة الدعاية، في وزارة الدفاع الروسية، على إبراز أخبار نشر محطة الإنذار المبكر A-50 وقاذفات الـ Su35، على نحو يخاطب الجارة تركيا، ومن ورائها الحلف الأطلسي.

.. ولكن ليس مخاطبة واشنطن تحديداً، لأنّ ردود أفعال واشنطن على انتشار القوات الروسية في مطار حميميم وقاعدة طرطوس على الساحل السوري، لم تتجاوز اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، واتصالاً ثانياً من وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر مع نظيره الروسي سيرغي شويغو، وبالتالي لم تذهب المواقف الأمريكية إلى أيّ مستوى أعلى، أو نوع مختلف، من ردّ الفعل الاحتجاجي على خطوة روسية توجّب أن تبدو فارقة بالمعنى الجيو ـ سياسي، ثمّ الجيو ـ عسكري. ذلك لأنّ ما سعت موسكو إلى إقراره عسكرياً على الأرض، في أوكرانيا قبل سوريا، كان يفيد التالي: روسيا ليست بصدد استئناف أي طراز جديد من الحرب الباردة القديمة، حتى بمعنى الحروب المتخيَّلة؛ وهي ترى في الغرب، والولايات المتحدة خاصة، شركاء في ما يتوجب صياغته من سياسة وأمن واقتصاد على مستوى العالم. وتصعيد الوجود العسكري الروسي في سوريا إنما يذكّر بدور موسكو هذا، ويفتح باب التفاوض حول ملفات أخرى تخصّ هموم روسيا، وفي طليعتها العقوبات الاقتصادية، وكذلك حروب أسعار النفط، وسواها من ملفات قد تبدو شائكة إلا إذا أُخضعت لموازين ذرائعية وحسابات باردة.

الشرع، من جانبه، وصل إلى موسكو وفي العميق من ذاكرته الشخصية البعيدة، الجهادية سابقاً، هذا السجلّ المبدئي لنسخة بوتين من العلاقات الروسية ـ السورية، بتفاصيل أخرى قد يكون الزعيم السابق لـ«هيئة تحرير الشام» أدرى بها من كثيرين سواه، أمّا في ذاكرته القريبة، الحكومية والحوكمية هذه المرّة، وابتداءً من الأسابيع الأولى لانطلاق عملية «ردع العدوان»، فإنّ سلسلة عناصر روسية كانت تُثقل موازين زيارته إلى موسكو: أنّ الطيران الحربي الروسي تدخل، على استحياء ظاهر، خلال تحرير حلب، قبل أن يجثم صامتاً على المدرجات، وأنّ موسكو أدركت وصول نظام «الحركة التصحيحية»، بأسره، إلى مآل ختامي لا رجعة عنه، وليس «شحن» الأسد الابن المخلوع إلى موسكو، صحبة ملياراته المنهوبة من قوت الشعب السوري، وكبار مجرمي الحرب من عائلته وقادة أجهزته وجيشه، سوى ختم الكرملين على التحوّل الجذري الكبير.

ليس أقلّ ترجيحاً أنّ الشرع أدرك قيمة الإفادات الجيو ـ سياسية والاقتصادية والتنموية والعسكرية طيّ تصريحه التالي، في الردّ على ترحيب بوتين: «نحاول أن نعيد ونعرِّف بشكل جديد طبيعة هذه العلاقات، على أن يكون هناك استقلال للحالة السورية والسيادة السورية وأيضاً سلامة ووحدة الأراضي واستقرارها الأمني»، والتشديد كذلك على أنّ «علاقات ثنائية ومصالح مشتركة تربطنا مع روسيا، ونحترم كل ما مضى من الاتفاقيات معها». تلك افتراضات صحيحة تماماً، تتساوى في الصحة مع معطيات أخرى إقليمية ودولية، مثل حاجة سوريا الجديدة إلى توظيف الصفحة الجديدة مع موسكو من أجل صياغات أكثر توازناً للعلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وأكثر تحصيناً في المواجهة المفتوحة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، سواء خلال نهج التصعيد والاحتلال الذي يعتمده بنيامين نتنياهو اليوم، أو بعد انتخابات 2026 الإسرائيلية أياً كانت نتائجها.

ولعلّ الثابت حتى الساعة أنّ الموازين بين موسكو ودمشق ليست متطابقة، ولا هي متكافئة بالطبع، الأمر لا ينفي أنها، على الجانبين، في مستويات قصوى من إعادة التعريف… ذرائعيا، في المقام الأوّل.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

——————————–

في نتائج زيارة الشرع موسكو/ عمار ديوب

17 أكتوبر 2025

تُوّجتْ الزيارات المتبادلة بين وفود سورية وروسية في الأشهر السابقة بزيارة الرئيس أحمد الشرع موسكو الأربعاء الماضي. والمعهود أن الرؤساء يؤدّون زياراتهم لتعميق العلاقات الدبلوماسية أو لرسم صور جديدة لها. وللزيارة في هذا السياق دلالتها بعد التغيير في سورية ودور روسيا السابق في دعم سلطة بشّار الأسد وتثبيتها. هناك سياسة ثابتة ينتهجها الشرع، وتؤكّد قيام علاقات “طبيعية” مع دول العالم كافّة، ولم يستثنِ منها حتى إيران أو الدولة الصهيونية، ولكن بشروطٍ معينةٍ يجب أن تتحقّق، ومن المستبعد حالياً أن تصبح تلك العلاقات مع الأخيرَتيْن ممكنة.

أصبحت زيارة الشرع موسكو ممكنة بفعل استبعاد السلطة السورية مطالبة موسكو بتسليمها بشّار الأسد وضبّاطه المجرمين، وبتعويضات عمّا فعلته روسيا في سورية طوال السنوات الماضية التي سبقت سقوط النظام، بما فيها تدميرها المدن السورية وقتل الآلاف وتهجير مئات الآلاف، بل وافقت دمشق (وفقاً لتسريباتٍ صحافية) على دفع الديون الروسية، التي كانت سلاحاً وقمحاً ونفطاً وسواها، قدّمت لبشّار الأسد وللجيش المؤتمر منه لقمع ثورة السوريين. فتح هذا آفاق العلاقات الطبيعية بين الدولتَين، ما يشير إلى أن علاقات الشرع مع أميركا أو الاتحاد الأوروبي، وحتى مع تركيا ودول الخليج العربية، ليست كافية لتشريع السلطة التي يرأسها في دمشق، وهناك تقارير صحافية تُركّز في أن إسقاط صفة “الإرهاب” عن الشرع وقيادات في السلطة تستدعي تلك العلاقة، باعتبارها صفةً فرضها مجلس الأمن، وروسيا عضو رئيس فيه. وأيّ سلطة جديدة لا بدّ أن تضع أسساً جديدة للسياسة الخارجية، وتبنّى الشرع أسساً تنطلق من تجاوز فكرة الثورة وأهدافها ومآسيها، وأن سورية تتجه نحو بناء الدولة، ولكن هذا البناء يستدعي تطبيق العدالة الانتقالية، فهل تسمح نتائج الزيارة بذلك فعلاً؟

أكّدت تصريحات الشرع وبوتين، ودبلوماسيين حضروا الاجتماعات في موسكو، أن العلاقات بين الدولتين تاريخية وعميقة، ولها أسباب متعدّدة اقتصادية وتعليمية ودبلوماسية وعسكرية وأمنية، وهناك مشاريع جديدة تتعلّق باستخراج النفط، ومتابعة العمل بالاتفاقات السابقة من دون تغيير، وهذا أخطر ما انتهى إليه اللقاء، فقد أكّد الشرع أنه يحترم الاتفاقات القديمة. (وهذه الاتفاقات التي وقعها بشار الأسد خطيرة)، وليست هناك أسباب حقيقية للعداء أو للقطيعة، وجاء ذلك كلّه على أرضية استبعاد قضايا الخلاف أعلاه. هل ستستطيع روسيا مساعدة الشرع في إعادة تفعيل اتفاق فكّ الاشتباك لعام 1974، أم سيكون دور الشرطة الروسية في جنوي سورية أقرب إلى مراقبة سلوك الجيش الصهيوني؟ هناك مفاوضات بين الجانبَين السوري والصهيوني للوصول إلى اتفاق أمني جديد، وهناك سيناريوهات كثيرة بشأن تفاصيله وأسباب تعثّره، والطلب السوري من روسيا المساعدة في هذا المجال يفيد بأن هناك تعقيدات كبيرة، وإن لا تشير تصريحات المسؤولين في دمشق وتل ابيب إلى انهيار تلك المفاوضات. وهناك إجماع سوري على عودة الجولان، وأن الاتفاق الأمني المزمع عقده يجب أن ينصّ على ذلك.

هناك علاقات قوية بين روسيا و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والإدارة الذاتية الكردية في الحسكة، وهناك وجود عسكري روسي في مطار القامشلي، وقد تكون تصريحات وزير الخارجية الروسي، لافروف، أخيراً حول وحدة سورية وعدم تطرّقه إلى مفهوم الفيدرالية أو اللامركزية مفيدةً في دفع العلاقات بين “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ودمشق لحلّ جميع الخلافات عبر التفاوض، وعدم تدهور العلاقات نحو الحرب. والسؤال: هل سيُكمّل الدور الروسي في الجنوب السوري ومع “قسد” الدورين الأميركي والتركي، ويحدّ من الدور الصهيوني… ربّما. زيارة الشرع وطلبه التدخّل الروسي، عدا عن دوره في الجنوب، ربّما يساهم في تخفيف الخلافات الداخلية السورية، سيّما مع “قسد” والسويداء، وكذلك إنهاء العلاقات بين روسيا وضبّاط النظام القديم، وهي علاقاتٌ وثيقة، ويمكن أن تستغلّها روسيا في حال بروز الخلافات مع نظام دمشق. وفي حال اتجهت سلطة دمشق نحو الحوار والتفاوض مع الداخل السوري، والقوى المذكورة أعلاه، فسيشكّل هذا بدايةً جديدةً، فتستفيد سلطة دمشق من علاقاتها مع الخارج لتجفيف الخلافات الداخلية. يتطلّب هذا الأمر تغييرات كبرى في السياسة الداخلية، وهناك حديثٌ متجدّد في الأوساط السورية عن حكومة جديدة قبل نهاية العام الجاري، فهل يمكن أن تساهم في إنهاء تلك الخلافات بتمثيل السوريين كافّة فيها؟… هذا هو المأمول.

هناك تعقيدات أمام السياسة الخارجية في إنهاء ملفّ العقوبات الأميركية، فقرار مجلس الشيوخ الأميركي رفع العقوبات يستلزم قراراً آخر من مجلس النواب وموافقةً من الرئيس. وهناك شروط يجب أن تحقّقها سلطة دمشق. هناك تدخّل تركي وصهيوني وأميركي، وحالياً روسي، وهو خطير للغاية. وغير هذا هناك الخلافات الداخلية المتأزّمة، فهل تستفيد سلطة دمشق من الانفتاح الدولي المتوّج بزيارة الشرع موسكو، والاتجاه نحو سياسة جديدة مع قوى الأمر الواقع في سورية، ونُخبها، وإشراك الشعب في النهوض بالسلطة والدولة؟ هذا ما يجب الانطلاق منه. من حيث المبدأ، يمكن للعلاقات مع روسيا ومع أميركا وفرنسا وتركيا والخليج والعالم بأكمله، التي تعيد سلطة دمشق بناءها، أن توظّف في خدمة مصالحها. وهو ما ينبغي تأكيده، لأن السلطة تطوف فوق أزمات هائلة. فبالإضافة إلى أزمات سورية، على الأقل منذ 2011، لدينا اليوم أزمتان مفتوحتان مع السويداء و”قسد”. يمكن للدول أعلاه أن تساعد، من دون ابتزاز أو فرض شروط على سلطة دمشق، إن اتجهت السلطة نحو إشراك الشعب، ومن دون ذلك ستُمارَس عليها مختلف أشكال الابتزاز، فالدولة الصهيونية لم تتراجع عن سياساتها التقسيمية والتفتيتية لسورية، وترامب “يهدي” الجولان لتل أبيب، وتركيا لا تتوقّف عن التصريحات بخصوص مستقبل “قسد” واحتمالات الحرب معها، وتريد السلطة حالياً إشراك روسيا في جنوب سورية، ويتدخّل توم برّاك في كل صغيرة وكبيرة في سورية.

يخطئ أحمد الشرع كثيراً باستبعاده الشعب، وهناك تذمّر واسع للغاية من الانفتاح على روسيا المرتبط باستبعاد القضايا الخلافية، ومن المفيد للسلطة ألا تتوّرط في الموافقة على الاستمرار بالاتفاقات القديمة، فهي جائرة، ووُقِّعت بشروط مُذلّة لبشّار الأسد ولسورية، وتَنهب الثروات الوطنية وتسيطر على كثير منها، مثل الفوسفات والأسمدة والنفط والثروات الباطنية في البحر وسواها، وانتخابات مجلس الشعب أخيراً لم تكن مباشرة، وشارك فيها ستة آلاف شخص فقط، وإشادة بوتين فيها أمر سلبي، فهو يتصرّف في روسيا ديكتاتوراً، وليست لديه انتخابات شرعية في بلده، فهل سيدعم مصالح السوريين؟

ستستغل دول حجم الأزمات الداخلية للضغط على سلطة دمشق، وفي مقدّمهم روسيا. وإشراك الشعب وحده ما سيدعم السلطة في حلّ المشكلات والحيلولة دون ذاك الاستغلال، ففي أيّ المسارات ستتحرّك سلطة دمشق؟

العربي الجديد

——————————-

الاعتراف بالاتفاقات… المصالح المشتركة تحكم العلاقات السورية الروسية/ محمد أمين

17 أكتوبر 2025

تعهّد الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال استقباله من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في الكرملين أول من أمس الأربعاء، بـ”احترام ما مضى من اتفاقات مع روسيا” من دون تحديد ما إذا كان ستطرأ أي تعديلات عليها، ما فتح الباب على ما يبدو أمام علاقات جديدة بين البلدين، تحكمها المصالح المشتركة. علماً أن العلاقات السورية الروسية منذ إسقاط بشار الأسد، في الثامن ديسمبر/ كانون الأول الماضي، شهدت انفتاحاً تدريجياً، وصولاً لزيارة الشرع الأولى إلى موسكو، مهدت لها زيارات متبادلة بين البلدين.

تأكيد على العلاقات السورية الروسية

بموازاة ذلك، قال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف في تصريحات صحافية أمس الخميس، إن بوتين والشرع تناولا في محادثات دامت لعدة ساعات “كل المواضيع المتعلقة بين البلدين، بما في ذلك موضوع القواعد العسكرية الروسية في سورية”، في إشارة إلى قاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية والقاعدة البحرية في طرطوس. وفي مؤشر على تعزيز العلاقات السورية الروسية بالتزامن مع الزيارة، ذكر نائب رئيس الوزراء الروسي، ألكسندر نوفاك، أن الرئيسين اتفقا على “عقد اجتماع قريب للجنة الحكومية الروسية السورية المشتركة (كانت قيد المراجعة من دمشق بعد إسقاط الأسد ضمن اتفاقات ثنائية أخرى)، لبحث مشاريع التعاون الجديدة بين البلدين”. وأضاف في تصريحات لوسائل إعلام روسية عقب الزيارة أن سورية “تمر بمرحلة إعادة بناء شاملة”، ولديها الكثير “من البنى التحتية المدمّرة، خصوصاً في مجالات الطاقة والنقل والسكك الحديدية”، مؤكداً أن “روسيا مستعدة لتقديم الدعم اللازم عبر شركاتها المهتمة بالاستثمار في هذه القطاعات”. كما شدد نوفاك على أن روسيا تنظر إلى التعاون مع سورية على أنه “شراكة استراتيجية طويلة الأمد”، وأن موسكو “مستعدة للمشاركة الفاعلة في إعادة إعمار البلاد وتوسيع التعاون الاقتصادي بين الطرفين”.

وكان من أبرز تصريحات بوتين خلال استقبال الشرع، إعلانه أن روسيا مستعدة لإنجاز المشاريع المشتركة مع سورية واستئناف عمل اللجنة الحكومية المشتركة بين البلدين. من جهته، تعهد الشرع خلال الزيارة بـ”احترام ما مضى من اتفاقات مع روسيا” التي كانت أبرمتها مع نظام الأسد البائد، والتي تتضمن حكماً ما تم التوصل إليه بدءاً من 2015، وهو العام الذي شهد تدخلاً روسياً واسع النطاق في الصراع إلى جانب الأسد، والذي أدى إلى مقتل آلاف السوريين وتدمير الكثير من مرافقهم الحيوية، وتغليب كفة الأسد العسكرية لعدة سنوات.

وينبع هذا التعهد من حاجة سورية اليوم إلى الدعم الروسي، لا سيما في المجال العسكري، فالجيش السوري منذ خمسينيات القرن الماضي، يعتمد على التسليح الروسي. ودُمرت أغلب القدرات العسكرية السورية خلال سنوات الحرب، وما بقي منها دمره الاحتلال الإسرائيلي خلال غارات متوالية بعد إسقاط نظام الأسد في ديسمبر الماضي. في المقابل، للجانب الروسي مصلحة في مساندة الإدارة السورية الجديدة في ملفات داخلية تملك فيها الكثير من الأوراق، لضمان استمرار النفوذ الروسي العسكري في شرق المتوسط. أما أبرز الاتفاقات بين سورية وروسيا، فتلك المتعلقة بالقاعدة الروسية في منطقة حميميم، والتي كرست سطوة الروس على سورية، وشكلت خط دفاع روسياً متقدماً شرقي المتوسط في سياق المناكفة مع الغرب. ويبدو أن الجانب الروسي حريص على بقاء هذه القاعدة التي كانت قبل العام 2015 مجرد مهبط حوامات، طورته وزارة الدفاع الروسية، بحيث بات قادراً على استقبال كل أنواع الطائرات، بما فيها المدنية. وحرصت الإدارة السورية الجديدة على عدم إلحاق أي أذى في هذه القاعدة. وأقامت روسيا قاعدة ما تزال موجودة في مطار القامشلي في أقصى الشمال الشرقي من سورية والخاضع اليوم لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).

وفي سياق العلاقات السورية الروسية السابقة، وقّع النظام السابق في عام 2017 اتفاقية مع الجانب الروسي لـ “توسيع أراضي المركز اللوجستي للبحرية التابعة للاتحاد الروسي في ميناء طرطوس، وزيارات السفن العسكرية للاتحاد الروسي إلى البحر الإقليمي والمياه الداخلية والموانئ السورية”. تضمنت هذه الاتفاقية الكثير من التنازلات من النظام السابق لضمان استمرار الدعم العسكري والسياسي له في سياق الحرب التي كان يشنها على المعارضة السورية. وفي ذاك العام، وقّع النظام اتفاقية مع شركة ستروي ترانس غاز (STG) الهندسية الروسية، نصت على استثمار مناجم الفوسفات في البادية السورية، جنوب شرقي البلاد، مدة 50 عاماً.

مصير الاتفاقات السابقة

تعليقاً على مصير هذه الاتفاقات وغيرها على ضوء تعهّد الشرع باحترام الاتفاقات مع روسيا، أشار الباحث السياسي، مؤيد غزلان، في حديث مع “العربي الجديد”، أنه “تم الحديث خلال زيارة وزير الخارجية (السوري) أسعد الشيباني إلى موسكو (يوليو/ تموز الماضي)، عن إعادة صياغة أو تعديل الاتفاقات بما يضمن سيادة سورية ومصلحة البلدين على أساس مشترك وندي”. وأضاف أن “زيارة الشرع إلى روسيا هي تتويج للمبادئ التي تم طرحها خلال الزيارات السابقة”، معتبراً أن “هذه الزيارات دليل على وجود نيات متبادلة لإرساء تفاهمات بعيدة المدى”.

وبشأن المكاسب التي نالتها سورية من زيارة الشرع إلى روسيا، رأى غزلان أنه بما يخص العلاقات السورية الروسية فإن العلاقات الدولية “لا تقاس بالربح والخسارة”، موضحاً أن “الطرف الأقوى هو روسيا والطرف الناشئ هو سورية”. وفي رأيه فإن “الطرف الذي يستطيع دعم معارضات طائفية في سورية والذي يستطيع ترجيح كفة سورية في الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة، هو روسيا”، وبالتالي “يجب تحييده بالمصالح العادلة والمشتركة”. أما على الطرف الروسي، فذكر غزلان أن على روسيا دعم الحكومة السورية في عدة ملفات داخلية “إذا أرادت تعويض قمعها السابق للشعب السوري”، مضيفاً أن “طبيعة المرحلة تقتضي تحييدها عن الصراع بالمصالح المشتركة وبضمان أن يتاح لها تعويض سياساتها السابقة مع الشعب السوري عبر الدبلوماسية، ورفد السياسة الداخلية السورية”. كما اعتبر أن زيارة الشرع إلى موسكو “تعني نهاية لما رُوّج له عبر وسائل الإعلام عن نيّة روسيا دعم إقامة إقليم ذي طابع طائفي في منطقة الساحل السوري”.

وبينما لم يعقد الرئيسان الشرع وبوتين مؤتمراً صحافياً بعد انتهاء المباحثات التي شارك فيها كبار المسؤولين في البلدين، عزا المحلل السياسي المختص بالشأن السوري، طه عبد الواحد، الأمر إلى عدم حل بعض “المسائل الشائكة والمعقدة” في هذه الزيارة. وأضاف في حديث مع “العربي الجديد”، أنه “يبدو أن الطرفين تجنبا إحراجاً يمكن أن يحدث في حال عقد المؤتمر وطرح الصحافيين أسئلة حول ملفات حساسة كمصير بشار الأسد الذي لجأ إلى روسيا، ومصير القواعد الروسية العسكرية في سورية”.

وفي رأي عبد الواحد، والمقيم في موسكو، فإن المسؤولين في البلدين يريدون بناء العلاقات السورية الروسية “انطلاقاً من واقعية سياسية تطوي صفحة الماضي”، مضيفاً أن “الطرفين اتفقا على إبقاء الملفات الحساسة بعيداً عن الصخب الإعلامي حتى يتم التوصل إلى اتفاقات نهائية ورؤى مشتركة حولها”. وستخضع الاتفاقات المبرمة بين البلدين خلال الفترة الماضية، وفق عبد الواحد، “للتعديل ولن تبقى كما هي”، لافتاً إلى أن “الجانب الروسي أكد أكثر من مرة أن موسكو تدرك جيداً أن هناك أوضاعاً جديدة في سورية، وأنها مستعدة لإعادة النظر في الاتفاقات المبرمة بين البلدين”. ورجّح أن يتم توقيع بروتوكولات إضافية على الاتفاقات السابقة بما يتناسب مع مصالح البلدين

العربي الجديد

——————————-

هل فتحت روسيا دفتر الديون المتراكمة على سوريا؟/ مصطفى رستم

ألد الأعداء أمس يتحدثون اليوم عن صداقة ومصالح مشتركة

الجمعة 17 أكتوبر 2025

الواقع الاقتصادي السوري يعيش حال انهيار واسع حيث سوريا بلد منكوب ومدمر، وتفتقر إلى مصادر الانتعاش الاقتصادي، فضلاً عن انعدام الصناعة والزراعة، والحصار الغربي والأميركي المفروض بصورة صارمة ولا سيما “قانون قيصر” الذي أحيل أخيراً لمجلس النواب لإلغاء مواده، وكل ذلك يسترعي إما جدولة الديون وإعادة هيكلتها لسدادها، أو على الحكومة اللجوء إلى المفاوضات، وهذا ما تتوقعه الأوساط السياسية.

ليس كأي درج صعده من قبل، إنه عال بما فيه الكفاية حتى يفضي إلى مكتب القيصر الروسي، ومن ثم يلتئم اللقاء بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والسوري أحمد الشرع، ولا غرابة في أن الاجتماع التاريخي الذي ترقبه السوريون طويلاً طوى معه صفحات من النزاع والاقتتال الدامي في أعوام الحرب السورية الأخيرة، لقد بدا إيجابياً منذ بدايته حين مازح الشرع نظيره الروسي بدعابة “الرياضة” والدرج العالي، ويعلم جيداً كم يتوق بوتين إلى ممارسة الرياضة ويعشقها، وكأنها رسالة مبطنة عن جلوس رئيس لا يقله قوة، بينما الشارع السوري يراقب اللقاء، وينتظر أي حدث استثنائي كأن يعود الشرع ومعه الرئيس المخلوع بشار الأسد للمحاكمة، أو ينتزع من صاحب الكرملين “اعتذاراً” عن قصف طائرات بلاده، على مدى أعوام، الشمال السوري.

لقاء للتاريخ

وأعاد بوتين الصورة، في اللقاء، على أن العلاقات تعود لعام 1941 في ظل الاتحاد السوفياتي، واستمرت من دون انقطاع وبلا تأثر بالتقلبات السياسية أو المصالح الضيقة، ولعل وجود 4 آلاف طالب سوري يدرسون بالجامعات الروسية “يعكس عمق الروابط الاجتماعية بين الشعبين”، قال بوتين الذي أعلن، أيضاً، استئناف أعمال اللجنة الحكومية المشتركة التي أُسست عام 1993 برئاسة رئيس الوزراء الروسي ألكساندر نوفاكن ملوحاً بمشاريع جاهزة للتنفيذ، بينما التقط الشرع من اللقاء فائدة سياسية أولاها كسر عزلة دمشق، ورسالة للغرب بانفتاح حكومته الجديدة في بناء علاقات دولية، وبناء جسور من علاقات الصداقة حتى مع ألد الأعداء.

وأشاد المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك بزيارة الرئيس السوري، وعدها خطوة استراتيجية لتعزيز العلاقات الدولية، وقال في تصريح صحافي “من الضروري أن تعزز سوريا علاقاتها ليس فقط مع جيرانها، بل مع مختلف دول العالم”.

الديون المتراكمة

وناقش الوفد السوري المرافق قضايا مشتركة عسكرية واقتصادية، وكعادة الكرملين استخدم دفتر الديون كأسلوب ضغط لكسب التفاوض لا سيما أن روسيا تصدرت قائمة الدول الدائنة لسوريا إذ استحوذت على 15 في المئة من إجمال ديونها البالغة قيمتها 4.9 مليار دولار بنهاية عام 2023 بحسب بيانات البنك الدولي، وشملت القائمة، في ذلك الوقت، إلى جانب روسيا كلاً من اليابان وألمانيا وعدد من المؤسسات مثل الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي والبنك الأوروبي للاستثمار.

ولا يستبعد الباحث في شؤون السياسة الدولية فراس برزون إجراء تفاوض بين البلدين حول الديون، على أن تشطبها موسكو أو في الأقل تجدولها بصورة مريحة للسوريين، مضيفاً “الأولوية لدى روسيا هي ضمان اتفاق جديد يتعلق بالقواعد الروسية لأنها ذات أهمية استراتيجية بالغة لروسيا، وهي لب أي خطة روسية تتعلق بسوريا، روسيا تريد الحفاظ على وجودها البحري في شرق المتوسط بسبب بعديه الأمني والاستراتيجي لها، ومن جهة أخرى استمرار شريان الإمداد لانتشارها في أفريقيا”.

رحلة الديون

ومنذ الستينيات حتى سبعينيات القرن الماضي بلغ عدد المشاريع الروسية المنفذة 60 مشروعاً ساعدت على ضمان ركائز استراتيجية في سوريا للحفاظ على أمنها الاقتصادي، منها سد الفرات، ومعامل إنتاج الحديد والصلب والألمنيوم والنسيج والسكر والإطارات وغيرها، ولم يتوقف التمويل الروسي للمشاريع الاقتصادية والحيوية في سوريا بل اعتمدت سوريا على السلاح الروسي، بصورة كبيرة وواسعة، امتد إلى استنساخ التجربة السوفياتية، ومعه شملت التزود حتى بالمركبات والطائرات، وهذا ما جعل الجيش في دمشق مرهوناً بالكامل للتعامل مع العتاد الروسي، واستمراريته باستجرار قطع الغيار.

هذا الأمر ترك سوريا رهينة الديون للروس، ولكن في المقابل شطبت موسكو قرابة ثلث أرباع الديون المتراكمة على دمشق ما يناهز 13 مليار دولار عام 2005 في مقايضة واضحة لإعطاء امتيازات للروس في قطاعات الطاقة والمواصلات، ومنذ ذلك الحين تحولت الديون الروسية كورقة ضغط وتفاوض، لكنها بدأت تأخذ منحى يتجه إلى التبعية بعد عقدين من شطب ثلث الديون، ومع تدخل روسيا عام 2015 عسكرياً على الأراضي السورية.

لقد ساندت القوات الروسية نظام الأسد بصورة كبيرة، ولعل الوجود الإيراني والروسي معاً شكلا العامل الأساس في إطالة عمر النظام منذ اندلاع الحراك الشعبي عام 2011 لغاية سقوطه أواخر عام 2024، لكن هذا التدخل تحول إلى مكسب روسي أدى إلى استحواذه على قاعدة حميميم الواقعة في جبلة بريف اللاذقية وقاعدة طرطوس، وهما تطلان على البحر المتوسط حيث المياه الدافئة حيث يحلم الروس بها كواجهة بحرية قريبة من أوروبا.

في غضون ذلك تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن هناك نحو 17.5 مليار دولار ديوناً خارجية مستحقاً على سوريا سدادها، فيما تقديرات الحكومة السورية تراوح ما بين 20 و23 مليار دولار معظمها مستحق الدفع لروسيا وإيران.

الواقع الاقتصادي السوري

من جهة ثانية، فإن الواقع الاقتصادي السوري يعيش حال انهيار واسع، حيث سوريا بلد منكوب ومدمر، وتفتقر إلى مصادر الانتعاش الاقتصادي، فضلاً عن انعدام الصناعة والزراعة والحصار الغربي والأميركي المفروض بصورة صارمة ولا سيما “قانون قيصر” الذي أحيل أخيراً لمجلس النواب لإلغاء مواده، وكل ذلك يسترعي إما جدولة الديون وإعادة هيكلتها لسدادها، أو على الحكومة اللجوء إلى المفاوضات، وهذا ما تتوقعه الأوساط السياسية.

ويكاد يجزم الباحث السياسي أحمد مظهر سعدو أنه لم يخرج أي تصريح على لسان أي مسؤول سوري أو روسي حول حجم الديون المترتبة على سوريا، “لكن التوقع أن تكون الديون كبيرة جداً، ويكون قد حصل تذكير بها من قبل الروس خلال الاجتماعات أخيراً، لكن اعتقادي يذهب بالرأي الذي يقول باحتمال شطبها مقايضة بما يمكن أن يحصل عبر استمرار بقاء القاعدتين الروسيتين في طرطوس وحميميم، وهذا ستقرره اللجان التي شكلت من أجل إعادة تقييم وتعديل الاتفاقات السابقة”.

ورجح الباحث السياسي احتمال شطبها وفق حال من المقايضة على أمور كثيرة “منها الكف عن المطالبة مثلاً برأس بشار الأسد، أو الكف عن المطالبة بالأموال التي تم نهبها من قبله عندما فر إلى موسكو، كذلك هناك مشاريع استثمارية كبيرة بخاصة في مسألة الفوسفات، وسواها مما يمكن أن يكون قد وعد به الجانب الروسي أثناء عملية إعادة الإعمار المزمعة في سوريا”.

——————————————

ما مصير الاتفاقيات السورية الروسية السابقة في ظل التحولات السياسية؟/ أحمد العكلة

دمشق- في أعقاب الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، دخلت العلاقات السورية الروسية مرحلة انتقالية حاسمة، وُصفت بالبراغماتية التي تسعى للتوازن بين المصالح المشتركة والمطالب السيادية.

وشكلت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع، الأربعاء، إلى موسكو، ولقاؤه بنظيره فلاديمير بوتين، نقطة تحول رئيسية في إعادة تعريف هذه العلاقات.

وتُعد الاتفاقيات بين البلدين محور النقاش بين الشرع وبوتين، وتشمل ملفات إستراتيجية وعسكرية. ومن المتوقع تجديد احتفاظ روسيا بقاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية على الساحل السوري.

من جانبه، قال المحلل السياسي رامي الشاعر، المقرب من دوائر صناعة القرار في روسيا، للجزيرة نت إن موسكو تركز على تحقيق المنفعة المشتركة في المجالات العسكرية والأمنية والإنسانية.

وأوضح أن قاعدة ميناء طرطوس تدعم الأسطول الروسي في البحر الأبيض المتوسط والمحيطات الأخرى بناء على اتفاقية طويلة الأمد، بينما بدأت قاعدة حميميم مهامها عام 2015 بناء على طلب النظام السوري السابق لمواجهة “التنظيمات الإرهابية”، و”بما يتماشى مع قرارات مجلس الأمن”.

وبرأيه، فإن الظروف الراهنة تستدعي إعادة تقييم الوجود العسكري الروسي مشددا على أنه “رسمي ويتماشى مع القانون الدولي”. وأضاف أن القيادة السورية الحالية لم تلغِ طلب هذا الوجود، بل أبدت رغبتها في مواصلة التنسيق مع موسكو، مع التركيز على استخدام القاعدتين لأغراض لوجيستية، بما في ذلك نقل المساعدات الإنسانية إلى أفريقيا.

وأشار إلى “ثقة القيادة السورية بروسيا، التي تحترم العلاقات التاريخية بين البلدين منذ 1944″، دون السعي لتثبيت نفوذها في دمشق. وخلال زيارة الشرع، أكد اهتمام سوريا بتطوير العلاقات مع موسكو في الطاقة والزراعة والمياه وبناء المصانع لدعم الاقتصاد المتضرر من العقوبات.

وتعوّل سوريا -وفق الشاعر- على روسيا لتجاوز العقوبات الغربية كونها شريكا إستراتيجيا قادرا على دعمها عبر مشاريع مشتركة، مما يعزز استقرارها الاقتصادي والتنموي. ويرى أن موسكو “شريك موثوق يحترم سيادة دمشق ويسعى لتعزيز العلاقات الثنائية على أسس المنفعة المشتركة”.

وكان بوتين قد أكد، خلال لقائه الشرع، أن البلدين “يتمتعان بعلاقات خاصة على مدى عقود، وأن موسكو استرشدت بمصالح الشعب السوري”. وأضاف “نحترم الاتفاقيات السابقة ونريد إعادة تعريف العلاقات المشتركة”.

فيما قال الرئيس الشرع إن “سوريا الجديدة تعيد ربط العلاقات الإستراتيجية مع الدول، وعلى رأسها روسيا”، مؤكدا احترام الاتفاقيات السابقة مع محاولة إعادة تعريف العلاقات.

اتفاقيات “جائرة”

من جهته، أكد الباحث في الشؤون الروسية محمود الحمزة للجزيرة نت أن إعادة النظر في الاتفاقيات المبرمة مع نظام الأسد شرط أساسي لإعادة بناء التعاون مع سوريا الجديدة. ووصفها بـ”الجائرة” لأنها “تضمنت تنازلات عن السيادة لصالح بقاء الرئيس المخلوع”.

وأوضح أن موسكو مقتنعة الآن بالتعامل مع الحكومة الجديدة على أساس الندية واحترام سيادة سوريا. وأشار إلى أن دمشق ترى في هذا التعاون فرصة مفيدة في ظل التحديات الداخلية والخارجية، منوها بتصريحات الشرع للجالية السورية في روسيا، التي دعت للتركيز على تسوية العلاقات والبناء الداخلي دون فتح عداوات.

وحسب الحمزة، فإن موسكو، بعلاقاتها مع إسرائيل وعضويتها في مجلس الأمن، يمكن أن تسهم في فتح آفاق إيجابية لسوريا، لكن دون زيادة نفوذها، مع تحديد العلاقات بدقة لضمان السيادة.

من المتوقع تجديد احتفاظ موسكو بالقاعدتين في حميميم وطرطوس، مع تحويلهما إلى مراكز لتوزيع المساعدات وإعادة الإعمار. وأعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن بوتين والشرع ناقشا “كل شيء”، بما في ذلك القواعد العسكرية.

وستشارك الشركات الروسية في إعادة إعمار البنية التحتية، مع دعم موسكو لرفع العقوبات في مجلس الأمن. وتناول الباحث الحمزة قضية تسليم الرئيس السابق بشار الأسد، ووصفها بالمسألة “الشائكة”.

وقال إن الشرع “ناقشها مع بوتين، لكن الأخير يرفض تسليم أي زعيم حصل على لجوء إنساني في روسيا، معتبرا ذلك مسّا بسمعته”. وأضاف أن وجود أموال وضباط من النظام السابق في روسيا يزيد من تعقيد الملف.

وأكد أن تحديد الوجود العسكري الروسي سيضمن اقتصاره على حميميم، التي قد تتحول إلى مركز مساعدات، مع استفادة سوريا من موسكو في تسيير دوريات على الحدود الجنوبية وفي مناطق قوات سوريا الديمقراطية “قسد”.

شرط التوازن

ونقلت وكالة رويترز عن مصدر سوري أن الشرع طلب تسليم الأسد خلال زيارة وفد روسي إلى دمشق في يناير/كانون الثاني 2025، كشرط لإعادة الثقة، مع طلب تعويضات ودعم إعادة الإعمار.

لكن السفير الروسي في بغداد إلبروس كوتراشيف، أكد في تصريح تلفزيوني بأبريل/نيسان 2025 أن تسليم الأسد “غير وارد” لأنه يتمتع بلجوء إنساني. وأقر الشرع في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز أن التسليم كان “شرطا لاستمرار الوجود العسكري الروسي، لكن موسكو رفضت”.

ويُرجح استخدام ملف الأسد في مقايضات غير مباشرة، مثل دعم روسيا لرفع العقوبات مقابل تجديد الاتفاقيات العسكرية.

في السياق، أوضح ممثل التحالف السوري الوطني ماهر التمران للجزيرة نت أن تعديل الاتفاقيات العسكرية يتطلب توازنا بين السيادة والمصلحة. وأشار إلى أن قاعدتي حميميم وطرطوس أصبحتا عنصرا أساسيا في الأمن الإقليمي، وأن ضمان السيادة يكمن في إعادة تعريف الاتفاقيات ضمن إطار وطني يحدد المدة والصلاحيات، ليصبح الوجود الروسي تعاونا محدودا.

ووفقا له، تواجه الحكومة السورية معادلة معقدة تتمثل في حاجتها للدعم الروسي في البنية التحتية والتسليح والوقود والقمح، مع الحفاظ على استقلالية القرار.

وحدد التحديات في انقسام النخب السياسية بين مؤيدي موسكو ومن يخشون نفوذها، والضغط الشعبي لاستعادة القرار الوطني، وضعف المؤسسات بسبب الحرب. وأكد أن الحكومة تتبنى نهجا واقعيا يعتمد على مبادلة المصالح، لا الولاء.

وأضاف التمران أن دمشق تسعى لتحويل العلاقة مع روسيا إلى أداة دبلوماسية متوازنة، مستفيدة من تأثيرها في مجلس الأمن وملفات الطاقة والتسليح لتخفيف العزلة الدولية. وشدد على أهمية التوازن مع دول الخليج وتركيا وأوروبا لمنح الحكومة هامش مناورة أوسع.

المصدر: الجزيرة

——————————-

 الشرع في موسكو: الواقعية تنتصر/ صبا ياسر مدور

الجمعة 2025/10/17

كان وزير الخارجية الأميركي الأسبق، هنري كيسنجر، يخوض السياسة وفق مبدأ الواقعية البراغماتية. قاد انفتاحاً على الصين، وتوازناً مع الاتحاد السوفياتي، وأنهى حرب فيتنام. فكان حسب توصيفات عديدة، من أهم وزراء الخارجية في تاريخ الولايات المتحدة والعالم. لم تغير تلك السياسات في رصيد القوة الأميركية بل زادتها، ومنعت عنها تحديات ومعارك جانبية تستنزفها بلا نتيجة فعلية.

قبل كيسنجر، كان الزعيم الفرنسي شارل ديغول أبرز من جسد الواقعية السياسية. فقد عمل وفق مبدأ مصالح بلاده أولاً، قبل التحالفات الخارجية والأيديولوجيات، فاستقل عن القوى الغربية -وخصوصاً الولايات المتحدة- وانسحب من الجناح العسكري للناتو، واقترب من دول العالم الثالث وحركات التحرر. والأهم من ذلك، أنه تجاوز العقد التاريخية وهيمنة الميراث الاستعماري، حينما جنّب بلاده حرباً أهلية بموافقته على اتفاقية ايفيان Accords d’Évian التي منحت الجزائر استقلالها، بعد أكثر من 130 عاماً من الاستعمار، ونحو عقد من حرب التحرير، قائلا عبارته الواقعية الشهيرة: “الجزائر لم تعد فرنسا، إنه من الجنون أن نحاول إيقاف حركة التاريخ”.

هذا النهج البراغماتي شكل منعطفات بارزة في تاريخ هذه القوى الدولية، بل وأسس للتاريخ المعاصر الذي نعرفه. ونشهد اليوم وقائع تسير على طريق الواقعية نفسها تمارسها القيادة السورية، لتؤسس للتاريخ المقبل في سوريا والشرق الأوسط. وكانت زيارة الرئيس الشرع إلى موسكو إحدى تجلياتها المهمة والفارقة.

هذه الزيارة تأخذ بالاعتبار- بل وتتجاوز- الظروف الضاغطة التي اضطرت إدارة البلاد ما بعد سقوط الأسد إلى مواقف كانت مجبرة عليها، بحكم قواعد الأولويات، وهشاشة الدولة الموروثة من النظام المخلوع، فضلاً عن تعقيدات المرحلة الانتقالية في الداخل والخارج. تلك المواقف جرى فهمها على أساس الظرف الخاص الذي تعيشه سوريا، والأبرز في ذلك تحاشي اتخاذ موقف ضد الانتهاكات الإسرائيلية للأراضي السورية، واللجوء بدلاً من ذلك إلى التفاهمات السياسية بالوساطة الأميركية، وكذلك الحال بإحالة الأزمات الداخلية إلى الجهد الدبلوماسي الخارجي ومتغيرات المستقبل في المنطقة.

تلك الظروف الضاغطة دفعت السلطة السورية لسلوك طريق “إجباري” أحياناً لكنه كان آمناً نسبياً، ولا يحيد بها عن الهدف الأساسي المتمثل بخروج سوريا من العزلة الدولية، وتجنيبها مخاطر حقيقية بالتفتيت الجغرافي. لكن استعادة العلاقة مع روسيا لم تكن أبداً ضمن هذه الظروف الضاغطة، بل أنها تعتبر عند كثير من الثوار أمراً غير مرغوب فيه، وينبغي تجاوزه بالقطيعة، على غرار ما يجري مع إيران، بسبب مشاركة البلدين في دعم وحماية نظام الأسد، وفي التسبب بقتل وتهجير عدد لا يحصى من السوريين خلال ما يتجاوز العقد الكامل.

كانت ميول غالبية السوريين تتجه نحو القطيعة من موسكو. وهذا مفهوم ومبرر، بل أن البعض استنكر التأخر في ذلك، حتى تراجع الأمر برمته من قائمة الأولويات ولم يعد ضاغطاً على القيادة السورية، لتبدأ هذه المرة عملية مناقضة تماماً للتوقعات، تتمثل باستعادة زخم العلاقات بدلاً من قطعها. فزار الوزير أسعد الشيباني موسكو ليلتقي الوزير لافروف نهاية يوليو/تموز ثم ليلتقيه ثانية في سبتمبر/أيلول في نيويورك، على هامش اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك.

والأبرز من هذا، أن الرئيس الشرع كان مخططاً له أن يزور موسكو ضمن قمة عربية روسية تعقد في موسكو منتصف أكتوبر/ تشرين الثاني، لكن روسيا أعلنت تأجيل القمة لنحو شهر، لاعتبارات تتعلق بخطة وقف الحرب على غزة. ومع ذلك، لم ينتظر الرئيس السوري الموعد الجديد للقمة، بل زار روسيا في الموعد المقرر ليمنح الزيارة بعداً مختلفاً، وليؤكد أن الأمر يتعدى الجانب الاحتفالي والشكلي بإبقاء العلاقات مع روسيا، إلى نمط من تعاون في ملفات كثيرة متشابكة، تتقاطع فيها مصلحة الطرفين، وضمن علاقة سورية روسية جديدة لا تشبه مرحلتي العهد السوفياتي وفترة بوتين السابقة، حين كانت سوريا الأسد معزولة عن القوى الدولية الكبرى، ومتكئة على العصا الإيرانية وحدها.

لم يكن الأمر بالنسبة إلى الشرع مجرد تجنب لاستعداء قوة عظمى تملك عضوية دائمة في مجلس الأمن، وإلا لاكتفى بما هو قائم وانتظر القمة ليحضرها. لكنه أراد من الزيارة فضلاً عن معالجة ملفات متعددة مرتبطة بالتعاون مع روسيا، أن يخلق سياقاً جديداً لعلاقات سوريا، وخصوصاً مع الغرب وتحديداً بين الولايات المتحدة وأوروبا، في محاولة من الشرع لتنويع شراكاته وبدائله، وتصفير الأعداء وكسب الأطراف، لتحقيق خيارات بديلة توفر الغطاء والفعالية وقت الحاجة.

ورغم واقعية هذه المقاربة وجدواها في ظل اهتمام الأطراف الغربية لإبقاء مساحتها في سوريا، وتنبيه إدراكهم أنهم ليسوا وحدهم في الميدان السوري، تبقى سياسة “تصفير الأعداء” محفوفة بالمخاطر. إذ أثبتت التجربة التركية أن الوصول إلى “صفر أعداء” يكاد يكون مستحيلاً في بيئة معقدة في منطقتنا، وبالأخص مثل سوريا. لكن تخفيف المخاطر والتدخلات السلبية قد يكون الخيار الأفضل والأكثر واقعية. وهو ربما ما قد تمنحه العلاقات مع روسيا في الوقت الراهن في أقل التوقعات وأحسنها.

أما على مستوى الملفات الداخلية، فمن المتوقع أن يكون للدور الروسي أثر حقيقي في معالجتها، أكثر مما يمكن أن تقوم به الولايات المتحدة، التي قد لا تعنيها كثيراً بعض التفاصيل الداخلية كما تعني روسيا. وتشمل هذه الملفات البنى الدفاعية، والبنى التحتية، وتوفير المستلزمات الأساسية ، إلى جانب التعاون الاستخباراتي، والمساعدة في تسليم المطلوبين من الصفين الثاني والثالث من النظام، لتقديمهم للعدالة الانتقالية بهدف تخفيف احتقان الشارع السوري. أما ملف تسليم بشار الأسد فما زال عالقاً. إذ لا يوجد حتى الآن أي تجاوب روسي واضح، لا سلباً ولا إيجاباً في المرحلة الراهنة. إضافة لذلك والأهم، أن العلاقة مع روسيا توفر للقيادة الجديدة وسيطاً إضافياً في إدارة العلاقة مع إسرائيل، بما يضبط الأوضاع في الجنوب ويحول دون الانهيار. وينسحب ذلك أيضاً على ما يمكن أن تفعله إيران وحلفاؤها في المنطقة من إجراءات ضد سوريا، وهو احتمال ما زال قائماً، وإن كان قد تراجع بعد ضعف المحور الإيراني وتفككه النسبي.

هذه العلاقة، على أهميتها الاستراتيجية، لا ينبغي أن تستثني إرث الماضي الدامي، الذي يجب أن يتدخل في صياغة جزء من “بناء العلاقة الجديدة” التي أبداها الرئيس الشرع في الكرملين ويسعى لها، لاسيما مع رغبة بوتين في “طي صفحة الماضي”، وهذا لا يمكن أن يتحقق فعلياً إلا عبر خطوات ملموسة تُثبت أن التغيير لا يخص سوريا وحدها، بل يشمل روسيا أيضاً. وهذا يستدعي من القيادة السورية انتهاج سياسة الضغط الإيجابي تضمن تحصيل تعويضات للمتضررين، وحماية الحق العام، عبر اتفاقيات في مشاريع إعادة الإعمار واستثمارات الطاقة، بما لا يحمل سوريا أعباء مالية مباشرة.

وبطبيعة الحال، سيكون من الضروري أيضاً، مراجعة جميع الاتفاقيات السابقة مع موسكو، رغم التزام الرئيس الشرع بالاستمرار في العمل بها، ضماناً لدفع التقدم في العلاقات الثنائية. غير أن ذلك لا ينفي الحاجة إلى إعادة النظر وتعديل بعض البنود بما يتلاءم مع المصلحة الوطنية السورية. وهي خطوة من المنطقي أن تستجيب لها روسيا، التي لا تريد خسارة سوريا في أي حال من الأحوال، حرصاً على مكاسبها الاستراتيجية في المياه الدافئة، التي خاضت من أجلها صراعات. فروسيا تحتاج إلى سوريا بقدر ما تحتاج سوريا إلى روسيا في مصالح مشتركة. وهذا ما يمنح دمشق مساحة أوسع لإعادة ضبط إيقاع العلاقة وفق معادلة الندية لا التبعية، ضمن ما يتكلم عنه الرئيس الشرع، الذي من الواضح أنه يسعى للحفاظ على توازن دقيق بين الشرق والغرب في ظل حساباته باحتمالات التراجع الأميركي في أي تحول مقبل.

بعيداً عن كل ذلك، فإن حضور الرئيس الشرع في الكرملين محاطاً بفخامة الاستقبال، فيما الأسد يقبع في شقته بموسكو تحت الحراسة يتابع تبدل الأحوال، ويقلق على مصيره واحتمال تسليمه إلى دمشق لمحاكمته، في حال تكاثفت الظروف… هذا الأمر المعنوي بمعزل عن كل شي، يكرس صورة سوريا المنتصرة، التي تمكنت من تطويع الواقع بشكل ذكي وهادئ -وبتكلفة طويلة دامية وتصاعدية- بعيداً عن الحماسة ومراهقة السياسة التي كانت ستكون متوقعة بالنسبة لنظام ثوري، كما حصل طوال تاريخنا العربي، ومنه السوري بطبيعة الحال.

المدن

————————-

 سوريا بعد الأسد.. دلالات زيارة الرئيس الشرع إلى موسكو/ حنان البلخي

2025.10.17

نزل أحمد الشرع من سلم الطائرة في مطار موسكو بخطى ثابتة، رئيساً انتقالياً لدولة خرجت للتو من أطول حروبها وأكثرها دموية. بدت لحظة الوصول مشحونة بالرمزية، فالعاصمة الروسية التي كانت قبل عام واحد فقط أبرز داعمٍ لنظام بشار الأسد، تستقبل اليوم رئيساً قادماً من الضفة المقابلة للصراع.

كانت ابتسامة الشرع خفيفة، وكلمته الأولى موجّهة إلى مضيفيه الروس: “لديكم سلّم طويل… جيد أن نتمرّن على الرياضة كي لا نأتِيَكم متعبين”. في الظاهر عبارة عابرة، وفي العمق كانت رسالةً سياسية: ميزان القوى تغيّر، وسوريا الجديدة تدخل لعبة التوازن من موقع الندية لا التبعية.

زيارة الشرع إلى موسكو، وإن وُصفت في الإعلام الرسمي بأنها “محطة في جولة دبلوماسية”، إلا أنها في حقيقتها كانت نقطةَ انعطافٍ استراتيجية في مسار السياسة الخارجية السورية. ففي مواجهة التغوّل الإسرائيلي جنوباً، وتقلبات الموقف الأميركي، لم يعد من الممكن الاكتفاء بعلاقةٍ أحادية الاتجاه مع واشنطن. كانت دمشق بحاجة إلى توزيع أوراقها السياسية بطريقةٍ تضمن الحد الأدنى من توازن الردع، وأقصى قدر من الحفاظ على الاستقلال السياسي في لحظةٍ شديدة الهشاشة.

قبل أقل من عام كانت الصورة مختلفة تماماً. في الثامن من ديسمبر عام 2024 انهار نظام الأسد تحت ضرباتٍ متصاعدةٍ من فصائل المعارضة، في معركةٍ حاسمةٍ قادها السيد أحمد الشرع، الذي برز كقائدٍ عسكريٍّ يتمتع بقدرةٍ عاليةٍ على التنسيق بين الفصائل وتوحيد القرار الميداني. تحت قيادته تحوّل الصراع من حالة استنزافٍ إلى حسمٍ استراتيجي، ومع هذا الانتصار السياسي انتقل الشرع إلى واجهة المشهد بوصفه أحد أبرز مهندسي المرحلة الانتقالية. لم يكن صعود الشرع إلى المشهد اعتباطياً، بل كان نتيجةَ لسنواتٍ من التخطيط والاشتباك السياسي والعسكري، أسهمت في تهيئة الظروف لإعلان نهاية النظام وبداية مسارٍ جديدٍ للدولة.

الرئيس أحمد الشرع لم يأتِ إلى الحكم محمولاً على توازنات الخارج، بل مستنداً إلى واقعٍ وطنيٍّ صاغته تحالفات داخلية وضرورات ميدانية. لذلك، حين أُعلن رئيساً في مؤتمر النصر، كان هذا الإعلان ترجمةً لشرعيةٍ فرضها الواقع، وتتويجاً لمسارٍ بدأ منذ لحظة قرر فيها أن زمن الأسد قد انتهى، وأن سوريا لن تُحكَم بعد اليوم بالوراثة أو بالقوة المجرّدة. فالفترة الجديدة لم تُبنَ على أنقاض الدولة، بل من بين أنقاضها، في محاولةٍ لإعادة تشكيلها من داخل التجربة لا من فوقها.

الموقف الأميركي كان سريعاً في تبنيه للواقع الجديد؛ إذ أعلنت إدارة ترامب رفع العقوبات المفروضة على سوريا، وأبدت استعدادها لدعم الحكومة الانتقالية سياسياً ومنحها فرصة تحريك عجلة اقتصادها، وهو ما فتح الأبواب لتوافد الوفود الغربية إلى دمشق. بدا المشهد لحظةً نادرةً من التقاطع بين الداخل والخارج، لكن سرعان ما ظهرت التحديات من عمق الجغرافيا السورية نفسها، وعلى وجه التحديد من الجنوب.

الموقف الإسرائيلي اتخذ خطواتٍ واضحةً إزاء الواقع الجديد في سوريا. إسرائيل، التي عبّرت مراراً عن قلقها من التغيّرات الجارية في دمشق، سارعت إلى فرض وقائع ميدانية جديدة في الجنوب. احتلّت مواقع استراتيجية في القنيطرة وجبل الشيخ، وشنّت ضرباتٍ استباقيةً على مواقع عسكرية، مستخدمةً مبرراتٍ أمنيةً تقليدية. الأخطر من ذلك تدخلها في المشهد داخل السويداء تحت ذريعة تبنّيها حماية الطائفة الدرزية، حيث دعمت ميليشياتٍ محليةً خارجةً عن القانون، وأسهمت في تأجيج حالةٍ من الفوضى المسلحة، ما أثار مخاوف من نوايا لخلق واقعٍ شبه انفصاليٍّ يعيد إلى الأذهان تجاربَ إقليميةً سابقة.

حكومة الرئيس الشرع، التي راهنت في البداية على الغطاء الأميركي لكبح التدخل الإسرائيلي، وجدت نفسها أمام معادلةٍ مركّبة. فعلى الرغم من التصريحات الإيجابية الصادرة من واشنطن، فإن الضربات الإسرائيلية استمرت، بل وتصاعدت، من دون أي إدانةٍ أميركيةٍ صريحة. الأكثر صدمةً كان استهداف منشآتٍ سياديةٍ في قلب العاصمة، بينها وزارة الدفاع وقصر الشعب، في رسائلَ لا يمكن فهمها إلا على أنها محاولةٌ لإعادة ضبط إيقاع السلطة الجديدة، أو تحجيم اندفاعتها الاستقلالية.

في هذا السياق بدا التوجه نحو موسكو خياراً اضطرارياً، ولكنه محسوب. ليس من باب العودة إلى حضن القوة التي دعمت الأسد لعقدين، بل من باب التعامل مع حقائق الجغرافيا السياسية. فروسيا، رغم سجلها الدموي في الحرب السورية، لا تزال الفاعلَ الدوليَّ الأكثر حضوراً في الإقليم، وصاحبة الكلمة العليا في ملفات التسليح، وإعادة بناء الجيش، وتثبيت التوازنات الإقليمية. التقارب مع موسكو لا يعني نسيان الماضي، لكنه أيضاً لا يمكن أن يُمنع بسبب رواسبه.

الرهان هنا ليس على صداقةٍ روسية، بل على واقعيتها. الشرع لا يطلب الغفران، ولا يقدّم الولاء، بل يدير شبكةً معقدةً من المصالح في لحظةٍ لا تحتمل التبسيط. لا يمكن لحكومةٍ ناشئةٍ أن تعتمد على شريكٍ واحد، خصوصاً عندما يثبت الواقع أن هذا الشريك لا يضع أمنها الإقليمي في أولوياته. موسكو ليست بديلاً لواشنطن، بل ورقة يجب استخدامها في التفاوض مع واشنطن، والعكس صحيح.

لكن يبقى السؤال الأهم في وجدان السوريين مرتبطاً بمستقبل سوريا ومسار دولتها الوليدة: هل يُبنى الوطن على تحالفات الضرورة؟ هل يمكن تجاوز المجازر من دون اعترافٍ أو محاسبة؟ كيف يمكن بناء وطنٍ يستند إلى العدالة والكرامة ويوازن بين ضرورات المرحلة ومتطلبات العدالة التاريخية؟

هذه الأسئلة لا تعبّر عن شكوكٍ بقدرة القيادة الجديدة، بل تعكس تطلعات شعبٍ أنهكته الحرب ويبحث عن معنى جديد للسيادة والحرية. القيادة الانتقالية التي واجهت أعقد التحديات وتصوغ معادلات الخارج بمهارة، تدرك أن ترسيخ الاستقرار الداخلي يمثل الامتداد الطبيعي للنصر السياسي، وأن بناء مؤسساتٍ قويةٍ قادرةٍ على استيعاب التحولات هو الطريق نحو تثبيت سوريا الجديدة على أسسٍ متينة.

من موسكو إلى واشنطن، ومن الجنوب إلى الشمال، تتقدّم الخطوات بحسابٍ معقّدٍ وتوازناتٍ صعبة، في حين تُرسم ملامح مرحلةٍ تعبّد لسوريا دورها كفاعلٍ متوازنٍ في الإقليم، لا كدولةٍ تابعة، بل كقوةٍ تنبع شرعيتها من إرادة شعبها وقدرتها على صياغة مستقبلها بوعيٍ واستقلال.

تلفزيون سوريا

—————————

موسكو ودمشق.. شراكة جديدة تُبنى على أنقاض الأسد/ مازن الشاهين

زيارة الشرع إلى موسكو تفتح مجدداً ملف الدور الروسي في إسقاط نظام الأسد

2025-10-17

تأتي زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى موسكو في لحظة دقيقة من تاريخ الشرق الأوسط، حيث تتقاطع التحولات الإقليمية مع إعادة رسم موازين القوى بعد سقوط نظام بشار الأسد، الذي كان لعقود أحد أبرز حلفاء روسيا في المنطقة. هذه الزيارة، وهي الأولى للشرع منذ توليه الحكم في ديسمبر الماضي، لا تقتصر على طابعها البروتوكولي، بل تمثل منعطفاً استراتيجياً يعكس إعادة تموضع موسكو ودمشق في معادلة جديدة تجمع بين المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية.

فمن جهة، تسعى سوريا إلى استعادة توازنها الداخلي وترميم علاقاتها الدولية بعد مرحلة الانقسام والحرب الطويلة، بينما تحاول روسيا أن تثبت حضورها كلاعب رئيسي في الشرق الأوسط، لكن هذه المرة من موقع الشريك لا الحامي. وبين هذا وذاك، تبرز تساؤلات جوهرية حول الدور الحقيقي لروسيا في سقوط النظام السابق، وما إذا كانت موسكو قد انتقلت من موقع “المنقذ” إلى موقع “المهندس” في مرحلة ما بعد الأسد.

وتحمل الزيارة في طياتها أكثر من دلالة سياسية؛ فهي اختبار لنوايا موسكو في إعادة بناء العلاقة مع دمشق على أسس جديدة، وتعبير عن رغبة سورية في طيّ صفحة الماضي من دون التفريط بالسيادة الوطنية، في وقت لا تزال فيه الذاكرة السورية مثقلة بجراح الحرب والتدخلات الخارجية. وهكذا، تتحول الزيارة إلى مؤشر على ولادة مرحلة سياسية جديدة في العلاقات السورية–الروسية، تتداخل فيها المصالح الواقعية مع الحسابات التاريخية، في مشهد يعكس طبيعة التحول في ميزان القوى بالمنطقة بعد عقد من الصراع.

وأجرى الشرع زيارة رسمية إلى العاصمة الروسية موسكو، حيث التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في لقاء وُصف بأنه يحمل طابعاً “استراتيجياً جديداً”.

وتُعدّ هذه الزيارة الأولى للرئيس الشرع إلى موسكو منذ توليه السلطة عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر من العام الماضي، ما يجعلها محطة مفصلية في مسار العلاقات بين البلدين بعد سنوات من التباين السياسي وجمود الملفات المشتركة.

وأكد الرئيسان خلال اللقاء حرصهما على إعادة بناء العلاقات الثنائية بما يعكس الواقع الجديد في سوريا والمنطقة. فبعد عقدين من التحالف الوثيق في عهد الأسد، يبدو أن موسكو ودمشق تفتحان اليوم صفحة جديدة من التعاون، تتجه نحو بناء سوريا “مرحلة ما بعد الأسد” ضمن استراتيجية روسية أوسع للشرق الأوسط.

ورغم الانقسام في الشارع السوري تجاه الزيارة، فإن المزاج العام يتراوح بين الحذر والأمل، وسط تطلعات لأن تسهم الزيارة في تحسين الأوضاع الاقتصادية والسياسية في البلاد، في حين تبقى التساؤلات مطروحة حول الدور الحقيقي لروسيا في سقوط نظام الأسد.

لعبة المصالح

يرى المحلل السياسي هشام خليفة في تصريحات لـ”963+” أن زيارة الشرع أعادت إلى الواجهة الجدل حول احتمال وجود دور روسي في إسقاط نظام بشار الأسد ضمن صفقة غير معلنة تمت عبر قنوات تركية. فقد كانت موسكو لسنوات الداعم العسكري والسياسي الأول للنظام، وساهم تدخلها الجوي منذ عام 2015 في إطالة عمر الأسد خلال الحرب الأهلية السورية. إلا أن تبدّل الموقف الروسي في أواخر عام 2024 مع تصاعد هجمات المعارضة وانهيار دفاعات النظام، شكّل مؤشراً على تغير جوهري في السياسة الروسية.

ويشير الخبير السياسي عبدالله العبدالله في تصريحات لـ”963+” إلى أن موسكو قبلت مبكراً بضرورة التغيير السياسي، وربما سهّلت انتقال السلطة بشكل غير مباشر لتجنب مزيد من سفك الدماء، خاصة بعد تقليص دعمها العسكري الفعلي للنظام في معاركه الأخيرة.

وتوضح تقارير ميدانية أن العمليات الجوية الروسية في ديسمبر 2024 كانت محدودة وغير حاسمة، حيث استهدفت مناطق خالية في الغالب، ما فُهم على أنه تراجع مقصود للدور الروسي وقت الحسم.

ويضيف العبدالله أن “موسكو تصرفت بعقلانية استراتيجية، فاختارت الحفاظ على مصالحها العسكرية والاقتصادية مثل قواعدها في طرطوس وحميميم بدلاً من خوض معركة خاسرة لإنقاذ النظام”.

وتشير تسريبات إلى تنسيق مسبق بين موسكو والمعارضة لتسهيل عملية انتقال السلطة في دمشق.

وبحسب العبدالله، فإن روسيا لم تكن مجرد داعم للنظام السابق، بل لعبت دوراً محورياً في إدارة سقوطه بطريقة تحفظ مصالحها وتضمن استمرار نفوذها الإقليمي بأقل خسائر ممكنة. واليوم، يبدو أنها تحصد ثمار استراتيجيتها الهادئة.

بين ذاكرة السوريين والمصالح الدولية

تتباين آراء السوريين حول زيارة الشرع إلى موسكو، بين مشاعر الغضب والواقعية السياسية.فـأحمد الطيب، موظف حكومي، يرى في حديث لـ”963+” أن روسيا ما تزال تحتضن رموز النظام السابق وتحميهم من المحاسبة، وهو ما يثير غضب شريحة واسعة من السوريين الذين فقدوا الثقة في موسكو منذ تدخلها العسكري في البلاد.

في المقابل، يؤكد الكاتب محمود جراد في تصريحات لـ”963+” أن السياسة تُبنى على المصالح لا العواطف، مشدداً على أن مصلحة سوريا اليوم تكمن في علاقات متوازنة قائمة على الندية والاحترام المتبادل، بعيداً عن التبعية لأي طرف خارجي.

تعزيز التعاون العسكري والاقتصادي

بحسب المحلل السياسي هشام خليفة، فإن أبرز نتائج زيارة الشرع إلى موسكو في أكتوبر 2025 تمثلت في: “تجديد الاتفاق على استمرار الوجود الروسي في قاعدتي حميميم وطرطوس. اتفاق على دعم روسي متواصل لتسليح الجيش السوري، خصوصاً في مجال الدفاع الجوي. توقيع عقود تعاون لإعادة إعمار البنية التحتية في قطاعات النقل والطاقة، وتأكيد الرئيس الشرع احترام جميع الاتفاقيات السابقة مع موسكو، مع السعي إلى تعزيز الشراكة الاقتصادية والسياسية على أساس السيادة الوطنية والمصالح المشتركة”.

ويرى المحلل السياسي إسماعيل الشاهر في تصريحات لـ”963+” أن روسيا تحوّلت من حليف عسكري مباشر للنظام السابق إلى شريك استراتيجي للحكومة الجديدة في دمشق، تتعامل معها بمرونة وواقعية.

فموسكو، بحسب الشاهر، لم تعد تتبع سياسة “الدعم المطلق”، بل تسعى إلى الحفاظ على مصالحها العسكرية في طرطوس وحميميم، مع تقليص وجودها العسكري المباشر في بعض المناطق مقابل تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي.

ويخلص الشاهر إلى أن الاستراتيجية الروسية الجديدة في سوريا تقوم على التعاون البراغماتي والحفاظ على النفوذ بأقل كلفة، في ظل واقع سياسي جديد تسعى موسكو إلى التكيف معه لضمان استمرار دورها الفاعل في المنطقة.

ويخلص المحللون إلى أن زيارة الشرع إلى موسكو شكّلت نقطة تحول في العلاقات السورية–الروسية، إذ فتحت الباب أمام مرحلة من إعادة التوازن في المصالح والتوجهات. وبينما لا تزال الشكوك الشعبية قائمة حول الدور الروسي في إسقاط نظام الأسد، يبدو أن دمشق وموسكو تسعيان إلى صياغة علاقة جديدة تتجاوز ماضي الحرب والانقسام نحو شراكة قائمة على المصالح الواقعية والسيادة الوطنية.

+963

——————————-

بين “الالتزام والاحترام”.. ما هي أبرز الاتفاقيات الروسيّة في سوريا؟/ سعيد اليوسف

2025.10.17

الاتفاقيات السورية – الروسية المجال الاتفاق           الحالة الراهنة

عسكري        قاعدة حميميم (2015)          ساري قانونياً – وجود ميداني محدود

عسكري        قاعدة طرطوس (2017)         ساري قانونياً – نشاط بحري متقلّص

اقتصادي         مرفأ طرطوس التجاري (2019)          أُلغي رسمياً في كانون الثاني 2025

اقتصادي         فوسفات حمص (2018)         قيد المراجعة وإعادة التفاوض

اقتصادي         مجمع أسمدة حمص (2018) ساري قانونياً – يخضع لمراجعة مالية

نفطي تنقيب بحري للغاز (2013)      متوقّف فعلياً منذ 2015

ديون وتسليح صفقات متعددة          غير معلنة – خاضعة لتفاهمات مغلقة

في أوّل زيارة رسمية إلى العاصمة موسكو، منذ سقوط نظام المخلوع بشار الأسد، في 8 كانون الأوّل 2025، أكّد الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال لقائه نظيره الروسي فلاديمير بوتين، أنّ سوريا “تحترم جميع الاتفاقيات الموقّعة مع روسيا”.

وخلال اللقاء، بحث الرئيسان سبل إعادة ضبط العلاقات وتعزيز المشاريع المشتركة، حيث تركّزت المحادثات على تعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد والأمن الغذائي والطاقة، مع التأكيد على تعميق الشراكة التاريخية بين البلدين.

وتصريح الرئيس الشرع، فتح ملف الاتفاقيات السورية-الروسية، التي شكّلت عماد العلاقات بين البلدين، منذ 2011، خصوصاً بعد التدخّل العسكري الروسي المباشر، في 30 أيلول 2015، وهي علاقات مزجت بين التعاون العسكري الواسع والامتيازات الاقتصادية طويلة الأجل.

واكتسب هذا التصريح أهمية خاصّة، نظراً لارتباطه بروسيا التي تدخّلت بكل ثقلها السياسي والعسكري لمنع سقوط نظام الأسد، ثم حاولت تعويمه مجدّداً، كما شاركته في ارتكاب مئات المجازر بحق الشعب السوري

اقرأ أيضاً.. ما عدا النووي.. روسيا جرّبت كل أسلحتها على أجساد السوريين

على مدى السنوات الماضية، اتسمت العلاقة بين سوريا وروسيا غالباً بـ”السرّية وعدم الإفصاح الشامل عن التفاصيل المالية”، وربما يكون هناك عقود أو تسويات داخلية لم تنشر علناً، لذا ما يستعرضه هذا التقرير، هو أبرز الاتفاقيات الموقّعة بين الطرفين، وما بقي منها، وما أُلغي أو أُعيد التفاوض بشأنه، استناداً إلى ما أُعلن عنه رسمياً، وما أشارت إليه العديد من التقارير إعلامية والمصادر مفتوحة.

الاتفاقيات العسكرية.. حجر الأساس في النفوذ الروسي

تعد الاتفاقيات العسكرية بين سوريا وروسيا الأكثر أهمية وتأثيراً على الأرض، إذ أسّست للوجود الروسي طويل الأمد، وسمحت بتغيير موازين القوى في الشرق الأوسط، وأبرز هذه الاتفاقيات (قاعدة حميميم الجوية، قاعدة طرطوس البحرية).

    حميميم.. القاعدة الجويّة الروسية في اللاذقية

في 26 آب 2015، أي قبل التدخّل العسكري الروسي بأيام، وُقّع “اتفاق حميميم”، أو ما يُعرف رسمياً باسم “اتفاق تنظيم وجود مجموعة الطيران للقوات المسلحة الروسية على أراضي الجمهورية العربية السورية”، ودخل حيّز التنفيذ، في 14 تشرين الأوّل 2016، بعد مصادقة البرلمان الروسي عليه، وتوقيع الرئيس فلاديمير بوتين.

الاتفاق منح روسيا حق استخدام “مطار حميميم” في ريف اللاذقية ومرافقه، مجاناً ومن دون تحديد مدة زمنية، مع إعفاءات جمركية وضريبية، وحصانات واسعة للأفراد والممتلكات الروسية، وجرى تعزيزه بـ”بروتوكولات إضافية”، بين عامي 2017 و2020، شمل مساحات برّية إضافية.

    القاعدة البحرية الروسية في طرطوس

في 18 كانون الثاني 2017، أُبرمت اتفاقية منحت روسيا حق استخدام مركز الإمداد الفني البحري في طرطوس كـ”قاعدة عسكرية بحرية”، وذلك لمدة 49 عاماً (حتى 2066)، مع إمكانية التمديد التلقائي لـ25 عاماً أخرى.

ويسمح “اتفاق طرطوس” بوجود 11 سفينة حربية روسية (بما فيها النووية) في وقت واحد بمرفأ طرطوس، مع حصانات واسعة للمنشأة والأفراد، وقد صُدّق عليه في روسيا، نهاية عام 2017.

ومن أبرز هذه الحصانات، أنّ العسكريين الروس لا يُلاحقون قضائياً في سوريا، كما لا يمكن تفتيش القاعدتين أو دخولهما إلّا بإذن من القائد الروسي، ما يجعل اتفاقيتي “حميميم وطرطوس” من أكثر الاتفاقيات إثارةً للجدل من ناحية السيادة، إذ تمنحان روسيا حصانة شاملة داخل الأراضي السورية.

كذلك، فإنّ الاتفاقيتين تعتبران الركيزتين الأهم في النفوذ الروسي داخل سوريا، إذ شكّلت “قاعدة حميميم” الأساس القانوني للتدخل العسكري الروسي المباشر، نهاية أيلول 2015، في حين مثّلت “قاعدة طرطوس” أوّل وجود بحري دائم لروسيا في المياه الدافئة للبحر الأبيض المتوسط، خارج الفضاء السوفييتي السابق.

كذلك، توجد اتفاقيات تعاون عسكري تعود إلى ما قبل عام 2011، تتعلّق بتزويد سوريا بالأسلحة والعتاد وقطع الصيانة، وتسعى الحكومة السورية الجديدة للاستمرار بها، نظراً لأن الترسانة العسكرية السورية، روسيّة بالأساس.

    الوجود العسكري الروسي بعد 2024

حتى نهاية العام 2024، بقيت الاتفاقيات العسكرية نافذة قانونياً، إلا أنّ التطورات السياسية التي تلت تغيّر السلطة في دمشق، في 8 كانون الأول من العام نفسه، دفعت إلى مراجعة ميدانية شاملة.

ففي البداية، تقلّص الوجود الروسي في قاعدتَي “حميميم وطرطوس”، بفعل إعادة التموضع خلال معركة “ردع العدوان”، لكنّهما بقيتا قائمتين من الناحية القانونية، كما أنّ مصادر روسية أكّد، أنّ “ملف القواعد” يُناقش حالياً ضمن إطار تفاوض سياسي مباشر بين بوتين والشرع.

وسبق أن أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، نهاية تموز الماضي، أنّه جرى الاتفاق مع الجانب السوري على تشكيل “لجنة وزارية مشتركة” لمراجعة الاتفاقيات الاقتصادية بين البلدين.

الاتفاقيات الاقتصادية مع روسيا

تضاعف الاهتمام بالاتفاقيات الاقتصادية بعد التدخل العسكري الروسي، أواخر العام 2015، حيث سعت موسكو إلى تأمين مصالحها طويلة الأمد في الطاقة والموانئ والموارد الطبيعية، خاصّةً الفوسفات.

وكانت روسيا وإيران تتنافسان على استثمار حقول النفط والغاز وعموم الثروات الطبيعية في سوريا، حيث سبق أن صرّح مسؤولون روس، في كانون الأول 2017، أنّ بلادهم من دون غيرها سيكون لها الأحقية في بناء منشآت الطاقة داخل الأراضي السوريّة، مشيراً إلى أنّه “يوجد فيها أكبر حقل فوسفات يمكن استثماره”.

وفعلاً، تمكّنت الشركات الروسية، أبرزها “ستروي ترانس غاز” وذراعها اللوجستي “STGLogistic”، من الحصول على امتيازات حصرية لاستثمار مناجم الفوسفات في منطقتي تدمر وخنيفيس بريف حمص الشرقي، لمدة 50 عاماً، مع حصة مرتفعة من العائدات، كما أنّها أنشأت القوات الروسيّة مهابط طائرات مروحية في حقل الصوانة، الغني بالفوسفات أيضاً، شرقي حمص.

وبحسب تحقيق استقصائي، نُشر في نهاية حزيران 2022، فإنّ فوسفات بقيمة ملايين الدولارات صدرتها شركة روسية (خاضعة للعقوبات)، منذ عام 2018، إلى أسواق الأسمدة الأوروبية.

كذلك وقّعت الشركة الروسية ذاتها، عقداً لتشغيل وإدارة مجمّع الأسمدة الكيميائية في حمص، وهو الوحيد في سوريا لإنتاج الأسمدة بأنواعها (سوبر فوسفات، يوريا، نترات الأمونيوم)، وذلك بعقود طويلة الأمد.

أيضاً، مُنحت روسيا، عام 2019، عقد استثمار لإدارة وتشغيل مرفأ طرطوس واستخدامه لأغراض اقتصادية وتجارية، وهو امتداد لاتفاق القاعدة العسكرية، ويمتد أيضاً إلى 49 عاماً مع إمكانية تجديدة لـ25 عاماً إضافية، حيث يستثمر الجانب الروسي نحو 500 مليون دولار في تحديث المرفأ.

ويعتبر ميناء طرطوس، ثاني أكبر ميناء بحري في سوريا، وتبلغ طاقته الاستيعابية نحو أربعة ملايين طن سنوياً، ونحو 20 ألف حاوية كل عام، ويتضمن مركز دعم لوجستي للبحرية الروسية نُظّم، عام 1971، بموجب اتفاقية ثنائية مع الاتحاد السوفييتي.

    التنقيب البحري عن الغاز في سوريا

في قطاع الطاقة، وُقّع أول عقد تنقيب بحري مع شركة “سويوز نفت غاز” (Soyuzneftegaz)، عام 2013، للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية، ويشمل العقد المعروف بـ”عقد عمريت البحري

“، عمليات تنقيب في “مساحة 2190 كلم مربع” لمدة 25 عاماً، لكنه توقّف عملياً، أواخر عام 2015، عقب التدخل الروسي المباشر وتصاعد العمليات العسكرية.

وحينذاك، أفادت وكالة “تاس” الروسيّة، بأنّ العقد وُقّع بين وزارة النفط والثروة المعدنية السورية وشركة “سويوز نفت غاز”، لافتةً إلى أنّها “أصبحت أوّل شركة روسية وأجنبية تُمنح حق التنقيب والإنتاج البحري في سوريا”.

في أواخر العام 2020، أعلنت شركة إنتاج النفط الروسية متوسطة الحجم “تات نفط”، إنّها تخطّط لاستئناف التنقيب في سوريا، وذلك بالتزامع مع منح نظام الأسد المخلوع، شركتي “ميركوري” و”فيلادا” الروسيتين، ترخيصاً لافتتاح فرعين لهما في دمشق، بهدف التنقيب عن النفط وتنميته وإنتاجه.

وفي مطلع العام 2021، مُنحت شركة “كابيتال” الروسية، حق التنقيب الحصري عن النفط قبالة الساحل السوري، تحديداً في “البلوك البحري رقم واحد” في المنطقة الاقتصادية الخالصة لـسوريا في البحر المتوسط مقابل ساحل طرطوس حتى الحدود البحرية الجنوبية السورية اللبنانية بـ”مساحة 2250كم مربع”.

وسبق أن كشفت “هيئة المسح الجيولوجي الأميركية”، في آذار 2010، عن احتياطي كبير في حوض شرق المتوسط، قدّرته بنحو 1.7 مليار برميل من النفط، و122 ترليون متر مكعب من الغاز، يقع جزء منها في المياه الإقليمية السورية.

وأشار موقع “تركيش بولسي”، أنّه من المرجّح أن تحصل الشركات الروسية على “حصة الأسد” من استثمارات قطاع النفط والغاز في سوريا، خاصّةً أنّ شركة “تات نفط” الروسية فازت، بالمناقصة الدولية المفتوحة، ووقعت عقد تنقيب واستخراج النفط والغاز على أساس “اتفاقية تجزئة المنتجات في سوريا”، منذ العام 2010.

كذلك فيما يخص الآثار السورية، فقد كشفت مصادر خاصّة لـ موقع تلفزيون سوريا، أواخر العام 2020، أنّ القوات الروسية تدير عمليات تنقيب واسعة عن الآثار في المنطقة الوسطى، وبشكل خاص في منطقة تدمر شرقي حمص، وذلك بهدف نقلها إلى الأراضي الروسية تحت إشراف خبراء روس.

“إلغاءات وتعليق اتفاقيات”

بعد إسقاط نظام المخلوع، أعلنت الإدارة السورية الجديدة، أواخر كانون الثاني 2025، إلغاء عقد إدارة “مرفأ طرطوس التجاري” رسمياً مع شركة “ستروي ترانس غاز”.

وشكّل ذلك، حينذاك، نقطة تحوّل في العلاقات الاقتصادية السورية-الروسية، إذ يُعدّ أول خطوة علنية في تقليص النفوذ الروسي داخل القطاعات المدنية، إلّا أنّ الشركة المشغّلة نفت إلغاء عقدها.

أمّا “عقد التنقيب البحري”، فقد توقّف عملياً من دون إعلان رسمي عن إلغائه، ما يُشير إلى احتمال إعادة التفاوض بشأنه مستقبلاً، وإعادة تقدير الحصص والامتيازات.

تبقى اتفاقيتا “حميميم وطرطوس” العسكريتان، الركيزتين الأهم في النفوذ الروسي داخل سوريا، إذ أرستا وجوداً طويل الأمد يصل نظرياً حتى عام 2066 (قابل للتمديد حتى 2091).

أمّا “عقود الفوسفات”، فتمثّل أبرز المكاسب الاقتصادية لروسيا، كونها تتيح الوصول إلى أهم الموارد الاستراتيجية في البلاد، خاصّةً أنّ سوريا تعد من أهم بلدان العالم باحتياطي الفوسفات، والذي يقدّر بـ1.8 مليار طن.

العلاقات السورية-الروسية بعد “الأسد”

اليوم، بعد إسقاط نظام المخلوع بشار الأسد، تدخل العلاقات السورية-الروسية مرحلة جديدة من إعادة التقييم، خاصّة فيما يخص الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية، فالزيارة التاريخية للرئيس الشرع إلى موسكو لم تكن مجرّد لقاء بروتوكولي عقب إسقاط “حليف بوتين”، بل بداية تفاوض صعب على إرث من الاتفاقيات، التي ربطت دمشق بموسكو لأكثر من نصف قرن.

وقد أعادت تصريحات الرئيس الشرع من موسكو تسليط الضوء على الطبيعة غير المتكافئة لبعض الاتفاقيات، ولا سيّما تلك التي تمنح روسيا حصانات شبه مطلقة أو امتيازات طويلة الأمد في قطاعات استراتيجية.

ورغم أنّ الحكومة السوريّة الجديدة، لم تُعلن نيتها الانسحاب من هذه الاتفاقيات، إلا أنّ مراجعتها باتت مطروحة ضمن حوار سيادي-اقتصادي جديد مع الحكومة الروسية.

يُشار إلى أنّ تأكيد الرئيس السوري أحمد الشرع على “احترام سوريا للاتفاقيات الموقّعة مع روسيا” لا يعني بالضرورة بقاء النفوذ الروسي كما كان، إذ تشير مصادر مقرّبة من الحكومة إلى أنّ المعادلة الجديدة التي تعتمدها الدولة تقوم على مبدأ: “لا إلغاء بلا تفاوض، ولا التزام بلا سيادة”.

تلفزيون سوريا

———————————-

 السلطات الروسية تعتقل عضواً شريكاً لـ”منظمة إرهابية” تعمل في سوريا

2025.10.17 هار الملخص icon

أعلنت الإدارة الإقليمية لجهاز الأمن الفدرالي الروسي اعتقال من قالت إنه أحد الشركاء في منظمة “إرهابية دولية” تنشط في سوريا، وذلك خلال عملية أمنية نُفّذت في إقليم زابايكال شرقي روسيا.

وفي بيان نقلته وسائل إعلام روسية، قالت الإدارة إن الموقوف متهم بالمشاركة في أنشطة منظمة محظورة في روسيا، وتقديم الدعم المالي لها.

وأشارت إلى أن المشتبه به تبنّى أفكاراً متطرفة، وتلقّى تعليمات عبر تطبيق “تليغرام” من مسؤولين داخل المنظمة لتنفيذ عمليات تحويل أموال إلى حسابات مسلحين في سوريا.

وذكرت السلطات الروسية أن تلك الأموال “كانت مخصصة لشراء أسلحة ومركبات وذخائر، إضافة إلى تمويل نشاطات دعائية تهدف إلى الترويج للإرهاب ونشر الفكر المتطرف”.

مصادرة معدات اتصالات وأدوات دفع إلكترونية

وذكرت إدارة الأمن الفدرالي أن عناصرها صادروا من منزل الموقوف معدات اتصالات وأدوات دفع إلكترونية، إلى جانب وثائق تعتبرها السلطات أدلة على تورطه في أنشطة غير قانونية.

وأضافت أن إدارة التحقيقات الإقليمية الروسية فتحت قضية جنائية بحق المتهم استناداً إلى البند 1.1 من المادة 205.1 من القانون الجنائي الروسي، والمتعلق بـ”الإعانة على الأعمال الإرهابية”.

عقوبة محتملة بالسجن المؤبد

ووفق البيان الرسمي، فإن المتهم يواجه احتمال الحكم عليه بالسجن المؤبد في حال إدانته، ضمن إطار القوانين الروسية التي تشدد العقوبات على تمويل الإرهاب أو التعاون مع منظمات مصنفة “إرهابية”.

وأشارت وسائل إعلام روسية إلى أن هذا الاعتقال يأتي “في سياق استمرار الأجهزة الأمنية الروسية في ملاحقة المشتبه بارتباطهم بجماعات مسلحة تنشط في مناطق النزاع، خصوصاً تلك التي يُعتقد بصلتها بشبكات خارجية تتخذ من سوريا مركزاً لها”.

==========================

تحديث 16 أوكتوبر 2025

————————————

 الشرع في الكرملين: “داتا” العقل البارد للتمكن وتصفير المشاكل/ منير الربيع

الخميس 2025/10/16

الدرج الطويل الذي صعده الرئيس السوري أحمد الشرع في الكرملين، والعبارة التي ذكرها أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حملا تذكارات كثيرة. إنها صورته الأولى في العاصمة الروسية. روسيا التي حاولت استهدافه مراراً، وشنّت طائراتها الغارات على إدلب ومناطق سيطرة المعارضة. مع كل خطوة كان الشرع يخطوها هناك، جالت في رأسه فكرة عما مضى وعما يمكن أن يأتي. ربما كان في إمكانه أن يتنفس الصعداء، هو الذي التقى قبل أشهر بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وحلّ أمس ضيفاً مكرماً في حضرة “القيصر” الذي حقق هدفاً استراتيجياً روسياً قبل سنوات بالوصول إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط أو المياه الدافئة. لكنه يعلم أن لا مجال لتنفس الصعداء ولا لكسب الراحة، في ظل التحولات الدولية، والصراع المستمر على سوريا، إلى جانب استحقاقات وتحديات كثيرة في الداخل السوري. لذا اختار الإشارة إلى “الرياضة” التي يمارسها كي لا يتعب، وهو في وضع لا يسمح له بالتعب مطلقاً، بل هو كمن يركب دراجة هوائية ولا يستطيع إلا مواصلة الجري.

مصالحة بعد المجازر

تقف سوريا على مفترقات كثيرة، في ظل التحولات الدولية والإقليمية. على الشرع أن يختار مفترقات الطرق التي سيسلكها، وأمامه أيضاً تحديات داخلية كثيرة، على مستويات اقتصادية، اجتماعية وسياسية. لذلك، لا مجال للارتياح ولا البقاء في حقبة زمنية سابقة أو عند مواقف ثابتة. فالمدخل إلى التعامل مع كل هذه التحديات، هو توسيع هامش العلاقات الخارجية، والبحث عن تعزيز المصالح المشتركة سعياً وراء تحسين الظروف الإقتصادية والاجتماعية. في هذا السياق، زيارة روسيا ضرورية نظراً إلى علاقتها التاريخية مع سوريا، وللنفوذ الذي تحتفظ به موسكو، إضافة إلى علاقتها بالمكونات المختلفة ولا سيما الطائفة العلوية في الساحل وجبال العلويين، والذين يبحث الشرع عن مصالحة معهم بعد المجازر التي حصلت في آذار الفائت.

لحظة 2 ديسمبر 2024

وربما أقصى ما يحتاج إليه الشرع في هذه المرحلة، هو مواصلة الصعود على أدراج كثيرة، في سبيل “التمكين والتثبيت”. بناء عليه، لا تُعتبر زيارته لروسيا تحولاً على مستوى الاستراتيجي أو نقلاً للوجهة من الغرب إلى الشرق، لكن الخطوة بلا شك استراتيجية وذات أهداف بعيدة المدى. هي تفسّر بوضوح مسار الشرع ومسلكه الساعي إلى تصفير المشاكل، ولا سيما مع الدول الكبرى أو المحيطة بسوريا. هو يريد الحفاظ على العلاقة الاستراتيجية مع الأميركيين، والأوروبيين ودول الخليج، إضافة إلى بناء علاقة مع روسيا. فالزيارة تأتي تتويجاً لمسار طويل من العلاقات والاتصالات التي سبقتها وأسست لها، منذ لحظة التواصل يوم 2 ديسمبر 2024، وخلال معارك إسقاط نظام بشار الأسد، والتي تبلغ فيها الروس بضمانات من هيئة تحرير الشام بعدم استهداف المصالح الروسية والحفاظ عليها مستقبلاً، وصولاً إلى زيارات روسية متكررة إلى دمشق.

دور لأنقرة في الاتصالات

مرت العلاقة بين الجانبين بتوترات كثيرة، لا سيما بعد مطالبة دمشق لموسكو، في السابق، بتسليم بشار الأسد، فجاءت ردود روسية تطالب باستعادة الديون المتوجبة على سوريا، وبعدها دخلت جهات عديدة عربية ودولية على خط العلاقة. وفي خضم معركة الساحل، سرت معلومات عن دور لروسيا. وقرأ الشرع فيها رسائل كثيرة حول قدرة موسكو على تحريك الوضع وإفلات الساحل من سيطرته. وتجددت الاتصالات التي لعبت فيها أنقرة دوراً أساسياً. وبعدها جرت زيارة روسية لدمشق، أسست لزيارة وفد موسع لاحقاً.

داتا المعلومات لدى ضباط الأسد

تنظر روسيا إلى سوريا من زاوية استراتيجية لوجودها في الشرق الأوسط وعلى البحر المتوسط، وهي التي لديها طموحات كثيرة في لعب دور أساسي تجارياً، وفي مجالات الطاقة، إضافة إلى الحفاظ على النفوذ في المنطقة. أما الشرع فلديه مصلحة مع روسيا كدولة كبرى، صاحبة مقعد ثابت في مجلس الأمن الدولي، ولديها حق الفيتو، ولها علاقات مع إسرائيل ونفوذ كبير في الساحل السوري. لذا فإن العلاقة معها لا يمكن أن تتوقف عند زمن سابق، أو عند تسليم بشار الأسد. ويعلم الشرع أن الكثير من المسؤولين الأمنيين المحسوبين على بشار الأسد يمتلكون الكثير من المعلومات والداتا المتعلقة بكل عمل الأسد ونظامه، وهذه الداتا تحتوي على كل ما يدين الأسد وكثر من مسؤوليه وضباطه. وهو بالتأكيد يعلم أن هؤلاء الضباط حاولوا التفاوض على ما يملكونه من معطيات سعياً وراء أدوار، كما حاولوا مراراً لعب دور في تحريك الساحل السوري للمطالبة بإقليم منفصل، أو فيدرالية، أو إدارة ذاتية. لذا، إن الأسهل لقطع الطريق على ذلك، وعلى أي محاولة استغلال من جانب إسرائيل، هو زيارة روسيا وتحسين العلاقة معها.

دور روسي في الجنوب السوري

وللمفارقة أيضاً، أنه كلما تعثر مسار التفاهمات التي تسعى إليها الولايات المتحدة الأميركية مع إسرائيل أو مع قسد، يحصل تحرك على خط العلاقة السورية الروسية، لكن ذلك لا يعني البحث عن بديل، بل هو نوع من تنويع العلاقات وتوسيعها. علماً أن روسيا قادرة على لعب دور في الجنوب السوري انطلاقاً من الدور الذي لعبته سابقاً أيام نظام الأسد حيث لها نقاط محددة هناك.

قنوات اتصال مع رموز سابقين في الساحل

إلى جانب العلاقة مع روسيا، والدور الذي يمكن لموسكو أن تلعبه مع تل أبيب، ومع العلويين في الساحل، فإن الشرع يعمل على تنويع خياراته، هو في الأساس كان قد شرع في فتح قنوات تواصل مع شخصيات في الساحل بعضها كان محسوباً على النظام السابق، مع تقديم مساعدات لهؤلاء وتعزيز وضعيتهم لتوسيع شعبيتهم ولإقناع مجموعات من الناس بأن خيارهم وخدماتهم واحتياجاتهم تتوافر من خلال دمشق. وزيارة روسيا يريد لها أن تعطي انطباعاً للعلويين بأن استقباله في الكرملين يقطع الطريق على أي محاولة سيقدم عليها المحسوبون على النظام السابق للقيام بتحركات أمنية أو عسكرية ضد دمشق، ولكي لا يتم التغرير بهم وإيهامهم بأن موسكو تدعم مثل هذه التحركات.

سياسة النفَس الطويل

ما يعتمده الشرع في الساحل وجبال العلويين، هو نفسه ما يعتمده مع قوات سوريا الديمقراطية التي يسعى إلى توسيع هامش التواصل والقنوات مع من يرغبون في الاندماج مع دمشق، لذلك فهو يعتمد استراتيجية النفس الطويل، والاستناد إلى الدعم الأميركي والعربي لإنضاج الظروف الملائمة لإضعاف الجناح الأكثر تطرفاً. وهو ما يعتمده أيضاً في السويداء التي بدأت تشهد صراعات داخلية تأخذ بعداً عسكرياً وأمنياً إلى جانب الظروف الاجتماعية والاقتصادية المتردية.

أبعاد عسكرية وأمنية واقتصادية

هي صفحة جديدة في مسار العلاقات السورية الروسية ومستقبلها. لكنه مستقبل سيكون مثقلاً بالتاريخ، تاريخ ما كان بين روسيا والمعارضة السورية، وما بين روسيا والأسد ومؤيديه. وإن كان هناك سياق سياسي لتخفيف هذا الثقل التاريخي، إلا أن الارتباط الأوثق يبقى له أبعاد عسكرية وأمنية واقتصادية. فعسكرياً، تريد روسيا تثبيت قاعدتها في حميميم والاحتفاظ بالمطار إضافة إلى نشر قوات لها في مناطق الساحل، لتكون ضمانة للعلويين. وقد أرسلت قبل أيام عدداً من جنودها إلى حميميم لنشرهم هناك بالتفاهم مع دمشق. أما أمنياً، فإن روسيا تطرح التعاون الأمني مع دمشق في مجالات مختلفة بينها دورات التدريب أو عروض بيع الأسلحة. وأما اقتصادياً فلروسيا حضور واتفاقيات طويلة الأمد مع سوريا في ملفات النفط، الغاز، الفوسفات، وغيرها، وهذه الاتفاقيات محكومة بالاستمرار كبديل عن المطالبة الروسية بالديون المتوجبة على سوريا والتي كبّدها إياها نظام الأسد.

المدن

——————————–

سوريا وروسيا: «علاقة خاصة» أم «إعادة ضبط»؟

رأي القدس

أدت «قمة شرم الشيخ»، وما نتج عنها من ديناميّات جديدة في المنطقة العربية، إلى إلغاء قمة عربية ـ روسية كان مزمع عقدها أمس الأربعاء، غير أن الرئيس السوريّ أحمد الشرع حوّل اللقاء العربي ـ الروسيّ المُجهض إلى فرصة ممكنة لمتابعة الرحلة المقررة إلى موسكو ولقاء نظيره الروسي فلاديمير بوتين.

خلال لقائه بالزعيم الروسي قام الشرع بالحديث عن «إعادة ضبط العلاقات مع روسيا» و«إعادة تعريف طبيعتها». وضع الرئيس السوري ذلك ضمن سياق ربط «سوريا الجديدة»، كما وصفها، «مع كل الدول الإقليمية والعالمية»، مشيرا إلى أن الهدف الأهم من هذه التحركات هو «الاستقرار في البلاد والمنطقة». من ناحيته، تحدّث بوتين عن «العلاقة الخاصة التي ربطت بين البلدين على مدى عقود» والتي «استرشدت دائما بمصالح الشعب السوري».

تظهر لقطات الفيديو التي جمعت الرئيسين، بداية، بعض التغيير على الزعيم الروسي صاحب «وجه لاعب البوكر» البارع في إخفاء مشاعره، حيث بدا ممكنا تلمّس ابتهاجه بزيارة زعيم سوريا الجديد لمقرّه الرسميّ في الكرملين، كما لوحظت آثار خبرته الطويلة في استقبال الزعماء عبر توجيه الوقفة والمصافحة أمام الكاميرات. تظهر اللقطات أيضا سعيا حثيثا من قبل الشرع إلى «كسر الجليد» الذي راكمته سنوات «العلاقة الخاصة» الطويلة التي جمعت موسكو بالرئيس المخلوع بشار الأسد (ووالده حافظ من قبله) وجعلت روسيا القوة الكبرى الحاضنة للنظام السابق والعدوّ الأكبر لآمال السوريين، منذ عام 2011، بالتغيير.

تذكّر عبارة «العلاقة الخاصة» التي استخدمها بوتين بتسمية «العملية الخاصة» التي أطلقها على الحرب الواسعة التي شُنّت على أوكرانيا، ولكن ترجمتها التاريخية كانت شكلا من تبعيّة الأسد المذلّة لبوتين، ومشاركة لموسكو في قمع وحشيّ للسوريين في محاولة إبقائه في الحكم، مما ساهم في هبوط سوريا إلى قاع غير مسبوق من تقسيم البلاد بين جيوش متصارعة، وتدهور اقتصاديّ هائل، وانغماس الطاقم الحاكم في عمليات صناعة وتهريب المخدرات.

كلام الشرع عن «إعادة ضبط» العلاقات، وتأطيرها ضمن «العلاقات مع كل الدول الإقليمية والعالمية»، مقابل حديث بوتين عن «العلاقة الخاصة الممتدة لعقود» ليس مجرّد اختلاف في اختيار الألفاظ. يريد رئيس «سوريا الجديدة» التشديد على أنه لا يمكن لروسيا تجاهل التغيّر الكبير الذي طرأ على سوريا، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

بهذا المعنى فإن احترام «جميع الاتفاقات السابقة» لسوريا مع روسيا، كما أكد الشرع خلال الزيارة، سيجري ضمن أولويات «سوريا الجديدة» التي قلبت تحالفاتها السياسية الإقليمية رأسا على عقب. «سوريا الجديدة» هذه، ضمن رؤية الطاقم الحاكم الجديد، صارت جزءا من عالم «الاعتدال» العربيّ وليست من «محور المقاومة» الذي كان يمتدّ من إيران فالعراق وصولا إلى لبنان (خلال حقبة سطوة «حزب الله») وهو ما يعني أيضا انتقال الحكم الجديد لسوريا إلى الحلف الغربي.

يؤدي هذا التموضع الجديد لسوريا، أيضا، إلى علاقة استراتيجية مع تركيا (وإرثها العثماني) بشكل ينهي النزاع ذي الطبيعة الأيديولوجية والطائفية (أيام الأسد المخلوع) مع أنقرة، ويمكن أن يفتح مصاريع الجغرافيا السياسية للعالم التركيّ الوسيع (الذي يضم أذربيجان وكازاخستان وقرغيزستان وتركمانستان وأوزبكستان) نحو العالم العربي، عبر سوريا والأردن فالسعودية ودول الخليج العربي.

حصل بوتين، خلال المقابلة، على ما يهمّه فعليا، لكن الشرع، وقادة سوريا الجدد، يراهنون، من جهتهم، على الحصول على الطاقة والقمح والدعم في التصويت في الأمم المتحدة، وربما في السلاح أيضا، وإذا لم تؤد هذه الزيارة إلى تسليم موسكو للأسد، فإنها ستجعل من الصعب على موسكو، بعد الآن، مساعدة الموالين للأسد لمحاولة استعادة نفوذهم، كما حصل في آذار/مارس الماضي، كما أنها ستعطي الطرفين خيارات للمناورة مع الدول الغربية، فيما يتعلّق بقضايا الطاقة والدفاع والسياسية، بالنسبة لدمشق، وفيما يتعلّق بإبقاء مخلب «الدب الروسي» على الطرف الجنوبيّ لحلف الأطلسي، من دون أن ننسى طبعا إمكانيات المناورة للطرفين في العلاقات مع إسرائيل.

القدس العربي

————————————

هل تنجح دمشق في استعادة الضامن الروسي للجنوب السوري؟/ محمد كركص

15 أكتوبر 2025

قال مصدر سوري لـ”رويترز”، اليوم الأربعاء، إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يطرح على نظيره السوري أحمد الشرع، خلال لقائهما في موسكو، مسألة إعادة نشر الشرطة العسكرية الروسية في الجنوب السوري، ضماناً ضد أي تعديات إسرائيلية جديدة. وبحسب الوكالة، فإن من المتوقع أن يضغط الشرع على بوتين للحصول على دعم موسكو في مواجهة المطالب الإسرائيلية بإنشاء منطقة منزوعة السلاح أوسع نطاقاً في جنوب البلاد.

وفي السياق، قال الخبير في العلاقات السورية – الإسرائيلية خالد خليل، في حديث لـ”العربي الجديد”، إنّ “فكرة نشر الشرطة الروسية في الجنوب السوري ليست جديدة، إذ طُرحت خلال الأشهر الماضية، في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، أكثر من مرة، خصوصاً مع تصاعد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية وتوغلاتها المتكررة التي وصلت إلى مستوى غير مسبوق”. وأشار خليل إلى أن “الضامن الروسي يشكل بديلاً يخلق نوعاً من استراتيجية التوازن التي تحاول دمشق اعتمادها، خاصة مع بروز التنافس الجديد بين إسرائيل وتركيا على النفوذ في المنطقة، وتذرّع الإسرائيليين بتنامي الدور التركي على جبهتهم الشمالية”.

وأضاف خليل أن “روسيا لعبت سابقاً دور الضامن في منطقة الجنوب، في ظل التنافس العبري – الإيراني، ولا سيما في عامي 2017 و2018 بعد اتفاقيات خفض التصعيد، حين توصل الإسرائيليون والروس في حقبة الأسد إلى اتفاقيات أمنية غير معلنة، تعهدت بموجبها موسكو بإبعاد المليشيات الإيرانية، وخصوصاً الحرس الثوري، لمسافة تزيد عن 80 كيلومتراً، فيما خضعت المنطقة الجنوبية آنذاك لرقابة الشرطة العسكرية الروسية والفيلق الخامس”.

ويرى خليل أن إعادة إحياء هذه الفكرة “قد تكون خطوة جيدة تحقق توازناً استراتيجياً يعزز قدرة دمشق على نسج علاقاتها الإقليمية، وكبح الاعتداءات الإسرائيلية التي تتذرع بتنامي النفوذ التركي”. وفي وقت سابق اليوم، عقد الرئيس السوري، أحمد الشرع، أول لقاء له مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في زيارة رسمية إلى موسكو هي الأولى له منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول الماضي.

وأكد الشرع خلال اللقاء أنّ “استقرار سورية مرتبط بالاستقرار الإقليمي والعالمي”، مضيفاً: “نحن في سورية الجديدة نعيد ربط العلاقات مع كل الدول الإقليمية والعالمية”. وشدد الرئيس السوري على أن بلاده “ستحاول إعادة ضبط علاقاتها مع روسيا، والأهم هو تحقيق الاستقرار في البلاد والمنطقة”، مطمئناً بوتين بأن سورية ستلتزم بجميع الاتفاقيات السابقة. من جانبه، أعرب بوتين عن استعداد موسكو لتعزيز العلاقات مع دمشق، مؤكداً أنّ “مصالح الشعب السوري هي التي تحركنا دوماً”.

العربي الجديد

——————————-

 جنوب سوريا: هل تكون روسيا الضامن للأمن تحت غطاء قوات دولية؟/ مهيب الرفاعي

الخميس 2025/10/16

لا يُعاد اليوم فتح ملفّ الحدود السورية–الإسرائيلية بوصفه مسألة ميدانية فحسب، بل بوصفه امتحاناً لصياغة ترتيبات ما بعد الصراع وفق قواعد قابلة للتدقيق.  فقوات حفظ سلام أممية تعتبر مقاربة مختلفة لإدارة ما بعد الصراع عبر تدويل مضبوط لتقليص هامش المفاجآت الأمنية، وشرعنة تدريجية لسلطة ناشئة عبر الامتثال لأطر أممية يمكن التحقق منها؛ أي انتقال من منطق حيازة الأرض إلى منطق حيازة القواعد. في هذا التصور، تُصمَّم آليات رقابة مستقلة، وتُربط أي عملية انسحاب (سواء من قبل قوات الجيش الإسرائيلي أو قوات الحكومة السورية الجديدة) مقابِل بمنظومة تحقق متعددة الطبقات تشمل مراقبة ميدانية، آليات تبليغ مبكر، تدقيق على السلاح والموارد؛ وتُدرّج إجراءات التفكيك وإعادة الدمج للميليشيات ضمن مسار مؤسسي يُنهي اقتصاد العنف ويُثبت احتكار الدولة لاستخدام القوة.

جوهر المقاربة أن تُقاس السيادة بالقدرة على فرض القانون لا بزخم الخطاب الدفاعي أو الهجومي، وأن يُقاس الأمن بانخفاض الحوادث لا بارتفاع نبرة التحذير، وأن يُقاس الاعتراف بمدى الالتزام بالإجراءات الأممية لا بحجم التصريحات السياسية والنشاط الدبلوماسي. بهذا المعنى، تتحوّل منطقة الفصل إلى مختبر سيادي–دبلوماسي، فيه توازنٌ بين طمأنة الجوار دون التنازل عن القرار الوطني، وفتح ممرات تمويل وإعمار مشروطة بإثباتات آمنة، وإدارة مخاطر تسرّب الفاعلين ما دون الدولة None-state Actors   عبر منظومة تحقق وتحييد، مع الحفاظ على مرونة تكيف تسمح بتعديل قواعد الاشتباك إن لزم الأمر. هذه محاولة واعية لتحويل الجمود المسلّح في الجنوب إلى إدارة مخاطِر محسوبة، تُعلي من قيمة القياس والتحقق والمساءلة على حساب الارتجال والاندفاع، وتعيد موضعة الدور السوري داخل معادلة إقليمية تفضّل الضوابط القابلة للفحص على رهانات المغامرة.

دوافع استراتيجية

يقوم طرح الإدارة الجديدة في دمشق على معادلة واضحة مفادها الشرعية من خلال التدويل المحسوب والانتقائي؛ فبترحيبه بقوات حفظ السلام في المنطقة المنزوعة السلاح التي أُنشئت عام 1974، يسعى النظام الجديد إلى إثبات التزامه بقواعد النظام الدولي، مراقبة الحدود، والانخراط في الإشراف المتعدد الأطراف، والتعامل مع المؤسسات الدولية. ويأتي توقيت هذه الخطوة بدقّة محسوبة؛  فمنذ الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، حين أطاحت قوات ردع العدوان بقيادة “هيئة تحرير الشام” بالأسد، ظلّ الجنوب السوري في حالة سيولة أمنية. وقد برّرت إسرائيل نشر قواتها في منطقة الفصل التابعة للأمم المتحدة ؛  التي تبلغ مساحتها 155 ميلاً مربعاً؛  بذريعة الخوف من تسلل الجماعات الجهادية، وهي خطوة تراها دمشق والأمم المتحدة اختراقاً مؤقتاً وغير قانوني. أمّا دمشق، فقد أعادت صياغة المعادلة ليكون الاختراق الإسرائيلي رداً على وجود الميليشيات الإيرانية وحزب الله في عهد الأسد، لكن هذه القوى زالت الآن، والرسالة المقصودة واضحة، فسوريا الجديدة لم تعد ذراعاً لحروب طهران بالوكالة، بل دولة عربية ذات سيادة تسعى إلى التطبيع والانفتاح.

ويشكّل هذا التحول الخطابي حجر الأساس في السياسة الخارجية الناشئة للرئيس أحمد الشرع، إذ يسعى لتحقيق ثلاثة أهداف مترابطة في آنٍ واحد.. أولاً، طمأنة إسرائيل بأن مرحلة التهديدات العابرة للحدود من الجنوب السوري قد انتهت. فبإبرازه انسحاب الميليشيات الإيرانية وحزب الله، يحاول الشرع إيصال رسالة بأن قيادته الجديدة قادرة على ضبط الأراضي السورية ومنع أي جهة معادية أو غير حكومية من استخدام أراضيها ضد إسرائيل، في مسعى لتبديل الصورة النمطية لسوريا من مصدر تهديد إلى جار مستقر محتمل؛ وهذا ما يحصل في الجنوب عبر قيام وزارة الداخلية بضبط مستودعات وخلايا “إرهابية مرتبطة بالخارج” وسحب سلاحها وتقديمها للعدالة. وثانياً، طمأنة الشركاء العرب، ولا سيما دول الخليج العربي والأردن، بأن حكّام سوريا الجدد قوميون براغماتيون  (وإن كان للكلمة معنى قد لا يرغب به الرئيس الشرع بحد ذاته) لا جهاديون عابرون للحدود. فالشرع يدرك أن إعادة الاندماج الإقليمي تتطلب إقناع العواصم العربية بأن جذور حركته الإسلامية لن تتحوّل إلى مشروع أيديولوجي عابر للحدود؛ وبتقديم حكومته ككيان وطني يسعى إلى السيادة والاستقرار، ينسجم مع التوجه العربي الرامي لإعادة سوريا إلى الحضن العربي وتقليص النفوذ الإيراني؛ وثالثاً، طمأنة الأمم المتحدة والدول الغربية بأن دمشق باتت منفتحة على الرقابة الدولية. فدعوة قوات حفظ السلام والاعتراف بالحاجة إلى الإشراف الأممي يشكّلان إشارة إلى استعداد النظام الجديد للعمل ضمن الأعراف الدولية؛  على عكس عهد الأسد الذي اتّسم بالعنجهية وبالمواجهة مع المؤسسات الدولية. وهذه البادرة تهدف إلى تهيئة الشروط الدبلوماسية لاستعادة المساعدات، وجذب الاستثمار، وتمويل إعادة الإعمار، ورفع العقوبات الاقتصادية في المستقبل. وبذلك، يسعى الشرع إلى إعادة تعريف صورة سوريا من دولة منبوذة غارقة في حروب الوكالة إلى دولة ذات سيادة تسعى إلى تعايش منظم مع جيرانها والمجتمع الدولي.

تدفع رغبةُ السلطة الجديدة في تحويل مكاسب الميدان إلى شرعية دولية عبر إشراف أممي قابل للتحقق، الحاجةَ إلى قوات حفظ سلام في سوريا، وخفضُ التوتر على حدود سوريا الجنوبية الغربية مع الجولان السوري المحتل عبر قوات فض اشتباك حيادية تردع الاحتكاك وتُضعف مبررات الوجود الأحادي، وفتحُ مسارات للتمويل ورفع العقوبات ضمن أطر مشابهة لقوات فض الاشتباك التقليدية في القنيطرة والجولان.  نجاح المهمة مشروطٌ بقبولٍ متبادل وقواعد اشتباك واضحة وتحققٍ مستقل وتركيبةٍ محايدة، مع حمايةٍ لوجستية وقانونية وتوافقٍ في مجلس الأمن. زمنياً، يُرجَّح أن يكون 2025 عاماً للتصميم الدبلوماسي ومسوح المواقع وبعثات صغيرة، على أن يبدأ التوسّع الواقعي، إن استقر الجنوب في أواخر 2026–2027، وهو مخطط زمني متعارف عليه كمدة عالمية لنشر قوات عازلة.

على الأرض، تبدو حظوظ روسيا هي الأقوى في إدارة ملف الجنوب السوري (بحكم التقارب الأخير و الزيارات المكثفة بين موسكو ودمشق) من ناحية إعادة تثبيت 9 نقاط  للشرطة العسكرية الروسية في الجنوب السوري؛ واستمراراً لما كان قائماً قبل 2011؛  تبدو الهند وبنغلادش ونيبال (لوجستيات/هندسة/شرطة)، والنمسا وفنلندا (مراقبةٍ حيادية)، وأوروغواي وغانا (حمايةٍ خفيفة/شرطة) الأكثر ترجيحاً لأخذ فرص وجود على خطوط فض الاشتباك في المنطقة الجنوبية، مع أدوارٍ متخصصة لليابان والسويد والنرويج وألمانيا وهولندا، وأدوار ارتباط وتدريب للأردن ومصر. ويتكوّن المزيج الأولي من مراقبين غير مسلحين، وهندسة ولوجستيات، ووحدات حماية خفيفة، وشرطة دولية، ومقر قيادة متوازن لتعزيز الحياد. استراتيجياً، المطلوب موازنة السيادة مع الطمأنة، وإدارة المخرّبين بسرعة وشفافية، وإرسال إشارةٍ إقليمية بأن نموذجاً وظيفياً ممكنٌ للحدود المتنازع عليها. والمرجّح هو كما نلاحظ جمود مُدار بخطوات تخفيف تصعيد رمزية وانتشارات محدودة قبل أي خفض جوهري للوجود العسكري، والاقتصار على بعض العمليات الأمنية للجيش الإسرائيلي في المنطقة القريبة من الحدود.

تل ابيب بين الفرصة والريبة

انتشار جيش الدفاع الإسرائيلي في منطقة الجولان يعكس عقيدة السيطرة الوقائية القائمة على البقاء ميدانياً في منطقة خطر إلى أن يثبت الطرف الآخر قدرته على ضبط أراضيه. وتبرر إسرائيل بقاءها هناك بأنه ضرورة دفاعية لمنع تسلل الجماعات المسلحة (كجماعة المقاومة الوطنية التي ظهرت قبل أسابيع). وتستشهد الحكومة الإسرائيلية باكتشاف أكثر من 3300  قطعة سلاح، بينها مضادات دروع وصواريخ في القرى الحدودية، مع أجهزة رادار بسيطة وألغام وصواعق؛ إضافة إلى الضربة الجوية بطائرة مسيّرة قرب القنيطرة في 15 كانون الثاني/يناير التي قتلت ضابطين من الإدارة العسكرية الجديدة، كدلائل على أن الجنوب السوري لا يزال منطقة مضطربة. ويؤكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الانسحاب لن يتم إلا بعد ضمانات أمنية قابلة للتحقق، معتبراً أن تصريحات الشرع ليست تحولاً، بل اختباراً لمدى قدرته على تحويل الوعود إلى سلوك دولة منضبط. تنبع الريبة الإسرائيلية من كون إسرائيل وشركاءها الغربيين لا يثقون بأن “هيئة تحرير الشام” ؛  الحركة التي انبثقت منها الإدارة الجديدة بعد ردع العدوان؛  قد تحوّلت فعلياً من إيديولوجيا جهادية إلى حكومة وطنية منضبطة؛ وكون تجربة الأمم المتحدة في لبنان عبر قوات يونيفيل، التي سمحت لحزب الله بتعزيز نفوذه تحت مظلتها، ما يجعل إسرائيل ترى في أي بعثة جديدة خطراً لتكرار السيناريو ذاته. ولذلك، تصرّ تل أبيب على أن الأمن لا يُفوَّض، وأن الثقة لا تُمنح إلا بعد الاستقرار لا قبله.

الدور العربي

لم يكن ظهور الشرع إلى جانب رئيس الوزراء القطري مصادفة دبلوماسية، بل رسالة مدروسة بعناية تشير إلى عودة العرب إلى الملف السوري وسعي الدوحة لتكون وسيطاً وضامناً في المرحلة الانتقالية. لقد بنت قطر سياستها الخارجية على المرونة الاستراتيجية، فتمكنت من التواصل مع أطراف متناقضة؛ من الحلفاء الغربيين إلى الحركات الإسلامية إلى المعسكر الشرقي؛  وجعلت من الحوار أداتها الأساسية في إدارة الأزمات. وباستقبالها القيادة السورية الجديدة، أرسلت الدوحة إشارة مفادها أن المنظومة العربية مستعدة لاستعادة سوريا من الهيمنة الإيرانية وإعادة دمجها ضمن الإطار العربي السني المعتدل. ومن خلال دعمها لمبادرة الشرع بشأن قوات حفظ السلام، تسعى قطر لتحقيق أهداف متعدّدة أهمها أن تُظهر نفسها كوسيط مسؤول قادر على تثبيت الاستقرار بعد عقد من الانقسام العربي حول سوريا، وأن تهيئ أرضية اقتصادية لإعادة الإعمار بتمويل عربي يخضع للرقابة الدولية، وأن تقدم لإسرائيل ضمانة غير مباشرة بأن مستقبل الجولان سيتحدد عبر الدبلوماسية العربية لا الميليشيات والعمل العسكري.  فعلياً،  تراهن قطر على أن تحول سوريا الهش يمكن أن يتحوّل إلى عائد دبلوماسي للمنطقة بأسرها، فتتحول ساحة الحرب السابقة إلى منبر لإعادة الاصطفاف الإقليمي بقيادة عربية.

معضلة الأمم المتحدة

 فكرة نشر بعثة جديدة لحفظ السلام على الحدود السورية -الإسرائيلية تواجه عوائق قانونية وسياسية ولوجستية ضخمة؛ فقوة مراقبة فضّ الاشتباك (UNDOF) التي أنشئت عام 1974 لمراقبة وقف إطلاق النار بعد حرب أكتوبر، ما تزال قائمة اسماً وشكلاً فقط، لكنها فقدت معظم فعاليتها خلال الحرب السورية. وإحياؤها يتطلب توافقاً في مجلس الأمن، وهو أمر غير مضمون في ظل الانقسام الدولي.  فعلياً، لن توافق الولايات المتحدة على نشر هكذا قوات إلا بعد إثبات أن الإدارة الجديدة لم تعد إيديولوجية سنية ولم تعد تتعامل بعقلية الفصائل وانتقلت للعمل بعقلية الدولة، بينما ستسعى روسيا لضمان مصالحها العسكرية في اللاذقية وطرطوس. حتى لو تحقق الإجماع السياسي، تبقى مشكلة المساهمات العسكرية قائمة؛ على اعتبار أن الحماس العالمي لمهام خطرة كهذه تراجع كثيراً. كما أن قواعد الاشتباك يجب أن تكون دقيقة ؛  قوية بما يكفي لردع التهديدات، ولكن محدودة لتجنّب التصعيد. لا يبدو أن الأمم المتحدة راغبة او عازمة على تكرار شلل اليونيفيل في لبنان، ولا تريد أن تتحول قواتها إلى طرف في الصراع. وهكذا تجد الأمم المتحدة نفسها أمام معضلة تصميم بعثة مرئية بما يكفي لتأكيد الشرعية الدولية، ولكن غير استفزازية كي لا تصبح هدفاً.

الصورة بين الداخل الخارج

التحدي الأكبر أمام الإدارة الجديدة في دمشق لا يكمن في إسرائيل أو الأمم المتحدة، بل في إعادة تعريف هوية تحالفه الحاكم بحد ذاته، والإدارة العليا السورية من جهة أخرى؛ فمسار تحول هيئة تحرير الشام من حركة مسلحة إسلامية إلى سلطة شرعية ما يزال غير مؤكد. ولكسب المصداقية، على الإدارة الجديدة نزع سلاح الميليشيات المحلية، وفرض احتكار الدولة لاستخدام القوة، ومنع عودة الخلايا الجهادية أو شبكات التهريب، كما يجب عليها بناء جيش وطني موحّد يعمل تحت إمرة الدولة لا الولاءات الطائفية أو الخارجية. ورغم أن الخطابات الحالية حاولت تحميل تحالف الأسد مع إيران وحزب الله مسؤولية الفوضى السابقة، إلا أن تحقيق الاستقرار يتطلب أكثر من الخطاب؛  بل مؤسسات منضبطة لم تعرفها سوريا منذ عام 2011، يتم العمل من خلالها علة مواضيع العدالة الانتقالية، والمصالحات، واحتكار العنف ،والتسليح.

انعكاسات اقليمية

يتعامل الطرف الإسرائيلي مع الجولان ببراغماتية أمنية تُبقيه داخل منطقة الفصل وتربط أي انسحابٍ بتفكيكٍ موثوق لقدرات الفصائل، وبمراقبةٍ أممية فعّالة وإسنادٍ عربي مستمر، بينما يكتفي الأردن ومصر بدعمٍ غير مباشر تفادياً لأعباء جبهة إضافية. على المستوى الأوسع، صار الجولان مختبراً لتوازنات ما بعد الحرب، فروسيا تُحافظ على نفوذها الساحلي وحقّها التعطيلي، وإيران تحاول صون شبكاتها وتقاوم أي تفويض أممي يقيّدها، في حين ترى واشنطن والاتحاد الأوروبي نافذةً لاختبار سوريا جديدة يمكن التعويل عليها، وتقرأه العواصم الخليجية كفرصة لإعادة دمشق إلى المدار العربي. زمنياً، تقف المرحلة بين ثلاثة سيناريوهات (تقدّم منضبط، جمود، انتكاس) مع رجحان الجمود المُدار حتى ما قبل 2026. في الجوهر، تُجسّد الدعوة إلى حفظ السلام محاولة تحويل الفوضى الميليشياوية إلى مؤسسية قابلة للتحقق؛ اعترافٌ مشروط بقدرة الدولة على الضبط، في بيئةٍ أممية محدودة الأدوات وخياراتٍ عربية تُوازن بين الطموح والكلفة

المدن

———————————–

 الشرع يزور موسكو في زمن أفول روسيا/ مها غزال

الخميس 2025/10/16

تكشف زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو في هذا التوقيت، عن مفارقة عميقة بين ما يبحث عنه الزعيم السوري الجديد في الخارج وبين ما يحتاجه السوريون في الداخل. فروسيا التي كانت قبل عقد من الزمن حاضرة بقوة في معادلات الشرق الأوسط، وقدمت نفسها كقوة عائدة إلى المسرح الدولي عبر تدخلها العسكري في سوريا عام 2015، لم تعد اليوم سوى قوة منهكة تستنزفها حرب أوكرانيا، وتطوّقها عزلة سياسية وضغوط اقتصادية غير مسبوقة. ما تبقى من نفوذها لا يتجاوز رمزية متآكلة أكثر مما يعكس قدرة حقيقية على صناعة القرار أو التأثير. في مثل هذه اللحظة يمدّ الشرع يده إلى موسكو، لكنه يغفل في الوقت نفسه عن أن المسار الوحيد الذي يمكن أن يؤسس لمستقبل مختلف هو مسار العدالة الانتقالية.

لقد تحولت روسيا من رمز عودة القوة إلى نموذج للتراجع. حين دخلت الحرب السورية عام 2015، بدت وكأنها تعيد رسم خرائط المنطقة وتكسر احتكار واشنطن للهيمنة، لكن حرب أوكرانيا استنزفت قدراتها العسكرية والاقتصادية، وحولتها إلى قوة غارقة في معركة طويلة الأمد، عاجزة عن لعب دور موازٍ في الشرق الأوسط أو حتى في جوارها المباشر. العقوبات الغربية عزلتها عن النظام المالي العالمي وقيّدت قدرتها على دعم الحلفاء، والمبادرات الدبلوماسية التي أرادتها منصة لإظهار الحضور انهارت واحدة تلو الأخرى، وعلى رأسها القمة الروسية–العربية التي روّج لها الكرملين وألغيت بسبب عزوف القادة العرب، فيما اجتمع العالم في شرم الشيخ برعاية أميركية لمناقشة مستقبل غزة، تاركاً روسيا على الهامش بلا أي دور ملموس. في القوقاز أيضاً، أبرمت أرمينيا وأذربيجان اتفاقاً برعاية واشنطن، في إشارة واضحة إلى تراجع موسكو في منطقة طالما اعتُبرت فضاءً حصرياً لنفوذها. حتى دول آسيا الوسطى التي ارتبطت تاريخياً بروسيا بدأت تميل أكثر إلى الصين وتركيا، تجنباً لعبء الانخراط في حروبها.

في سوريا نفسها، ورغم استمرار وجود القواعد الروسية في طرطوس وحميميم، لم تعد موسكو قادرة على حماية شركائها. الأسد سقط، وإيران التي كانت حليف روسيا الأساسي تلقت ضربات إسرائيلية متكررة دون رد حقيقي. أما العلاقة مع إسرائيل فتراجعت بعد انحيازها لطهران، إلى حد أن تل أبيب ذهبت إلى تسليح أوكرانيا بأنظمة دفاعية في رسالة واضحة إلى الكرملين. روسيا اليوم تبدو قوة عسكرية محاصرة، تبحث عن رمزية حضور أكثر من امتلاكها القدرة على فرض الوقائع.

في المقابل، سوريا التي يحكمها الشرع لا تحتاج إلى صور بروتوكولية في الكرملين، بل إلى ما يعيد التوازن والطمأنينة لمجتمع أنهكته الحرب والفساد. لأن استعادة الأموال المنهوبة ليست ترفاً بل ضرورة اقتصادية لإنقاذ بلد محطّم. ومحاسبة كبار المتورطين ليست تصفية حساب بل تأسيس لمسار دولة القانون. والدخول في مسار العدالة الانتقالية، حتى لو استغرق سنوات، هو البوصلة التي تمنح الداخل شعوراً بوجود قواعد جديدة، وتمنح الخارج – ولا سيما المستثمرين – إشارة ثقة بأن البلاد تتجه نحو مؤسسات عادلة لا تساوم على الحقوق. العدالة هنا ليست أخلاقية فقط، بل اقتصادية أيضاً، لأن المستثمرين لا يأتون إلى بلد لا يعرف أهله إن كان النظام سيسرقهم غداً أو يبرم تسويات على حسابهم. إن إشارة العدالة هي إشارة الثقة، وهي وحدها القادرة على إعادة شعور القدرة بعد زمن طويل من العجز والخيبة.

أما الذهاب إلى روسيا في لحظة ضعفها فقد يمنح حكومة الشرع بعض المتنفس من الضغوط في ملفات آنية مثل التفاوض مع “قسد” أو معالجة التوتر في السويداء، لكنه لا يقدم لسوريا كدولة أي إضافة استراتيجية. الأخطر أن التفريط في مسار العدالة، بعد كل ما دفعه السوريون من ثمن، سيحول السلطة الجديدة إلى نسخة أخرى من الماضي: سلطة تساوم على الحقوق، وتُبقي كبار المجرمين آمنين في موسكو أو غيرها، وتقتل حلم التغيير قبل أن يكتمل.

هنا تتضح المفارقة، الشرع وهو يذهب إلى موسكو، يتجاهل ما هو جوهري: العدالة الانتقالية التي تمثل الطريق الوحيد لإعادة تأسيس الدولة. بينما في روسيا نفسها، تبدو العدالة مستحيلة. غيابها هو ما قاد إلى الحرب في أوكرانيا، وهو ما جعل السلطة الروسية تعيد إنتاج نفسها عبر القمع بدل المساءلة. العدالة المؤجلة في سوريا قد تفتح باب الأمل إن بدأت ولو متأخرة، أما العدالة المستحيلة في روسيا فهي التي تحكم على نظامها بالانغلاق والعزلة، وتدفعها إلى مغامرات خارجية تنتهي باستنزافها. المفارقة أن الشرع يطلب السند من دولة ينهشها غياب العدالة، في حين أن شعبه لن ينهض إلا إذا بدأ مسار العدالة المؤجلة.

زيارة موسكو قد توفر للشرع صورة آنية أو بعض المخارج التكتيكية، لكنها لن تعيد بناء الدولة السورية. ما يعيدها هو الشروع في مسار العدالة الانتقالية: استعادة الأموال المنهوبة، محاسبة كبار الفاسدين، الاعتراف بالجرائم. هذا وحده كفيل بفتح باب الثقة أمام الداخل والمستثمرين، وتحويل العجز والخيبة إلى أفق جديد. ففي زمن التراجع الروسي، لم يعد الخارج مفتاح الإنقاذ. المفتاح في الداخل، والعدالة أولاً.

 المدن

 —————————-

مباحثات للشرع مع بوتين في موسكو: نحترم كل الاتفاقيات السابقة/ هبة محمد

في خطوة تهدف لإعادة ضبط العلاقات السورية ـ الروسية على أسس جديدة تراعي المتغيرات السياسية والإقليمية الراهنة، خصوصا سقوط نظام بشار الأسد، التقى الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع، أمس الأربعاء، بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين، وذلك في زيارة رسمية إلى العاصمة الروسية موسكو، هي الأولى من نوعها منذ توليه المنصب.

إعادة صياغة التوازنات

ويرى مراقبون أن الزيارة التي رافق الشرع فيها وزير خارجيته أسعد الشيباني ومسؤولون عسكريون واقتصاديون، تحمل دلالات تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ ترتبط بمستقبل النفوذ الروسي في سوريا، وإعادة صياغة التوازنات الإقليمية في ضوء المتغيرات الداخلية والضغوط الاقتصادية والسياسية التي تمر بها البلاد.

وفي مؤتمر صحافي عقده الرئيسان قبيل اجتماعهما، أعرب الشرع عن شكره لروسيا على «حفاوة الاستقبال والترحاب»، مؤكداً أن «هناك علاقات تاريخية طويلة تربط بين سوريا وروسيا». وأكد أن «سوريا الجديدة تسعى إلى إعادة ربط العلاقات السياسية والاستراتيجية مع مختلف الدول، وعلى رأسها روسيا الاتحادية، لما لها من روابط تاريخية ومصالح مشتركة».

وشدد على أن «سوريا تحترم كل ما مضى من اتفاقيات مع موسكو»، وتسعى إلى «إعادة تعريف طبيعة هذه العلاقات بما يضمن استقلال القرار السوري وسلامة ووحدة أراضي البلاد، واستقرارها الأمني المرتبط بالاستقرار الإقليمي والعالمي».

في حين شدد بوتين على أن العلاقات بين موسكو ودمشق «تاريخية، خاصة وأن الهدف الدائم لروسيا كان خدمة مصلحة الشعب السوري»، على حد قوله.

وقال: «لم تكن لدينا في روسيا أي علاقات مع سوريا مرتبطة بظروفنا السياسية أو مصالحنا الخاصة، على مدى هذه العقود، كان هدفنا دائماً مصلحة الشعب السوري».

ووصف بوتين «انتخابات مجلس الشعب» في سوريا بأنها «نجاح كبير»، لافتاً إلى أنها ستعزز الروابط بين القوى السياسية، مردفاً: «روسيا مستعدة لإجراء مشاورات منتظمة مع سوريا عبر وزارة الخارجية».

وقال مصدر سوري قبل المحادثات لـ «رويترز» إن المسؤولين السوريين يسعون للحصول على ضمانات بأن روسيا لن تساعد في إعادة تسليح فلول قوات الأسد. وأضاف المصدر نفسه أن الشرع يأمل في أن تساعد روسيا كذلك في إعادة بناء الجيش السوري.

وكانت الوكالة نقلت عن مصدر بأن الشرع سيطلب رسمياً تسليمه الرئيس المخلوع بشار الأسد وذلك لمحاكمته بتهم ارتكاب جرائم حرب ضد السوريين.

وأكد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الأسبوع الفائت، أن بلاده تحافظ على علاقات صداقة غير انتهازية مع سوريا، مضيفاً: «لذلك استأنفنا الاتصالات على الفور واتصل الرئيس بوتين بالرئيس أحمد الشرع»، حسب قناة «آر تي» الروسية.

دلالات الزيارة

وبينما بدت الزيارة في ظاهرها «بروتوكولية» إلا أنها «تحمل في جوهرها دلالات أعمق تتعلق بمستقبل النفوذ الروسي في سوريا، وبطبيعة التوازنات الجديدة التي تحاول دمشق صياغتها بعد مرحلة طويلة من الارتهان السياسي والعسكري»، حسب ما قال المستشار السياسي السوري باسل الحاج جاسم لـ «القدس العربي».

وحسب قوله «دمشق تسعى إلى إعادة تعريف الشراكة مع روسيا على أسس أكثر توازنا. فهي تريد استمرار الدعم السياسي في المحافل الدولية، وتطمح إلى استثمارات روسية تسهم في إعادة الإعمار، وتوفير مظلة تفاهم مع إسرائيل تضمن تهدئة الجبهة الجنوبية. كما ترغب في توسيع الدوريات الروسية في الجنوب، كجزء من تفاهم أمني يحدّ من التدخلات الإقليمية المتعددة».

أما موسكو فإنها «لا تريد مغادرة سوريا، لكنها لم تعد معنية بالبقاء العسكري الواسع. الأولوية اليوم هي تثبيت الوجود في قاعدتي طرطوس وحميميم بصيغة جديدة، مع تحويل الأولى إلى مركز إنساني ولوجستي يخدم التحركات الروسية في أفريقيا، وتقليص الوجود العسكري في الثانية لصالح إدارة مشتركة سورية ـ روسية».

إضافة إلى ذلك، تسعى موسكو لـ «تسوية ملف الديون السورية، وفتح الباب أمام مشاريع اقتصادية في المرافئ والطاقة والنقل، تمكنها من الحفاظ على نفوذ طويل الأمد بوسائل مدنية»، وفق المتحدث.

إعادة التحالف الاستراتيجي

وحول النتائج المتوقعة للزيارة، رجح أن «تتمخض عن تفاهم سياسي عام يعيد تأكيد التحالف الاستراتيجي بين البلدين، لكن بصيغة محدثة تراعي المتغيرات».

وأضاف: «سيعلن عن لجان اقتصادية مشتركة، وتفاهمات أمنية حول القواعد الروسية، وربما اتفاق ضمني حول مصير الأسد والمقيمين من رموز نظامه في روسيا». كما توقع أن «تسعى موسكو لتقديم نفسها وسيطا بين دمشق وتل أبيب، في إطار مقاربة تهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني وتعزيز الدور الروسي في الأمن الإقليمي». السياسي السوري عمر كوش، اعتبر في تصريح لـ «القدس العربي» أن الزيارة التي قام بها الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو تحمل أهمية خاصة، ليس فقط لأنها أول زيارة رسمية له بعد سقوط نظام الأسد إلى العاصمة الروسية، بل لأنها تمثل محطة مفصلية في اتجاه إعادة رسم ملامح العلاقات بين سوريا الجديدة وروسيا الاتحادية، وهو ما يستلزم، تحديد أسس جديدة ومحددات مختلفة عن تلك التي كانت قائمة في المرحلة السابقة.

وأوضح أن العنوان الأبرز لهذه المحددات يتمثل في البراغماتية السياسية، القائمة على رؤية متوازنة تراعي مصالح الدول ضمن الواقع الجيوسياسي والإقليمي الراهن، مشيراً إلى أن المسوغات لهذه السياسة تنبع من طبيعة التحديات المتعددة التي تواجهها الإدارة السورية الجديدة في ظل الإرث الثقيل الذي خلفه نظام الأسد.

وأضاف أن هذه التحديات تفرض على دمشق العمل وفق أولويات واضحة، تبدأ على المستوى السياسي، إذ إن سوريا في حاجة إلى روسيا في أكثر من ملف.

أول هذه الملفات، حسب كوش، العقوبات الدولية، حيث يُتوقع أن يُطرح قريباً موضوع رفع العقوبات المفروضة على سوريا بوصفها «دولة راعية للإرهاب»، إضافة إلى العقوبات المفروضة على الرئيس الشرع وعدد من القادة السابقين في «هيئة تحرير الشام».

وأكد أن إزالة هذه العقوبات تحتاج إلى موافقة روسيا داخل مجلس الأمن، مرجحاً أن موسكو لن تمانع في ذلك، كما أن الصين قد تبدي موقفاً إيجابياً مشابهاً في هذا الصدد. وفيما يتعلق بملف شمال شرق سوريا، أشار إلى أن موسكو تمتلك علاقات متينة مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي ووحدات حماية الشعب الكردية وقوات سوريا الديمقراطية، ويمكن أن تستخدم هذه العلاقات للضغط في اتجاه دمج المنطقة ضمن إطار الدولة السورية ووحدتها وسيادتها.

وأضاف أن الرئيس الشرع يحتاج أيضاً إلى دعم روسي في إدارة العلاقة مع إسرائيل، مذكراً بأن الشرطة العسكرية الروسية كانت قد انسحبت من منطقة الجولان والقنيطرة بعد الثامن من كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي.

ويرى كوش أن إعادة نشر هذه القوات الروسية في الجنوب السوري يمكن أن تشكل عامل ردع أمام التوغلات والاعتداءات الإسرائيلية، خصوصاً في ظل العلاقة الشخصية الوثيقة التي تجمع الرئيس بوتين برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

العلاقات الاقتصادية

وعلى المستوى الاقتصادي، أوضح أن العلاقات الاقتصادية بين سوريا وروسيا تمتد لسنوات طويلة، وتشمل مجالات حيوية مثل القمح والفوسفات والبنية التحتية، حيث تعتمد سوريا بشكل كبير على المحطات والمولدات والسدود التي أنشأتها روسيا. وبالتالي، فإن هناك حاجة ملحّة لتعزيز هذا الجانب من التعاون في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه البلاد.

أما على المستوى العسكري، فأشار إلى أن وجود قاعدتي حميميم وطرطوس يمثل عنصراً محورياً في العلاقة بين البلدين، موضحاً أن موسكو تسعى إلى إعادة تنظيم وضع هاتين القاعدتين ضمن صيغة جديدة تضمن استمرار نفوذها في المنطقة، من دون أن تبدو وكأنها خسرت استثمارها العسكري والسياسي في سوريا، بعد أن قدمت دعماً كبيراً لنظام الأسد خلال السنوات الماضية، سواء على صعيد القوات أو العتاد أو المواقف الدولية.

وأضاف أن القاعدتين تشكلان بالنسبة إلى موسكو منفذاً استراتيجياً على البحر الأبيض المتوسط، كما أن الحفاظ على حضورهما يضمن لروسيا استمرار دورها في الشرق الأوسط.

واختتم كوش حديثه بالتأكيد على أن الواقعية السياسية هي السمة التي تحكم هذه الزيارة من الطرفين، السوري والروسي على حد سواء. وقال «صحيح أن روسيا ارتكبت مجازر بحق السوريين، وهذا أمر موثق، لكن العلاقات بين الدول تتغير وتتطور، وربما يأتي الوقت الذي تعتذر فيه موسكو عن تلك الجرائم».

وأشار في الوقت ذاته إلى أن الملف الأكثر تعقيداً يبقى قضية تسليم بشار الأسد والطغمة المحيطة به، معتبراً أن من غير المرجح أن يُقدم الرئيس بوتين على مثل هذه الخطوة في الوقت الراهن، إلا أن دمشق قد تسلك مسارات دولية أخرى للمطالبة بذلك.

القدس العربي

—————————————

الشرع في موسكو.. وروسيا تُعيد تعريف وجودها في سوريا/ باسل الحاج جاسم

روسيا التي دخلت سوريا بالصواريخ عام 2015، تحاول اليوم أن تبقى فيها عبر الاقتصاد والموانئ. ودمشق الجديدة تسعى اليوم إلى شراكة متوازنة تضمن استقلال القرار السوري ولو جزئياً

16 أكتوبر ,2025

زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو، وهي الأولى منذ توليه الرئاسة عقب فرار بشار الأسد نهاية عام 2024، تفتح فصلاً جديداً من العلاقات الروسية – السورية، عنوانه الأبرز، موسكو باقية، ولكن بوجه اقتصادي.

هذه الزيارة تأتي بعد سلسلة من الاتصالات والاجتماعات، كان أبرزها لقاء مبعوث الرئيس الروسي السابق ميخائيل بوغدانوف بالشرع في كانون الثاني/ يناير 2025، واتصال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين به في شباط/ فبراير، ثم اللقاء في تركيا بين وزيري خارجية روسيا وسوريا، سيرغي لافروف و أسعد الشيباني في نيسان/ أبريل، وصولاً إلى زيارات متبادلة بين وفود عسكرية واقتصادية في موسكو ودمشق خلال الصيف الماضي.

منذ سقوط الأسد، تغيّر المشهد السوري جذرياً. لم تعد روسيا قوة عسكرية تُملي شروطها من قاعدة حميميم، بل أصبحت لاعباً يبحث عن نفوذٍ مستدام عبر الاقتصاد والطاقة وإعادة الإعمار.

موسكو تدرك أن الحقبة التي كان فيها النفوذ يُقاس بعدد الصواريخ الموجّهة من المتوسط إلى الداخل السوري قد انتهت، وأن البقاء في سوريا اليوم يمر عبر الاقتصاد والشركات لا عبر المدافع والطائرات.

اللقاء المرتقب بين بوتين والشرع يحمل ملفات شائكة، تبدأ من مستقبل القاعدتين الروسيتين في طرطوس وحميميم، ولا تنتهي عند ملف الديون الروسية والمشاريع الاقتصادية.

تشير تسريبات من موسكو إلى أن الكرملين يسعى لتعديل طبيعة الوجود العسكري في طرطوس، ليأخذ طابعاً إنسانياً، أي بوابة لوجستية للعمليات الروسية في أفريقيا، بينما يُطرح نموذج الإدارة المشتركة لقاعدة حميميم مع تقليص القوات الروسية تدريجياً. في المقابل، تطلب دمشق توسيع انتشار الدوريات الروسية في الجنوب، في محاولة لخلق توازن إقليمي جديد بعد سنوات من الفراغ والتدخلات المتشابكة.

اقتصادياً، يبدو أن روسيا تريد أن تحول سوريا إلى ساحة استثمار آمنة نسبياً، تضمن لها موطئ قدم في شرق المتوسط في زمن العقوبات الغربية.

الحديث في أروقة القرار الروسي يدور حول حزمة مشاريع في الطاقة والبنى التحتية والمرافئ، تُقدم تحت عنوان المشاريع الإنسانية، لكنها في جوهرها اقتصادية بحتة.

الشرع من جانبه يدرك أن بقاء العلاقة مع موسكو ضرورة لا خيار، خاصة في ظل تحدّيات داخلية وخارجية.

أما ملف بشار الأسد والمقربين منه المقيمين في روسيا فيبدو الأكثر حساسية. فبينما نقلت مصادر ديبلوماسية أن موسكو لن تسلّم الأسد لأنها أعطت كلمتها، تؤكّد مصادر أخرى أن القيادة الروسية أبلغت رسمياً الحكومة السورية رغبتها في تسوية هذا الملف، بما في ذلك إمكانية محاكمة الأسد في إطار قانوني دولي. وفي هذا السياق، تسرّبت مقولة لأحد المسؤولين السوريين، يمكن أن يموت الأسد على الطريقة الروسية، في إشارة إلى تسوية غامضة تحفظ ماء الوجه للطرفين.

التحرك الروسي الأخير لا يقتصر على دمشق. فقد اتصل بوتين مرتين برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال الأسابيع الماضية لمناقشة الوضع في سوريا، ودور موسكو كوسيط محتمل بين دمشق وتل أبيب. هذه الاتصالات توحي بأن روسيا تريد إعادة تموضعها في الشرق الأوسط من جديد، ولكن بثوب ديبلوماسي واقتصادي هذه المرة، بعد أن أثبتت الحرب الأوكرانية محدودية النفوذ العسكريّ وحده.

يبقى القول إن روسيا التي دخلت سوريا بالصواريخ عام 2015، تحاول اليوم أن تبقى فيها عبر الاقتصاد والموانئ. ودمشق الجديدة تسعى اليوم إلى شراكة متوازنة تضمن استقلال القرار السوري ولو جزئياً. الزيارة الحالية ليست مجرد بروتوكول بل اختبار حقيقي لعلاقةٍ تحاول أن تتكيّف مع واقعٍ جديد لا يشبه ما قبله، لا في موسكو ولا في دمشق.

*نقلاً عن “النهار”

——————————–

الشرع في موسكو… زيارة إعادة تعريف العلاقات/ سعود آل مسعود

آخر تحديث 16 أكتوبر 2025

لم تكن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو حدثا بروتوكوليا أو عودة شكلية إلى دفاتر العلاقات القديمة للدولة السورية، بل محطة محورية في مسار التحول الذي تعيشه سوريا في عامها الأول بعد سقوط نظام الأسد، وتشكل لحظة سياسية عميقة المعنى، تضع على الطاولة العلاقة المعقدة مع روسيا، الدولة التي كانت لعقد ونصف اللاعب الأهم في الميدان السوري، وأصبحت اليوم مطالبة بإعادة تعريف دورها في مرحلة الدولة لا النظام، وفي زمن المؤسسات لا الأفراد.

الزيارة التي تخللها لقاء مطول مع الرئيس فلاديمير بوتين استمر لأكثر من ساعتين في الكرملين لم يكن جلسة مجاملة، بل مفاوضات دقيقة تناولت ملفات أساسية، على رأسها الضمانات الأمنية لمنع إعادة تسليح بقايا القوات التابعة للنظام السابق، والمساعدة في بناء الجيش السوري الجديد، بالإضافة إلى مناقشة مستقبل القواعد الروسية في حميميم وطرطوس، بحيث تصبح جزءا من ترتيبات الاستقرار الإقليمي لا أدوات نفوذ سياسي، وأن تتحول العلاقة بين البلدين في شكلها الجديد من الوصاية والتبعية، إلى تعاون يحافظ على المصالح المشتركة، دون أن يعيد إنتاج العلاقة القديمة التي استنزفت الطرفين.

الزيارة جاءت تتويجا لمسار سياسي ناضج رسم ملامحه الشرع منذ توليه الرئاسة، فدمشق التي عاشت عزلة طويلة بدأت في استعادة موقعها الإقليمي بسرعة لافتة، بدءا من عودتها إلى الجامعة العربية، ومرورا بإعادة العلاقات مع دول المنطقة، ووصولا إلى حضورها في الجمعية العامة للأمم المتحدة للمرة الأولى منذ ما يقارب ستة عقود، كما تمكنت من رفع جزء كبير من العقوبات الدولية، الأمر الذي أعاد دمشق إلى الخريطة الدبلوماسية بوصفها دولة في طريقها لأن تكون فاعلة وليست عبئا على محيطها.

هذا التوازن في السياسة الخارجية السورية لم يقتصر على الانفتاح العربي والدولي، بل شمل أيضا إعادة إحياء الملفات الأمنية الحساسة بطريقة واقعية، فقد أبدت دمشق استعدادا لتحديث اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 مع إسرائيل ضمن إطار جديد يضمن الاستقرار ويقلص احتمالات التصعيد، وهذا التوجه يعكس رغبة القيادة الجديدة في تحويل مناطق التوتر إلى مناطق استقرار، وإثبات أن سوريا قادرة على إدارة ملفاتها الأمنية بنفسها.

وبالعودة إلى الزيارة، حملت المباحثات في موسكو طابعا عمليا وبرغماتيا، وفي الشق الاقتصادي ركزت على احتياجات سوريا العاجلة: القمح، الطاقة، إعادة الإعمار. أما على الصعيد السياسي، فإن دمشق تدرك أن المرحلة تتطلب توازنا دقيقا في العلاقات الدولية، وأن الانفتاح لا يعني التفريط، بل إدارة مصالح الدولة بعقلانية، فبعد أقل من عام على سقوط نظام الأسد، تعيد سوريا تعريف دورها في الإقليم والعالم، كدولة تحاول ترميم الداخل أولا، وإقامة علاقات مستقرة مع الخارج ثانيا، من دون أن تدخل في محاور مغلقة أو صراعات أيديولوجية، ولهذا تأتي زيارة موسكو بوصفها خطوة متقدمة في سياسة الانفتاح الواقعي التي تبناها الشرع منذ اليوم الأول.

وفي بعدها الاستراتيجي، تظهر الزيارة أن سوريا الجديدة تسعى إلى تحويل القوة الروسية من دور “الراعي” إلى دور “الضامن”، ومن وظيفة الحماية إلى وظيفة الشراكة، فروسيا تدرك أن نفوذها لن يدوم إلا عبر مؤسسات دولة مستقرة، وسوريا تدرك أن استقرارها يحتاج شركاء لا أوصياء، وبين هذين الإدراكين، تتشكل صيغة جديدة من العلاقات الثنائية قوامها المصالح المتبادلة لا المعادلات المفروضة.

زيارة الرئيس السوري إلى موسكو، في جوهرها تعكس انتقال سوريا من مرحلة رد الفعل إلى صناعة الفعل، وترسيخ مبدأ “إن عقلية الثورة لا تبني الدولة”، كما سبق وذكر الرئيس الشرع، وهو ما يعني أن السياسة الخارجية السورية لا تسعى خلف استمرار الأزمات، بل تحاول أن تصنع منها فرصا، وإذا استمر هذا النهج بثباته وهدوئه، فإن هذه الزيارة قد تسجل لاحقا كنقطة تحول حقيقية في تاريخ علاقات سوريا مع المجتمع الدولي، ونقطة انطلاق أكثر توازنا، وأكثر حضورا، وأكثر وعيا بمصالحها في عالم لا يرحم من يخطئ في قراءة موازين القوى.

المجلة

——————————–

السلاح والقواعد.. كلمتا السر في زيارة الشرع إلى موسكو/ وائل علوان

هذه هي السياسة؛ تجمع أعداء الأمس على طاولة مصالح الحاضر وفرص المستقبل، وتجعل الرئيس السوري أحمد الشرع ضيفا يستقبله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بكل حفاوة في قصر الكرملين في موسكو.

على الرغم من الذاكرة القريبة للحرب التي كانت روسيا فاعلا رئيسيا فيها، تقصف بطائراتها إدلب كما قصفت باقي المحافظات السورية دفاعا عن نظام الأسد البائد، فإن الحكومة السورية تتعامل بواقعية وحكمة مع إحدى أكبر القوى الدولية وأهمها، الأمر الذي بدأ منذ استقبال نائب وزير الخارجية في دمشق مطلع 2025، ثم زيارة وفد من الحكومة السورية يضم وزير الخارجية، ووزير الدفاع إلى موسكو ولقاء الرئيس الروسي نهاية يوليو/تموز 2025، ثم استقبال نائب الرئيس الروسي في دمشق منتصف سبتمبر/أيلول 2025.

الرئيس السوري كان قد دُعي لزيارة موسكو ضمن القمة الروسية العربية التي كانت ستُعقد في العاصمة الروسية منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2025؛ لكن القمة تأجلت عن موعدها، وبقيت الدعوة للرئيس السوري قائمة، حيث وصل إلى موسكو، ومعه وفد رفيع ضم وزير الخارجية، ووزير الدفاع، ورئيس الاستخبارات، والأمين العام لرئاسة الجمهورية.. فما هي الأمور التي ستناقشها القيادة السورية مع الرئيس الروسي؟ وما تداعيات هذه الزيارة على طبيعة العلاقات والملفات المتداخلة بين البلدين؟

سوريا لن تستغني عن السلاح الروسي حاليا

صحيح أن سنوات الحرب قد دمرت جزءا كبيرا من الجيش السوري وأسلحته، وأن إسرائيل تكفلت بتدمير معظم ما تبقى، إلا أن سوريا مضطرة لصيانة الفضلة الباقية وترميمها وإصلاحها، والمصدر الوحيد الحالي لذلك هي روسيا.

تعيد الحكومة السورية تشكيل الجيش والقوى الأمنية لتواجه مجموعة واسعة من التحديات الداخلية والخارجية، وهي بحاجة إلى التسليح والتذخير الجديد، وإصلاح القديم وصيانته، وروسيا هي الجهة الرئيسية التي تستطيع توفير ذلك بعيدا عن انتظار إجراءات رفع العقوبات الدولية والأممية، وبعيدا عن الحسابات الغربية التي تضع شروطها، والتي من المبكر الحديث عن دعمها العسكري للحكومة السورية، خاصة مع التأثير الإسرائيلي الذي سيجتهد في منع ذلك.

وبعيدا عن الحسابات السياسية وتعقيداتها فإنه لا يمكن الحديث عن انتقال سهل وسريع من التسليح الشرقي إلى التسليح الغربي في سوريا حاليا، وليس النظام السابق فقط في سوريا من كان يستخدم السلاح الروسي، بل معارضته المسلحة التي ثارت عليه عام 2011 استخدمت السلاح ذاته، ووصلت اليوم إلى السلطة، وهي تتقن استخدام هذا السلاح.

كان الحديث عن السلاح والتسليح حاضرا بالفعل في لقاء الرئيسين السوري والروسي، فضلا عن المشاورات التي عقدتها وزارة الدفاع السورية وجهاز الاستخبارات مع المسؤولين الروس في دمشق وفي موسكو، ويتوقع أن يكون هذا الملف هو أسهل ملفات التفاهم والاتفاق بين الجانبين.

روسيا تريد الحفاظ على قواعدها شرق المتوسط

لقد دافعت روسيا عن نظام الأسد؛ لأن استمراره كان الضامن لبقاء المصالح الروسية في سوريا، لكن مع تفكك نظام الأسد وتحوله إلى عالة على روسيا، أصبحت موسكو أكثر مرونة في تقبل سيناريوهات أخرى تضمن مصالحها، الأمر الذي بدا واضحا بعد انطلاق عمليات ردع العدوان، وانهيار نظام الأسد في حلب.

أصبحت بوصلة موسكو الحفاظ على مصالحها في سوريا، وخاصة قاعدة طرطوس البحرية وقاعدة حميميم الجوية، وفي سبيل ذلك قدمت عرضها في اجتماعات الدوحة التي عقدت في ديسمبر/كانون الأول 2024 بإخراج بشار الأسد من المشهد، ونقله إلى روسيا، وبذلك توقفت المعارك بعد حمص، ودخل الثوار دمشق دون قتال.

قد يكون على الحكومة السورية الالتزام بضمان المصالح الروسية، لكن من جانب آخر فإن هذه المصالح الروسية الحيوية لن تكون بالمجان، وعملية الاستقرار في سوريا اليوم تحتاج إلى موقف إيجابي من روسيا يساهم في توفير الأسلحة والذخائر والوقود والقمح، والكثير مما تستطيع الموارد الروسية تقديمه بسخاء، فضلا عن الموقف في مجلس الأمن خاصة فيما يتعلق برفع العقوبات ورفع التصنيف، وفضلا عن الدور السياسي الذي قد تساهم فيه موسكو بالضغط على تل أبيب إلى جانب الضغط الأميركي، وباجتماعهما ستكون فرصة رضوخ حكومة نتنياهو أكبر بإعطاء فرصة للاستقرار في سوريا.

وفي المقابل، تستطيع روسيا أن تقوم بدور سلبي بتحريض خلايا النظام السابق وتوفير التغطية الاستخبارية لهم وتأمين اتصالهم برموز نظام الأسد وقياداته، كما تستطيع أن تعزز الخلافات بين قوات سوريا الديمقراطية “قسد” والحكومة السورية، وتعقد الأمور بين الطرفين أكثر مما هي معقدة، وتدرك الحكومة السورية هذه الأدوار وتتجنبها، وتحرص على أدوار أخرى تكون فيها موسكو داعمة لوحدة الأراضي السورية واستقرار البلاد، مقابل مصالح مشتركة ومتقاطعة بينها وبين الحكومة السورية.

المصالح الأهم بالنسبة لروسيا هي القواعد شرق المتوسط، وتحديدا قاعدة طرطوس البحرية، التي تؤمن الدعم اللوجيستي للقوات الروسية في البحر المتوسط وشمال أفريقيا ووسط القارة السمراء وشرقها، ودون هذه القاعدة اللوجيستية سيكون من الصعب على روسيا أن توجد لها موطئ قدم بعيدا عن نطاق ما كان يعرف سابقا بالاتحاد السوفياتي.

من المتوقع أن تصل روسيا إلى صيغة تفاهم مع الحكومة السورية حول بقاء قاعدة طرطوس البحرية، وسيكون هذا في مصلحة الحكومة السورية ليس فقط مقابل الكثير الذي قد تقدمه موسكو لاستقرار سوريا وأمنها الغذائي واللوجيستي والأمني، بل أيضا للحفاظ على توازن العلاقات بين أقطاب الصراع الدوليين بما لا يجعل سوريا مجددا مسرحا لتبادل الرسائل والضغوطات وتصفية الحسابات.

مستقبل العلاقات الروسية السورية

ليس من السهل على الحكومة السورية أن تبني علاقاتها مع مختلف الأطراف دون أن تتأثر هذه العلاقات بحجم الاستقطاب الكبير الذي تشهده القوى الإقليمية والدولية، خاصة في موقع جيوسياسي يضع سوريا في وسط ساحات التغيير والتنافس بين هذه القوى.

على المستوى الداخلي لم تستكمل الحكومة السورية فرض سلطتها على كامل الجغرافيا، كما لم تستكمل بعد بناء مؤسساتها السياسية والحكومية وقواها الأمنية والعسكرية، الأمر الذي يحد من قدرتها على التفاوض مع فاعل دولي مثل روسيا.

وعلى المستوى الخارجي فإن الشرق الأوسط يشهد تجاذبات كبيرة بلغت ذروتها بعد طوفان الأقصى وما تبعه من معارك ومواجهات، ساهمت بتغيير مشهد المنطقة، وكانت سوريا جزءا من ذلك، غير أن هذه المواجهات لم تنتهِ بعد، وما بدأ في لبنان وامتد إلى سوريا سوف يستكمل طريقه إلى العراق، وربما تنتظر إيران المزيد من الضغوطات والتهديدات التي تستهدف نظامها السياسي وليس مجرد نفوذها الخارجي.

وأمام هذا كله فمن المبكر الحديث عن اتجاه واضح تذهب إليه العلاقة بين الحكومة السورية وأي من الفاعلين الخارجيين، حيث ما تزال المنطقة بقواها الإقليمية والدولية المتصلة مع الفاعلين المحليين في حال من السيولة الأمنية والسياسية العالية.

ومع ذلك فإن الاستقرار في سوريا يبقى سببا لاستقرار المنطقة، الأمر الذي تعمل على دعمه جميع الأطراف التي ترتبط مصالحها بالاستقرار والتنمية، وفي مقدمتها دول الخليج العربي، وتركيا، وروسيا، بينما يبقى الأمر نسبيا للولايات المتحدة التي ما تزال متأثرة بشكل كبير بمقاربات إسرائيلية يقودها نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة، ومن المفارقة أنها بنفس الاتجاه مع المقاربة الإيرانية، حيث كل منهما تجد مصلحتها في الاستثمار بإثارة الفوضى في سوريا، وعدم الاستقرار المستند إلى وحدة البلاد.

أمام هذه الاصطفافات الجديدة والتي لا يتضح فيها الموقف الغربي بعد، فإن الفرصة كبيرة أمام الحكومة في دمشق وأمام الكرملين في موسكو أن يجد كل منهما مصلحته في فتح صفحة جديدة مع الآخر عنوانها تقاطع المصالح التي تغلب ذاكرة لم تجف دماؤها ودموعها بعد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

 باحث مختص في الشأن السوري

الجزيرة

———————————–

الشرع في روسيا.. هل تفلح سوريا في ضبط إيقاعها بين الشرق والغرب؟/ عبد الناصر القادري

2025.10.15

شهد مطار فونكفو الدولي في العاصمة الروسية موسكو ازدحاماً بالمسافرين المنتظرين لإقلاع طائراتهم مع هبوط طائرة الرئيس السوري أحمد الشرع من جراء التشديد الأمني، الرئيس الذي حل ضيفاً على نظيره الروسي فلاديمير بوتين في قصر الكرملين، فيما يبدو أنها لبناء علاقات أمتن مع دولة علاقتها مع الشعب السوري أكثر من معقدة.

لم يمض شهر كامل على عودة الرئيس الشرع من الولايات المتحدة، صحيح أنها لم تكن زيارة عمل رسمية إلى واشنطن، لكنها كانت زيارة مهمة بالنسبة لأول رئيس سوري إلى نيويورك لحضور أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عام 1967.

فمن قيادة المعسكر الغربي في أميركا إلى قيادة ما تبقى المعسكر الشرقي في موسكو، ما الذي يبحث عنه الشرع في روسيا التي كانت أبرز داعمي نظام الأسد ومنعت سقوطه سياسياً وعسكرياً لأكثر من عقد، ونتساءل في هذا التقرير عن أهمية هذه الزيارة وهل ستكون محاولة سورية لتأسيس معادلة توازن بين المعسكرين الشرقي والغربي، أم هي إكراهات السياسة وشروطها وظروفها؟ وما الذي تريده روسيا وما الذي تطلبه سوريا في المقابل؟

تجريب 320 نوع سلاح في سوريا

وعلى بعد أيام قليلة مضت، مرت الذكرى العاشرة للتدخل العسكري الروسي في سوريا، في 30 من أيلول 2015، حيث قلبت الواقع العسكري لصالح نظام الأسد وتسببت بمعظم عمليات التهجير القسري، وارتكبت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ودمرت مدناً على رؤوس ساكنيها.

ولا ينسى السوريون ما قاله وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، إن جيش بلاده جرب أكثر من 320 نوع سلاح مختلف خلال عملياته في سوريا.

وأضاف شويغو في تصريح له في شركة “روست فيرتول” الروسية لصناعة المروحيات عام 2021، أن الأخيرة طورت إحدى مروحياتها نتيجة للعمليات العسكرية في سوريا.

وكان الهدف من تجربة الجيش الروسي لمختلف أنواع الأسلحة في سوريا هو عرضها في معارض الأسلحة العالمية لبيعها لمختلف الدول.

وخلال الأشهر الماضية عاشت سوريا مفارقات عديدة، إذ إنه في ظل حكم النظام (المخلوع)، تحولت العلاقة السورية-الروسية إلى نموذج من التبعية الكاملة؛ سياسية وأمنية واقتصادية، حيث فتحت دمشق أبوابها أمام القواعد العسكرية الروسية ووقعت اتفاقيات طويلة الأمد لمصلحة موسكو، مقابل حماية النظام سياسياً وعسكرياً من الانهيار.

وشملت مساحة النفوذ بعداً اقتصادياً وتجارياً من خلال اتفاقيات وصفقات ومذكرات تفاهم طويلة الأمد، جميعها مجحفة ولم يأخذ بالحسبان فيها أي مصلحة للسوريين، أبرزها توقيع شركة “ستروي ترانس غاز” (CTG) الروسية الخاصة عام 2019 عقداً يتيح لها استثمار مرفأ “طرطوس” لمدة 49 عاماً.

وفي 2018 هيمنت موسكو على فوسفات روسيا عبر عقد للشركة نفسها مع “الشركة العامة للأسمدة” في حمص عقداً لاستثمار ثلاثة معامل أسمدة لـ40 عاماً قابلة للتمديد.

عسكرياً بدت روسيا مستميتة للحفاظ على نفوذها في المياه الدافئة بالبحر الأبيض المتوسط، حيث وقع نظام الأسد مع موسكو اتفاقية غير محددة عام 2015 تسمح بوجود مجموعة طائرات روسية في سوريا، تمركزت في مطار “حميميم” بريف اللاذقية، وأصبحت المنصة الرئيسة للعملية العسكرية الروسية في سوريا التي بدأت في 30 من أيلول من العام ذاته.

وفي نهاية عام 2015، تم تعزيز قاعدة حميميم بنظام دفاع جوي، كما شاركت وحدات من الشرطة العسكرية في توفير الأمن.

كما وقّعت موسكو والنظام عام 2017، اتفاقيتين تحددان استخدام القواعد العسكرية الروسية في سوريا لمدة 49 عاماً، وذلك حتى عام 2066، مع خيارات للتمديد التلقائي لمدة 25 عاماً أخرى.

وهنا يظهر حجم الهيمنة الروسية عسكرياً واقتصادياً على سوريا والتي زادت بشكل مضطرد اعتباراً من عام 2015.

هل حاولت موسكو منع سقوط نظام الأسد؟

منذ تدخلها العسكري المباشر في سوريا عام 2015، بدت موسكو وكأنها الضامن الأول لبقاء نظام بشار الأسد. هذا الانطباع ظل سائداً حتى الأيام الأخيرة التي سبقت تحرير دمشق، لكن الواقع على الأرض كان أكثر تعقيداً. ففي حين كانت الآلة العسكرية الروسية قادرة على قلب موازين المعركة، اتخذت القيادة الروسية قراراً بعدم الانخراط المباشر في إنقاذ النظام خلال معركته الأخيرة.

ورغم استمرار الغارات الروسية حتى مساء 7 كانون الأول 2024، وهو اليوم الذي سبق مباشرة انهيار النظام، إلا أن طبيعة هذه الغارات تغيرت بشكل واضح، حيث استهدفت مواقع مفتوحة أو بعيدة عن خطوط الاشتباك، ما اعتُبر مؤشراً على نية موسكو تجنّب استهداف قوى المعارضة بشكل مباشر. هذا التغير المفاجئ ترافق مع إشارات صامتة أرسلتها روسيا لبعض الأطراف الدولية والإقليمية تؤكد فيها أنها لن تتدخل إذا كان هناك انتقال سياسي منظم وسلس يضمن مصالحها الأمنية والعسكرية في سوريا.

تسريبات من طهران أظهرت أن الإيرانيين شعروا بأن موسكو خدعتهم في اللحظات الأخيرة، في حين صرح وزير الخارجية التركي، في مقابلة متلفزة، بأن روسيا كانت قادرة على إيقاف سقوط العاصمة لكنها “قررت عدم فعل ذلك”.

ويُعتقد أن موسكو رأت أن بقاء الأسد (ومن خلفه إيران) بات عبئاً على مشروعها في سوريا، خاصة بعد انحسار نفوذها الإقليمي وتزايد التوتر مع الغرب، فاختارت إعادة التموضع خلف “شرعية جديدة” تضمن لها حضوراً دائماً من دون أن تدفع كلفة سياسية أو عسكرية باهظة.

من هذا المنظور، يبدو أن موسكو تعاملت مع لحظة سقوط النظام بوصفها فرصة لإعادة صياغة دورها في سوريا الجديدة، بدل أن تكون مجرد قوة حماية لنظام متآكل. فهي احتفظت بقواعدها، وضمنت لنفسها دوراً في عملية ما بعد الأسد، لكنها تخلّت عن فكرة الدفاع عنه حتى النهاية، ومع ذلك استقبلته في موسكو مع كثير من سبائك الذهب ومليارات الدولارات بمجموعة من أفخر الشقق السكنية على مقربة من الكرملين في موسكو.

التاريخ معكوسٌ.. الشرع في الكرملين

على مسافة 13 كيلومتراً من الكرملين يعيش الرئيس المخلوع بشار الأسد مع عائلته وبيوت أسراره المالية في مجموعة من الشقق الفاخرة، يقف على شرفة بيته لا يرى القصر الرئاسي الروسي، إلا أنه ربما قد سمع بزيارة الرئيس الشرع أو شاهد الموكب الرئاسي الذي قطع جنوب غربي العاصمة الروسية باتجاه القصر الأحمر رافعاً علم سوريا الجديد.

في قاعة الاستقبالات الرئيسية استقبل بوتين الشرع وفي الخلفية علمي روسيا وسوريا، وفد سوري كامل يضم وزراء الخارجية أسعد الشيباني والدفاع مرهف أبو قصرة ورئيس جهاز الاستخبارات حسين سلامة، إضافة إلى ماهر الشرع الأمين العام للرئاسة الطبيب الذي أمضى شطراً من حياته في روسيا ويتحدث لغتها وتزوج إحدى مواطناتها وأنجب أطفاله قبل أن يغادر البلاد عام 2022 متجهاً إلى تركيا ثم إدلب وأخيراً في دمشق على مقربة من شقيقه الرئيس.

وفي الخبر الأبرز ليوم الأربعاء، بحث الشرع مع بوتين، سبل إعادة ضبط العلاقات بين دمشق وموسكو وتعزيز المشاريع المشتركة.

وبحسب وسائل إعلام روسية، تركّزت المحادثات على تعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد والأمن الغذائي والطاقة، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على الاستقرار في سوريا والمنطقة، وتعميق الشراكة التاريخية بين البلدين.

وخلال اللقاء، أكّد الرئيس الشرع، أنّ بلاده ستحاول إعادة ضبط علاقاتها مع روسيا، مشدداً على أهمية الحفاظ على الاستقرار في البلاد والمنطقة.

وأضاف: “تربطنا أيضاً جسور تعاون هامة، بما في ذلك جسور مادية، وسنواصل العمل على ذلك مستقبلاً، سعياً لإعادة إطلاق علاقاتنا الشاملة”.

وأشار إلى أن جزءاً من الغذاء السوري يعتمد على روسيا، وقال: “نحاول إعادة تعريف طبيعة العلاقات مع روسيا، ونحترم كل الاتفاقيات السابقة والحالية بين سوريا وروسيا، وكثير من محطات الطاقة السورية تعتمد على روسيا”.

من جانبه، شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أن العلاقات بين موسكو ودمشق تاريخية وخاصة، وأن الهدف الدائم لروسيا كان خدمة مصلحة الشعب السوري، على حد قوله.

وقال بوتين: “لم تكن لدينا في روسيا أي علاقات مع سوريا مرتبطة بظروفنا السياسية أو مصالحنا الخاصة (..) على مدى هذه العقود، كان هدفنا دائماً مصلحة الشعب السوري”.

وأضاف: “روسيا وسوريا تتمتعان بعلاقات خاصة منذ عقود عديدة (..) العلاقات بين سوريا وروسيا كانت دائماً ودية للغاية، ونحن مستعدون لإنجاز المشاريع المشتركة مع سوريا”.

ووصف بوتين “انتخابات مجلس الشعب” في سوريا بأنها “نجاح كبير”، لافتاً إلى أنها ستعزز الروابط بين القوى السياسية، مردفاً: “سعيد برؤيتكم، وأهلاً وسهلاً بكم في روسيا (..)، روسيا مستعدة لإجراء مشاورات منتظمة مع سوريا عبر وزارة الخارجية”.

السؤال الأهم.. ماذا نريد من روسيا وماذا تريد منا؟

الواضح أنه لن يكون لروسيا اعتذار من الشعب السوري على الجرائم المرتكبة ولن تعوض الضحايا ولن تسلم بشار الأسد للعدالة (لم يسبق لروسيا أن سلمت أحداً) ووثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان عرقلة روسيا للمساءلة الدولية باستخدام حق النقض 18 مرة، منها 14 بعد تدخلها العسكري، وصوَّتت ضد الشعب السوري في 21 دورة لمجلس حقوق الإنسان ضد أي إدانة للنظام، مجنِّدةً دولاً حليفة لحمايته.

وتسببت روسيا بمقتل 6993 مدنياً، بينهم 2061 طفلاً و984 سيدة، وارتكبت 363 مجزرة وقتلت ما لا يقل عن 70 من أفراد الطواقم الطبية، بينهم 12 سيدة إضافة إلى مقتل ما لا يقل عن 24 من أفراد الطواقم الإعلامية. وما لا يقل عن 1262 حادثة اعتداء على مراكز حيوية مدنية، بينها 224 مدرسة، و217 منشأة طبية، و61 سوقاً بين 30 من أيلول 2015 و8 من كانون الأول 2024.

ومع التموضع الجيوسياسي الجديد في سوريا والذي نال اعترافاً دولياً مهماً، من المرجح أن يبحث الرئيس السوري في موسكو العديد من الملفات، وهو ما سيشمل:

    الاتفاق الأمني مع إسرائيل:

من المرجح أن يناقش الشرع إعادة تفعيل اتفاق فصل القوات لعام 1974 أو بلورة اتفاق جديد يتيح لسوريا مساحة للمناورة السياسية، بعيداً عن التطبيع الكامل الذي يسعى إليه بنيامين نتنياهو، خصوصاً بعد الاستهداف الإسرائيلي الأخير لوزارة الدفاع في دمشق وما تبعه من توتر في السويداء، وهو ما أشار له الشرع بإمكانية نشر شرطة عسكرية روسية على الحدود مع الاحتلال.

    النفوذ الإيراني في سوريا:

تتجه المباحثات إلى تحديد حدود الدور الإيراني الذي كانت موسكو قد ساهمت في تغطيته سياسياً أو عسكرياً في السنوات الماضية، خاصة بعد اغتيال قاسم سليماني وتراجع النفوذ الإيراني عقب عملية ردع العدوان نهاية 2024.

    ملف العدالة والمساءلة:

من بين المطالب التي قد يطرحها الوفد السوري تسليم بشار الأسد وعدد من المسؤولين السابقين المقيمين في روسيا إلى العدالة السورية، في إطار مسار العدالة الانتقالية الذي تتبناه دمشق الجديدة، والذي سيكون من دون نتيجة مرجوة بالغالب بسبب طبيعة روسيا وتاريخها في استقبال الرؤساء الحلفاء.

وبين معترضتين.. “من هم الرؤساء المخلوعين الذين أعطتهم روسيا حق اللجوء؟”

.

    ملفات عسكرية واقتصادية:

تشمل المحادثات ملف “قسد” ووجود الشرطة العسكرية الروسية في مطار القامشلي، إضافة إلى تحديث تسليح الجيش السوري الجديد، ومراجعة مستقبل القواعد العسكرية الروسية في الساحل، والاتفاقيات الموقعة في عهد النظام المخلوع، وملف القمح الروسي وطباعة العملة.

    التنسيق الأمني ومحاربة الإرهاب:

تؤكد دمشق رغبتها في استمرار التعاون مع موسكو في مكافحة الإرهاب، وملاحقة خلايا تنظيم الدولة في البادية السورية.

    خريطة توازن للعلاقة

تسعى سوريا الجديدة إلى صياغة علاقة متوازنة مع موسكو، تركز على المصالح المتبادلة لا التبعية، ضمن سياسة خارجية جديدة قائمة على مبدأ “صفر مشكلات” مع الإقليم والعالم، في وقت تحاول فيه دمشق تثبيت موقعها بين دول الغرب بقيادة الولايات المتحدة وأوروبا والمعسكر الشرقي الذي تمثله روسيا والصين.

وتراهن دمشق على أن تكون هذه الزيارة بداية لشراكة استراتيجية جديدة مع موسكو، توازي انفتاحها على واشنطن بعد لقاء الشرع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، في إطار سياسة خارجية تقدم المصلحة السياسية على حساب أي شيء آخر

تلفزيون سوريا

—————————————-

كيف رسم أول لقاء بين بوتين والشرع ملامح العلاقة الروسية السورية الجديدة؟

توافق على إعادة ترتيب العلاقات ومواصلة النقاشات حول الملفات العالقة

موسكو: رائد جبر

16 أكتوبر 2025 م

لا شك أن المشهد كان مثيراً للغاية. فمن كان يتخيل قبل عام واحد، أن يرى الرئيس أحمد الشرع جالساً في أفخم قاعات الكرملين، محاطاً بحفاوة بالغة. وفي الطرف المقابل يجلس الرئيس فلاديمير بوتين وحوله أبرز شخصيات دائرة اتخاذ القرار في روسيا؟

وهناك، على بعد كيلومترات قليلة من المكان، يقبع الرئيس المخلوع، الذي كان حليفاً مقرباً للكرملين، حتى وقت قريب. وربما تابع «اللاجئ لأسباب إنسانية»، بحسرة عبر الشاشات، ما دار في الجزء المعلن من اللقاء في «القاعة الخضراء» الأفخم في القصر الرئاسي التي يستقبل فيها عادة أبرز الزعماء.

مشهد لم يكن ليخطر في بال أحد قبل عام. وقد عكس مرة واحدة مستوى البراغماتية وسرعة التكيف التي تعامل بها الكرملين مع الواقع السوري الجديد.

بدا بوتين مرتاحاً وهو يتحدث عن علاقات تمتد إلى ثمانية عقود. وتجنب التوقف عند السنوات العجاف فيها. ماراً بسرعة على فكرة أن روسيا لا تبني علاقاتها بناء على لحظة سياسية أو مرحلة معينة، بل على مصالح الشعوب.

وبدا الشرع مدركاً تماماً أهمية اللحظة التاريخية، وهو يؤيد فكرة نظيره الذي كان يطالب برأسه حياً أو ميتاً حتى عام مضى، واستذكر بهدوء التغييرات التي طرأت على سوريا من دون أن يستخدم مصطلحات قد تبدو حساسة للروس، مثل «تحرير سوريا».

القواعد العسكرية الروسية

خلف المشهد، ترتيب دقيق ومحكم لمجريات الزيارة والنقاشات، كما جرت العادة في بروتوكولات الكرملين. من لحظة دخول الشرع القاعة التي انتظره فيها بوتين، مع مروره بالتحية العسكرية التي أداها موظفو الحرس الرئاسي، إلى لحظة خروج عدسات الكاميرات من القاعة وبدء الاجتماع المغلق.

كان من الطبيعي ألا يتم التطرق في الجزء المفتوح إلى العناصر الأساسية التي يخفيها كل طرف في جعبته. لا حديث عن القواعد العسكرية الروسية التي يشكل استمرار وجودها أولوية أساسية بالنسبة إلى الكرملين. ولا إشارة من الطرف السوري إلى العدالة الانتقالية ومطلب تسليم الأسد.

لكن الملفين كانا حاضرين بالفعل خلال النقاشات، وهو ما دلت عليه جزئياً تصريحات كل من الناطق الرئاسي ديمتري بيسكوف ووزير الخارجية سيرغي لافروف لاحقاً، لكن من دون الإشارة إلى توافقات محددة بشأنهما.

في الملف الأول، أعلنت موسكو أن الرئيسين ناقشا مستقبل القواعد العسكرية، لكنها لم تضع توضيحات إضافية، ما عكس أن الملف ما زال يحتاج إلى مزيد من النقاشات على مستويات فنية وسياسية وعسكرية. تشير بعض التسريبات إلى رغبة مشتركة في التوصل إلى إطار قانوني جديد، ينظم هذا الوجود، ويعيد ترتيب مهام القوات وحجمها وصلاحياتها على الأرض السورية.

وهنا قد يكون أسيء فهم عبارة الشرع الغامضة حول «احترام كل الاتفاقات المبرمة سابقاً»، لأن احترام سوريا لتعهداتها واتفاقاتها الحكومية لا يعني بالضرورة مواصلة الالتزام بالنصوص التي حملتها وثائق وقعت في مرحلة سابقة. وهنا يدخل الحديث عن اتفاق على «مراجعة تلك الاتفاقات» تم الإعلان عنه خلال زيارة وزيري الخارجية والدفاع السوريين إلى موسكو.

لكن اللافت في هذا الملف بروز بعض المعطيات من مصادر سورية حول التوصل إلى اتفاق مبدئي ينظم إدارة مشتركة في القاعدة الجوية في «حميميم» ويعيد فتح مطار اللاذقية. لكن هذه المعطيات لم تجد تأكيداً من الجانب الروسي.

أما ملف الأسد، فيبدو أنه نوقش بالفعل بشكل عابر، وليس في إطار طرحه بوصفه مطلباً رسمياً. وقد رفض الناطق الرئاسي التعليق على سؤال في هذا الشأن، واكتفى بالقول إنه «ليس لدينا ما نقوله في هذا الشأن». لكن مصدراً سورياً في موسكو رجح أنه تم التطرق لمطلب تسليم الأسد ورموز النظام السابق في إطار حديث عام وسريع عن «العدالة الانتقالية».

نقطة أخرى مهمة، لفها الغموض أيضاً، تعلقت بإمكانية أن تلعب موسكو دوراً داخلياً، للتهدئة في بعض المناطق أو لمساعدة السلطات السورية فيها.

هنا كثر الحديث قبل اللقاء عن قدرة موسكو على لعب دور وسيط في الشمال الشرقي مع المكون الكردي، وفي الجنوب مع الطرف الدرزي، وأيضاً في بذل جهود للوساطة مع إسرائيل لكبح جماح توغلاتها واعتداءاتها المتواصلة.

الدوريات وتأهيل الجيش

يشير خبراء تحدثت معهم «الشرق الأوسط» إلى أن موسكو «قادرة ولديها الخبرة الكافية في هذا الشأن»، مع تذكير بأن روسيا لعبت أدواراً بالفعل عبر اتفاق الجنوب في السابق وعبر تسيير دوريات على طول الخط الفاصل في الجولان. لكن الكرملين نفى أن يكون موضوع تسيير دوريات روسية في مناطق سورية قد طرح خلال اللقاء.

إذن، يبقى الموضوع مرتبطاً بـ«القدرة الروسية» في حال تم بالفعل التوصل إلى اتفاقات لاحقاً في هذا الشأن. وهنا يضيف خبراء أن هذا الموضوع قد يكون حيوياً لاحقاً في حال اتفقت موسكو ودمشق على آليات لإعادة هيكلة وتدريب الجيش السوري، وربما تسليحه بدفاعات جوية وأرضية، وهو موضوع نوقش في وقت سابق خلال زيارة رئيس الأركان السوري إلى موسكو قبل أسبوع.

لكن هذا الموضوع يحتاج إلى تنسيق للمواقف الإقليمية وفتح قنوات اتصال روسية مع إسرائيل لضمان عدم شن الأخيرة هجمات جديدة على المؤسسة العسكرية. بعبارة أخرى، الحديث قد يدور عن عودة روسيا للعب دور الضامن للطرفين السوري والإسرائيلي، لتنشيط دورها في مناطق خطوط الفصل وفي ملف إعادة تأهيل الجيش، وهو أمر ما زال التوصل إلى تفاهمات بشأنه بعيد المنال.

الديون الروسية

وهناك عنصر مهم في العلاقة الجديدة، يتعلق بمسألة الديون الروسية على سوريا والتعويضات المطلوبة من موسكو، التي تتحدث عنها بين الحين والآخر أوساط سورية. هذا الملف أيضاً بدا أنه لم يطرح للنقاش بعد بشكل تفصيلي، لكن الإشارات الأولى تدل على استعداد موسكو للتعامل معه في مسارين: الأول: هناك استعداد مبدئي لإعفاء سوريا من الديون المستحقة في إطار الإسهام الروسي بتخفيف الضغط الاقتصادي والأعباء الملقاة على كاهل السلطات الجديدة. وهذا يتطلب اتفاقاً واضحاً حول خطوات مقابلة، بينها منح شركات روسية حصصاً في ملف إعادة الإعمار، وفي بعض القطاعات.

الثاني، يتعلق بتوجه روسي بديل عن فكرة التعويضات، يقوم على إسهام روسي مباشر في إعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية في قطاعات حيوية للغاية بالنسبة إلى سوريا وعلى رأسها قطاع الطاقة، وطرق المواصلات وغيرها من المنشآت الاستراتيجية التي كان لروسيا أصلاً إسهام في تشييدها في مراحل سابقة.

وهذا الموضوع يشكل جزئياً عنصر اتفاق تم الإعلان عنه بعد اللقاء الرئاسي بشكل مباشر، وهو يقود إلى العنصر المتعلق بدور روسي محتمل في تنشيط عمليات إعادة تأهيل بعض البنى التحتية الذي يبدو حالياً الأسهل، لوضعه موضع التنفيذ.

يذكر أنه، ومباشرة بعد اللقاء بين الرئيسين، خرج نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك وهو مسؤول قطاع الطاقة في الحكومة، ليقول للصحافيين، إن الشركات الروسية مهتمة بالعودة فوراً إلى سوريا، وإن موسكو مستعدة لإسهام قوي في إعادة تأهيل محطات الطاقة، وبعض المشروعات الكبرى المتعلقة بالغاز والنفط. فضلاً عن العمل في مجالات مرتبطة بينها قطاع الطرق والأمن الغذائي من خلال إرسال إمدادات غذائية عاجلة على رأسها القمح، وكذلك إمدادات طبية.

وقال نوفاك للصحافيين عقب الاجتماع: «ناقشنا اليوم مشاريع محددة في مجالات الطاقة والنقل وتطوير السياحة والرعاية الصحية والمجالات الثقافية والإنسانية».

إعادة الإعمار

وأوضح المسؤول الروسي «ندرك عموماً أن سوريا بحاجة ماسة لإعادة الإعمار، فهي تعاني من دمار كبير في بنيتها التحتية، بما في ذلك البنية التحتية للطاقة والسكك الحديدية والنقل. ويمكن لروسيا تقديم الدعم هنا. كما أن شركاتنا مهتمة بتطوير البنية التحتية للنقل وإعادة تأهيل قطاع الطاقة، كما كان عليه في العهد السوفياتي».

وكان لافتاً في هذا الإطار أن وكالة أنباء «نوفوستي» نقلت عن وزير المالية السوري، محمد برنية، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن، أن سوريا «مستعدة لتقديم فرص هائلة لروسيا لدعم إعادة إعمار البلاد».

عموماً يمكن القول إن اللقاء المهم في الكرملين، وضع الإطار العام لطي صفحة الماضي القريب، وتجاوز حقبة الأسد جزئياً، إذ لا حديث محتملاً بعد الآن عن دعم روسي معلن أو غير معلن لفلول النظام السابق، لكن هذا لا يعني أن الطريق نحو الاتفاقات على كل الملفات العالقة غدا يسيراً، إذ يحتاج الطرفان كما يقول خبراء إلى تفعيل آليات العمل الحكومي المشترك، ومواصلة النقاشات حول كل ملف بشكل تفصيلي.

وفي هذا الإطار بات معلوماً مثلاً أن الطرفين اتفقا خلال اللقاء الرئاسي على إعادة تسيير الرحلات الجوية بين موسكو ودمشق، وهي خطوة صغيرة لكنها ذات دلالة في إطار مسار تطبيع العلاقات. كما علمت «الشرق الأوسط» أن وزيري الخارجية أسعد الشيباني والدفاع مرهف أبو قصرة بقيا في موسكو بعد مغادرة الرئيس الشرع، الأربعاء. وبرزت معطيات عن اتفاقات سيتم توقيعها مع الجانب الروسي من دون الكشف عن تفاصيل إضافية بشأنها.

الشرق الأوسط

—————————————-

الشرع في موسكو: صورة جديدة لجدالات السوريين

الخميس 2025/10/16

لم تمر زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع، إلى موسكو، مرور الصور البروتوكولية المعتادة. فبينما كانت المصافحة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تجري في قاعة الكرملين الرسمية، كانت وسائل التواصل في سوريا، وعلى امتداد الشتات السوري، تغلي بتأويلاتٍ متضاربة، بين من اعتبر اللقاء “لحظة سياسية تاريخية” تختصر تحولاً جذرياً في معادلات ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، وبين من رأى فيه “مناورة تكتيكية” تمضي نحو المصالحة مع قاتلٍ سابق من دون المرور عبر قاعة العدالة.

وأعاد ناشطون نشر مقطع الفيديو القصير الذي قال فيه الشرع لبوتين مبتسماً: “عندكم درج طويل، الحمد لله نلعب رياضة… لم نتعب واستطعنا الوصول إلى هنا”، كأنها عبارة تلخّص كل المفارقة بين الأمس واليوم.

وظهر الشرع برفقة وزيري الخارجية والدفاع، أسعد الشيباني ومرهف أبو قصرة، داخل القصر الرئاسي الروسي. وتساءل ناشطون عن سبب غياب بوتين عن مدرج الطائرة لاستقبال الشرع، معتبرين ذلك رسالة على “عدم الجدية”، قبل أن يوضح معلقون أن هذا الإجراء يتوافق مع البروتوكول الروسي الذي لا يلزم الرئيس باستقبال الضيوف في المطار، بل في قاعة اللقاء الرسمي لاحقاً، كما حدث مع الرئيس الصيني شي جينبينغ سابقاً.

غير أن القراءة السورية للتفاصيل البصرية كانت أبعد من الشكل. فقد تم تداول صور مأخوذة من عدسات الصحافيين المرافقين للشرع، وقد التقطت الرئيس السوري واقفاً من زاوية منخفضة، تجعل حضوره البصري أكبر من بوتين، وهو ما فسّره ناشطون بأنه رسالة مدروسة تعكس انتقال مركز القرار في سوريا من وضعية الاستجداء إلى خطاب الندية.

لكن ما جعل اللحظة أكثر رمزية في المخيلة السورية، هو استحضار مقطع قديم من أحد الوثائقيات، حين قال الشرع، وكان يومها شخصية مخفية الوجه والاسم: “اسمع، هذا هو الطيران الروسي”، في إشارة إلى القصف الذي استهدفه في منطقة كانت فيها الكاميرا تسجل شهادته. وبعد نحو عقد من الزمن، يظهر الرجل نفسه في موسكو، يصافح الرئيس الروسي، بينما خصمه السابق بشار الأسد، بحسب مصادر مختلفة، يقيم لاجئاً في ضاحية روسية ولا يسمح له بالتحرك علناً.

وأبرز ما أثار التفاعل في وسائل التواصل لم يكن اللقاء في حد ذاته، بل طبيعة المشهد وتناقضاته ورموزه. إذ تداول سوريون صوراً من إحدى زيارات الأسد إلى روسيا، حيث بدا الاستقبال متواضعاً وقاعة اللقاء صغيرة، مقارنين ذلك بالقاعة المذهّبة التي استُقبل فيها الشرع في قصر الكرملين، وكتب أحدهم: “الدنيا مقامات”، بينما علق آخر: “اللي قالوا روسيا ما بتعترف، يشوفوا العلم”، في إشارة إلى علم الثورة الذي رفع في القاعة.

مطالب كثيرة طرحت بأن يطلب الشرع من بوتين تسليم بشار الأسد، المتهم بارتكاب جرائم واسعة ضد السوريين، لمحاكمته. لكن مصادر دبلوماسية، أوضحت أن هذا الملف، ما زال معقداً للغاية ويتطلب آليات قانونية عبر مجلس الأمن أو محاكم خاصة، إضافة إلى موافقة روسية والتي تبدو مستبعدة في المدى المنظور. فحتى لو أرادت روسيا التفاوض على هذا الملف، فإن الشروط السياسية ستكون شديدة التعقيد.

لعبة ذكية

وتداول معلقون نظرية مفادها أن الشرع “يلعب لعبة ذكية”، ويستخدم زيارته لموسكو كبوابة لحل سياسي شامل يتضمن شطب اسمه من لوائح الإرهاب، وذلك عبر كسب دعم روسيا والصين داخل مجلس الأمن. لكن مراجعة قانونية دقيقة تظهر أن الشطب من لوائح الإرهاب الأممية لا يتم بقرار من دولة واحدة، بل من خلال لجنة العقوبات 1267 التابعة لمجلس الأمن، وعبر آلية دقيقة يُشرف عليها “أمين مظالم” مستقل، وتتطلب توافقاً داخل اللجنة الأممية. أما اللوائح الأوروبية والأميركية، فهي تخضع لسيادة تلك الدول فقط، ولا تمتلك موسكو أو بكين أي دور قانوني فيها.

ويبدو أن الشارع السوري انقسم إلى ثلاث سرديات واضحة: الأولى، تصفق لأي صورة تظهر الاعتراف الدولي بالحكومة الجديدة، وتعتبر اللقاء خطوة عملية نحو استعادة القرار السياسي. والثانية تحذر من أي تسوية تغفل العدالة، وتذكّر بأن العلاقة مع موسكو لا تُبنى على الندية بل على موازين المصالح الثقيلة. والثالثة تنتظر البيان الختامي لتعرف إن كانت الرمزية ستتحول إلى التزامات.

وفيما بقي مصير الأسد معلّقاً بين الدبلوماسية والعدالة، كان أحمد الشرع يصافح بوتين في قاعة المرايا، وهو يقول: “الحمد لله لم نتعب”، جملة ستبقى عالقة، لا لخفتها، بل لأنها خرجت من رجل طاردته الطائرات ذاتها التي تحلق اليوم فوق قصر الكرملين.

المدن

—————————————–

خبراء روس يقيّمون للجزيرة نت زيارة الشرع الأولى إلى موسكو

فهيم الصوراني

موسكو- عقد الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والسوري أحمد الشرع، أمس الأربعاء، أول لقاء مباشر بينهما منذ انهيار النظام السوري السابق، وتناولت المحادثات مجموعة واسعة من القضايا، بما في ذلك مصير القواعد العسكرية الروسية، والاستثمارات وإعادة إعمار سوريا.

وقال بوتين خلال الاجتماع إن موسكو ودمشق تتعاونان منذ أكثر من 80 عاما، وإن العلاقات الدبلوماسية بينهما تأسست خلال فترة عصيبة لبلاده.

وأضاف أنه “لطالما اتسمت العلاقات بيننا بطابع ودي استثنائي طوال هذه العقود، وقد استرشدنا دائما بأمر واحد: مصالح الشعب السوري”.

إعادة ضبط العلاقات

بدوره، أكد الشرع أن دمشق ستسعى إلى إعادة بناء علاقاتها مع موسكو، و”تعريفها بسوريا الجديدة”، مشددا على أهمية الحفاظ على الاستقرار في بلاده والمنطقة ككل. وأعلن عن نية “إعادة ضبط” العلاقات الروسية السورية، ووعد بمنح موسكو “دورا جادا” في بناء “سوريا جديدة”. كما أكد أن السلطات الجديدة تحترم الاتفاقيات التي وقعتها موسكو مع دمشق خلال حكم النظام السابق.

وكان الكرملين قد أعلن رسميا أن الطرفين سيناقشان الوضع الراهن وآفاق تطوير العلاقات الروسية السورية في المجالات السياسية والتجارية والاقتصادية والإنسانية، بالإضافة إلى الوضع في الشرق الأوسط.

ويرى الخبير في شؤون الشرق الأوسط أندريه أونتيكوف أن زيارة الشرع ومباحثاته مع الرئيس الروسي تشير إلى وجود نيّات قوية لدى الطرفين لبدء مرحلة جديدة من التعاون.

وقال في حديث للجزيرة نت، إن الزيارة كان لا بد أن تركز على تقييم الاتفاقيات التي تم توقيعها خلال حكم النظام السابق، والتي أصبح من الملح تقييم مدى ملاءمتها للحقائق السياسية الجديدة التي تشكلت في سوريا.

وشدد أونتيكوف على أن موسكو لن تسلم الرئيس المخلوع بشار الأسد، وأن السلطات الحالية في دمشق لن تصر على ذلك، على الأقل في الوقت الراهن، لأن ذلك سيعني توتر العلاقات مجددا مع موسكو.

تفاهم متبادل

ورجح أونتيكوف أن زيارة الشرع الحالية لن تتطرق إلى إثارة هذا الملف مع الجانب الروسي تجنبا للتداعيات السلبية التي يمكن أن تنجم عن ذلك، وحفاظا على الفوائد الكبيرة التي يمكن تحقيقها من خلال إعادة تطبيع العلاقات بين موسكو ودمشق. وبرأيه فإن فرضية تسليم الأسد، إلى جانب أسباب أخرى، ستشكل ضربة قوية لسمعة روسيا في المنطقة بل وفي العالم أجمع.

وبخصوص مستقبل القواعد الروسية في سوريا، قال إن موسكو متمسكة بالإبقاء عليها كما أن دمشق لا ترى مشكلة في ذلك، وما سيتبقى هو التفاهم على التفاصيل المتعلقة بتفعيل عملها وعدد العاملين فيها والأسلحة والمعدات العسكرية الموجودة حاليا، أو التي قد يتم نشرها هناك في المستقبل.

من جانب آخر، اعتبر الخبير في العلاقات الدولية ديمتري كيم أن الزيارة تحمل في طياتها رغبة من قبل دمشق لتنويع علاقاتها الدولية، بما في ذلك من خلال إعادة التوازن في علاقاتها مع روسيا.

ويضيف للجزيرة نت أن موسكو لاعب دولي مؤثر في الشرق الأوسط، وأن التطورات الأخيرة كشفت أن الرهان الكامل على الولايات المتحدة لم يكن في محله، على ضوء تجاهلها للهجمات الإسرائيلية على سوريا وسيطرة القوات الإسرائيلية على مناطق في البلاد.

وحسب قوله، فإن الطرفين مهتمان بتوقيع اتفاقيات إطارية جديدة تُضفي طابعا رسميا على وضع القواعد العسكرية، وبالحد الأدنى، الحفاظ على الوضع الراهن لها.

علاقات ممتدة

وتابع الخبير كيم أن موسكو تريد الحفاظ على وجودها العسكري ونفوذها في المنطقة، في حين تسعى دمشق إلى الحصول على منافع اقتصادية وسياسية، بالإضافة إلى ضمانات أمنية. ورأى أن القيادة السورية الجديدة “تعمل على إضفاء الشرعية على سلطتها، سعيا لتأمين دعم موسكو في أي عملية تسوية مستقبلية شاملة في المنطقة”.

وتعد زيارة العمل التي يقوم بها الرئيس السوري إلى موسكو الأولى له في هذا المنصب منذ انهيار النظام السابق في ديسمبر/كانون الأول 2024. وبعد تغيير السلطة، حصل الرئيس المخلوع الأسد وعائلته على اللجوء السياسي في روسيا.

لكن التغييرات في سوريا لم تمنع موسكو من التواصل مع السلطات الجديدة في البلاد، حيث تملك قواعد عسكرية في طرطوس وحميميم، وعلاقات قوية تعود إلى أربعينيات القرن الماضي. ففي يناير/كانون الثاني الماضي، قام وفد روسي بزيارة رسمية إلى دمشق، وفي نهاية يوليو/تموز الماضي، حضر إلى العاصمة الروسية وفد رسمي سوري برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني.

وقبيل زيارته إلى موسكو، صرح الشرع في مقابلة مع قناة “سي بي إس” الأميركية بأنه يبني علاقات “هادئة” مع روسيا انطلاقا من المصالح الإستراتيجية الحالية لدمشق، وأكد أنه تلقى بالفعل “إشارات إيجابية” منها.

المصدر: الجزيرة

——————————–

نائب رئيس الوزراء الروسي يكشف تفاصيل لقاء بوتين والشرع

الرياض – العربية نت

16 أكتوبر ,2025

كشف نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك عن تفاصيل المباحثات التي جرت بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس السوري أحمد الشرع في الكرملين، مؤكداً أنها تناولت ملفات إنسانية واقتصادية واسعة، شملت الطاقة والنقل والصحة والسياحة.

ماذا دار بين بوتين والشرع في أول لقاء استمر ساعتين ونصف؟

سوريا ماذا دار بين بوتين والشرع في أول لقاء استمر ساعتين ونصف؟

وقال نوفاك في تصريحات للصحافيين عقب اللقاء الذي استمر أكثر من ساعتين ونصف الساعة، إن سوريا بحاجة إلى إعادة بناء شاملة لبنيتها التحتية التي تضررت بشكل كبير خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن روسيا قادرة على تقديم الدعم والمشاركة في هذه العملية.

كما أوضح أن الجانبين اتفقا على أن شركات روسية أبدت اهتماماً بتطوير قطاعات النقل وإعادة تأهيل منظومة الطاقة التي أُنشئت خلال الحقبة السوفيتية، مؤكداً أن هذه الملفات ستُبحث بشكل أكثر تفصيلاً خلال المرحلة المقبلة، وفق ما نقل موقع “روسيا اليوم”.

التعاون الثقافي والإنساني

وأضاف نائب رئيس الوزراء الروسي أن المباحثات شملت أيضاً التعاون الثقافي والإنساني، إلى جانب تطوير السياحة والرعاية الصحية، مشيراً إلى أن دمشق أبدت اهتماماً بالحصول على القمح والأدوية الروسية.

إلى ذلك كشف نوفاك في ختام حديثه أن موسكو ودمشق اتفقتا على عقد اجتماع للجنة الحكومية المشتركة بين البلدين في المستقبل القريب لبحث تفاصيل التعاون وتنفيذ المشاريع المتفق عليها.

ووصل الرئيس السوري أحمد الشرع، أمس الأربعاء، لأول مرة منذ تسلمه السلطة في سوريا إلى مقر الرئاسة الروسية الكرملين للقاء نظيره الروسي فلاديمير بوتين.

وأجرى الزعيمان مباحثات أكد فيها الرئيس الروسي لنظيره السوري على العلاقات الدبلوماسية التاريخية الممتدة مع سوريا.

الزيارة الأولى

يذكر أن الشرع كان أكد مراراً أن بلاده لن تكون مصدر إزعاج لأحد، وستحافظ على علاقة متوازنة مع الجميع.

كما صرح الرئيس السوري مؤخراً، أن دمشق ستتبع كل الطرق القانونية المتاحة للمطالبة بمحاسبة رئيس النظام السابق بشار الأسد، دون الدخول في صراع مكلف مع روسيا التي تستضيفه.

وشدد على أن الانخراط في صراع مع روسيا الآن سيكون مكلفاً للغاية بالنسبة لسوريا، ولن يكون في مصلحة البلاد.

وهذه هي أول زيارة يقوم بها الشرع إلى موسكو منذ أن أطاحت فصائل المعارضة بقيادته بالرئيس السابق العام الماضي، علماً أن بوتين كان منح الأسد لجوءاً إنسانياً حينها، ومذاك لم يشاهد الرئيس السابق في أي مكان في العاصمة الروسية.

أما روسيا فلها قاعدتان عسكريتان رئيسيتان في سوريا هما قاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية، وقاعدة طرطوس البحرية.

———————————–

مزاح الشرع مع بوتين والدرج الطويل في الكرملين

الأربعاء 15 أكتوبر 2025

إيلاف من موسكو: جذب الرئيس السوري للمرحلة الإنتقالية أحمد الشرع أنظار الميديا العالمية بالمزحة التي أطلقها خلال حديثه للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو “الأربعاء”، فقد قال الشرع ممازحا بوتين، في مستهل لقائهما في الكرملين إن “لديكم درجاً طويلاً، ومن الجيد أننا نلعب شوية رياضة ونستطيع أن نصعده دون أن نتعب”.

وقبل لقائه بوتين، صعد الشرع درجاً طويلاً باتجاه بهو الكرملين، وقد خلع معطفه في منتصف المسافة، وأثارت مزحة الشرع تفاعلاً كبيراً في الصحف والمواقع العالمية، وكذلك عبر حسابات السوشيال ميديا، فهناك من أخذها على محمل الجد، وحاول البحث عن تفسيرات لها، وإذا ما كانت مزحة تحمل رسالة ما، وتعبر عن إصرار الشرع على علاقات جيدة مع روسيا والعالم، مهما كلفه ذلك من جهد، وحواجز وعقبات.

فيما فسرها البعض الآخر بصورة لا تحمل تأويلاً عميقاً، حيث يقول أصحاب هذا الرأي أن الشرع حاول إزالة الحواجز مع أحد أهم القيادات العالمية، فضلاً عن أن بوتين كان بالأمس حليفاً لنظام الأسد الذي أطاح به الشرع، وهو اليوم يلتقي معه.

وأكد الرئيس الروسي خلال استقباله “الشرع” على العلاقات الوثيقة مع الشعب السوري، مشددًا على سعي موسكو إلى تطوير العلاقات مع دمشق، حيث ستستأنف اللجنة الحكومية المشتركية بين سوريا وروسيا عملها، مشيرًا إلى أن روسيا لديها علاقات قوية مع سوريا منذ أكثر من 80 عاماً.

وأضاف بوتين أن العلاقات الروسية السورية علاقات صداقة ولم تكن لروسيا أي علاقات منوطة بالحالة السياسية أو المصالح الضيقة وهي مرتبطة بالمصالح المتبادلة ومصلحة الشعب السوري.

من جانبه قال الرئيس الشرع: “نحن في سوريا الجديدة نعيد ربط العلاقات مع كل الدول الإقليمية والعالمية، وهناك علاقات ثنائية ومصالح مشتركة تربطنا مع روسيا ونحترم كل الاتفاقيات معها.”

وأضاف الرئيس السوري: “لدينا علاقات وثيقة مع روسيا وجزء كبير من قطاع الطاقة في سوريا يعتمد على الخبرات الروسية.”

وكان من اللافت في كلمات الشرع تأكيده على استقلالية سوريا في علاقتها المستقبلية مع روسيا، حيث أشار إلى سعي بلاده إلى علاقة قوية مع روسيا تقوم على الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة.

https://x.com/MousaAlomar/status/1978423333168267663?ref_src=twsrc%5Etfw%7Ctwcamp%5Etweetembed%7Ctwterm%5E1978423333168267663%7Ctwgr%5E%7Ctwcon%5Es1_c10&ref_url=https%3A%2F%2Felaph.com%2FWeb%2FNews%2F2025%2F10%2F1579583.html

——————————-

درجكم طويل ونحن رياضيون”.. عبارة للشرع اختزلت مسار الثورة والحوار مع روسيا

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع لقاءه مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في قصر الكرملين بالعاصمة الروسية يوم أمس الأربعاء بعبارة مازحة قال فيها: “عندكم درج طويل.. جيد أننا نلعب شوية رياضة حتى نستطيع أن نأتي إلى هنا دون أن نتعب”.

وانتشرت هذه العبارة سريعا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث بادر المدونون والمحللون إلى تفكيك دلالاتها وقراءة ما تحمله من رسائل رمزية ودبلوماسية.

فقال ناشطون إن عبارة الرئيس أحمد الشرع لم تكن مزحة عابرة، بل كانت خطابا رمزيا سياسيا مدروسا بعناية حمل رسائل دقيقة لكل الأطراف، ونجح في المزج بين الدبلوماسية الذكية والثبات القيادي، ليقدم صورة القيادة السورية الجديدة بثقة ونضج أمام الداخل والخارج.

فقد رأى كثيرون أن حديث الشرع يحمل رسائل مبطنة، يمكن تلخيصها في 3 محاور أساسية: أولها رسالة ثقة بالنفس والقدرة، إذ يشير الشرع إلى أن الوصول إلى موسكو والتعامل مع روسيا لم يكن أمرا صعبا بالنسبة له، بل يؤكد من خلال عبارته أنه قوي وحازم ومستعد لمواجهة التحديات.

وهذا يوحي بثقة عالية بالنفس وبالقدرة على الصمود أمام الصعوبات، ويعكس صورة الزعيم الذي يتمتع بالهيبة والحضور بحسب بعض المغردين.

ورأى آخرون أنه تلميح ذكي للمقارنة حيث يتضمن حديث الشرع مقارنة غير مباشرة بين الجهد المبذول من قبل روسيا أو بيئتها، وبين قدرته هو على التكيف وتجاوز العقبات. وهو بذلك يقدم نفسه كشخص غير ضعيف ولا خاضع، بل قادر على التغلب على المصاعب مهما بلغ حجمها.

وأشار محللون إلى النبرة الدبلوماسية التي كانت مرحة لكنها حازمة، حيث استخدم الشرع المقارنة بالرياضة لتلطيف أجواء الحوار، لكنه في الوقت نفسه حمل في كلماته رسالة واضحة بأنه يقف بثبات ولا يمكن إرهاقه أو الضغط عليه بسهولة من قبل القوى الكبرى، ويجمع بذلك بين الدبلوماسية الذكية والثبات على الموقف.

وأشار عدد من المتابعين إلى عدة جوانب انعكست من خلال مزاح الشرع مع بوتين، فقد جاءت الجملة: “درج روسيا كان طويلً، لكننا كنا رياضيين، واستطعنا أن نصل إلى هنا دون تعب” كافتتاحية لخطاب سياسي محسوب بدقة، حيث يعد اختيار الكلمات الأولى في اللقاءات الثنائية أداة لإيصال رسائل رمزية عميقة دون مواجهة مباشرة أو إثارة الحرج. وقد استخدم الرئيس الشرع ما يعرف بـ”الخطاب الرمزي المهذب”، أي قول الحقيقة بطريقة لبقة لا تثير العداء.

وأشار مدونون إلى الرسائل الثلاث في مضمون الخطاب، أولها رسالة إلى روسيا أن القوة ليست كل شيء فاستخدم الشرع صورة “الدرج الطويل” كرمز للطريق الذي قطعته موسكو في تدخلها العسكري في سوريا، مجربة مختلف أشكال القوة والسلاح.

ومع ذلك، من وقفوا ضد هذا التدخل باتوا اليوم يصعدون درجات الكرملين مكرمين لا ملاحقين.

ورأى هؤلاء أن الرسالة هنا أن القوة العسكرية لا تغير مسار التاريخ، بل الإرادة والشرعية الشعبية هي التي تصنع المستقبل. وكأن الشرع يقول لبوتين بلطف: “درجكم طويل، لكننا وصلنا إليه رغم كل شيء… فربما لم يكن السلاح هو الطريق الأقصر.

ثانيا: رسالة إلى الداخل السوري بأن الثورة لم تنكسر حين جاءت عبارة “كنا رياضيين”، لتعكس روح الثورة السورية: الرياضي يتعب لكنه لا يستسلم، يسقط ثم ينهض، ويتنافس بشرف. جميعها رموز لقيم الثورة من كرامة وصبر وإصرار بلا كراهية. الرسالة: “لم نكن طلاب حرب، بل طلاب حرية”.

وأخيرا رسالة إلى العالم قصد فيها الشرع أن الشعب السوري صاحب شرعية لا إرهاب.

وفسرها ناشطون أن الجملة تعيد رسم صورة الثورة السورية أمام المجتمع الدولي، فتقدمها بصورة النضج والثقة والقدرة على الحوار مع القوى الكبرى دون انكسار أو عنف أو تهديد أو حقد. خطاب الشرع هنا لغة دولة وقيادة، لا لغة جماعة أو معارضة، ليقول للعالم: “ها نحن في موسكو، لا كخصوم بل كقادة شركاء”.

كما أشار بعض الناشطين إلى أن ذكر الشرع لصعوبة الدرج يرمز إلى محاولة إرهاق الضيوف في قصر الكرملين، ولكنه قلبها بدبلوماسية إلى رمز لياقة وقوة سياسية.

واعتبر مغردون آخرون أن الرسالة التي أراد الشرع إيصالها واضحة “قاتلتم طويلا لمنعنا من الوصول، لكن بعزيمتنا (لياقتنا) وصلنا أخيرا”.

——————————

الشرع في موسكو.. وناشطون: ماذا عن الفيل الذي في الغرفة؟

تفاعلت مواقع التواصل الاجتماعي في سوريا مع زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى روسيا والتي اعتبرها ناشطون دليلا على سعي الدولة الجديدة لتحقيق مصالح البلاد، في حين قال آخرون إن على موسكو تعويض السوريين عما اقترفته بحقهم من قتل وتهجير.

فقبل سنة من الآن لم يكن ممكنا تصور أن الشرع سحيل ضيفا على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين ليجري معه محادثات بشأن إعادة ترميم العلاقات بين البلدين.

وتداول ناشطون مقطع فيديو يظهر موكب الرئيس السوري وهو متجه إلى الكرملين، ووفق حلقة 2025/10/16 من برنامج “شبكات”، فقد عجت مواقع التواصل بالتعليقات الساخرة من هذا المشهد الذي لم يتخيله أحد.

وقال بعض الناشطين إن الرئيس المخلوع بشار الأسد هو من صور فيديو الموكب حيث تشير التقارير إلى أنه يقيم  في ناطحة سحاب بمنطقة “موسكو سيتي” داخل مجمع “سيتي أوف كابيتالز” الذي يبعد عن الكرملين بنحو 5 كيلومترات.

ووصل الشرع  إلى الكرملين، وصعد الدرج الأحمر الطويل وسلم على بوتين الذي قال له “في روسيا، لم تكن هناك أبدا أي علاقات مع سوريا مرتبطة بوضعنا السياسي أو بمصالحنا الخاصة. فطوال كل هذه العقود، كان هناك أمر واحد فقط يوجهنا، وهو مصالح الشعب السوري”.

ويتهم كثير من السوريين موسكو بأنها دعمت الأسد لقمع الثورة الشعبية عليه وألحقت ضررا بالغا بأرواح السوريين وممتلكاتهم وبلادهم لكنها في النهاية تمتلك اتفاقيات تاريخية مع دمشق، وهي اتفاقيات أكد الشرع احترام بلاده لها.

شتان بين رئيس وآخر

وعلى مواقع التواصل، سخر ناشطون من المشهد الذي قالوا إنه ربما أصاب الأسد بالرعب لأنه يعرف أن الشرع قد يطلب من بوتين تسليمه له، في حين أكد آخرون ضرورة إجبار موسكو على دفع تعويضات عما ألحقته بالسوريين.

فقد كتبت شام:

    شتّان بين من لجأ إليها هاربا من عدالة شعبه، وبين من دخلها اليوم باسم شعبه المنتصر.. هكذا يُكتب التاريخ، وهكذا تُكرَّم الإرادة التي لا تنكسر.

 كما كتب محمد:

    بيكون الأسد خف عقله من الرعب.. مفكر إنه الشرع جاي وراه يأخذه. هههه

أما علاء، فكتب:

    بخصوص روسيا تحديدا، أنا أدرك أن المصلحة السورية العليا تقتضي وجود علاقات جيدة معها لأسباب كثيرة، ولكن يجب أن تدفع موسكو تعويضات عما فعلته بسوريا من دمار وقصف وتهجير.

وأخيرا، كتب محمد:

    ليش حاسس في حالة إنكار؟ بوتين والشرع قعدوا وناقشوا كل الملفات إلا الفيل اللي بالغرفة.. المواضيع العسكرية.

وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أكد أن الرئيسين ناقشا موضوع  القواعد العسكرية الروسية في سوريا، لكن الكرملين رفض التعليق على مسألة مناقشة مسألة تسليم الأسد لسوريا خلال اللقاء.

المصدر: الجزيرة

—————————-

==========================

تحديث 15 أوكتوبر 2025

————————————

بعد تصريحات الشرع… آفاق جديدة للعلاقات السورية – الروسية؟/ صبحي فرنجية

تحاول موسكو البقاء بالقرب من المياه الدافئة

آخر تحديث 14 سبتمبر 2025

أنهى الرئيس السوري أحمد الشرع كل التكهنات حول دور روسيا في مرحلة معركة ردع العدوان التي انطلقت نهاية شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، والتي أفضت إلى انهيار النظام السوري وهروب بشار الأسد إلى موسكو. تصريحات الشرع وتوضيحاته حيال الدور الروسي والمكانة الروسية في ماضي ومستقبل روسيا ربما تهدف إلى تخفيف الغضب الشعبي من روسيا التي ساندت النظام السوري بكل قوّتها العسكرية، كما تُمهد تصريحات الشرع الطريق لطبيعة التوافقات التي يمكن أن يتم التوصل إليها مع موسكو على المستوى العسكري والاقتصادي، فالشرع أكد أنه لا بد من “تجاوز” عقبات الماضي والتعامل “بديناميكيات واسعة” وأن العلاقات ينبغي أن تُبنى “على أساس السيادة السورية”.

الشرع وفي مقابلة تلفزيونية يوم الجمعة 12 سبتمبر/أيلول الجاري أوضح أن قوات “ردع العدوان” عندما وصلت حماة جرت مفاوضات مع روسيا، و”عند وصولنا إلى حمص، ابتعد الروسي عن المعركة، ضمن اتفاق جرى بيننا وبينها، وهذا كان له أثر إيجابي”، إلا أن الرئيس الشرع لم يكشف طبيعة التوافقات التي تمت مع الجانب الروسي حينها، وهل تضمنت إبقاء الأسد دون محاكمة وإخراجه مع عدد آخرين من الضباط السوريين الذين ارتبطوا بروسيا خلال السنوات الماضية. الشرع قال إن قوات “ردع العدوان” وخلال المفاوضات مع الروس رأت أن روسيا “ليست متمسكة” بشخص النظام، وأن ما يهمها في سوريا مصالح وعلاقات قديمة وتاريخية واستراتيجية.

وعن مستقبل العلاقة مع الروس، قال الشرع إن سوريا لا تريد حالة من القلق والتوتر مع أي دولة في العالم، وأن سوريا تبحث عن الهدوء التام في العلاقات مع كل دول العام والمنطقة بما فيها الدول التي كان لديها موقف سلبي. وتابع أن “هناك روابط وثيقة بين روسيا وسوريا ولدت منذ نشأت سوريا عام 1946″، وعدّ الشرع أنه نتيجة عمق العلاقات الروسية-السورية وتاريخها “لا ينبغي العبث في بنية الدولة من داخلها، وإذا أردنا أن نحول بعض المسارات يجب أن تكون ضمن استراتيجية هادفة”. وأضاف الشرع أن سوريا لديها ارتباطات بروسيا في مجالات السلاح، والطاقة، والغذاء، وأنه “ينبغي الحفاظ عليها وإدارتها بطريقة هادئة ورزينة”، إضافة إلى أن سوريا عليها عقوبات كثيرة منها مرتبطة “بمجلس الأمن، وروسيا تمثل مقعدا دائما وصوتها يجب أن يكون هادفا”.

وقبل يومين من تصريحات الشرع، وللمرة الثالثة منذ سقوط النظام، والثانية في أقل من شهرين، وقبل أسابيع من دخول الرئيس السوري إلى قاعة الأمم المتحدة في نيويورك، وصل وفد روسي رفيع المستوى دمشق لبحث مستقبل العلاقة بين البلدين في مرحلة ما بعد الأسد. ملفات كثيرة على الطاولة، والقرارات التي يمكن اتخاذها بين الطرفين سيكون لها تأثير كبير على مستقبل سوريا وعلاقتها مع الغرب الذي التمس فرصة تاريخية للدخول إلى سوريا في معركة تكسير الأجنحة الروسية-الإيرانية في سوريا في مرحلة ما بعد الأسد.

اللقاءات مستمرة.. توافق أم تفاوض؟

طائرة روسية حطّت في دمشق الثلاثاء 9 سبتمبر/أيلول الجاري، حملت وفدا روسياً رفيع المستوى يترأسه نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك الذي يتولى دورا فاعلا في اللجان الروسية التي تنسق مع عدد من الدول العربية، وضم الوفد أيضا نائب وزير الخارجية سيرغي فيرشينين، نائب وزير الدفاع يونس بيك يفكوروف، وزير البناء والإسكان والخدمات العامة، إيرك فايزولين، وآخرين. الوفد استقبله الأمين لرئاسة الجمهورية ماهر الشرع، الذي حضر جلسة النقاشات وتولى أيضا ترجمة كلمة وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني خلال افتتاح جلسة النقاشات بين الطرفين. الطرفان بحثا عدة قضايا أبرزها ملفات أمنية تتعلق بالوجود الروسي في سوريا ومفاعيله على مستقبل البلاد، وملفات اقتصادية تتعلق بمصير الاتفاقات الروسية-السورية التي تم إبرامها زمن النظام السابق. كما التقى الوفد الروسي مع الرئيس الشرع بعد انتهاء النقاشات.

وفي مستهل اللقاء الذي جمع الوفد الروسي مع الجانب السوري، قال ويز الخارجية السوري أسعد الشيباني إن “علاقتنا مع روسيا عميقة ومرت بمحطات صداقة وتعاون لكن لم يكن التوازن فيها حاضرا، وأي وجود أجنبي على أرضنا يجب أن تكون غايته مساعدة الشعب السوري على بناء مستقبله”، مضيفا أن سوريا ترحب بالتعاون مع روسيا “على أساس عادل وشفاف”، وأنه “كلما استقرت سوريا انفتحت أمام الجميع آفاق التعاون وكلما ضعفت زادت فرص الفوضى والإرهاب، والدعم الروسي الصريح لمسار سوريا الجديد سيكون خطوة في صالح بلدنا والمنطقة بأسرها”.

من جانبه، قال نوفاك إن “المرحلة التاريخية الجديدة ستكون العلاقات فيها بين الشعبين مبنية على الاحترام المتبادل”، مجددا دعوة بلاده لزيارة الرئيس الشرع إلى موسكو “للمشاركة في القمة العربية الروسية”، ومعقّبا: “نؤكد على سيادة ووحدة الأراضي السورية”.

أجندة اللقاء…

معلومات “المجلة” تقول إن اللقاءات لم تتركز على ملف الديون بشكل رئيس، وأن المحاور التي تم نقاشها هي مستقبل العلاقات بين البلدين، على المستويات الأمنية والاقتصادية، فروسيا تحاول البقاء بالقرب من المياه الدافئة في سوريا لما لذلك من فوائد على مستوى النفوذ الجيوسياسي والاقتصادي لصالح روسيا في مواجهة الغرب، كما تحاول الحصول على ضمانات للحفاظ على الاتفاقات السابقة المُبرمة بين روسيا وسوريا.

على الرغم من انفتاح دمشق على ملفات مثل الوقود وبعض جوانب التنسيق الاقتصادي مع روسيا، فإن دمشق قلقة بشكل رئيس من النفوذ الذي تملكه روسيا في المنطقة الساحلية، لما لذلك من تأثير على جهود الدولة لترسيخ الاستقرار في البلد في حال أرادت روسيا خلط الأوراق في المنطقة، إضافة إلى النفوذ الروسي الموجود شرق الفرات والذي يمكن أن تستغله أيضا موسكو في سياق التفاوض مع دمشق لتحقيق مكاسب.

ومن الأهداف التي وضعتها دمشق في حسبانها خلال اللقاءات هو التوغل الإسرائيلي في الأراضي السورية والقصف المستمر لأهداف في سوريا، فالحكومة السورية ترى في روسيا لاعبا رئيسا في مسار المحادثات الإسرائيلية-السورية والتأثير فيها، لذلك تريد الحكومة السورية أن لا تكون روسيا في الجانب السلبي لذلك المسار، خصوصا وأن إسرائيل لا تريد للحكومة السورية أن تمتلك قوّة عسكرية فعالة، بالتزامن مع حالة التوتر الموجودة بين تل أبيب وأنقرة، ودخول الأخيرة على خط التعاون العسكري مع دمشق وتدريب الكوادر العسكرية السورية.

كما أن الحكومة السورية تريد من روسيا أن لا تقف في وجه أي تصويت/خطوة دولية لرفع الرئيس الشرع عن قوائم الإرهاب الخاصة بالأمم المتحدة، فالفيتو الروسي سيكون ضربة قوية في وجه القيادة السورية للخروج من القوائم الأممية السوداء، تمهيدا لتعزيز خطوات الاستقرار والحصول على الدعم الدولي الاقتصادي. 

عامل آخر يجعل دمشق ترغب في إبقاء الروس في الجانب الحيادي أو الأقرب إلى الإيجابية في الفترة الحالية، وهو شعور دمشق بأن الغرب لم يحسم موقفه بعد تجاه سوريا في ظل التوترات الحاصلة والمستمرة بين دمشق وكل من السويداء، شرق الفرات، والمنطقة الساحلية. لذلك يبدو أن دمشق تريد إيصال رسائل للغرب- قبيل اجتماعات الأمم المتحدة نهاية الشهر الجاري- بأنها قادرة على إعادة بناء تحالفات جديدة وتغطية الفجوات التي يمكن أن تعيق دمشق من التقدم في ملفات الاستقرار والدعم الاقتصادي.

الغاية الأخيرة- الرسائل للغرب- هي مسار محفوف بالمخاطر بالنسبة لدمشق التي تلقت أكثر من مرة رسائل بأن الوجود والنفوذ الروسي والإيراني غير مرحب به في سوريا، وأن التحرك نحو تحالفات مع روسيا قد يُفقد دمشق الشهية الغربية نحو دعم سوريا على المستويات السياسية والاقتصادية، لكن فيما يبدو أن دمشق تسير بخطى بطيئة من الناحية العلمية تجاه روسيا، سيما وأنه رغم حصول ثلاثة لقاءات بين الحكومتين السورية والروسية منذ سقوط النظام إلا أن هذه اللقاءات لم تتمخض عن أي تحرك عملي وملموس للتنسيق الأمني أو الاتفاق على بقاء القواعد الروسية في سوريا. فاللقاء الذي حصل في موسكو نهاية شهر يوليو/تموز الماضي بين وفد الحكومة السورية والجانب الروسي تضمن توافقا على إعادة تفعيل اللجنة السورية-الروسية المشتركة والتي ستكون مهمتها التنسيق بين سوريا وروسيا على مستوى ملفات السياسة والأمن والاقتصاد. لكن هذا الملف لم يتم التقدم فيه فلم تُشكل اللجان بعد ولم يتم التوافق على الأطر التي ستعمل ضمنها هذه اللجان.

بين اجتماعين…

لم تُخفف روسيا من وتيرة تعزيز نفوذها العسكري في شرق الفرات وقاعدة حميميم بعد اللقاء الذي حصل في موسكو، بل استمرت في عمليات إرسال التعزيزات إلى مطار القامشلي، وتدعيم علاقاتها مع “قسد” وبعض قيادات النظام السابقين خلال الفترة الممتدة بين نهاية يوليو/تموز وسبتمبر/أيلول الجاري، ما يوحي بأن روسيا ما زالت غير متيقنة من جدية دمشق في التحرك نحوها والتوافق معها على مستقبل الوجود العسكري الروسي في سوريا، ومصير التوافقات الاقتصادية السابقة بين نظام الأسد وموسكو.

خلال الأسبوعين الأخيرين من أغسطس/آب أرسلت روسيا عدة رحلات جوية من مطار حميميم إلى مطار القامشلي تحتوي على تعزيزات عسكرية ولوجستية، كما قامت بعدة دوريات في المنطقة المحيطة للمطار، وسط معلومات محلية عن قيام القوات الروسية في المنطقة بعمليات حفر وتعزيز القدرات الدفاعية حول المطار، إضافة إلى دخول مواد بناء إلى المطار، في مؤشر إلى نية الجانب الروسي إجراء عمليات ترميم أو توسعة لمراكزها داخل المطار.

إضافة إلى التعزيزات التي تصل المطار، علمت “المجلة” من أكثر من مصدر محلي في شرق الفرات والمنطقة الساحلية أن روسيا ما زالت على تواصل مع قادة في النظام السوري السابق، خصوصا أولئك الذين عملوا في قوات سورية كان ولاؤها للجانب الروسي، وشخصيات عملت مع الجانب الروسي في مسارات المصالحات التي رعتها روسيا في سوريا في محاولة لتخفيف الضغط العسكري على النظام وإعادة مأسسة الجيش السوري الذي سعت إيران لسنوات إلى تفتيته وتغيير ولاء فرقه لصالحها، والذي حينها كان أحد أبرز عوامل التوتر بين الجانب الروسي والإيراني الذي وصل في أحيان كثيرة إلى مرحلة قام فيها كل طرف بعمليات اغتيال لقادة عسكريين يشكلون تهديدا على أهدافهم لصالح الطرف الآخر. عمليات التواصل مع القادة السابقين أو الشخصيات التي عملت لصالح الجانب الروسي ليست واضحة الأهداف بعد، إلا أنها من الواضح خطوة روسية لتعزيز نفوذها- خارج جغرافيا القواعد- في مناطق الساحل وشرق الفرات، لما له من فوائد في تقوية موقف روسيا في عملية التفاوض مع دمشق.

روسيا التي تدرك التوجهات الغربية لكسب الحكومة السورية الجديدة، وتأثير هذه الجهود على المساعي الروسية التاريخية في الحصول على موطئ قدم عند المياه الدافئة السورية، لذلك وبحسب معلومات “المجلة” فإن روسيا تريد التحرك بخطى أسرع للحصول على موافقة سورية جديدة متعلقة ببقائها عسكريا في قاعدة حميميم، وإبقاء اتفاقاتها الاقتصادية في منطقة طرطوس، هذا السعي يحقق لروسيا هدفين: الأول أمني اقتصادي، والآخر سياسي في معركتها مع الغرب. هذا السعي الذي تحاول روسيا تعزيز أوراقه بكل السبل في منطقتي الساحل وشرق الفرات سيكون بمثابة حقل ألغام تدخله الحكومة السورية التي تعلم أن الغرب ودعمه مشروط بإضعاف النفوذ الروسي-الإيراني في سوريا المستقبل. أما الرئيس الشرع فقد حاول التخفيف من حدّة تعقيدات الموقف السوري عندما قال إن سوريا استطاعت أن تجمع ما بين المتناقضات العالمية، وفي هذه الأثناء ينظر الغرب إلى العجلة الروسية-السورية بحذر، ويبني جزءا كبيرا من سياسته نحو سوريا على أساسها.

المجلة

————————–

زيارة الشرع إلى روسيا: بارقة أمل أم مخاطر اقتصادية؟/ نور ملحم

15 أكتوبر 2025

مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين السوريين وارتفاع مستويات التضخم بشكل غير مسبوق، يواجه الاقتصاد السوري تحديات وجودية تتطلب بحثاً عاجلاً عن شراكات واستثمارات خارجية. في هذا السياق، تأتي زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو لتعيد الملف الاقتصادي إلى صدارة الأجندة، وسط توقعات بأن تسفر اللقاءات مع المسؤولين الروس عن صفقات استثمارية جديدة ومشاريع إعادة إعمار ضخمة.

أكدت التجربة أن اقتصادات الدول التي تعاني من أزمات مماثلة، تسعى إلى التحالفات الاستراتيجية مع شركاء دوليين، وهو ما قد يوفر دفعة مالية وتكنولوجية ضرورية لتعزيز الإنتاج المحلي وتحسين مؤشرات النمو، لكن في الوقت ذاته تحمل هذه التحالفات مخاطر التبعية والضغط السياسي. وعلى مدى العقدين الماضيين، حافظت سورية وروسيا على شراكة اقتصادية متنامية، حيث كانت روسيا من أبرز الداعمين لنظام الأسد المخلوع. وتأتي زيارة الشرع الحالية لموسكو في سياق نهج جديد لتعزيز التعاون القائم واستكشاف فرص جديدة للاستثمار الروسي في مرحلة إعادة الإعمار الاقتصادية لسورية.

تفاؤل أم مخاوف من زيارة الشرع لروسيا

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور زياد عربش أن زيارة الشرع تشكل فرصة لإعادة دمج سورية في الاقتصاد الدولي عبر روسيا. وقال عربش لـ” العربي الجديد”، إن “روسيا تمتلك قدرة تمويلية كبيرة وعلاقات دولية واسعة، وهذا يعني أن الاتفاقيات المحتملة قد توفر تمويلات لمشاريع إعادة الإعمار، خصوصاً في البنى التحتية والطاقة، التي تحتاج إلى استثمارات عاجلة”.

وأضاف أن تدفق الاستثمارات الروسية قد يساهم في استقرار سعر الصرف وتحفيز النمو الصناعي والزراعي وخلق فرص عمل جديدة، وبالتالي تحسين المستوى المعيشي للطبقة الوسطى، وأشار إلى أن الأرقام قد تعكس هذا التفاؤل إذا نجحت الاتفاقيات الروسية، حيث “يمكن توقع زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة تراوح بين 15% و20% خلال السنة الأولى، وخفض معدل التضخم السنوي بمقدار ما بين خمس وسبع نقاط مئوية، وتحقيق نمو اقتصادي يراوح بين 3% و4% في الناتج المحلي الإجمالي”.

في المقابل، يرى الاقتصادي مالك عبد القادر أن الاعتماد على موسكو يحمل مخاطر عميقة قد تفاقم تعقيدات الاقتصاد السوري. وأوضح الخبير الاقتصادي في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “التمويل والاستثمارات الروسية غالباً ما تأتي ضمن شروط سياسية محددة، وقد تركز على مشاريع استراتيجية كبيرة، بينما تُترك القطاعات الصغيرة والمتوسطة في وضع هش دون دعم حقيقي”.

وحذر عبد القادر من أن أي اعتماد مفرط على روسيا قد يؤدي إلى تبعية اقتصادية طويلة الأمد، ويقلل قدرة الحكومة السورية على اتخاذ قرارات مالية مستقلة، مشيرًا إلى أن التأثير على التضخم قد يكون محدودًا، وربما لا يتجاوز خفضاً طفيفًا بمقدار ما بين نقطتين وثلاث نقاط مئوية، بينما يبقى النمو الاقتصادي ضعيفًا عند ما بين 1% و2%، مع استمرار البطالة في مستويات مرتفعة، خصوصًا بين الشباب والخريجين الجدد.

وتحمل زيارة الشرع لموسكو تأثيراً متفاوتاً على مختلف القطاعات الاقتصادية في سورية، ففي قطاع الطاقة والنقل من المتوقع أن تستفيد المشاريع الكبرى من التمويل الروسي، مثل إعادة تأهيل محطات الكهرباء وشبكات النقل، ما قد يعزز قدرة الصناعة والخدمات على العمل بكفاءة أكبر. في المقابل، تواجه الزراعة والصناعات الصغيرة تحديات أكبر، إذ إن التمويل الروسي غالباً ما يركز على المشاريع الاستراتيجية الكبيرة، تاركاً القطاعات الصغيرة والمتوسطة في وضع هش دون دعم ملموس، وهو ما قد يزيد الفجوة الاقتصادية ويحد من قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو شامل ومستدام.

أما مشاريع إعادة الإعمار الكبرى، فهي على الأرجح ستستفيد مباشرة من التمويل الروسي، لكنها قد تظل بعيدة عن تحسين معيشة المواطنين بشكل ملموس إذا لم تصاحبها برامج لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل النواة الحقيقية للنمو الاقتصادي المحلي وخلق فرص العمل.

العربي الجديد

——————————–

 زيارة الشرع إلى موسكو: قراءة أولية في الخلفيات والدلالات/ واصل حميدة

الأربعاء 2025/10/15

يبدأ الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع اليوم الأربعاء، زيارة رسمية إلى العاصمة الروسية موسكو بدعوة من الكرملين، يلتقي خلالها نظيره الروسي فلاديمير بوتين وعدداً من كبار المسؤولين الروس، في خطوة تأتي بعد انطلاق مرحلة جديدة في العلاقات بين دمشق وموسكو عقب سقوط نظام بشار الأسد.

تُعدّ الزيارة الأولى من نوعها للشرع إلى موسكو منذ توليه منصبه، وتحمل وزناً سياسياً واستراتيجياً خاصاً، إذ تأتي في توقيت بالغ الحساسية تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة على وقع الحرب في غزة والجهود الدبلوماسية الدولية المتصلة بها، فيما تبرز الملفات السورية مجدداً كعنصر محوري في العلاقات بين البلدين.

الخلفية والسياق

كانت موسكو قد حدّدت في وقت سابق يوم 15 تشرين الأول/أكتوبر الحالي موعداً لعقد القمة الروسية العربية الأولى من نوعها، غير أن الكرملين أعلن تأجيلها إلى شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، مبرّراً القرار بانشغال الأطراف العربية بسلسلة اجتماعات دولية متصلة بمساعي وقف الحرب في غزة.

ورغم هذا التأجيل، تمسّك الجانبان السوري والروسي بإبقاء قنوات التشاور مفتوحة، وعقد لقاء ثنائي مستقل على مستوى الرئاسة، في إشارة إلى خصوصية العلاقة بين الطرفين ورغبة موسكو في الحفاظ على موقعها الإستراتيجي في سوريا، بمعزل عن الأجندة العربية الأوسع.

وتكتسب زيارة الشرع بعداً إضافياً كونها تأتي بعد أيام من زيارة وفد سوري رفيع المستوى إلى موسكو ضمّ مسؤولين من وزارة الدفاع والأجهزة الأمنية، في إطار اجتماعات ناقشت ملفات التعاون العسكري ومراجعة ترتيبات الوجود الروسي في الأراضي السورية.

وتشير مصادر مطّلعة إلى أن تلك الزيارة التحضيرية وضعت الأسس للمحادثات السياسية العليا، حيث حمل الوفد رسائل تتعلق بتحديث آليات التنسيق الميداني وتطوير منظومات الدفاع الجوي المنتشرة في الساحل السوري ومحيط العاصمة دمشق، إضافةً إلى بحث ترتيبات إعادة التموضع الجزئي لبعض الوحدات الروسية خلال الأشهر الماضية.

الملفات المطروحة على الطاولة

من المنتظر أن يتصدّر الملف العسكري جدول أعمال القمة السورية – الروسية، في ظل رغبة موسكو بإعادة تقييم حضورها الميداني بما يتناسب مع أولوياتها بعد الحرب الأوكرانية، مقابل سعي دمشق إلى ضمان استمرار الدعم الدفاعي من دون المساس بسيادتها على الأرض.

كما سيجري بحث مستقبل قاعدتَي حميميم وطرطوس بوصفهما محورَي الوجود الروسي في شرق المتوسط، مع احتمالية الاتفاق على توسيع التعاون في مجالات التدريب وتبادل الخبرات والاستخبارات، لا سيما في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود الجنوبية والبادية.

على الصعيد الاقتصادي، يتوقّع أن يبحث الجانبان سبل توسيع التعاون في مجالات الطاقة والنفط والغاز والكهرباء، إضافة إلى متابعة العقود السابقة الخاصة باستثمار المرافئ وحقول الفوسفات. وتسعى دمشق إلى الاستفادة من الخبرة الروسية في إعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية في وقت تواجه فيه البلاد أزمة مالية حادة وتحديات في قطاعي النقل والطاقة.

في المقابل، تدرس موسكو إمكان تعزيز وجود شركاتها في السوق السورية ضمن إطار شراكات طويلة الأمد، وضمان حماية استثماراتها من التغيرات السياسية والاقتصادية المحتملة في المنطقة.

الدلالات السياسية والاستراتيجية

يحمل اللقاء بعداً سياسياً لا يقل أهمية عن الملفات الاقتصادية والعسكرية، خصوصاً في ضوء التطورات على الحدود الجنوبية السورية وفي محافظة السويداء، إلى جانب انعكاسات الحرب في غزة على الموقف السوري الرسمي.

ويرى مراقبون أن الشرع يسعى إلى طرح رؤية متوازنة تقوم على دعم حق الشعب الفلسطيني بالتوازي مع حماية المصالح الوطنية السورية، فيما تركز موسكو على تثبيت دورها كوسيط إقليمي قادر على التواصل مع مختلف الأطراف، بما يضمن استمرار نفوذها في المنطقة.

ويتضمن جدول المحادثات أيضاً بحث ملف اللاجئين السوريين وإعادة تفعيل اللجنة الروسية السورية المشتركة المعنية بمتابعة هذا الملف، في ظل رغبة موسكو في تحقيق اختراق ملموس في هذا المسار.

زيارة الشرع إلى موسكو ستكون محمّلة برسائل متعددة الاتجاهات؛ داخلية موجهة إلى السوريين لتأكيد قدرة الدولة الجديدة على استعادة علاقاتها الخارجية مع الحلفاء الدوليين الذين كانوا بالأمس القريب في خانة الخصوم إلى جانب نظام المخلوع بشار الأسد ضد الشعب السوري، وخارجية تؤكد أن موسكو لا تزال تعتبر سوريا ركيزة نفوذها في الشرق الأوسط ونقطة تموضع رئيسية لأسطولها في البحر المتوسط.

ورغم التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجه الطرفين، تُظهر هذه الزيارة استمرار التنسيق الوثيق بين دمشق وموسكو، إذ ترى دمشق في التحالف مع روسيا ضمانة لتوازنها العسكري والسياسي، بينما تعتبر موسكو الملف السوري ورقة استراتيجية لا غنى عنها في معادلات النفوذ الإقليمي.

صوت السوريين في موسكو

وعشية الزيارة، عبّر عدد من أفراد الجالية السورية في العاصمة الروسية عن آمالهم بأن تسهم المحادثات المرتقبة في تعزيز وحدة البلاد وإعادة تنظيم التمثيل الدبلوماسي السوري في الخارج.

وخلال استطلاع أجرته “المدن” مع مجموعة من أبناء الجالية، قال د. أحمد الغفرة إن “السوريين في موسكو ينظرون بارتياح إلى الزيارة، ويرون فيها فرصة لترجمة الخطاب السياسي الجديد إلى خطوات عملية تضمن وحدة الأراضي السورية وتخدم المصلحة الوطنية العليا”. وأضاف أن الجالية السورية “تأمل أن تشهد المرحلة المقبلة إصلاحاً حقيقياً في أداء السفارة السورية بروسيا، التي ما زالت تُدار بعقلية النظام السابق”، معتبراً أن “تفعيل دور البعثة الدبلوماسية الجديدة سيعزز صورة الدولة السورية الحديثة أمام الجانب الروسي”.

من جهته، أكد الناشط في الجالية السورية فايز مسالمة، أن زيارة الرئيس الشرع “تحمل آمالاً كبيرة” في إعادة ترميم العلاقات السورية الروسية، مشدّداً على أن هذه العلاقات يجب أن تراعي وجود جالية سورية كبيرة في روسيا، وأن تُعدّ موسكو شريكاً فاعلاً في جهود إعادة الإعمار وإصلاح ما أضرّت به سياسات نظام الأسد.

وأضاف مسالمة أن من أهم ما تنتظره الجالية هو إعادة تفعيل خطوط الطيران بين سوريا وروسيا، لكونها حاجة ملحّة لكثير من السوريين الذين انفصلوا عن بلادهم منذ سنوات، سواء لزيارة الوطن أو لاستئناف أنشطتهم الاقتصادية مع سوريا.

كما شدد عدد من المشاركين في الاستطلاع من الأطباء والأكاديميين من أبناء الجالية، على ضرورة “تغيير كامل الطاقم الدبلوماسي الحالي في موسكو” باعتبارها خطوة لازمة لإعادة تنظيم العلاقات الرسمية وفتح قنوات تواصل فاعلة بين الجالية والدولة السورية.

إذاً، بين الملفات العسكرية والاقتصادية والسياسية، تبدو زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو اختباراً عملياً لقدرة القيادة السورية الجديدة على صياغة علاقة متوازنة مع موسكو، تقوم على المصالح المشتركة لا التبعية. كما تمثل الزيارة فرصة للطرفين لتأكيد استمرارية التحالف الاستراتيجي وسط مشهد إقليمي مضطرب، ولإعادة تثبيت سوريا على خارطة التفاعلات الدولية كلاعب يسعى إلى استعادة دوره ومكانته في الشرق الأوسط.

المدن

——————————

الشرع خلال أول لقاء مع بوتين: سورية ستحاول إعادة ضبط علاقاتها مع روسيا/ عبد الله البشير

15 أكتوبر 2025

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع اليوم الأربعاء، أنّ استقرار سورية مرتبط بالاستقرار الإقليمي والعالمي، وذلك خلال أول لقاء مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في أول زيارة له إلى موسكو بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول الماضي. ونقلت قناة “الإخبارية” السورية عن الشرع قوله: “نحن في سورية الجديدة نعيد ربط العلاقات مع كل الدول الإقليمية والعالمية”.

وأضاف أنّ “سورية ستحاول إعادة ضبط علاقاتها مع روسيا، والأهم هو الاستقرار في البلاد والمنطقة”. كما طمأن الرئيس السوري بوتين بأن سورية ستلتزم بجميع الاتفاقيات السابقة. من جانبه، هنأ بوتين الشرع على إجراء الانتخابات البرلمانية في وقت سابق من هذا الشهر. وأكد بوتين استعداد موسكو لتعزيز العلاقات مع دمشق، مشدداً على أنّ “مصالح الشعب السوري هي التي تحركنا دوماً”.

ووصل الشرع في وقت سابق إلى موسكو، لإجراء مباحثات مع نظيره الروسي، حول العلاقات الثنائية بين البلدين والمستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء السورية “سانا”. ويرافق الشرع، وفق الصور التي نشرتها “سانا”، وزيرا الخارجية أسعد الشيباني، والدفاع مرهف أبو قصرة.

من جهته، أعلن الكرملين، اليوم الأربعاء، أنّ بوتين، سيجري محادثات اليوم مع الشرع، وفق ما نقلته وكالة “سبوتنيك” الروسية للأنباء. وقال الكرملين في بيان: “في 15 أكتوبر (تشرين الأول الجاري)، سيجري فلاديمير بوتين، محادثات مع رئيس الجمهورية العربية السورية أحمد الشرع، الذي سيكون في روسيا، في زيارة عمل”. وفي بيان آخر، قال الكرملين إنّ بوتين سيناقش مصير القاعدتين العسكريتين الروسيتين في سورية مع الشرع. ولروسيا قاعدتان عسكريتان رئيسيتان في سورية هما قاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية إلى جانب قاعدة بحرية في طرطوس.

وأمس الثلاثاء، نقلت وكالة رويترز عن مصدر رسمي سوري، قوله إنّ الشرع سيُطالب خلال زيارته إلى موسكو، بتسليم بشار الأسد لمحاكمته بتهمة ارتكاب جرائم ضد السوريين. بدورها، نقلت وكالة فرانس برس، اليوم الأربعاء، عن مصدر حكومي سوري، فضّل عدم الكشف عن هويته قوله إنّ “الرئيس الشرع سوف يطلب من الرئيس الروسي تسليم كل من ارتكب جرائم حرب وموجود في روسيا وعلى رأسهم بشار الأسد”.

يشار إلى أن وزير الخارجية سيرغي لافروف، حمّل في منتصف يناير/ كانون الثاني الماضي، النظام السابق المسؤولية عن “فرملة العملية السياسية” و”انعدام الرغبة في تغيير الوضع الراهن” في سورية. وأعلنت وزارة الدفاع السورية مباحثات مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، جرت في دمشق مع وفد عسكري روسي ترأسه اللواء البحري كورنبينكو أوليغ فيكتوروفيتش.

وأوضحت الوزارة أن مدير إدارة التدريب في القوى الجوية والدفاع الجوي بوزارة الدفاع، العميد يحيى بيطار، استقبل الوفد مع مسؤولي هيئة التدريب وإدارات المدفعية والقوى الجوية والملاحق والمدرعات، وبحث الطرفان سبل تأهيل تخصصات “المدفعية والقوى الجوية والملاحق والمدرعات” وتطويرها وتعزيز مستوى الكفاءة والجاهزية.

وكان وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة قد زار مع وزير الخارجية أسعد الشيباني موسكو، في نهاية يوليو/ تموز الفائت، وعقدا اجتماعات رفيعة المستوى مع القادة الروس. وأكد نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فيرشينين حينها أن الاتصالات بين موسكو ودمشق مستمرة بشأن القواعد العسكرية الروسية. وأضاف: “هناك اتصالات حول القواعد الروسية في سورية، من بين أمور أخرى، لضمان سلامة مواطنينا”، مشيراً إلى أن “القواعد الروسية كانت ولا تزال عاملاً من عوامل الاستقرار في المنطقة”.

العربي الجديد

—————————–

موسكو ودمشق… بين طيّ صفحة الماضي وبناء علاقات جديدة/ سامر إلياس

إرث ثقيل وواقع معقد

آخر تحديث 13 أكتوبر 2025

تتوالى المؤشرات الإيجابية إلى استعداد الطرفين الروسي والسوري لبناء علاقات على أسس جديدة بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد. وشهدت الشهور الأخيرة حراكا دبلوماسيا واقتصاديا وعسكريا لافتا ولقاءات وزيارات صدرت عنها تصريحات مشجعة.

وتزامنا مع الأنباء عن تأجيل القمة العربية الروسية التي كانت مقررة منتصف الشهر الحالي، أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، يوم الخميس الماضي في مقابلة تلفزيونية، أن بلاده تدعم وحدة الأراضي السورية، مع تحذيره من مخاطر انفصالية جسيمة للغاية، وانعكاساتها على سوريا والمنطقة، بالقول: “إذا أدت محاولات الأكراد السوريين في الحكم الذاتي والانفصال إلى نتائج ملموسة، فقد تتفجر مشكلة الأكراد في جميع دول المنطقة الأخرى، وهذا يشكل مخاطر جسيمة”.

وشدد لافروف على أنه “يجب على جميع الدول التي تملك تأثيرا على الوضع، سواء كان على دمشق أم على مختلف المجموعات العرقية-الطائفية والسياسية في أجزاء البلاد الأخرى، أن تدرك أن وحدة سوريا مصلحة لها”.

وأكد لافروف أن بلاده حافظت على “علاقات صداقة غير انتهازية” مع سوريا، ولهذا وجهت دعوة للرئيس أحمد الشرع لزيارة موسكو. وذكّر الوزير الروسي بمساهمة الروس منذ أيام الاتحاد السوفياتي في إعداد الكوادر السورية والقدرة الدفاعية، وعبر عن اهتمام بلاده باستمرار جميع المبادرات، “حتى تلك التي بدأت في الحقبة السوفياتية، مع ضرورة التعديل بما يتفق والوضع الجديد”. وبخصوص القواعد العسكرية، قال لافروف إن “الرئيس فلاديمير بوتين، أكد مرات عدة أنه لن نبقى في سوريا إذا رفضت القيادة السورية ذلك، ولكن يبدو أنها، إلى جانب عدد من دول المنطقة، مهتمة باستمرار وجودنا هناك”، مشيرا إلى “ضرورة إعادة صياغة مهام وجود القواعد العسكرية الروسية في سوريا”، من بينها “مهام واضحة يبدو أنها مفيدة للسوريين وجيرانهم ولكثير من البلدان الأخرى، تكمن في إنشاء مركز للمساعدات الإنسانية في المرفأ والمطار، لنقل الشحنات الإنسانية”.

وسعى لافروف إلى التقليل من مسؤولية بلاده عما آلت إليه الأوضاع في سوريا، مشيرا إلى أنه “بعد اندلاع الربيع العربي، جئنا إلى سوريا لمساعدة السلطات السورية، وساهمنا بشكل كبير في استقرار الأوضاع هناك… توصلنا في السابق إلى قرار دولي بمشاركة الأميركيين وبعض دول المنطقة لإعادة الاستقرار”، مشددا على أنه “لو جرى تنفيذ القرار، لما كنا وصلنا إلى هذا الوضع في سوريا”.

ورغم وجود مؤشرات إيجابية حول استعداد الطرفين لبناء علاقات على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة، يبدو أن طي صفحة انحياز روسيا ضد الثورة سياسيا وعسكريا، على صعوبته، لن يكون كافيا للعودة بالعلاقات إلى ما كانت عليه. وفيما يسعى الكرملين إلى المحافظة على دور له في سوريا الجديدة، والإبقاء على قواعده العسكرية على المياه الدافئة ما يمنحه قدرة على التأثير في واحدة من المناطق الاستراتيجية للسياسة الخارجية الروسية، يبدو أن قدرات روسيا وتأثيرها لن تكون كافية في منع عملية إعادة تموضع جيوسياسية جذرية لسوريا منذ سقوط الأسد. وبدا أن سوريا باتت للمرة الأولى منذ ستينات القرن الماضي في مركب مختلف عن المركب السوفياتي ولاحقا الروسي. وفي السنة الحالية برزت مؤشرات إلى أن النفوذ الروسي تراجع في مجمل منطقة الشرق الأوسط ليس بسبب سقوط أهم حليف لها في المنطقة فحسب، بل نتيجة التغيرات الجذرية بعد هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تلاه من انهيار للمحور الإيراني. وفي حين يمكن القول إن روسيا راغبة ولكنها غير قادرة على لعب دور أساسي في مستقبل سوريا، لا يمكن الجزم بأن الحكام الجدد في دمشق راغبون أو قادرون على بناء علاقات قوية مع موسكو، وفيما إذا كانت زيارات وتصريحات المسؤولين السوريين تهدف أساسا إلى بعث رسائل لواشنطن وبروكسل حول وجود خيارات أخرى في حال الضغط عليهم أو عدم المساعدة في إعادة الإعمار وتحسين الاقتصاد وردع إسرائيل.

الطريق إلى التدخل

تعاملت روسيا مع موجة ثورات “الربيع العربي” على أنها جزء من “الثورات الملونة” المدعومة من الغرب، ولكنها لم تتفاعل بحدة مع ثورات تونس ومصر، وفي ليبيا مررت تحت قيادة الرئيس ديمتري مدفيديف القرار 1973 بفرض حظر جوي. وفي بداية الثورة السورية خشيت روسيا من فقدان آخر حليف تاريخي مهم في الشرق الأوسط بعد خسارة العراق واليمن.

واعتبرت روسيا أن محاولة إسقاط الأسد مناورة جيوسياسية غربية، تهدف إلى احتواء النفوذ الروسي في الشرق الأوسط. وعملت روسيا على توفير مظلة حماية لنظام الأسد، وتبرير لجوئه لاستخدام القوة العسكرية ضد المظاهرات السلمية في الفترة الأولى من الحراك الشعبي المعارض. وفي المقابل حافظت على الدعوة إلى الحوار والحل السلمي.

ومع اقتراب عودة بوتين في ولايته الثالثة ربيع 2012، نحت المواقف الروسية نحو التشدد وزيادة دعم الأسد سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وبررت تشددها بالخديعة الغربية واستغلال القرار 1973 لشن هجمات على ليبيا وإسقاط نظام العقيد معمر القذافي بالقوة.

وساهمت الدبلوماسية الروسية في صوغ بيان “جنيف-1” والتوافق عليه في 30 يونيو/حزيران 2012، ونص البيان المرتكز إلى خطة المبعوث الأممي كوفي عنان على تشكيل “هيئة حكم انتقالية” كاملة الصلاحيات، وانتخابات ودستور، برعاية سورية. وأيدت روسيا البيان في مجلس الأمن كمفتاح للحل في سوريا، ولكن تفسيرها للبيان وآليات تطبيقه أفشلت مهمة عنان والمبعوثين اللاحقين في الوصول إلى حل.

وبعد هجمات الكيماوي على الغوطة الشرقية في 2013، دافعت روسيا عن النظام بشراسة، ورفضت توجيه أي اتهامات له، وعملت بروباغندا الكرملين على تصوير جميع انتهاكات النظام على أنها مسرحيات أعدت لتبرير التدخل الخارجي وإسقاط الأسد، وتوصلت مع إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى حل يقضي بنزع الأسلحة الكيماوية السورية من دون معاقبة النظام.

نجاح عسكري وإخفاق سياسي

وعلى خلفية فقدان النظام معظم الجغرافيا السورية ووصول المعارضة إلى مشارف دمشق، بدأ التدخل العسكري الروسي في 30 سبتمبر/أيلول 2015.

وكان الهدف المعلن محاربة التنظيمات الإرهابية، ومنعها من ضرب العمق الروسي. ومع إشارة الرئيس بوتين إلى وجود أكثر من ألفي مقاتل روسي في صفوف التنظيمات الإرهابية في سوريا، وعدة آلاف من بلدان آسيا الوسطى، والتأكيد على أنهم إذا حققوا نجاحا في سوريا يمكن أن يعودوا إلى روسيا، أوضح بوتين في لقاء مع قادة الجيش والأجهزة الأمنية، في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2015، أن التدخل إجراء وقائي لمنع وصول الإرهاب إلى بلاده. وشدد على أن الدعم العسكري المقدم لسوريا “يتفق والعقيدة العسكرية الروسية وأحكام القوانين الدولية”، بعد تلقي طلب من الأسد للمساعدة.

وبعيدا عن الأهداف المعلنة للتدخل، فإن روسيا أرادت استخدام ذريعة محاربة الإرهاب لتشكيل تحالف دولي يفك عزلتها بعد ضم شبه جزيرة القرم. وحسب التصريحات الرسمية جربت روسيا وطورت مئات صنوف الأسلحة في سوريا في ظروف حرب حقيقة، كما حصلت مقابل حماية الأسد على وجود دائم لمدة 49 عاما في قاعدة طرطوس البحرية بعد توسيعها، وكذلك أنشأت قاعدة حميميم ووسعتها لتصبح القاعدتان مركزين لوجستيين مهمين لتوسع روسيا في القارة الأفريقية.

أ.ف.ب أ.ف.ب

مدخل قاعدة حميميم العسكرية التي تستأجرها روسيا في محافظة اللاذقية غرب سوريا، في 29 ديسمبر 2024، بينما يقف مقاتلون من المعارضة السورية بجانب مركبة خارج نقطة تفتيش.

واستطاعت روسيا خلال فترة محدودة فرض واقع جديد على الأرض. وعلى أنقاض الدمار الهائل في حلب اشتقت روسيا مسار آستانه مع تركيا وإيران لتفصيل حل سياسي بعيدا عن مرجعيات جنيف والأمم المتحدة. وضمن سعيها لإحكام سيطرة النظام على كامل الأراضي السورية، أنجزت عدة مقايضات مع تركيا، وساهمت في مصالحات محلية انقلب عليها النظام لاحقا بعد زيادة قوته. ولاحقا، حددت مع شركائها في آستانه أربع مناطق للتصعيد لم يبق منها في خريف 2018 سوى منطقة إدلب بعد إجبار المقاتلين في الغوطة والقلمون والمنطقة الجنوبية وشمال حمص وجنوب حماة على تسويات خرج بموجبها معظم مقاتلي المعارضة إلى إدلب التي تقلصت مساحة أراضي المعارضة فيها بسبب هجمات النظام والإيرانيين.

وعلى عكس “النجاحات” العسكرية، لم تستطع روسيا فرض حل سياسي على النظام والمعارضة، ولم تفلح جهودها منذ عام 2018 في إقناع الأوروبيين ودول الجوار في إعادة اللاجئين والبدء بمشاريع التعافي المبكر وإعادة الإعمار. وبغض النظر عن صدق نوايا روسيا في التوصل إلى حل سياسي بمشاركة المعارضة، فإن النظام استطاع التملص من أي التزامات وأغرق المفاوضات بشأن اللجنة الدستورية وغيرها من القضايا بتفاصيل التفاصيل، وأجاد لعبة التوازن بين نفوذ روسيا وإيران للخروج بمكاسب. ورغم نجاح روسيا في إعادة تسويق النظام إقليميا، ومنحه فرصة إضافية فإن تعنته وتمسكه بالتحالف مع إيران وتصدير الكبتاغون أدت في النهاية إلى تفويت الفرصة، وجعلته من دون أي دعم خارجي أثناء عملية ردع العدوان.

إرث ثقيل

ورغم ترويج الكرملين والبروباغندا التابعة له أن التدخل العسكري جاء لإنقاذ السوريين من الإرهاب والمحافظة على بنيان الدولة، فإن النقمة الشعبية على روسيا تصاعدت على خلفية اضطرار ملايين السوريين إلى اللجوء خارج البلاد، ونزوح جماعي إلى مناطق إدلب وأرياف حلب.

وتنظر غالبية السوريين سلبا إلى دور روسيا التي انتقلت من تبني رواية النظام، إلى تبرير استخدامه السلاح ضد المدنيين، والتشكيك في تقارير منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، واستغلال المساعدات الإنسانية العابرة للحدود. وعمليا شلت روسيا قدرة مجلس الأمن على مساءلة النظام عن الجرائم التي ارتكبها، واستخدمت الفيتو 18 مرة، منها 4 مرات استُخدمت قبل التدخل العسكري، و14 مرة بعده. وفي 30 سبتمبر/أيلول من العام الماضي، أشارت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها السنوي التاسع إلى أبرز انتهاكات القوات الروسية منذ بدء تدخلها العسكري في سوريا، وذكرت أن هذه القوات مسؤولة عن مقتل 6969 مدنيا 44 في المئة منهم أطفال ونساء و1251 حادثة اعتداء على مراكز حيوية مدنية. ووفقا للتقرير ارتكبت القوات الروسية منذ تدخلها العسكري ما لا يقل عن 1251 حادثة اعتداء على مراكز حيوية مدنية، بينها 224 مدرسة، و209 منشآت طبية، و61 سوقا.

أرضية مشتركة

لم يقتنع معظم السوريين بتصريحات المسؤولين الروس المتكررة منذ بداية الثورة، ومن ضمنهم الرئيس بوتين، أن روسيا لا تدافع عن نظام الأسد بل بنية الدولة السورية. ومن المؤكد أن سرعة تقدم عملية ردع العدوان شكلت مفاجأة لروسيا التي كان بإمكانها إبطاء العملية، ولكن بدا أن الروس كانوا على قناعة بأن النظام وحلفاءه الإيرانيين لن يصمدوا على الأرض. وفي مؤشر إلى انفتاح متأخر على “هيئة تحرير الشام” التي قادت العمل العسكري ضد الأسد، كشف الرئيس الشرع في حوار، يوم 12 سبتمبر/أيلول الماضي أن قوات “ردع العدوان” أجرت مفاوضات مع موسكو بعد وصولها إلى حماة وتعهّد الطرفان بـ”التزامات” ونفّذاها عند الوصول إلى حمص، موضحا أنه “عند وصولنا إلى حمص، ابتعد الروس في هذا الوقت عن المعركة، يعني انسحبوا تماما من المشهد العسكري، أكان بقصف الطائرات أو غير ذلك، ضمن اتفاق جرى بيننا وبينهم… نحن وفينا بها وهم أوفوا بها إلى هذه اللحظة، ولم يبد منهم أيّ تدخل سلبي في الشأن السوري، على العكس كان هناك تفاعل إيجابي خلال الفترات الماضية”.

وفي مؤشر إلى الرهانات السورية على روسيا بعد سلسلة من الاجتماعات قال الشرع إن “روسيا دولة مهمة في العالم، وتعتبر ثاني أقوى دولة في العالم تقريبا، وهي دولة عضو في مجلس الأمن، وهناك روابط وثيقة بين سوريا وروسيا ولدت منذ نشأة سوريا في عام 1946… سوريا لديها ارتباطات متعددة مع روسيا سابقا، ورثناها نحن تلقائيا، فينبغي الحفاظ عليها وإدارتها بطريقة هادئة ورزينة، خصوصا أن سوريا عليها عقوبات كثيرة ومتعددة، منها ما هو مرتبط بمجلس الأمن، فروسيا لديها مقعد دائم في مجلس الأمن وصوتها يجب أن يكون هادفا”.

ودعا الشرع إلى عدم تبني “سياسات عدائية مع أي دولة بناء على تاريخ ماضٍ وسابق”، وشدد على أن “المهم أن نبني هذه العلاقات على أساس السيادة السورية واستقلال قرارها، وأن تكون المصلحة السورية أولا”.

ومع إشارته إلى قناعة بأنه “ليس هناك تمسّك بشخص النظام من الروس”، وأن التدخل الروسي “هو لمصالح معتبرة عند الروس وعلاقات قديمة وتاريخية واستراتيجية مع سوريا”، أوضح الشرع أن القرار بفتح العلاقات والتواصل مع روسيا بعد السيطرة على حلب، بني على أساس أن “المصالح المرجوة من سوريا قد تُحقّق، ولكن بشروط مختلفة عمّا كان عليه في الوضع السابق، ولا يعني دخولنا إلى دمشق أن هناك خروجا لروسيا من سوريا”.

وبعيدا عن التشكيك في نوايا الجانبين وتصريحاتهما ذات الطابع البراغماتي، ورغبتهما في طي صفحة الماضي، وزيادة التعاون الاقتصادي والعسكري، فإن ملفات كثيرة يمكن أن تشكل عقبة في وجه التقارب ومن ضمنها ملفات العدالة الانتقالية وتسليم المجرمين الموجودين في روسيا، ومراجعة العقود والتعويضات، والأهم داخليا إقناع السوريين بجدوى وأخلاقية الدعوات لعودة العلاقات الطبيعية مع دولة مارس جيشها ومرتزقتها انتهاكات فظيعة بحق السوريين وحمى نظاما وحشيا.

ومن جهة أخرى، تكشف التحركات الأميركية أن إدارة ترمب ليست في وارد إشراك روسيا في عملية التسوية السياسية الداخلية، وتفضل التنسيق مع تركيا في شمال وشمال شرقي سوريا، وإسرائيل فيما يخص مناطق الجنوب. كما أن دعم إدارة ترمب غير المحدود لإسرائيل ينهي عمليا أي فرصة لروسيا في استئناف دورها السابق لضبط الأوضاع في الجنوب السوري. وفيما تراهن سوريا على إعادة تسليح جيشها والحصول على أسلحة روسية جديدة وقطع غيار لبعض الأسلحة فإن انخراط روسيا في الحرب على أوكرانيا يصعّب هذه المهمة. كما أن روسيا لا ترغب في إغضاب إسرائيل رغم تردي العلاقات، ولن تزود سوريا بأسلحة نوعية في حال توفر لديها فائض. ومن جانب آخر، ربط الأوروبيون بين إبعاد روسيا عسكريا ودعم دمشق اقتصاديا ورفع العقوبات.

المجلة

————————————

من أي باب سيعود النفوذ الروسي إلى سورية؟/ حسان الأسود

13 أكتوبر 2025

في تطوّر لافت، صرّح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الأربعاء (8/10/2025)، أنّ القضية الكردية قد تنفجر في سائر دول المنطقة، إذا ما أدّت “المناورات” المتعلّقة بالكُرد السوريين نحو “الحكم الذاتي والانفصال” إلى خطوات عملية. وأكّد الوزير في التصريحات نفسها أنّ بلاده ستدعم الشركاء السوريين بكل الطرائق الممكنة، وأنّها مستعدّة للتعاون مع الدول الأخرى التي لها مصالح في سورية، وأكّد أهمية مشاركة الرئيس أحمد الشرع في القمّة الروسية العربية التي كانت مقرّرة في 15 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، قبل إرجائها. وتبدو الرسائل إلى الأطراف المعنية واضحة في تصريحات لافروف، خصوصاً أنها جاءت خلال فترة نشاط واضح بين الحكومة السورية وقيادات “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) التي كان أرفعها مستوى لقاء الرئيس الشرع مع مظلوم عبدي. كذلك، تبدو أهمية التصريحات ضمن سياق نشاط المبعوث الأميركي، السفير توم برّاك، في هذا الملفّ تحديداً. يضاف إلى ذلك كلّه مسألة وقف الحرب في غزّة، وما سيعقبها من تطوّرات في المنطقة برمّتها.

ستطرب بعض الآذان التركية لتصريحات الروس بهذا الخصوص، فالمعضلة الكردية التي تحاول تركيا حلّها داخل حدودها، مشكلة إقليمية، لا بدّ من ربط جميع أطرافها بخيطٍ واحد حتّى يكون الحلّ ناجعاً. على الأقلّ، يجب أن تكون الساحة السورية جزءاً رئيساً من الخريطة باعتبارها إحدى أهمّ الساحات الرخوة والمنفتحة على احتمالاتٍ كثيرة. فمن المُلاحظ أنّ في تركيا وجهتَي نظرٍ مختلفتَين للعلاقة مع الأكراد، في تركيا وخارجها، وأنّ التيّار القومي، وهو الدولة العميقة فعلياً، يرغب بإنجاز اتفاق تاريخي يضمن لتركيا علاقة مميّزة مع أكرادها ومع أكراد سورية على غرار علاقتها مع أكراد إقليم كردستان العراق، من خلال إعطائهم في سورية صلاحيات واسعة قد تصل إلى حدود الحكم الذاتي المرتبط مصلحياً بتركيا، ما يضمن لها في النتيجة نفوذاً واسعاً هناك. بينما يرى جناح الرئيس أردوغان أنّ هذا الأمر يشكّل خطورة كبيرة على المدى الاستراتيجي البعيد، لأنّه سيؤسّس نواة الدولة الكردية المستقبلية، وهذا ما يخشاه كثيراً، خصوصاً مع تكرار الأميركيين الحديث عن انتهاء مفاعيل اتفاقيات سايكس بيكو، ووجوب إعادة النظر في خرائط المنطقة. وكما تركيا، فالعراق ليس موحّداً تجاه الموضوع الكردي في سورية، فهناك موقف العاصمة بغداد، ويقابله موقف حكومة إقليم كردستان، ثمّ موقف حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الأقرب إلى إيران منه إلى تركيا.

دخول الروس على الخطّ، رغم أنّهم لم يخرجوا منه نهائياً، إنّما يدلّ على فاعلية قديمة متجدّدة لا يمكن التغاضي عنها، خصوصاً إذا ما أضيف إليها موضوع التوازن الذي كانت ترعاه مع الجانب الإسرائيلي، وتبدو القيادة السورية الجديدة بحاجة كبيرة إليه. فرغم التصريحات الأميركية الداعمة لسورية بقوّة، إلّا أنّ الانحياز للرؤية الإسرائيلية يدفع السوريين إلى التفكير مليّاً بموازنة من نوعٍ ما، تُعيد شيئاً من أوراق القوة في ساحات التفاوض. ومع دخول اتفاق وقف الحرب في غزّة حيّز التنفيذ، ستتجه الأنظار نحو سورية والمفاوضات التي كانت جاريةً لتوقيع اتفاقٍ أمني جديد يوضّح العلاقة بين الجانبَين. الخوف من تصعيد الحكومة اليمينية المتطرّفة في تل أبيب، وحاجتها الدائمة للاستثمار في الأزمات أو إشعالها، وغضِّ الأميركيين الطرفَ عنها… ستدفع القيادة السورية للتفكير في الروس معادلاً مقبولاً لإسرائيل، وصاحب مصلحة باستعادة نفوذه في المنطقة من البوابة السورية، التي لا تزال (بالمناسبة) مفتوحةً على إمكانات واسعة تخدم المصالح الروسية ذات التاريخ الطويل هنا.

الملفّات السورية الروسية المطروحة على الطاولة كثيرة ومعقّدة، بعضها، مثل ملفّ تسليم أزلام النظام البائد وفي مقدّمتهم بشّار الأسد، رمزي للطرفَين. يريد الجانب السوري تحقيق اختراق في هذا المجال لاعتبارات عديدة، أهمها تعزيز شرعية النظام الجديد دولياً، لأنّ من شأن هذه الخطوة، إن تمّتْ، أن تعطي دفعةً كبيرةً للاعتراف الدولي بنظام الحكم الجديد من خلال طيّ صفحة النظام القديم نهائياً. وستثمر داخلياً من خلال تحريك ملفّ العدالة الانتقالية المتعثّر، وغير المطمئن لكثير من السوريين والسوريات، وستهدّئ النفوس المكلومة ولو إلى حين، كما إنها ستفتّ في عضد الفلول وأنصار النظام السابق إقليمياً مثل حزب الله وإيران. لكنّ هذه الورقة ليست بهذه الخفّة حتى تتنازل عنها روسيا ببساطة أو مقابل أثمانٍ زهيدة. هناك كثير ممّا يمكن أن تطلبه من السوريين قبل أن تفكّر جدّياً في الأمر. في رأس الأولويات مواضيع الاتفاقات الاقتصادية الموقّعة أثناء الصراع، ثمّ مواضيع تسليح الجيش السوري وإعادة هيكلته وتدريبه، ومواضيع القوات العسكرية الروسية وقواعدها المنتشرة في البلاد. ليست هذه المسائل بالسهولة التي نتصوّرها، فوراء كل مسألة منها مصالح متداخلة مع دول الجوار وأمنها القومي، أو مع مصالحها الاستثمارية ونفوذها على العموم. فهل ستسمح أميركا للروس بإعادة التموضع وتقوية أوراقهم؟ وهل ستقبل أوروبا مثل هذا الأمر، وهي تدخل في تصعيد خطير مع روسيا يهدّد بإشعال حربٍ في القارة العجوز؟ وإن قبلت مضطرّة ذلك، هل ستبقي على دفء العلاقة مع حكّام سورية الجدد؟ ثمّ (والأهم) هل ستكفي صداقة بوتين – نتنياهو لتزيل الثلوج من طريق العودة الروسية إلى سورية؟ وأخيراً، هل تتعارض العودة الروسية مع المصالح العربية والخليجية خاصّة في سورية، وهي المرشّحة الأكثر ترجيحاً لحمل عبء إعادة الإعمار؟

لا يزال المشهد ضبابياً في كثيرٍ من جوانبه، وقد تفتح زيارة الرئيس أحمد الشرع الأبواب مجدّداً على دورٍ روسي أكثر تأثيراً في المنطقة برمّتها، وليس في سورية فحسب. الانتقادات العاطفية التي توجّه للانفتاح على الروس محقّة، لكنّها غير ذات قيمة في موازين السياسة، إذ لا أعداء دائمين، ولا أصدقاء كذلك، في السياسة. المصالح هي الأساس، ولا يمكن القفز عنها إلّا لتحقيق مصالح أكبر منها. قد يكون للروس دورٌ مهمّ في تثبيت التفاهمات في الجنوب السوري كما حصل عام 2016، وقد يضمنون الاتفاقات التي ستعقد بين الحكومة و”قسد” أيضاً، فمن مصلحة الأتراك، في هذه النقطة بالذات، إشراك الروس لتقليل مفاعيل الدعم الأميركي أخيراً. وبكل الأحوال، روسيا لا تزال إحدى الدول العظمى التي تمتلك حقّ النقض (فيتو) في مجلس الأمن، وما لم يتغيّر النظام العالمي برمّته، فلن يكون بالمقدور الاستغناء عنها في كثير من القضايا. الأبواب التي سيدخل منها الروس مجدّداً سورية كثيرة، وأهمّها باب التوازن مع أميركا الذي تحتاجه سورية، كما تحتاجه روسيا ايضاً.

العربي الجديد

———————————-

 لافروف يعلّق على أنباء تسمم بشار الأسد ويؤكد دعم روسيا للحكومة الجديدة في سوريا

2025.10.13

أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن بلاده تواصل دعمها للحكومة السورية الجديدة ومساعيها لتهدئة الأوضاع في البلاد، معلقاً في الوقت نفسه على الأنباء التي تحدثت عن تعرّض الرئيس المخلوع بشار الأسد لمحاولة تسميم في موسكو.

وقال لافروف في مؤتمرٍ صحفي اليوم الإثنين إن الأوضاع في سوريا خلال السنوات الماضية كانت صعبة للغاية، مضيفاً أن روسيا “لم تكن لديها مصالح خاصة هناك، بل وقفت إلى جانب الشعب السوري ودعمت سوريا كدولة متعددة القوميات والطوائف تقوم على مبدأ الوفاق الوطني”.

واتهم لافروف الولايات المتحدة الأميركية بأنها سعت إلى تفكيك سوريا و”تأجيج النزعة الانفصالية الكردية” في شمال شرقي البلاد، ما أدى إلى خلق مشكلات للسوريين ولتركيا وللدول الأخرى التي توجد فيها أقليات كردية، مضيفاً أن موسكو كانت، في المقابل، تدعو دوماً إلى وحدة الأراضي السورية.

دعم الحكومة الجديدة في سوريا

شدد لافروف على أن الموقف الروسي لم يتغير بعد انتقال السلطة في سوريا خلال شهر كانون الأول الماضي، إذ تنطلق موسكو من فكرة ضرورة مشاركة دول المنطقة في إعادة إعمار سوريا والحفاظ على وحدة أراضيها.

وأكد أن الدعوات الإسرائيلية لنزع السلاح في السويداء وجنوبي دمشق تمسّ سيادة سوريا ووحدة أراضيها، مشيراً إلى أن بلاده تدعم المبادرات التي تتخذها الحكومة الجديدة لتهدئة الأوضاع.

العلاقات الروسية – السورية

استعرض لافروف سلسلة من اللقاءات بين الجانبين عقب سقوط نظام الأسد، موضحاً أن وفداً وزارياً روسياً زار دمشق في كانون الأول الماضي لمراجعة العلاقات الثنائية، تلاه اتصال بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس السوري أحمد الشرع.

كما التقى لافروف وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في أنطاليا ثم في نيويورك، مؤكداً وجود تفاهم مشترك يقوم على أن “ركائز العلاقات بين البلدين ما زالت قوية، رغم إمكانية تعديل بعض الجوانب الاقتصادية والعسكرية”.

وأشار إلى أن وفداً روسياً برئاسة نائب رئيس الحكومة ألكسندر نوفاك زار دمشق مؤخراً، كما زار وفد سوري رفيع موسكو، مضيفاً أن البلدين يعملان حالياً على تحديث التعاون الثنائي في المجالات كافة.

القواعد الروسية في سوريا

ذكر لافروف أن دمشق أبدت اهتماماً ببقاء القاعدتين الروسيتين في طرطوس وحميميم، موضحاً أن روسيا تحترم رغبة الدولة المضيفة، وأن القاعدتين ستؤديان دوراً مختلفاً في ظل الظروف الجديدة.

كما شدد على أهمية تنظيم تدفقات إنسانية باستخدام القاعدتين كنقاط محورية لإيصال المساعدات إلى منطقة الساحل والصحراء والدول الإفريقية المحتاجة.

تسمم بشار الأسد

نفى لافروف خلال لقائه مع ممثلي وسائل إعلام عربية أن يكون بشار الأسد قد تعرّض لمحاولة تسميم، موضحاً أن وجوده في موسكو جاء “لدواعٍ إنسانية بحتة”.

وأضاف أن بشار الأسد وعائلته يعيشون في العاصمة الروسية من دون أي مشكلات، مؤكداً أنه “لم تحدث أي حالات تسمم على الإطلاق”.

———————————–

بوتين يشيد بالانتخابات السورية والشرع يشدد على إعادة ضبط العلاقات مع روسيا

موسكو: «الشرق الأوسط»

15 أكتوبر 2025 م

هنأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اليوم الأربعاء الرئيس السوري أحمد الشرع على إجراء الانتخابات البرلمانية في سوريا في وقت سابق هذا الشهر. وأكد بوتين، في مستهل اجتماع مع الشرع في الكرملين، استعداد موسكو لتعزيز العلاقات مع دمشق، فيما شدد الرئيس السوري على أن استقرار سوريا مرتبط بالاستقرار الإقليمي والعالمي.

ووصل الشرع إلى روسيا اليوم في زيارة رسمية هي الأولى له منذ وصوله إلى السلطة عقب إطاحة نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وأفيد بأنه سيجري مباحثات مع نظيره الروسي تتناول العلاقات الثنائية بين البلدين والمستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

وقال بوتين خلال استقباله الشرع إن الانتخابات السورية ستعزز العلاقات بين جميع القوى السياسية في سوريا. وأضاف أن موسكو مستعدة للتواصل في دمشق عبر وزارتي الخارجية، مشيداً بالعلاقات السورية الروسية «المميزة».

من جانبه قال الرئيس السوري إن بلاده ملتزمة بجميع الاتفاقات السابقة التي وقعت بين البلدين. ونقلت قناة «الإخبارية» السورية عن الشرع قوله: «نحن في سوريا الجديدة نعيد ربط العلاقات مع كل الدول الإقليمية والعالمية». وأضاف أن «سوريا ستحاول إعادة ضبط علاقاتها مع روسيا والأهم هو الاستقرار في البلاد والمنطقة»، معلناً احترام كل الاتفاقات السابقة بين سوريا وروسيا. وأفاد الشرع بأن كثيراً من محطات الطاقة السورية تعتمد على روسيا، مشيراً إلى أن جزءاً من الغذاء السوري يعتمد على روسيا.

وفي وقت سابق، أفاد مصدر حكومي سوري بأن الرئيس الشرع سيطلب خلال زيارته موسكو تسليم الرئيس السابق بشار الأسد الذي فرّ إلى هناك في ديسمبر (كانون الأول). وقال المصدر مفضلاً عدم كشف هويته، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «الرئيس السوري سوف يطلب من نظيره الروسي تسليم كل من ارتكب جرائم حرب وموجود في روسيا وعلى رأسهم بشار الأسد».

وهذه أول زيارة يقوم بها الشرع إلى روسيا منذ الإطاحة ببشار الأسد، حليف موسكو، العام الماضي.

وقال الكرملين إن بوتين سيناقش مصير القاعدتين العسكريتين الروسيتين في سوريا مع الرئيس السوري أحمد الشرع خلال محادثات في موسكو. ولروسيا قاعدتان عسكريتان رئيسيتان في سوريا هما قاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية إلى جانب قاعدة بحرية في طرطوس.

وكانت وكالة الأنباء السورية (سانا) قد ذكرت أنه من المقرر أن يلتقي الشرع، خلال زياته روسيا، بوتين؛ لمناقشة المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وبحث سُبل تطوير التعاون بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين. كما يلتقي الرئيس السوري الجاليةَ السورية في روسيا.

وإضافة إلى الرئيس بوتين، حضر جلسة المحادثات مع الشرع في الكرملين اليوم وزير الدفاع الروسي أندريه بيلاوسوف، ووزير الخارجية سيرغي لافروف، ونائب رئيس إدارة الرئاسة مكسيم أوريشكين، ومساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف، ونائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك. ومن الجانب السوري حضر وزيرا الخارجية والدفاع أسعد الشيباني ومرهف أبو قصرة.

كان الشرع قد تلقّى اتصالاً هاتفياً من نظيره الروسي في فبراير (شباط) الماضي، وأكد بوتين، خلال الاتصال الهاتفي، دعم بلاده وحدة الأراضي السورية وسيادتها واستقرارها، كما أبدى استعداد روسيا لإعادة النظر في الاتفاقيات التي أبرمتها روسيا مع النظام السابق، ووجوب رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا.

الشرق الأوسط

————————–

الشرع يجري مباحثات مع بوتين في الكرملين

استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اليوم الأربعاء، نظيره السوري أحمد الشرع في الكرملين، حيث أجريا مباحثات ناقشت ملفات عدة، في زيارة هي الأولى من نوعها للشرع في موسكو، حيث يقيم الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد بعد فراره.

وخلال اللقاء، قال بوتين، إن التعاون بين روسيا وسوريا سيجلب نتائج جيدة للبلدين، مؤكدا أن العلاقات بين موسكو ودمشق قوية منذ أكثر من 80 عاما.

وأضاف الرئيس الروسي، أن موسكو مستعدة للتواصل عبر وزارتي الخارجية في البلدين.

ولفت بوتين إلى أن اللجنة المشتركة للبلدين سوف تستأنف عملها، قائلا “نحن مستعدون لإنجاز مشاريع عدة”.

وأشار إلى أن الانتخابات البرلمانية في سوريا شكلت نجاحا كبيرا وستعزز الروابط بين القوى السياسية كافة، وفق وصفه.

تعريف العلاقات

من جهته، قال الرئيس السوري إن بلاده تعمل على إعادة تعريف طبيعة العلاقات بروسيا، مؤكدا احترام كل ما مضى من اتفاقيات مع موسكو.

كما أكد أن هناك علاقات قوية بين سوريا وروسيا، مشيرا إلى العمل على إعادة ربط هذه العلاقات.

وأضاف الشرع في اللقاء “نحاول أن نعرف بسوريا الجديدة في مختلف أنحاء العالم وروسيا من الدول التي تربطنا بها علاقات جيدة”، وفق تعبيره.

ووصل الشرع، في وقت سابق اليوم، إلى موسكو برفقة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة ومسؤولين اقتصاديين وعسكريين آخرين.

اجتماع بين مسؤولين روس وسوريين في الكرملين (رويترز)

أهداف الزيارة

وصرح الكرملين، بأن بوتين والشرع سيناقشان مصير القاعدتين الروسيتين الرئيسيتين في سوريا، وهما قاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية إلى جانب قاعدة بحرية في طرطوس.

وبدوره، قال مصدر سوري -لوكالة رويترز- إن مسؤولين سوريين يسعون للحصول على ضمانات بأن روسيا لن تساعد في إعادة تسليح فلول قوات الأسد.

وأضاف المصدر نفسه، أن الشرع يأمل أن تساعد روسيا أيضا في إعادة بناء الجيش السوري.

كذلك أفاد مصدر حكومي سوري -لوكالة الصحافة الفرنسية- أن الشرع سيطلب خلال زيارته الأولى إلى روسيا تسليم الرئيس المخلوع بشار الأسد الذي فرّ إلى هناك في ديسمبر/كانون الأول الماضي.

وقد شكّلت موسكو داعما رئيسيا لنظام الأسد على امتداد حكمه الذي استمر ربع قرن، وتدخلت بقواتها لصالحه بدءا من العام 2015، وساهمت، خصوصا عبر الغارات الجوية، في قلب الدفة لصالحه على جبهات عدة في الميدان، وقد فر إليها عقب دخول الثوار للعاصمة دمشق.

المصدر: الجزيرة + وكالات

——————————

 الشرع وبوتين يتفقان على إعادة ضبط العلاقات وتعزيز المشاريع المشتركة

2025.10.15

بحث الرئيس السوري أحمد الشرع مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، اليوم الأربعاء، سبل إعادة ضبط العلاقات بين دمشق وموسكو وتعزيز المشاريع المشتركة، خلال زيارة رسمية إلى العاصمة الروسية.

وبحسب وسائل إعلام روسية، تركّزت المحادثات على تعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد والأمن الغذائي والطاقة، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على الاستقرار في سوريا والمنطقة، وتعميق الشراكة التاريخية بين البلدين.

وفي وقت سابق اليوم، وصل الرئيس السوري إلى العاصمة موسكو، برفقة عدد من الوزراء، حيث استقبله نظيره الروسي في قصر الكرملين.

وخلال اللقاء، أكّد الرئيس الشرع، أنّ بلاده ستحاول إعادة ضبط علاقاتها مع روسيا، مشدداً على أهمية الحفاظ على الاستقرار في البلاد والمنطقة.

وأضاف: “تربطنا أيضاً جسور تعاون هامة، بما في ذلك جسور مادية، وسنواصل العمل على ذلك مستقبلاً، سعياً لإعادة إطلاق علاقاتنا الشاملة”.

وأشار إلى أن جزءاً من الغذاء السوري يعتمد على روسيا، وقال: “نحاول إعادة تعريف طبيعة العلاقات مع روسيا، ونحترم كل الاتفاقيات السابقة والحالية بين سوريا وروسيا، وكثير من محطات الطاقة السورية تعتمد على روسيا”.

من جانبه، شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أن العلاقات بين موسكو ودمشق تاريخية وخاصة، وأن الهدف الدائم لروسيا كان خدمة مصلحة الشعب السوري، على حد قوله.

وقال بوتين: “لم تكن لدينا في روسيا أي علاقات مع سوريا مرتبطة بظروفنا السياسية أو مصالحنا الخاصة (..) على مدى هذه العقود، كان هدفنا دائماً مصلحة الشعب السوري”.

وأضاف: “روسيا وسوريا تتمتعان بعلاقات خاصة منذ عقود عديدة (..) العلاقات بين سوريا وروسيا كانت دائماً ودية للغاية، ونحن مستعدون لإنجاز المشاريع المشتركة مع سوريا”.

ووصف بوتين “انتخابات مجلس الشعب” في سوريا بأنها “نجاح كبير”، لافتاً إلى أنها ستعزز الروابط بين القوى السياسية، مردفاً: “سعيد برؤيتكم، وأهلاً وسهلاً بكم في روسيا (..)، روسيا مستعدة لإجراء مشاورات منتظمة مع سوريا عبر وزارة الخارجية”.

القواعد العسكرية في سوريا

وفي وقت سابق اليوم أيضًا، أكّد المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، أن الشرع وبوتين سيتطرّقان إلى موضوع القواعد الروسية خلال المحادثات في موسكو، وقال: “من الواضح أن هذا الأمر سيثار بطريقة أو بأخرى خلال المحادثة مع الرئيس، نعم، يمكن توقّع ذلك”.

وأضاف بيسكوف: “يوم مهم للعلاقات الروسية–السورية.. أول اتصالات وجهاً لوجه على أعلى مستوى منذ تغيير السلطة في سوريا”، بحسب “روسيا اليوم”.

——————————–

بوتين للشرع: مستعدون لإنجاز مشاريع مشتركة

الرئيس السوري شدد لنظيره الروسي على أن دمشق تحترم كل الاتفاقيات المبرمة مع موسكو

الرياض – العربية.نت

15 أكتوبر ,2025

لأول مرة منذ تسلمه السلطة في سوريا، وصل الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم الأربعاء، إلى مقر الرئاسة الروسية الكرملين للقاء نظيره الروسي فلاديمير بوتين.

الشرع: سنحاسب الأسد دون الدخول بصراع مكلف مع روسيا

سوريا سوريا والشرع الشرع: سنحاسب الأسد دون الدخول بصراع مكلف مع روسيا

تعزيز العلاقات

فقد بدأ الزعيمان مباحثات أكد فيها الرئيس الروسي لنظيره السوري على العلاقات الدبلوماسية التاريخية الممتدة مع سوريا.

وأضاف بوتين للشرع أن روسيا تريد مصلحة الشعب السوري، وأن تلك المصلحة هي التي كانت تحركها دوماً، لافتاً إلى أن موسكو مستعدة للتواصل عبر وزارتي الخارجية.

وتابع الرئيس الروسي أن هناك أسراً وصداقات مشتركة مع سوريا، وأن موسكو ترغب بتعزيز الدولة السورية.

أيضاً اعتبر أن الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي أجريت في سوريا مؤخراً نجاح كبير، مؤكداً أن العملية الانتخابية ستعزز العلاقات بين جميع القوى السياسية.

إلى ذلك، أعلن بوتين أن بلاده مستعدة لإنجاز المشاريع المشتركة مع سوريا، مع استئناف اللجنة الحكومية المشتركة.

بدوره، أكد الرئيس السوري أحمد الشرع على الروابط التاريخية بين روسيا وسوريا، مشدداً على أن دمشق تريد ربط العلاقات.

وأضاف أن كثيراً من محطات الطاقة السورية تعتمد على روسيا، وأن جزءاً من الغذاء السوري يعتمد على روسيا.

كذلك شدد الشرع على أن دمشق تحترم كل الاتفاقيات السابقة بين سوريا وروسيا، وأنها تحاول إعادة تعريف طبيعة العلاقات بين البلدين.

وكان الشرع أكد مراراً أن بلاده لن تكون مصدر إزعاج لأحد، وستحافظ على علاقة متوازنة مع الجميع.

كما صرح الرئيس السوري مؤخراً، أن دمشق ستتبع كل الطرق القانونية المتاحة للمطالبة بمحاسبة رئيس النظام السابق بشار الأسد، دون الدخول في صراع مكلف مع روسيا التي تستضيفه.

وشدد مراراً على أن الانخراط في صراع مع روسيا الآن سيكون مكلفاً للغاية بالنسبة لسوريا ولن يكون في مصلحة البلاد.

أول زيارة

يذكر أن هذه أول زيارة يقوم بها الشرع إلى موسكو منذ أن أطاحت فصائل المعارضة بقيادته بالرئيس السابق العام الماضي، علماً أن بوتين كان منح الأسد لجوءاً إنسانياً حينها، ومذاك لم يشاهد الرئيس السابق في أي مكان في العاصمة الروسية.

وكان قاضي التحقيق في دمشق توفيق العلي، أعلن نهاية شهر سبتمبر الماضي (2025)، إصدار مذكرة توقيف غيابية بحق الأسد، تمهيداً لمتابعة القضية دولياً عبر منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول).

أما روسيا، فلها قاعدتان عسكريتان رئيسيتان في سوريا هما قاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية إلى جانب قاعدة بحرية في طرطوس.

—————————

الشرع يزور موسكو لبحث الوجود العسكري الروسي في سوريا ومصير الأسد

وصل الرئيس السوري أحمد الشرع -اليوم الأربعاء- إلى موسكو في أول زيارة رسمية لإجراء مباحثات مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، وفق ما أكدته وكالة الأنباء السورية (سانا).

وذكرت “سانا” أن المباحثات ستشمل العلاقات الثنائية بين البلدين والمستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

وأشارت الوكالة إلى أنه من المخطط أن يلتقي الشرع الجالية السورية في روسيا.

منشآت عسكرية

وبدورها، قالت الخارجية الروسية، إن موسكو ودمشق تبحثان الوجود الروسي في سوريا وإعادة هيكلة منشآته العسكرية.

كما صرح الكرملين، أن بوتين والشرع سيناقشان مصير القاعدتين الروسيتين الرئيسيتين في سوريا، وهما قاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية إلى جانب قاعدة بحرية في طرطوس.

ولروسيا كذلك وجود عسكري في مطار القامشلي، فضلا عن مصالح اقتصادية ومصالح متعلقة بالطاقة في سوريا ترغب في تأمينها.

وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قال الاثنين، إن موسكو تعتقد أن دمشق تريد بقاء القاعدتين العسكريتين، وتحدث عن فكرة استخدامهما أيضا كمركزين لوجيستيين لإيصال المساعدات إلى أفريقيا عن طريق البحر والجو.

وقال مصدر سوري -لوكالة رويترز- إن مسؤولين سوريين يسعون للحصول على ضمانات بأن روسيا لن تساعد في إعادة تسليح فلول قوات الأسد.

وأضاف المصدر نفسه، أن الشرع يأمل أن تساعد روسيا أيضا في إعادة بناء الجيش السوري.

تسليم الأسد

كذلك أفاد مصدر حكومي سوري -لوكالة الصحافة الفرنسية- أن الشرع سيطلب خلال زيارته الأولى إلى روسيا تسليم الرئيس المخلوع بشار الأسد الذي فرّ إلى هناك في ديسمبر/كانون الأول الماضي.

وقال المصدر مفضلا عدم الكشف عن هويته إن “الرئيس الشرع سوف يطلب من الرئيس الروسي تسليم كل من ارتكب جرائم حرب وموجود في روسيا وعلى رأسهم بشار الأسد”.

ويرافق الرئيس السوري في زيارته إلى موسكو وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة ومسؤولون عسكريون واقتصاديون.

وفي التاسع من سبتمبر/أيلول المنصرم، شهدت دمشق اجتماعا ثنائيا ترأسه الشيباني وألكسندر نوفاك نائب رئيس الوزراء الروسي، بحثا فيه مختلف مجالات التعاون بين البلدين.

وكان الرئيس الروسي قد أجرى في فبراير/شباط الماضي اتصالا بنظيره السوري، أكد فيه دعمه “وحدة الأراضي السورية وسيادتها”.

وقد شكّلت موسكو داعما رئيسيا لنظام الأسد على امتداد حكمه الذي استمر ربع قرن، وتدخلت بقواتها لصالحه بدءا من العام 2015، وساهمت، خصوصا عبر الغارات الجوية، في قلب الدفة لصالحه على جبهات عدة في الميدان، وقد فر إليها عقب دخول الثوار للعاصمة دمشق.

المصدر: وكالات

—————————-

الرئيس الشرع من موسكو: حاولنا أن نعرّف عن سوريا الجديدة

تشرين الأول 15, 2025        

قال السيد الرئيس، أحمد الشرع، إنه حاول خلال زيارته إلى موسكو ولقائه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يعرف عن سوريا الجديدة وأن يعيد ربط العلاقات السياسية والاستراتيجية مع كل دول العالم وعلى رأسها روسيا الاتحادية.

وأشار الرئيس الشرع، الأربعاء 15 تشرين الأول، إلى وجود روابط تاريخية قديمة وهناك علاقات ثنائية ومصالح مشتركة بين سوريا وروسيا.

وأضاف السيد الرئيس، “تربطنا مع روسيا أشياء كثيرة فجزء من الغذاء السوري يعتمد على الإنتاج الروسي”، وأكد وجود الكثير من محطات الطاقة التي تعتمد على الخبرات الروسية.

وأوضح الرئيس الشرع أن هناك علاقات ثنائية ومصالح مشتركة تربط سوريا بروسيا”، مؤكداً أن سوريا تحترم جميع الاتفاقيات المبرمة مع موسكو.

وأضاف السيد الرئيس، أن “سوريا الجديدة تعمل على إعادة ربط علاقاتها مع جميع الدول الإقليمية والعالمية”، مشيراً إلى أن “سوريا ستحاول إعادة ضبط علاقاتها مع روسيا، والأهم هو تحقيق الاستقرار في البلاد والمنطقة”.

من جانبه، رحّب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالسيد الرئيس الشرع خلال لقائهما في الكرملين، مشيراً إلى عمق العلاقات التي تربط سوريا بروسيا منذ أكثر من 80 عاماً.

وبيّن بوتين أن روسيا تحتفظ “بعلاقات وثيقة مع الشعب السوري، ونسعى إلى تطوير العلاقات مع دمشق”، لافتاً إلى أن “اللجنة الحكومية المشتركة بين روسيا وسوريا ستستأنف عملها”.

ووصل السيد الرئيس أحمد الشرع اليوم إلى العاصمة الروسية موسكو، في زيارة رسمية تهدف إلى عقد لقاء تاريخي هو الأول من نوعه مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، لبحث الملفات المشتركة بين البلدين.

وتأتي هذه الزيارة في لحظة مفصلية تمر بها سوريا بعد طيّ صفحة الحقبة السابقة التي سبقت عهد تحرير البلاد من النظام البائد، حيث تؤكد الحكومة السورية التزامها بمراجعة وإعادة تقييم الاتفاقيات التي أبرمت مع موسكو في الماضي، والتي شابها الكثير من الغموض وتعارضت مع المصلحة الوطنية.

وتسعى إدارة السيد الرئيس الشرع إلى بناء علاقات جديدة مع روسيا على أسس قوامها الاحترام المتبادل والشفافية والاعتراف الكامل بسيادة سوريا ووحدة أراضيها، إذ لم يعد المسار الدولي لسوريا قائماً على اصطفافات ضيقة، بل على انفتاح متوازن مع الشرق والغرب، في إطار من السيادة والكرامة الوطنية.

——————————–

 الشرع يلتقي بوتين: سنُعيد ضبط العلاقات السورية-الروسية

الأربعاء 2025/10/15

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع، أن سوريا ستُعيد ضبط علاقاتها مع روسيا، وأن هناك علاقات تاريخية تربط بين البلدين، فيما قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إن موسكو ستسعى إلى تطوير العلاقات مع دمشق.

جاء ذلك خلال استقبال بوتين للشرع، فيالكرملين بالعاصمة الروسية موسكو، اليوم الأربعاء، وذلك في أول زيارة رسمية يجريها الرئيس السوري على رأس وفد حكومي رفيع إلى روسيا، بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، الذي كانت موسكو أحد أبرز داعميه.

ربط العلاقات

وقال الشرع إن “سوريا الجديدة تعيد ربط العلاقات الاستراتيجية والسياسية مع كافة الدول، وعلى رأسها روسيا”، مؤكداً أن دمشق “تحترم جميع الاتفاقيات السابقة الموقعة مع روسيا”.

وأضاف الرئيس السوري، “نحاول أن نعيد ونعرف بشكل جديد طبيعة هذه العلاقات، على أن يكون هناك استقلال لسيادة سوريا وسلامة ووحدة أراضيها واستقرارها الأمني المرتبط بالاستقرار الإقليمي والعالمي”.

وأشار إلى أن “جزءاً من الغذاء السوري معتمد على الإنتاج الروسي، بالإضافة إلى أن الكثير من محطات الطاقة تعتمد على خبرات موسكو”، حسبما نقلت وكالة “سبوتنيك” الروسية.

وأكد الشرع أن “هناك علاقات تاريخية طويلة تربط ما بين سوريا وروسيا، وعلاقات ثنائية ومصالح مشتركة”، وأن “كثيراً من العلاقات الاستراتيجية والسياسية سواء إقليمية ودولية مرتبطة مع روسيا”.

وقال الرئيس السوري إن بلاده “ستحاول إعادة ضبط علاقاتها مع روسيا، والأهم هو الاستقرار في البلاد والمنطقة”، مشيراً إلى أن “روسيا وسوريا تربطهما جسور تعاون جادة، بما في ذلك التعاون الاقتصادي”.

علاقات صداقة

من جانبه، أشاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العلاقات الروسية- السورية، مضيفاً أن العلاقات بين البلدين كانت ” دائماً ذات طابع ودّي خالص”. وذكر أن العلاقات بين البلدين، كانت علاقات صداقة ولم تكن لروسيا أي علاقات منوطة بالحالة السياسية أو المصالح الضيقة، وهي مرتبطة بالمصالح المتبادلة ومصلحة الشعب السوري.

وقال بوتين إن العلاقات الخاصة بين روسيا وسوريا، تبلورت على مدى عقود، مبدياً استعداد موسكو لإجراء مشاورات منتظمة مع سوريا عبر وزارة الخارجية. واعتبر أن الانتخابات البرلمانية في سوريا نجاح كبير وستعزز الروابط بين كافة القوى السياسية.

جلسة محادثات

وأشارت وكالات روسية إلى أن بوتين يعقد جلسة محادثات مع الشرع، بحضور وزير الدفاع الروسي أندريه بيلاوسوف، ووزير الخارجية سيرغي لافروف، ونائب رئيس إدارة الرئاسة مكسيم أوريشكين، ومساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف، ونائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك.

يُشار إلى أن وفداً سورياً رفيع المستوى يضم وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة، يرافق الشرع في زيارته إلى موسكو.

وفي وقت سابق، اليوم، أكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، أن بوتين والشرع، سيتطرقان بطريقة ما إلى موضوع القواعد الروسية في سوريا، وذلك في محادثاتهما المشتركة في موسكو.

———————–

العلم السوري الجديد يرفرف على سيارة السيد الرئيس الشرع في موسكو

تشرين الأول 15, 2025        

ظهر العلم السوري الجديد مرفرفاً على سيارة السيد الرئيس أحمد الشرع في شوارع العاصمة الروسية موسكو اليوم، 15 تشرين الأول، خلال الزيارة الأولى التي يجريها الرئيس الشرع للقاء نظيره الروسي فلاديمير بوتين.

وتداولت مواقع روسية وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تسجيلاً مصوراً يظهر الموكب الرئاسي للسيد الرئيس الشرع والوفد المرافق في شوارع العاصمة موسكو، أثناء توجهه إلى الكرملين.

ووصل السيد الرئيس أحمد الشرع اليوم إلى العاصمة الروسية موسكو، في زيارة رسمية وتاريخية حيث سيلتقي للمرة الأولى نظيره الروسي فلاديمير بوتين، بهدف بحث الملفات المشتركة بين البلدين.

وتتمحور الزيارة حول العلاقات الثنائية بين سوريا وروسيا والمستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى مناقشات تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية وملفات إعادة الإعمار.

وتأتي هذه الزيارة في لحظة مفصلية تمر بها سوريا بعد طيّ صفحة الحقبة السابقة التي سبقت عهد تحرير البلاد من النظام البائد، حيث تؤكد الحكومة السورية التزامها بمراجعة وإعادة تقييم الاتفاقيات التي أبرمت مع موسكو في الماضي، والتي شابها الكثير من الغموض وتعارضت مع المصلحة الوطنية.

وتسعى إدارة الرئيس الشرع إلى بناء علاقات جديدة مع روسيا على أسس قوامها الاحترام المتبادل والشفافية والاعتراف الكامل بسيادة سوريا ووحدة أراضيها، إذ لم يعد المسار الدولي لسوريا قائماً على اصطفافات ضيقة، بل على انفتاح متوازن مع الشرق والغرب، في إطار من السيادة والكرامة الوطنية.

—————————–

 الكرملين: بوتين والشرع يعتزمان بحث تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية

2025.10.15

قال الكرملين، اليوم الأربعاء، إن الرئيس السوري أحمد الشرع ونظيره الروسي فلاديمير بوتين سيبحثان تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين، خلال اللقاء الذي سيجمعهما في وقت لاحق.

ونقلت وسائل إعلام روسية عن الكرملين قوله إن المحادثات ستتناول أيضاً آخر التطورات في الشرق الأوسط.

وكشفت مصادر خاصة لتلفزيون سوريا، الثلاثاء، أن الرئيس السوري أحمد الشرع سيبدأ زيارة رسمية إلى العاصمة الروسية موسكو، اليوم الأربعاء.

وقال مصدر رسمي سوري لوكالة “رويترز” إنه من المقرر أن يجري الشرع محادثات حول استمرار وجود القاعدة البحرية الروسية في طرطوس وقاعدتها الجوية في حميميم.

اقرأ أيضاً

مروان قبلان: سوريا بحاجة إلى إعادة بناء علاقتها مع روسيا وتفعيل حوار وطني شامل (تلفزيون سوريا ـ لقطة شاشة)

مروان قبلان: سوريا بحاجة إلى إعادة بناء علاقتها مع روسيا وتفعيل حوار وطني شامل

وأضاف المصدر أن الشرع سيطلب أيضاً من روسيا، بصفة رسمية، تسليم رئيس النظام المخلوع بشار الأسد، حليف موسكو، لمحاكمته على ما قال إنها “جرائم ضد السوريين”.

“علاقات صداقة بين دمشق وموسكو”

وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد صرّح قبل أيام بأن بلاده تحافظ على علاقات صداقة غير انتهازية مع دمشق.

وأوضح لافروف، خلال مقابلة مع قناة “روسيا اليوم”، أن الرئيس فلاديمير بوتين شدد على أن القواعد العسكرية الروسية في سوريا لن تبقى إلا إذا كانت هناك حاجة فعلية لذلك، مشيراً إلى أن الوجود العسكري الروسي لم يعد مخصصاً لدعم طرف ضد آخر، بل يمكن استخدام المرافئ والمطارات السورية لأغراض لوجستية وإنسانية، مثل توزيع المساعدات القادمة من روسيا ودول الخليج إلى سوريا والدول الإفريقية.

وأشار لافروف إلى إمكانية استكمال المشاريع الاقتصادية المشتركة التي تم الاتفاق عليها سابقاً، مع تعديلها وفقاً للظروف الجديدة.

—————————

 لافروف: سوريا مهتمة بالإبقاء على القاعدتين العسكريتين الروسيتين

وزير الخارجية الروسي أشار إلى إمكانية تحديث مهام هذه القواعد بما يتناسب مع الظروف الجديدة

الرياض: العربية.نت

13 أكتوبر ,2025

أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، اليوم الاثنين، أن السلطات السورية مهتمة بالإبقاء على قاعدتين عسكريتين روسيتين على أراضيها.

وتجري موسكو مناقشات مع القيادة السورية الجديدة بشأن الاحتفاظ بقاعدة بحرية وأخرى جوية، تمنحها موطئ قدم عسكرياً مهماً في المنطقة منذ الإطاحة بحليفها بشار الأسد العام الماضي.

وأعلن لافروف اليوم أن الجانب السوري يُبدي اهتماماً بالحفاظ على القواعد العسكرية الروسية في البلاد، مع إمكانية تحديث مهامها بما يتناسب مع الظروف الجديدة.

وقال خلال لقاء مع صحافيين: “الجانب السوري مهتم بالحفاظ على قواعدنا العسكرية هناك. وكما أكد رئيسنا مراراً، فإننا نستند إلى مصالح الجمهورية العربية السورية”، مؤكداً أنه “من الواضح أنه في ظل الظروف الجديدة، يمكن لهذه القواعد أن تلعب دوراً مختلفاً وليس مجرد موقع عسكري”.

وأشار لافروف أنه “نظراً للحاجة إلى إرسال مساعدات إنسانية إلى إفريقيا، فمن الممكن أن تكون هذه القواعد البحرية والجوية بمثابة مراكز إنسانية لإرسال الإمدادات إلى هناك، بما في ذلك إلى منطقة الصحراء الكبرى والساحل وغيرها من البلدان المحتاجة”.

من جهة أخرى، أكد لافروف أن وجود بشار الأسد وأفراد أسرته في روسيا مبني على “أسباب إنسانية”، موضحاً أن هذا الأخير كان “مهدداً بالقتل”. وتابع: “لأسباب إنسانية بحتة، منحنا بشار الأسد وعائلته حق اللجوء. وليس لديه أي مشاكل في العيش في عاصمتنا. لم تحدث أي حالات تسمم، وإذا ظهرت مثل هذه الشائعات، لندعها على ذمة من ينشرها”.

وفي سياق آخر، اعتبر وزير الخارجية الروسي أن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تقتصر على قطاع غزة وتتسم بغموض شديد فيما يتعلق بإقامة دولة فلسطينية. وأردف: “لاحظنا أن خطة دونالد ترامب للسلام لا تتناول إلا قطاع غزة، إنها تتحدث عن دولة (فلسطينية)، لكن في العموم نوعاً ما”. وأضاف: “من الضروري توضيح هذه الأمور، بما يشمل تحديد ما سيحدث في الضفة الغربية”.

وهذا هو أوضح بيان حتى الآن تقول فيه روسيا إنها لا ترى خطة ترامب مفصلة وشاملة بما يكفي، لكن لافروف ذكر أيضاً أن روسيا تأمل في تنفيذ جميع الاتفاقات التي توصلت إليها إسرائيل وحركة حماس بموجب الخطة.

——————————–

========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى