العدالة الانتقالية تحديث 27 تشرين الأول 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي:
———————————-
العدالة الانتقالية والسلم الأهلي في سوريا: بين الحق والأمن/ مازن الشاهين
خبراء حقوقيون: “أي عملية مصالحة سورية تُبنى على النسيان بدلاً من المحاسبة، ستكون سلاماً هشاً قابلاً للانهيار”
2025-10-22
في ظل الصراعات الحادة التي تعصف بالمجتمعات بعد النزاعات أو الفترات الديكتاتورية، تبرز العدالة الانتقالية كآلية أساسية لتحقيق المصالحة الوطنية وضمان محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. وفي سوريا، يمثل موضوع العدالة الانتقالية والسلم الأهلي تحدياً مركباً، نظراً لسياق الأحداث المستمر منذ أكثر من عقد.
فهم العلاقة بين العدالة الانتقالية والسلم الأهلي يعد ضرورياً لتقييم آفاق تحقيق الاستقرار المستدام بعد سنوات من الانقسام والصراع. وحتى نهاية 2024، بلغ عدد اللاجئين السوريين نحو 6.1 ملايين خارج البلاد، بينما بلغ عدد النازحين داخلياً حوالي 7.4 ملايين، أي أن نحو ربع سكان سوريا تأثروا بالتهجير المباشر. أما المصير المجهول والاختفاء القسري، فتقديرات حديثة تشير إلى أن عدد المفقودين يتراوح بين 120 و300 ألف شخص.
وهنا تبرز أسئلة مصيرية: كيف يمكن الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة الاستقرار؟ وهل تتعارض آليات العدالة الانتقالية مع استقرار المجتمع السوري، أم أنها شرط أساسي لسلام دائم في بلد أنهكته الحرب وسلبت سنواتها حياة مئات الآلاف وشردت الملايين؟ وهل يمكن أن تقوم العدالة الانتقالية على أنقاض الألم دون أن تُشعل شرارة نزاع جديد؟ وهل يمكن للسلم الأهلي أن يُبنى على المصارحة والمحاسبة لا على النسيان والعفو الشامل؟
ما بين من يدعو إلى “طيّ الصفحة” لإعادة البناء، ومن يطالب بفتح الملفات “حتى لا تتكرر المأساة”، يتأرجح مستقبل بلد يحتاج إلى إنصاف ضحاياه دون أن يغرق مجدداً في دوامة الثأر. النقاش حول ما إذا كانت العدالة الانتقالية تتعارض مع السلم الأهلي ليس نظرياً فحسب، بل قرار عملي يحدد شكل الدولة والمجتمع لما بعد النزاع. فهناك فريق يرى أن الإفلات من العقاب يقوّي الأحقاد ويُجهض أي استقرار دائم، وفريق آخر يخشى أن إجراءات المساءلة الصارمة قد تشعل انتقامات أو تعيق إعادة الدمج السريع للنازحين واللاجئين.
لغة الأرقام تحكي القصة قبل الكلمات
الناشط الحقوقي عمر هزاع يقول لـ”963+“: “تشير بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى أن عدد اللاجئين السوريين تجاوز 6.1 ملايين حتى نهاية 2024، فيما يقدّر عدد النازحين داخلياً بنحو 7.4 ملايين سوري، وفق تقرير اللجنة الدولية لشؤون المفقودين (ICMP). ويتراوح عدد المفقودين والمختفين قسرياً بين 120 و300 ألف شخص، وتؤكد منظمات سورية محلية أن نحو 100 ألف معتقل سابق ما زالوا ينتظرون تعويضاً أو اعترافاً رسمياً بما تعرّضوا له. أما الدمار، فقد دُمرت نحو 30% من المساكن كلياً، وتضررت 40% جزئياً”.
هذه الأرقام تضع العدالة الانتقالية في قلب أي مشروع وطني للسلم الأهلي، لأنها تمس ملايين الأسر التي لم تغلق بعد جراحها المفتوحة. في أحد مخيمات الشمال السوري، تقول أم علاء، والدة شاب مفقود منذ 2013: “لا أريد سجن أحد، أريد فقط أن أعرف أين ابني، هل هو حي أم ميت؟ العدالة بالنسبة لي أن أعرف الحقيقة وأن يُذكر اسمه”.بينما يضيف عبد الله الحسن، ناشط من مدينة حمص: “الناس لا تبحث عن الانتقام، بل عن الاعتراف. إذا أُغلقت الملفات بدون اعتراف بالمسؤولية، سنبقى مجتمعاً مقسوماً بين ضحية وصامت”.
العدالة الانتقالية.. مفهوم يتجاوز المحاكم
القاضي معاذ عبدالرحمن يعرف العدالة الانتقالية في تصريح لـ”963+” بأنها “مجموعة من الإجراءات القانونية والسياسية والثقافية التي تهدف إلى معالجة الانتهاكات السابقة، وتحقيق المصالحة بين الأطراف المختلفة، عبر المحاكمات وكشف الحقائق والتعويضات وجبر الضرر وإصلاح الأجهزة الأمنية والقضائية”.
وفي المقابل، السلم الأهلي يستند إلى تحقيق حالة من الاستقرار السياسي والاجتماعي من خلال إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوري.
وتوضح الدكتورة نادين السالم، أستاذة القانون الدولي في تصريح لـ”963+“: “العدالة الانتقالية ليست محاكمات انتقامية، بل منظومة قيم ومؤسسات تهدف إلى طيّ صفحة الانتهاكات بطريقة تحفظ كرامة الإنسان وحقوقه، وتشمل الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار”.
وتضيف: “في سوريا، السؤال ليس هل نريد العدالة، بل كيف نطبّقها دون أن تنفجر التوترات مجدداً؟ والسلم الأهلي يعني حالة الاستقرار والهدوء داخل المجتمع، مع احترام التنوع والاختلاف، وهو ضرورة لتقدم الدول وبناء مؤسسات قوية. والمحافظة على السلم الأهلي تتطلب من الجميع التزام الحوار وتجنب العنف”.
وتؤكد السالم: “إن العدالة الانتقالية في سوريا لا تتعارض مع السلم الأهلي وإنما تمثل شرطاً أساسياً لتحقيقه، ولكن هذا الشرط يحتاج إلى تطبيق دقيق ومرن يأخذ بعين الاعتبار تعقيدات الصراع السوري والتوازنات السياسية والاجتماعية. تغليب مبدأ الشمولية والإنصاف من شأنه أن يضع حجر الأساس لاستقرار سوري مستدام يعيد بناء النسيج الاجتماعي المتضرر”.
المخاوف من أن العدالة قد تهدّد السلم الأهلي
يخشى عبدالرحمن أن المطالبة بالعدالة الانتقالية الشاملة في الوقت الحالي قد تعيق عملية السلام، إذ تتطلب مفاوضات مع أطراف متهمة بانتهاكات، وتؤجج الصراعات الطائفية والمناطقية، وتزيد من تقسيم المجتمع بدلاً من لمّ شمله.
ويضيف: “الكشف عن الماضي المؤلم قد يفتح جراحاً تهدد الاستقرار في المدى القصير، وفتح ملفات واسعة للمساءلة يُشعل صراعات انتقامية داخل المجتمعات، ويُعقّد عملية عودة اللاجئين والنازحين، ويُبطئ إعادة الإعمار عاجلاً”.
في المقابل، ترى السالم أن العدالة الانتقالية ضرورية للسلم الأهلي لأنها تعالج جذور الصراع وتمنع تكراره، وتمنح الضحايا شعوراً بالإنصاف يسمح بالعفو الحقيقي، وتبني مؤسسات قوية قادرة على إدارة الاختلاف. “فالعدالة الانتقالية في سوريا ليست خياراً بين المحاسبة أو السلام، بل هي عملية معقدة تحتاج إلى تصميم دقيق يراعي خصوصية المجتمع السوري ويتجنب الإقصاء. النموذج المطلوب هو نموذج توافقي يجمع بين الاعتراف بالمعاناة وجبر الضرر وروح المصالحة، لأن السلام الحقيقي لا يُبنى على نسيان الجراح، بل على معالجتها”.
هواجس الأمن والاستقرار
يقول مسؤول حكومي سابق في دمشق (طلب عدم ذكر اسمه) لـ”963+“: “البلاد تحتاج الآن إلى الاستقرار أولاً، أي فتح واسع لملفات الحرب قد يعيد الانقسام إلى الشارع ويُعرّض جهود المصالحة للخطر. العدالة مطلوبة، لكن تدريجياً وبما يتناسب مع الواقع الأمني والسياسي”.
ويضيف: “يمكن تبنّي نموذج محلي للمصالحة يركّز على التسويات والعفو المشروط بدل المحاكمات الواسعة التي قد تُستخدم سياسياً”.
ويؤكد أن هذا الرأي يعكس وجهة نظر شريحة من المواطنين الذين يرون أن الأولوية لإعادة الإعمار وعودة اللاجئين، ولو على حساب العدالة الشاملة مؤقتاً.
كيف تتكامل العدالة الانتقالية مع السلم الأهلي؟
يرى الصحفي السوري مالك عبدالله في تصريحات لـ”963+” أن أي عملية مصالحة سوريا تُبنى على النسيان بدل المحاسبة ستكون سلاماً هشّاً قابلاً للانهيار.
ويضيف: “الدول التي تجاهلت العدالة بعد النزاعات مثل العراق أو لبنان شهدت موجات عنف متجددة بعد سنوات. العدالة الانتقالية تعزز الثقة بين المواطنين والدولة عبر كشف الحقيقة وتحقيق محاسبة عادلة. تنفيذها بطريقة شاملة تضمن مشاركة جميع الأطراف يقلل من مشاعر الظلم والانتقام، ومع وجود برامج للتعويض والمصالحة يدعم بناء السلام ويمنع تكرار العنف”.
ومع ذلك، تظهر إشكالية رئيسة: هل محاسبة المسؤولين عن انتهاكات الماضي تهدد السلم الأهلي، أم أنها شرط أساسي لبنائه؟ التجارب الدولية تشير إلى أن العدالة الانتقالية غير المتوازنة أو المنحازة قد تؤجج النزاعات. وفي سوريا، حيث تتداخل مشاكل الهوية والانتماءات العرقية والمذهبية وتعدد الفصائل المسلحة، يشكل تنفيذ العدالة الانتقالية تحدياً إضافياً. ومع ذلك، يشير البحث إلى أن تجاهل المحاسبة يولد شعوراً بالظلم ويغذي دوامة العنف، مما يعيق بناء السلم الأهلي على المدى الطويل.
دروس من دول العالم
يقول الصحفي الجزائري رشيد بوجله لـ”963+” إن تجربة العدالة الانتقالية في الجزائر كانت مميزة، إذ لم تتخذ شكل “العدالة الانتقالية الكلاسيكية” كما في جنوب إفريقيا أو تونس، بل جاءت تحت عنوان “المصالحة الوطنية” ضمن مقاربة سياسية وأمنية واجتماعية أكثر منها قضائية. الأولوية كانت للسلم الأهلي والاستقرار، بينما فتح الملفات قد يعيد البلاد إلى العنف، وهو ما أثار انتقادات من منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش باعتباره “صفقة سياسية على حساب العدالة”.
خلال “لعشرية السوداء” (1991 – 2002)، أسفر الصراع الدموي بين الجماعات الإسلامية المسلحة وقوات الأمن عن أكثر من 200 ألف قتيل، وعشرات آلاف المفقودين، ودمار اقتصادي واجتماعي واسع. ومع بداية الألفية الجديدة، تبنّت الحكومة مشروع المصالحة الوطنية عبر قانون “الوئام المدني” (1999)، ومنح عفواً جزئياً للمسلحين الذين لم تتلطخ أيديهم بالدماء. كما صدر “ميثاق السلم والمصالحة الوطنية” عام 2005، بهدف طي صفحة الماضي دون فتح ملفات المحاسبة القضائية.
ووفق بيانات رسمية، تم العفو عن نحو 15 ألف مسلح بعد تسليم أنفسهم، وأُطلق سراح نحو 2200 معتقل من الجماعات المسلحة، وصرفت الدولة تعويضات مالية لأكثر من 10 آلاف عائلة مفقود، بما يزيد على 5 مليارات دولار.
ويرى بوجله أن هذه المقاربة نجحت في إيقاف الحرب واستعادة الاستقرار، لكنها أخّرت المصالحة العميقة والحقيقية داخل المجتمع بسبب غياب العدالة القضائية والحوار الوطني الشامل.
نحو مقاربة سوريا خاصة
يقول الدكتور أنور درويش، خبير فض النزاعات: “تجارب الدول المجاورة ليست مشجعة. العدالة الانتقالية في العراق طُبقت شكلياً لكنها فشلت جوهرياً، لأنها بدأت من الأعلى وركزت على الانتقام، ما أدى إلى عدالة انتقائية وذاكرة مثقلة بالثأر. لبنان ليس أفضل حالاً، إذ تم استبدال العدالة بتسوية سياسية وطائفية لإيقاف الحرب فقط”.
ويضيف درويش: “في سوريا، الطموح هو تحقيق العدالة الانتقالية، لكن إن أُطلقت دون تهيئة مجتمعية ومؤسساتية، قد تُعمّق الانقسام. الحل هو عدالة متدرجة: تبدأ بالاعتراف والشفافية وجبر الضرر، ثم تنتقل لاحقاً إلى المحاسبة القضائية المدروسة”.
ويرى أن الحل يكمن في صيغة هجينة، تبدأ بآليات توثيق غير قضائية، مع جداول زمنية لمحاكمات انتقائية تركز على القادة والمسؤولين عن الانتهاكات الكبرى، إضافة إلى تشكيل لجان مفقودين مستقلة، ومشروعات مصالحة مجتمعية، وبرامج تعويض وإعادة تأهيل، مع ضمان استقلال القضاء والإعلام، ودور المجتمع المدني كوسيط.
ويخلص درويش: “العدالة الانتقالية شرط للسلم الأهلي الحقيقي، وقد يؤجل تطبيقها لأسباب سياسية أو أمنية، لكن تجاهلها يعني بقاء الجراح مفتوحة وخطر العودة للصراع في أي لحظة. السؤال لم يعد: هل نريد العدالة؟ بل: أي عدالة نريد؟ عدالة تُعيد الانتقام؟ أم عدالة تُعيد الثقة بين السوريين وتمنحهم سلاماً يقوم على الحقيقة لا على الخوف؟”
+963
—————————–
دروس لسورية من رواندا كاغامي للخروج من خندقَي الأقلية والأكثرية/ إياد الجعفري
27 أكتوبر 2025
كان لبعض الباحثين السوريين والعرب مقاربات عديدة للتجربة الرواندية، غلبت عليها الإشادة بنموذج النهوض الرواندي من بحور الدماء التي أغرقت هذا البلد عام 1994. مقاربات ركّزت في نسب النمو وتراجع معدّلات الفقر، وانحسار معدّلات الجريمة، واسترداد “السلم الأهلي”، وتحقّق درجة عالية من الاستقرار السياسي وانخفاض مستويات الفساد، في دولة باتت متفوّقة على معظم أقرانها في وسط القارة الأفريقية. لكنّ تلك المقاربات خلت من أيّ معالجات عميقة لسبب “الندبة” التاريخية المتمثلة بلحظة انفلات غرائز القتل من عِقالها من جانب “أكثرية” من السكّان حيال “أقلية” منهم، بصورة قد تكون غير مسبوقة في تاريخنا المعاصر بهذه الدرجة والحدّة. ولم تتطرّق تلك المقاربات إلى إجابةٍ على السؤال الأهم: هل تجاوزت رواندا احتمال تكرار هذه التجربة التي كانت قد سبقتها تجاربُ مصغّرة عنها، أشبه بمقدّمات لها؟
حكم “الأقلية”
يصعب على المتعمّق بالتجربة الرواندية، قبل الإبادة وخلالها وبعدها، أن يتجاهل نقاط التشابه مع الحالة السورية. هي نقاط تشابه، لا تطابق، لكنّها مناسبة وفق المنهج المقارن لاقتناص بعض الدروس المفيدة. نقاط تشابه تشمل تعقيدات العلاقة بين “الأكثرية” و”الأقلية” في تركيبة الحكم، ودور الاستعمار في الرفع من حدّة هذه التعقيدات. وأدوار الأطراف الخارجية بعد الاستقلال، خصوصاً الإقليمية منها، وكذلك الدولية. من دون أن ننسى التقاعس الدولي لحظة “الإبادة”، ومن ثمّ، محاولة “تخليص الذمّة” الدولية بعدها عبر دعم الطرف المنتصر، الذي يمثّل من وقع عليه فعل “الإبادة”، مع غضّ الطرف عن تجاوزاته وانتهاكاته، مروراً بفترة انتقالية بدأت لتكون مؤقّتةً، لكن من أمسك بزمامها لم يفلتها منذ أكثر من 30 عاماً، حتى تحوّلت رواندا ديكتاتوريةً مرتبطةً باسم الرئيس، وتستند إلى قوة “الأقلية” التي يمثّلها.
ويحلو لكتّابٍ عربٍ كثيرين إرجاع موبقات العلاقة بين مكوّنات المجتمع الرواندي إلى “الاستعمار”، وهم محقّون جزئياً. لكن إحدى أبرز الدروس التي على السوريين اقتناصها من التجربة الرواندية، أنّ “الخارج” لا يملك القدرة على التأثير فينا، إلّا عبر اللعب على أوتار إشكالات قائمة بالفعل.
يتكوّن المجتمع الرواندي من ثلاث مجموعات بشرية، لا تفرّقها انتماءات عِرقية بالمعنى الإثني أو الجيني للكلمة، كما لا تفرّقها انتماءات دينية أو ثقافية مختلفة. نقطة الفرق الوحيدة بينها، “طبقية”، متعلّقة بأسباب اقتصادية. فأكثرية “الهوتو”، التي تشكّل نحو 85% من السكّان، عُرفوا تاريخياً بأنهم فلاحون. وأقلية “التوتسي” التي تشكّل نحو 14% من السكّان، عُرفوا تاريخياً بأنهم رعاة ماشية، ما جعل لهم أفضلية اقتصادية على نظرائهم من “الهوتو”. أمّا أقلية الأقلية، “التوا”، فعُرفوا بالعيش في الغابات وامتهان الصيد، وهم الطرف الأكثر ثانويةً في المشهد الرواندي المعاصر.
قبل الحقبة الاستعمارية بقرون، كانت أقلية “التوتسي” تحتلّ الطبقات العليا في النظام الاجتماعي والسياسي الرواندي، فيما احتلت أكثرية “الهوتو” الطبقات الدنيا. ورغم ذلك، كانت هناك درجة ملحوظة من التعايش السلمي بين المجموعتَين بسبب حاجة كل مجموعة إلى الأخرى لإتمام الدورة الاقتصادية. وكانت حالات تزواج تحصل بين المجموعتَين. وكانت العشيرة، ركيزة التنظيم الاجتماعي، ولاحقاً السياسي. ومنذ القرن الخامس عشر، بدأت العشائر تندمج في ممالك كانت تتصارع داخل البقعة الجغرافية المعروفة اليوم برواندا. أشهر تلك الممالك مملكة رواندا التي كانت تحكمها عشيرة التوتسي نيجينيا، التي توسّعت وهيمنت على نحوٍ متزايد على منافسيها، حتّى وصلت إلى أقصى اتّساع لها خلال القرن التاسع عشر في عهد الملك كيجيلي روابوجيري، الذي طبق إصلاحات إدارية أجبر فيها رعاة “التوتسي” على التنازل عن الماشية لـ”الهوتو” أو لـ”توتسي” آخرين، مقابل خدمات اقتصادية وشخصية. وهي إصلاحات فاقمت الخلاف بين “التوتسي” و”الهوتو”، وقد عزّز روابوجيري دور “التوتسي” في النخبة السياسية الحاكمة حتّى أصبح اسم هذه المجموعة البشرية لصيقاً بالحكم بصورة شبه رسمية، وأدّى توسّع نطاق مملكة روابوجيري إلى مناطق في الشرق كانت مأهولة بالكامل بـ”الهوتو” إلى تعزيز سطوة “التوتسي” على أكثرية “الهوتو”.
الاستقلال… حكم “الأكثرية”
تعرّضت رواندا للاستعمار الألماني بين عامَي 1897 – 1916، والبلجيكي بين عامَي 1916 – 1961. ولم يغيّر الاستعمار من الهرمية الاجتماعية والسياسية القائمة في البلاد، بل دعم النظام الملكي القائم وتعاون مع الطبقة التوتسية الحاكمة. وفاقم المستعمر البلجيكي، بصورة خاصة، من التمييز الرسمي بين المجموعات المكوّنة للمجتمع الرواندي. إذ أصدر عام 1939 بطاقات هُويَّة شخصية تحدّد من ينتمي إلى كلٍ من “التوتسي” و”الهوتو” و”التوا” بناءً على عدد الأبقار التي يمتلكها الشخص. وأدّى ذلك إلى عرقلة حركة الانتقال بين الطبقات التي كانت تحدُث في المجتمع الرواندي سابقاً، كما أن البلجيكيين فاقموا من تعاونهم مع أقلية “التوتسي” في قمع أكثرية “الهوتو” واضطهادها، وانعكس هذا التمييز على الوظائف وفرص التعليم أيضاً.
وفي مرحلة متأخرة من الاستعمار البلجيكي، استشعر المستعمرون تفاقم التذمّر في أوساط أكثرية “الهوتو”، فتغيّرت سياستهم باتجاه تحريض “الهوتو” ضدّ أقلية “التوتسي” من خلال نشر فكرٍ من قبيل أن “التوتسي” إقطاعيون، ولا يحملون أصول رواندية، وهو ما جعل رواندا أشبه بمِرْجَلٍ تتقد تحته النار.
اندلع في خريف 1959 ما عُرف بالثورة الاجتماعية ضدّ الاستعمار البلجيكي. كان فلاحو أكثرية الهوتو عماد هذه الثورة التي شهدت عيّنة” مصغّرة لـ”الإبادة” التي ستحدث بعد ثلاثة عقود ونيّف من هذا التاريخ. إذ تعرّضت أقلية التوتسي لأعمال عنف تسبّبت بمقتل نحو 20 ألفاً منهم وبتهجير نحو 300 ألف إلى دول الجوار. وفي 1962، استقلّت رواندا وأُلغِي النظام الملكي، وسيطرت أكثرية الهوتو على الحكم. لكن حوادث القتل بحقّ أقلية التوتسي لم تتوقّف. تسبّب ذلك بموجة أخرى كبيرة من اللاجئين “التوتسي” وصل تعدادها نحو نصف مليون رواندي بحلول ثمانينيّات القرن العشرين. ويمكن القول إنّ موجات العنف المتقطّع بين “الهوتو” و”التوتسي” باتت من سمات رواندا بعد الاستقلال. فيما أصبح نظام الحكم “هوتوياً” متشدّداً (اشتقاقاً من اسم “الهوتو”).
وفي 1973، وصل جوفينال هابياريمانا إلى السلطة بانقلاب عسكري. وتميّز أول عقد ونصف العقد من حكمه، بتراجع العنف ضد أقلية “التوتسي”، وبازدهار اقتصادي نسبي. لكن التمييز لصالح أكثرية “الهوتو” استمرّ. وفي نهاية الثمانينيّات، ساء الوضع الاقتصادي، وتردّت شعبية هابياريمانا، فقرّر العزف على وتر “المتآمرين” من أقلية “التوتسي”. وفي هذه الأثناء، كانت قوة سياسية ومسلّحة تتشكل في أوساط اللاجئين من “التوتسي” في البلد الجار، أوغندا. إذ تشكّلت الجبهة الوطنية الرواندية بقيادة بول كاغامي، الذي سيتحوّل إلى أحد أشهر الأسماء في تاريخ رواندا المعاصر.
ولد كاغامي لوالدين من أقلية “التوتسي”. فرّت عائلته إلى أوغندا المجاورة عام 1960 هرباً من المذابح. ونشأ كاغامي في المنفى وصعد سريعاً في أوساط “بني جلدته” المنفيين. وقد تعاون مع بعض “الهوتو” الموصوفين بـ”المعتدلين” من المعارضين للتمييز والعنف بحقّ أقلية “التوتسي”، فحظيت الجبهة الوطنية الرواندية بزخم كبير، وبدعم من أوغندا التي احتضنت اللاجئين “التوتسي”. ورفعت “الجبهة” شعار تأمين حقّ العودة للاجئين إلى وطنهم، فكانت تلك أداةً مناسبةً للرئيس الرواندي هابياريمانا لحرف أنظار الاستياء الشعبي عن الوضع الاقتصادي المتدهور، فاستغل تشكيل تلك “الجبهة”، ليقول للروانديين تحديداً من أكثرية “الهوتو”، إنّ هناك مؤامرة في البلد الجار، تُحاك ضدّ حكمهم البلاد. واتهم “التوتسي” المتبقين داخل رواندا بأنهم متعاونون مع الجبهة الوطنية. وفي 1990، غزت “الجبهة” رواندا، ما أدّى إلى ما يُعرف بـ”الحرب الأهلية الرواندية”، التي لم يستطع أيٌّ من الطرفين حسمها بعد تدخّل قوىً خارجية لدعم كل منهما. وبعد مظاهرات جماهيرية وتصاعد المعارضة المحلية لسياساته، من “الهوتو” المعتدلين، اضطرّ الرئيس هابياريمانا إلى توقيع اتفاقية لوقف إطلاق النار عام 1993.
في “العشرية الأولى” بعد “الإبادة”
في 6 إبريل/ نيسان عام 1994، وقريباً من أجواء مطار كيغالي عاصمة رواندا، أُسقطت طائرة كانت تقلّ الرئيس الرواندي هابياريمانا ليُقتَل مع من كان معه. وفي اللحظة التالية لاغتيال الرئيس، وجّه الإعلام الرسمي أصابع الاتهام لأقلية “التوتسي”. وانطلقت حملة تعبئة وتحريض لأكثرية الهوتو بضرورة القيام بـ”الواجب”. وانطلقت في البداية حملة جرائم ممنهجة، فاغتالت قوات الأمن رئيسة الوزراء، وهي من “الهوتو” المعتدلين. ومن ثمّ قُتِل قادة المعارضة السياسية، وتحالفت القوات الحكومية مع مليشيا مسلّحة متطرّفة من “الهوتو” بهدف قتل “التوتسي” و”الهوتو” المعتدلين، قبل أن تبدأ حملة قتل شعبية منفلتة بفعل التحريض الرسمي. كانت عمليات القتل بشعة، إذ تنقلت بين المنازل مستهدفة “التوتسي”، وكل من حاول تقديم الملاذ أو الحماية لهم. وتخللتها أعمال نهب واغتصاب للنساء، وأعمال قتل جماعية في الملاعب والمدارس والكنائس. واستُخدمت فيها الأسلحة البيضاء.
وفي 4 يوليو/ تموز، أي بعد نحو مئة يوم، توقّفت أعمال القتل على وقع تقدّم الجبهة الوطنية الرواندية التي استغلّت حالة الفوضى، وانشغال مسؤولي حكم الأكثرية بجرائم القتل والتصفيات بالداخل، لتتقدم سريعاً بدعم من الجارة أوغندا، وتسيطر على العاصمة، فيما فرّ معظم “الهوتو” المتورّطين في أعمال الإبادة الجماعية إلى الكونغو الديمقراطية. وتختلف الأرقام حول حصيلة القتلى في مئة يوم. في أقل التقديرات قُتل نحو نصف مليون إنسان. فيما تقدّر الأمم المتحدة عدد القتلى بنحو 800 ألف نسمة، وتقول الحكومة الرواندية الحالية إنّ أكثر من مليون إنسان أُبيدوا.
ولم يكن انتصار “الجبهة الوطنية” نظيفاً، إذ تخلّلته أعمال انتقامية بشعة أودت بحياة عشرات الآلاف من أبناء أكثرية “الهوتو”. وقد فرّ نحو مليوني شخص إلى البلدان المجاورة خوفاً من الانتقام، معظمهم بطبيعة الحال كان من أكثرية “الهوتو”. وهكذا، عاشت رواندا خلال مئة يوم على وقع زلزال ديموغرافي عنيف، فمن أصل ثمانية ملايين نسمة، تعداد السكّان يومها، فقدت رواندا نحو ثلاثة ملايين إنسان بين قتيل ومهجّر.
كان التعافي من كارثية “الإبادة” التي عرفتها رواندا عام 1994 صعباً. إذ تطلّب الأمر نحو عشر سنوات، كي تبتعد البلاد إلى حدّ كبير عن تداعيات تلك المقتَلة. من الناحية الأمنية، عاشت رواندا تحت وطأة شبح “الحرب الأهلية” مجدّداً. إذ تحوّلت قوى السلطة السابقة وعناصرها من أكثرية “الهوتو” إلى متمرّدين ومليشيات أخذت تهاجم الحكومة الجديدة من داخل رواندا، أو من خارج الحدود.
سياسياً، وبعيد “الإبادة”، شكّلت حكومة برئاسة باستور بيزيمونغو من أكثرية “الهوتو”، ليكون بول كاغامي، قائد الجبهة الوطنية الرواندية، نائباً له. وكان الأمر أشبه برئيسٍ “واجهة”. إذ كان كاغامي الحاكم الحقيقي للبلاد. وسرعان ما تهاوت الشراكة الشكلية بين الرجلين، فاستقال بيزيمونغو، ومن سُجن بتهمة التحريض على العنف العرقي، ليصبح بول كاغامي رئيساً رسمياً للبلاد منذ العام 2000. ومن الناحية الإدارية، بعيد “الإبادة”، كانت رواندا في حالة شلل تام على صعيد تقديم الخدمات الاجتماعية والمالية. وقد فقدت مؤسّسات الدولة نحو 40% من موظّفي الخدمة المدنية، إمّا قتلاً أو فراراً خارج البلاد. وكان نحو 80% من موظّفي الدولة لا يحملون شهادة ثانوية، وكان 3.5% فقط من موظفي الصحّة أطباء أو ممرضين مؤهلين بحلول العام 1998.
رواندا اليوم
بالمعايير الاقتصادية والإدارية، يمكن الإقرار بأنّ نهضة رواندا، بالقياس إلى ما كانت عليه بعيد “الإبادة” استثنائية. من أبرز معالم هذه النهضة انخفاض معدّلات الفساد فيها مقارنة بدول الجوار، وصعود دور المرأة. إذ تتمتّع بأغلبية نسائية في برلمانها الوطني. وبدأ مسار اقتصاد رواندا بالنهوض منذ العام 2000 (عام تولي كاغامي الرئاسة رسمياً)، لتسجّل أرقاماً متقدّمةً في مؤشّرات التنمية البشرية. وبعد أن كان 78% من السكّان تحت خطّ الفقر عام 1994، انخفضت هذه النسبة إلى 45% عام 2011. وبين عامَي 2000 و2021 ارتفع متوسّط العمر المتوقّع من 46 إلى 65 سنة. وفي 2019، أطلقت رواندا أول قمر صناعي في الفضاء بهدف ربط المدارس في المناطق النائية بشبكة الإنترنت. ووفق صندوق النقد الدولي، حافظت رواندا بين عامَي 2010 و2020، على متوسّط نمو سنوي بوسطي 8%، لتكون واحدة من الاقتصادات الأسرع نمواً في العالم.
ويخبرك المعجبون بتجربة النهوض الرواندية في عهد بول كاغامي كيف تحوّل العقد الاجتماعي بين الروانديين من وسيلة إقصاء (لصالح الأقلية أو الأكثرية الحاكمة)، إلى وسيلة لتعزيز الهُويَّة الوطنية الجامعة. وكان لافتاً أن الدستور الانتقالي الذي اعتُمد بُعيد “الإبادة” عام 1994، بقي معمولاً به إلى أن جرى تبنّي الدستور الجديد بعد استفتاء، عام 2003. وقد نصّ الدستور الجديد على نظام حكم متعدّد الأحزاب تقوم فيه السياسة على أساس الديمقراطية والانتخابات. وقد حُظِر تأسيس أيّ نشاط سياسي على أسس ما دون وطنية (عرقية أو طبقية أو دينية). كما حُظِر أيّ نشاط سياسي يحمل شبهةَ تمييز بين الروانديين، كما سنّت الحكومة قوانين تجرّم أيديولوجية “الإبادة الجماعية”، وتشمل الترهيب أو خطابات التشهير أو إنكار “الإبادة” أو السخرية من ضحاياها.
ومن ركائز النجاح في تجربة النهوض الرواندية تعميم مبدأ اللامركزية في الوحدات والمؤسّسات الحكومية على صعيد تصميم وتنفيذ المشاريع. وهي نقطة ارتكاز، تجب الإفادة منها في حالتنا السورية، اليوم.
هل المشهد بهذه “المثالية” في رواندا اليوم؟
يجيب حقوقيون، بالنفي. وتخبرك “هيومن رايتس ووتش” مثلاً أن قوانين تجريم أيديولوجية “الإبادة الجماعية”، تُستخدم أداةً سياسيةً لمنع أبسط أشكال المعارضة للحكومة الرواندية. وفيما ينصّ الدستور على تعدّد الأحزاب، نجد رواندا محكومةً من حزب وحيد، هو الجبهة الوطنية الرواندية، المنتصرة في حرب 1994. ويُسجن أيّ معارض، حتى لو بالرأي. أمّا على صعيد “العدالة الانتقالية”، فقد أُشيد كثيراً بنظام محاكم غاشاشا، التي اعتمدتها الحكومة الرواندية لإيجاد أساس للمصالحة الوطنية. وهي محكمة تقليدية تديرها القرى والمجتمعات، وكانت غاية اعتمادها التسريع في محاكمات المشتبه بارتكابهم جرائم “الإبادة” في عام 1994. ورغم أن هذا النمط القانوني نجح إلى حدّ ما في تصفية جانب كبير من إرث “الإبادة” في نفوس الروانديين، إلّا أنه تعرض لانتقادات حادّة من منظّمات حقوقية دولية، نظراً لأنه لا يفي بالمعايير القانونية العادلة. وتشير تقارير حقوقية إلى أن آلاف السجناء لقوا حتفهم في السجون نتيجة الاكتظاظ، بينما كانوا ينتظرون عاماً بعد عام أن تجري معالجة قضاياهم.
كذلك يشيد المعجبون بإعادة هيكلة الجيش في رواندا بعد “الإبادة”، فلم يُحلّ الجيش رسمياً، بل حصلت إعادة دمج وتأهيل لبعض المقاتلين السابقين مع الجدد (القادمين من الجبهة الوطنية المنتصرة). ورغم تسريح بعض المقاتلين السابقين وتجريد قيادات سابقة من مناصبها ونزع سلاح جانب كبير منها، إلّا أن عملية إعادة الهيكلة لم تقم على هدف الإقصاء، بل بغاية ضمان ولاء المقاتلين للدولة. وإحدى أبرز النقاط التي يجب التوقّف عندها في عملية إعادة التأهيل تلك، أنها قامت على تحويل عقيدة الجيش من عقيدة الولاء العرقي إلى عقيدة الولاء الخالص للدولة. مع تحويل التجنيد في الجيش وسيلةً لتوفير وظائف لعدد كبير من العاطلين عن العمل بعد “الإبادة”.
لكن ما لا يخبرك به هؤلاء المعجبون بتجربة النهوض الرواندية، أن تركيبة الجيش الرواندي اليوم تقوم على أغلبية من المقاتلين المتحدّرين من أكثرية “الهوتو”، مع سيطرة القيادات من الجبهة الوطنية الرواندية التي تضم أقلية “التوتسي” على المواقع المحورية للقوة. أي ما يشبه تركيبة الجيش في عهد حكم حافظ الأسد في سورية. أكثرية من العناصر الأقلّ محورية، وأقلية من العناصر الأكثر قدرة على التحكّم بمواقع القوة داخل المؤسّسة العسكرية. ولذلك؛ نجد الجيش موالٍ بالمطلق للرئيس، المتحدر من أقلية “التوتسي”.
خاتمة
يتمتّع بكارزمية عالية، وقدرة ملحوظة على الإقناع، ويحظى بدعم خارجي، إقليمي ودولي، واسع النطاق. إنه بول كاغامي، الذي يصفه أنصاره بـ”المخلّص” و”الزعيم”، الذي خرج ببلده المدمّر من أوحال “الإبادة” الدامية، إلى رحاب التنمية والمصالحة الوطنية. في ضفة منتقديه، هو ديكتاتور يحكم باستخدام أدوات القمع وإرهاب الدولة. الحاكم المطلق للبلاد منذ العام 2000، والفائز في كل “الانتخابات” التي عرفتها منذ ذلك التاريخ، بنسبٍ تتجاوز الـ90%. وقد عدّل الدستور عام 2015 بصورة تتيح له البقاء في السلطة حتى العام 2034.
في 2016، قال كاغامي لمجلة جون أفريك: “لا أعلم أين كنا سنكون اليوم لو تولى زعيم ضعيف قيادة هذا البلد”. لذا قد تنال شخصية كاغامي استحسان أنصار نظرية “المستبدّ العادل”، الرائجة في بلداننا العربية ومنها سورية. إذ من دون رجل قوي، مستبدّ إلى درجة ما، هل كانت رواندا ستخرُج من مستنقع الحرب الأهلية المستديمة بين مكوّناتها؟
دعونا نقرّ أن رواندا اليوم مكانٌ أفضل بكثير ممّا كانت عليه عقوداً، حتى قبل 1994. لكن، ألا تحمل وصفة “المستبدّ العادل” التي يعتمدها بول كاغامي عوامل تخليق “حرب أهلية جديدة”، داخلها؟ فالتاريخ الرواندي نفسه شاهد على حكم ناجح إلى حدٍ ما لملك رواندي من أقلية “التوتسي” في القرن التاسع عشر، كان هو الأساس لاحقاً لإذكاء التوترات بين “التوتسي” و”الهوتو”. ورغم التقدّم الكبير في طريقة إدارة الحكم في رواندا، عبر حظر التمييز رسمياً، بين “الأقلية” و”الأكثرية”، إلّا أن واقع الأمور، أن “الأقلية” تحكم رواندا مجدّداً. ويشكّل كاغامي رأس حربة هذا الحكم.
من الصعب تخيّل خروج نهائي لرواندا من لعنة “الأقلية” و”الأكثرية”، ومن سيحكم منهما، إلّا بحكم ديمقراطي حقيقي، وتداول فعلي للسلطة بموجب أحزاب سياسية، لا عرقية أو طبقية. سوى ذلك، قد لا يؤدّي التظاهر بدفن الأحقاد، الرائج اليوم في رواندا، إلّا إلى دفع الحنق بين مكوّنات المجتمع إلى طبقات خفيّة غير مُعلَنة تشبه التي عاشها السوريون، وخبروها جيّداً في عهد حكم آل الأسد.
في حالة سورية اليوم، يؤمل ألّا تنجرّ كذلك إلى دوّامة التنازع على الحكم بين “أقلية” و”أكثرية”، والعنف الأهلي الكبير أثناء الانتقال من حكم إلى آخر داخل هذه الدوامة كما عاشها الروانديون. لكن ذلك يتطلّب ربّما أن نتعلّم من التجربة الرواندية، ومن تجربة السوريين الخاصة أيضاً، وأنهم بحاجة ملحّة إلى ديمقراطية حقيقية، وتداول فعلي للسلطة، لا لحكم “مستبدّ عادل”، يستند إلى “أقلية” أو “أكثرية”، ويحمل في داخله عوامل التخلّق الملائمة لانفجار أهلي مقبل.
العربي الجديد
العدالة الانتقالية بين سوريا وأوغندا.. دروسٌ مستفادة وفرص ضائعة/ بتول القليح
سلكت أوغندا طريقاً للمصالحة لا يمرّ بالعدالة الانتقالية، فلم ينجح انتقالها السياسي وظلّت أسيرة وضعٍ غير مستقر. تبدو سوريا اليوم على أعتاب طريقٍ مشابهٍ، لا يزال اجتنابه ممكناً
2025-10-23
بعد نحو عقدين على انتهاء الحرب الأهلية في أوغندا سنة 2006، وجدتُ نفسي عالقةً عند تقاطعٍ رئيسٍ في العاصمة كامبالا. كنت جالسةً خلف سائق الدراجة النارية التي أستأجرها يومياً بسبب غياب خدمات النقل العامة، ومحاطةً بعشرات دراجات الأجرة المكدسة، ننتظر إشارة شرطي المرور في الشارع الذي تنقطع الكهرباء عن إشاراته أياماً متتالية. مرّت خمس دقائق من شلل الحركة في كل الاتجاهات حتى ظهر موكبٌ حكوميٌ “صغير”، حسب وصف سائق الدراجة، فسمح الشرطي للجميع بمتابعة الطريق بعد عبور الموكب. كان هذا موكب مسؤولٍ يعود من مكتبه إلى المنزل، يتقدّمه أربع دراجاتٍ أمنيّةٍ، تليها سيارةٌ مصفّحةٌ، ثم شاحنتان صغيرتان مكشوفتان يجلس في حوض كلٍّ منهما على مقاعد جلديةٍ ستة جنودٍ مدججين بالسلاح متأهبين لأيّ شيء.
هرب بشار الأسد من سوريا صباح 8 ديسمبر 2024، ولكن بقي كثيرٌ من رجاله في سوريا بِاسم المصالحةِ المجتمعية ودَورِ بعضهم في التعاون خلال العملية العسكرية التي أدت إلى إسقاط النظام. وها أنا “الموزينغو” (الأجنبية)، كما يناديني أهل البلد في أوغندا، قد أتيتُ لتعلّم بناء المصالحة المحلية الأوغندية، أغرق بخوفي مرّةً ثانية. خوفٌ مختلفٌ عن المرّات التي وقفتُ فيها على الحاجز الذي كان يدقّق بهويّتي في دمشق طيلة سنوات. ومختلفٌ عن ذاك الرعب الذي أخفيتُه عن أخي حين انخفضت المروحية فوق دارنا في القرية وبدأت تقصف دارَ عمّي في الطرف المقابل من الأرض. كان خوفي وسط استعصاء السير أن نصبح نحن أوغندا، بلد مصالحةٍ بلا عدالةٍ، حيث يحمي المسؤول نفسه من الشعب بكتيبةٍ عسكريةٍ، في ظلّ انعدام كلّ شيءٍ إلا الفقر والقهر.
أصبحت أوغندا بعد المصالحة بلداً عالقاً في مرحلة “لا حرب ولا انتقال سياسي” مع سلامٍ ظاهري. يصف تقرير مؤشر برتلسمان، الخاص بتقييم مسارات التحول السياسي والاقتصادي ورصدها، الفساد البنيويّ المتشابك مع بنية الحكم وأجهزة الدولة، إذ فقدت مؤسسات المساءلة فاعليتها بفعل التدخلات السياسية، واستُخدمت موارد الدولة لتغذية شبكات الولاء بدلاً من دعم العدالة الاقتصادية والتنمية.
في عتمة الطريق المستعصي، لم يعد الحدثُ مشهدَ موكبِ مسؤولٍ يبالغ في مظاهر السلاح، بل كان ضجيجاً في رأسي يطرح أسئلةً عن إمكانية الوصول للأسوأ في سوريا. حال أوغندا اليوم هو نتيجة تفضيلات لحظة ما بعد النزاع، إذ اختار زعماؤها الاستقرار الهشّ والمصالحة الآنية بدلاً من الخطو باتجاه العدالة ممتدّة الأثر.
يطرح هذا نقاشاً راهناً ومحتدماً في سوريا بعد سقوط الأسد. فحين يكون خيار السلطة تَحقُّقَ الاستقرار الذي يضمن الحكم، يبقى دور المجتمع الخارج من الصراع في الدفع نحو المصالحة أو العدالة أو كليهما، وتلعب إعادة الزعامات التقليدية التي كانت جزءاً من الصراع دوراً في رسم مستقبل الدولة نحو المصالحة أو العدالة.
سوريا لا تشبه أوغندا. فجذور الثورة السورية والحرب التي شنّها الأسد عليها ومساراتها اللاحقة تختلف عن التجربة الأوغندية. ولكن إلى أيّ حدٍّ يختلف البلدان؟. في الكتاب المشترك “ذا لوردز ريزيستَنس آرمي” (جيش الربّ للمقاومة) المنشور سنة 2010، يعزو أستاذ العلوم السياسية في جامعة كامبريدج آدم برانش سبب الحروب والنزاعات الأهلية في أوغندا إلى رواسب الحقبة الاستعمارية البريطانية، التي شكّلت البلاد على أسسٍ قومية. يشبه هذا محاولة الانتداب الفرنسي بين عامي 1920 و1946 تقسيم سوريا إلى دويلاتٍ على أساس الهوية الدينية، والتي تظهر الآن محاولاتٌ لإعادة إحيائها. ولكن أثر هذه السياسة في أوغندا كان مباشراً وعميقاً. إذ قُسِمَ المجتمع الأوغندي إلى وحداتٍ إداريةٍ أطلق عليها اسم “قبائل”، تنصهر فيها القبائل والقرى والزعامات المحلية، والتي تحولت رويداً رويداً إلى هويّاتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ ينتمي إليها الأفراد. ثم أعيد إنتاجها بهيكلة المجتمع الأوغندي عندما عيّن الاستعمار زعماء محلّيّين متحالفين معه، على حساب سلطة شيوخ هذه الجماعات وزعمائها التقليدين. بذلك أُنتج مجتمعٌ سياسيٌ جديدٌ قائمٌ على الولاء للمستعمر أكثر من ولائه للبنى الاجتماعية التقليدية المحلية، وهو ما ترك أثراً عميقاً على مرحلة ما بعد الاستقلال.
مع استقلال أوغندا سنة 1962، برز ميلتون أوبوتي، المنحدر من “قبيلة الأتشولي” شمال البلاد، زعيماً للدولة. وصعدت معه طبقةٌ سياسيةٌ وعسكريةٌ متسلطة من أبناء قبيلته، تمكنت من التغلغل في الدولة الناشئة، وخاصةً في الجيش. أدّى ذلك إلى انقسامٍ في السياسة والهوية الوطنية بين شمال أوغندا وجنوبها. انقلب الجنرال عيدي أمين على أوبوتي، وتولّى الحكم من سنة 1971 إلى أن أطاحت به جبهة التحرير الوطنية الأوغندية سنة 1979 وعاد أوبوتي للحكم في السنة التالية. بدأ انقسام الشمال والجنوب مطلع الثمانينيات حين قاد “جيش المقاومة الوطنية” بقيادة يوري موسيفيني، القادم من الجنوب والمتحالف مع المناطق الأخرى، تمرداً للإطاحة بأوبوتي وهيمنة الشمال، حتى استولى على العاصمة كامبالا سنة 1986. وتحوّل جيش المقاومة الوطنية إلى حزبٍ سياسيٍ يقود البلاد برئاسة يوري موسيفيني حتى اليوم. يشير برانش إلى أن هذا الانتقال السياسي رافقه قمعٌ واسع النطاق ضدّ الشماليين، تضمّن انتهاكات حقوق الإنسان بوسائل منها القتل والاغتصاب وعمليات التطهير العرقي. أسفر هذا التحوّل عن تراجع النخبة السياسية الشمالية، مع تلاشي دور القادة التقليديين مثل رجال الدين وزعماء القبائل والمناطق. وهذا ما فتح المجال أمام ظهور حركات تمرّدٍ بصبغةٍ دينيةٍ وشعبويةٍ، مثل حركة “الروح القدس” و”جيش الرب للمقاومة”، والتي كانت ضدّ الحكومة وضدّ المجتمع أيضاً.
كان البعد الديني والروحي مؤثّراً في ترتيب القوى والواقع السياسي والأخلاقي والاجتماعي في أوغندا. يقول الباحث البلجيكي في الدراسات الإفريقية فرانك فان أكتر في دراسته “أوغندا آند ذا لوردز ريزيستَنس آرمي” (أوغندا وجيش الرب للمقاومة) المنشورة سنة 2004 إن “حركة روح القدس” التي قادتها أليس لاكويينا وظفت الدينَ لتبرير العنف والاختطاف ضد حاضنتها المجتمعية الشمالية. وعند تراجع حركتها صعدت حركة أكثر راديكالية منها هي “جيش الرب للمقاومة” بقيادة جوزيف كوني، الذي أعاد بناء التمرد على أساس قومي وديني. برّر كوني العنف والفظائع بحق أبناء الشمال بذريعة الانتقام من “الفاسدين المتعاملين مع الحكومة”، ومن أشكال العنف كان اختطاف الأطفال الذين تم تجنيدهم قسراً واستعبادهم جنسياً وتشغيلهم في تأمين المؤن وجرائم القتل والاغتصاب وتشويه الأجساد بجدع الأنوف والشفاه. تحوّل التمرد بذلك إلى حرب مزدوجة ضد الدولة المركزية وضد المجتمع المحلي نفسه، وخاصة قبيلة الأتشولي التي انطلق منها التمرد. بلغ عدد مقاتلي “جيش الرب” سنة 1997 نحو خمسة آلاف مقاتل، نحو ثلثيهم من الأطفال الذين اختُطفوا وجُنّدوا قبل سنّ الخمس عشرة سنة، حسب الكتاب المشترك “بروتراكتيد كونفليكت، إليوسيف بيس” (صراع مستمر، سلام مراوغ) الذي حرّره الباحث الأوغندي أوكيلو لوسيمه ونشر سنة 2002. وقدّرت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عدد الأطفال المختطفين بين سنتَيْ 1986 و2001 بنحو عشرة آلاف طفل. وبعد عملياتٍ عسكريةٍ بدأت مطلع التسعينيات، وعدّة اتفاقياتٍ وتدخلٍ دوليٍ، تراجع زخم “جيش الربّ” لكنه لم ينْتهِ تماماً.
تزامن وجودي في أوغندا مع بداية تصاعد العنف في السويداء، وهو عنفٌ ارتبط بتوجّه القيادة الدينية الدرزية في السويداء نحو لعب دور سياسي تمثّل برفضها السلطةَ المركزيةَ الصاعدةَ في دمشق، ما أسهم في تعميق الانقسام الديني والمناطقي في سوريا. وأنتج هذا الانقسام صراعاً مسلحاً بين قوات تابعة للقيادة الدرزية في السويداء من جهة، وقوات الحكومة السورية الجديدة والعشائر العربية السُّنية من جهة أخرى، وهو ما أدى إلى مجازر وعمليات تهجيرٍ وقتلٍ بحقّ المدنيين الدروز وأبناء العشائر السنّية.
حضرَت هذه الأزمة في الحوارات التي خضتُها في أوغندا حول مستقبل المجتمعات الخارجة من الحرب. بعيداً عن جدلية الظالم والمظلوم، كان النقاش حول صعود الزعامات الدينية والمحلية المهمّشة بعد قمعٍ سابقٍ دمّر مكانتها الدينية وإمكانية وجود قيادةٍ مدنيةٍ وسياسيةٍ تمثّل المجتمع في أزمنة الحرب أو السلم.
في إحدى الجلسات الحوارية قاربت ناشطةُ بناء السلام الأوغندية زليكا نانفوكا ما يحدث في سوريا بما عاشته أوغندا إبّان سنوات الحرب الأهلية، مستشهدةً بأحداث الساحل والسويداء التي شهدت صراعاً بين مقاتلين علويين ودروز من جهة، ومقاتلي حكومة الرئيس أحمد الشرع وقوات غير نظامية متحالفة معها. اعتبرت نانفوكا أن المجتمعات في مرحلة الانتقال وتغيّر موازين القوى قد ينشأ لديها شعورٌ بالغبن في التمثيل السياسي، ما يدفعها إلى استخدام العنف المفرط لتأكيد وجودها والحصول على مكاسب، وهو عنفٌ غالباً ما ينقلب على المجتمع المحلّي نفسه قبل أن يصل أثره إلى السلطة المركزية.
وفي سياق هذه المقاربة، عرضت نانفوكا تجربة أوغندا في المصالحة، قائلةً: “نجحنا في المصالحة وفشلنا في العدالة. ولكن يمكن دائماً التعلم من فشل الآخرين”. فعندما حوصرت القبائل والمناطق الشمالية في أوغندا، وبعد أن أعلنت حكومة يوري موسيفيني سنة 2000 عفواً عاماً يشمل كلّ مقاتلٍ يلقي سلاحه، وجدت مجتمعات الشمال نفسها أمام خيارين، إما طريق الثأر من المقاتلين المحلّيين الذين أجرموا بحقّها، أو التوجّه للمصالحة. وهنا بادر ورثةُ زعماء القبائل الذين نحّاهم الاستعمار، ورجال الدين الذين عادوا، لإحياء آليات المصالحة الإفريقية. وهو ما ساعد في تقبّل المجتمع أبناءَه العائدين والعفو عنهم، بحسب نانفوكا.
ترافق العفو العامّ مع غياب توجّهٍ جدّيٍ للدفع بمسار العدالة، ومع عدم التزام الحكومة بدعم عمل لجنة التحقيق، بحسب أستاذة العلوم السياسية الكندية جوانا كوين في كتابها عن لجان الحقيقة في أوغندا وهاييتي “ذا بوليتيكس أُوف أكنولِدجمِنت” (سياسات الاعتراف) المنشور سنة 2011. فقد اعتقدت الحكومة، بحسب كوين، أن ثمّة إثباتاتٍ على تورطها بالانتهاكات، وخشيت من عملية عدالةٍ شاملةٍ قد تفضي إلى المحكمة الجنائية الدولية. ولذلك حصرت الملاحقة الجنائية في قادة “جيش الربّ” المعروفين فقط. واعتبرت كوين أن فقدان مجتمع الأشولي ثقته بالحكومة ومحاكمها، المبنية على تجاربه العنيفة السابقة، دفعه إلى تبنّي مسارات المصالحة، فظهرت مبادراتٌ صغيرةٌ على مستوى القرى والجماعات المحلية، كان جوهرها إعادة استيعاب الأبناء الذين فقدهم المجتمع بسبب التمرد.
قالت لي إليزابيث نيكولوفا، التي تكتب عن إعادة إدماج المقاتلين في المجتمع، إن أيّ آليّةٍ للصلح تشترط أولاً اعترافَ المقاتل بذنبه، وموافقةَ زعامات القرية أو المنطقة على مسامحته. عندها تبدأ آليّة الصلح التي تصحبُها طقوسٌ رمزيةٌ هدفُها نزعُ الشرّ الذي يُعتقد أنه سكن فيه وتطهيرُه منه. وفي بعض المناطق الشمالية يتجه زعيم القرية إلى شجرةٍ تعادل عمر المقاتل العائد، فيقطعها ويدفنها كنايةً عن موت المقاتل المعنوي وبداية حياةٍ جديدة. في مجتمعاتٍ أخرى، يقف المقاتل على حدود القرية، حتى تحمله والدته على ظهرها وتعيده إلى بيتها كأنها ولدته من جديد.
تُعدّ هذه الطقوس الرمزية أوّل خطوةٍ في مسار مصالحةٍ أوسع يقوده الزعماء المحليون والدينيون وزعماء القبائل التقليديون الذين فقدوا مكانتهم سابقاً، ويهدف للتسوية بين المجتمعات التي تضرّرت من أفعال العائدين من القتال. ينتقل الصلح من مستوى القرية إلى المنطقة والقبائل المتجاورة، حيث تتطلّب إعادة بناء النسيج الاجتماعي أدواتٍ أشمل.
أبرز هذه الأدوات طقسُ “ماتو أبوت”، وهو طقسٌ خاصٌ بشمال أوغندا يمارَس بعد وقوع جريمة قتلٍ معروفة الأطراف بين قبيلتين. إذ يجتمع ممثلو قبيلتَي القاتل والضحية، بعد اعتراف الجاني وإعلان ندمه، وقبول قبيلة الضحية الاعتراف. ويُقدّم فيه دمُ خروفٍ ممزوجاً بشرابٍ مُرّ الطعم اسمه “أبوت”، يتشاركه زعيما القبيلتين أو ممثّلاهما، تعبيراً عن تجرّعهما مرارةَ الموت والقبول بتجاوز العنف، ليُعلن في نهاية المراسم عن نبذ الثأر واستقبال السلام.
ولكن هذه الآليّة لا تُطبّق دائماً. فعندما تكون الانتهاكات جماعيةً ويصعب تحديد شخص مرتكبها من القبيلة الثانية، تلجأ القبائل إلى آليّة “غومو تونغ”، إذ تجتمع القبيلتان المتخاصمتان على مائدةٍ مشتركةٍ ويُثنَى رمحُ الحرب أمام الحاضرين. وهو فعلٌ يرمز إلى كسر دائرة الحرب وإرادتها، ويعلن بذلك انتهاء الثأر وسقوط المطالبة به.
رغم شيوع هذه الطقوس المحلية ودلالاتها عن المصالحة ونسيان الماضي، إلّا أنها لم تكن كافيةً للنسيان حقاً.
حين تقتصر العدالة على بُعدها الجنائي أو العقابي فإنها تبقى قاصرةً، وقد تقود إلى حربٍ أخرى. بحسب مُنظّر العدالة التصالحية في جنوب إفريقيا، القسّ ديزموند توتو، في كتابه “نو فيوتشر ويذاوت فورغيفنيس” (لا مستقبل دون مسامحة) المنشور سنة 2000. إذ يرى أنه لا سبيل لتجاوز الفظائع دون رغبة المجتمع في التصالح القائم على الاعتراف بالذنب، ولكن ذلك لا يعني غياب العدالة. فالمصالحة تحتاج إلى عدالةٍ اجتماعيةٍ تفكّك البنى المؤسساتية التي كرّست المظلومية الأولى، وعدالةٍ توزيعيةٍ تمنح الضحايا الحقّ في التعويضات المادية والمعنوية وتجبر ضررهم، وتعيد لهم إمكانية العيش الكريم، لا مجرّد الحقّ في رؤية الجناة خلف القضبان.
لم تتحقق هذه العدالة في أوغندا، مع أن آليات المجتمعات المحلية الخاصة بعلاج تبعات الحرب ذاتياً تبدو مبهرةً بادي الرأي. فقد أوقفت الدماءَ وأرست ثقافة العفو، حتى عن المعروفين بارتكاب الفظائع وجرائم الحرب. غير أن الانبهار يتلاشى كلّما تعمّقنا أكثر في شهادات الضحايا. يتحدث يحيى أرواه للفِراتْس عن قريته بشمال أوغندا إبّان التمرد حين سيطر “جيش الرب” على مدرسةٍ ثانويةٍ واختطف منها نحو أربعين طالبةً، عاد بعضهنّ في حين بقي مصير الأخريات مجهولاً حتى اليوم. عادت بعضهنّ وهنّ حوامل، ثمّ أنجبْنَ أطفالاً نبذهم المجتمع نفسه الذي صالَحَ المغتصِب. يقول يحيى إن المصالحة كانت عظيمةً، ولكن ليس للنساء المختطفات، إذ “لم يسألهنّ أحدٌ إن كنّ يرِدنَ المسامحة أو التعويض. ولم يسأل أحدٌ عن حياة أبنائهنّ. ببساطةٍ لم يكترث بهنّ أحد”.
فُضّل خيار المصالحة المجتمعية على السعي لتحقيق العدالة. فقد تجاوز مسار ما بعد الصراع والمصالحة النساءَ والضحايا والشرائحَ الأفقر التي تضرّرت من الحرب. وهذا من أجل استعادة القادة والمقاتلين العائدين، وكذلك الزعماء التقليديين الذين لم تطاردهم الدولة. تشير جوانا كوين في كتابها إلى أن تمكين الزعماء التقليديين وزعماء الحرب من استعادة مكانتهم داخل مجتمعاتهم أعاق الدفع إلى العدالة. إذ يخشى هؤلاء خسارة مكاسبهم ومواقعهم الجديدة، ما يوقف فاعليتهم عند حدود المصالحة ويدفعهم إلى رفض لجان الحقيقة.
منحت هذه المعادلة السلطةَ فرصةً للتخلي عن مسار العدالة، لأجل تعزيز موقعها وسلطتها، وإقناعِ المجتمع أن العدالة والمصالحة قطاران متعارضان، لا يمكن أن يسيرا معاً. وهو ما تتحدث عنه الباحثة في الدراسات الاجتماعية القانونية، جانيت ماكنايت، في بحثها المعنون “أكاونتابيليتي إن نورذِرن يوغاندا” (المساءلة في شمال أوغندا) المنشور سنة 2015. وتقول إن بلاد ما بعد الصراع أو التحول السياسي غالباً ما تقع في فخّ “الثنائيات الكاذبة” التي تُقدّم فيها العدالة والسلام خيارَيْن متعارضَيْن، في حين يمكن تحقيق توازن بينهما إذا استندت العملية الانتقالية إلى فهم جذر الصراع وتحولاته السياسية والثقافية بعمق. فالدفْعُ المُفْرطُ باتجاه السلام على حساب العدالة أَعاق الحلّ السياسي الحقيقي، وأَوْقف أوغندا عند لحظة انتقالٍ لم تكتمل. تصف جوانا كوين هذه اللحظة أنها بين اللا حرب واللا انتقال، في دراستها “وِيذر ذا تزانزِشين أُف ترانزِشينال جَسْتِس” (إلى أين يتجه “الانتقال” في العدالة الانتقالية) المنشورة سنة 2014. وهي لحظةٌ ممتدةٌ تشهد فشلَ مسار العدالة الانتقالية في التقدم، وافتقارَ الانتخابات الحكومية إلى النزاهة، واستمرارَ العنف حتى بعد إعلان العفو.
لم تتغير النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية جوهرياً على نحوٍ يعيد الحقوق لأصحابها. وهو ما يترك البلاد عالقةً بين الحرب والفترة الانتقالية. وربما تكون سوريا مهدَّدةً بلحظةٍ ممتدّةٍ مشابهة.
تبدو الصورة العامة لما بعد الحرب في سوريا مختلفة. فحجم الانتهاكات واتساعها، مع القمع المنهجي الكثيف والمباشر الذي مارسه نظام الأسد على الشعب السوري طيلة أربع عشرة سنةً من الثورة، وأربعة عقودٍ قبلها، خلّفَ شريحةً واسعةً من الشعب متضرّرةً بعمق. يمتدّ طيف الانتهاكات من الإخفاء والتهجير القسري إلى الاغتصاب والتعذيب حتى القتل والإعدامات الميدانية والمجازر، ما يجعل تحقيق العدالة شرطاً ضرورياً لطمأنة المجتمع ومنع حوادث الانتقام الفردي.
ومع ذلك، برزَتْ في مرحلة ما بعد الأسد فكرة العفو والمصالحة. بدءاً من شعار “الفتح الذي لا ثأر فيه” الذي رفعه قائد غرفة إدارة العمليات العسكرية أحمد الشرع بعد وصول الفصائل المسلحة إلى حماة، ثم العفو العامّ الذي أصدرته “إدارة العمليات العسكرية” عن مجنّدي جيش النظام السوري السابق غداة هروب بشار الأسد.
ولكن هذا العفو، وإن بدأ تصالحياً، فإنه يواجه عدد الضحايا الكبير الذي انتظر طويلاً سقوطَ الأسد لتحقيق العدالة. ففي صباح 8 ديسمبر 2024، عاد السجانون والضباط وقادة الميليشيات إلى منازلهم آمنين، ولم يعلَن عن آليّة مساءلةٍ واضحة. لينقسم السوريون إلى عدّة مجتمعاتٍ، بعضها يخشى الثأر والانتقام الأعمى، والآخَر يخشى ضياع حقّه مقابل السلم المجتمعي.
وقعت أولى حوادث العنف الواسع عقب سقوط الأسد عند أحداث الساحل السوري في مارس 2025. حصل ذلك عند هجوم مسلّحين تابعين للنظام السابق على القوات الحكومية الجديدة ومدنيّين سنة، تبعه هجومٌ واسعٌ من قوات الحكومة ومؤيديها رافقه عمليات قتلٍ واسعة طالت مسلحين ومدنيين علويين. كان هذا عنفاً متعدّد الأطراف بين مرتكبي الانتهاكات في العهد السابق الذين رتّبوا صفوفهم رفضاً للسلطة الجديدة وخوفاً من استهدافهم، وبين فئةٍ من ضحايا هؤلاء الذين وجدوها فرصةً لانتقامٍ ربما كان يمكن للعدالة أن تَحُول دونه. بعد هذه الأحداث التي أظهرت خطر التأخر في آليّاتٍ مؤسسيةٍ للعدالة والسلم الأهلي، صدر مرسومان في التاسع من مارس 2025 بتشكيل لجنتين للسلم الأهلي وللتحقيق في أحداث الساحل. وبعد نحو شهرين، في 17 مايو، شُكّلت هيئتان للعدالة الانتقالية والمفقودين.
ولكن اللجنة العليا للسلم الأهلي انحرفت عن مهمتها الأصلية في إدارة المصالحة المجتمعية. فالمؤتمر الذي عقده عضو اللجنة الشيخ حسن صوفان في يونيو 2025 تكلّم فيه عن ملفاتٍ تتقاطع مع العدالة الانتقالية. وعندما سُئل عن قادة النظام السابق الذين منحوا الأمان، وخاصةً فادي صقر، أحد زعماء ميليشيات “قوات الدفاع الوطني”، أجاب صوفان بأن “القيادة” منحت الأمان لصقر لتعاونه معها في مرحلة انتقال السلطة، ولأن منح الأمان يَحُلّ العُقَدَ المجتمعية ويسهم في حقن الدماء “سواءً لدى جنود الدولة أو في المناطق الساخنة والحواضن المجتمعية”. وقال إن السلم الأهلي له الأسبقية على العدالة الانتقالية في هذه المرحلة، وإن العدالة لن تستهدف الجميع وإنما “كبار المجرمين الذين نفذوا جرائم وانتهاكاتٍ جسيمة”.
تذكّر هذه الأفكار بمنطق موسيفيني عندما حصر ملف الملاحقات القضائية في قادة “جيش الربّ” وعبر المحاكم الدولية، في حين منح آلاف المقاتلين الآخرين عفواً عاماً. وبذلك أَسقطَت الدولة المسؤوليةَ الفرديةَ لمرتكبي الانتهاكات من الصفوف الدنيا عن أفعالهم وسمحت لهم بالعودة إلى المجتمع.
والنتيجة هي عودة الجلّاد إلى جوار ضحيّته في سوريا، بلا أن يكون للمجتمع دور في قبول هذه العودة أو رفضها، وبلا أن يحصل الضحايا على اعترافٍ أو إنصافٍ معنويٍ أو حتى مساءلةٍ رمزية. لتتحول المصالحة من أداةٍ للتعافي الجماعي إلى آليّةٍ لإعادة تدوير الإفلات من العقاب بِاسم حقن الدم وحفظ الاستقرار.
أوغندا بلدٌ تحكمه نخبةٌ سياسيةٌ وعسكريةٌ سلطويةٌ، شهدت حرباً داخليةً مورست فيها انتهاكاتٌ واسعةٌ، ثم انتهت الحرب وقُدّمت المصالحة المحلّية على تحقيق العدالة أو إنجاز خطّة انتقالٍ سياسي. وهو ما أخشى أن يشبه مصير بلدي سوريا، خاصةً مع جمود ملف العدالة وغياب خريطة طريقٍ واضحةٍ لها، ونشاط خطابٍ يقدّم المصالحة على العدالة.
في تفاصيل الحياة اليومية في أوغندا، ترى ملامحَ التعب على مجتمعٍ يحاول مواصلة حياته بعد الحرب الطويلة. وفي ظلّ الفساد والسلطوية المستمرَّيْن بعدها، يبدو كأن الحرب لم تغادر بعد تلك الوجوهَ والأرصفة. فعلى غنى هذه البلاد بالموارد الطبيعية لم أجد فيها رصيفاً خارج مركز المدينة. وكثيراً ما تساءلتُ وأنا أسير في الطرقات البلدية الترابية كيف يمكن لشعب أن يعيش في مدينةٍ بلا أرصفة. وتغصّ أطراف الشوارع الترابية ببائعات الذرة والفستق والقات، مع عشرات المبشّرين بالمسيحية الذين لم يترددوا عن توقيفي عدّة مرّاتٍ، وسَيْل دراجات الأجرة النارية الصغيرة التي يقودها خريجو الجامعات العاطلون عن العمل والحالمون بطريقٍ للهجرة. كان مشهداً يذكّرني بسوريا بعد هروب الأسد، مع مفارقةٍ أن أوغندا أنهت حربها العلنية قبل عقدين دون أن تنجو من تبعاتها الاجتماعية والاقتصادية.
تثبت تجربة أوغندا أن المصالحة وحدها لا تكفي في مجتمعات ما بعد النزاعات لاستعادة العافية والاستقرار وإحساس الأمان، فالخوف في أوغندا يحيط بالجميع. تحدّثَت إليّ دينا، صاحبةُ المنزل الذي أقمت فيه، عن خوفها من اندلاع ثورةٍ ضد السلطة، التي لا توظّف إلّا أبناء قبيلتها. وأما محمد، الشابّ المسلم المتدين، فهو يخاف تزايد استهداف السلطة المسلمين الأوغنديين الرافضين التهميشَ والتفاوتَ الاجتماعيّ الذي تتسع هوّته كلّ يوم. وشاركتني باتريس، السيدة الخمسينية اللطيفة، خوفَها أن يترك لها ابنُها العاطل عن العمل أحفادَها لتنفق عليهم وحدها، ويغادرَ البلاد مثل رفاقه دون عودة. ويخشى المسؤولون أنفسهم أن يستهدفهم أحد اليائسين، كما برّر سائق الدراجة النارية حين سألته عن الموكب العسكري.
في هذا الخوف المنتشر، يبدو أن المجتمع لا يعيش سلاماً حقيقياً، بل هدنةً هشّةً وتسويةً مؤقتةً يمكن أن تتحول إلى حربٍ في أيّ لحظة. فحين لا تقترن المصالحة بالمساءلة والعدالة، يتحوّل السلم الأهلي إلى غطاءٍ لتأجيل الصراع، وإلى آليّةٍ تعيد إنتاج البنى نفسها التي غذّت جذور الحرب.
باحثة وناشطة مدنية
مجلة الفراتس
————————————————-
كيف تستفيد هيئة المفقودين بسوريا من التجربة البوسنية؟/ صابر حليمة
سراييفو- “نحن ميتين عايشين (أموات وأحياء)، لا نريد منكم المال ولا الإغاثة، نريد معرفة مصير أزواجنا”، كلمات تختصر معاناة عشرات آلاف العائلات، قالتها إحدى السيدات لرئيس الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا، محمد رضا جلخي، في أحد لقاءاته مع عائلات المفقودين.
ويشكل هذا الملف بتشعباته وتعقيداته أحد أهم التحديات التي تواجها الحكومة السورية الحالية لأسباب تبدأ بعدم الوصول إلى رقم دقيق للمفقودين، ولا تنتهي بالتحديات اللوجستية والعملياتية للكشف عنهم.
وفي سبيل الاستفادة من تجارب رائدة في مجال البحث عن المفقودين، زار وفد من الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا البوسنة والهرسك التي لا تزال تعلن سنويا اكتشاف مفقودين رغم مرور 30 عاما على انتهاء الحرب فيها.
بروتوكول تعاون
ويقول رئيس الهيئة رضا جلخي إن تجربة البوسنة والهرسك ملهمة، نظرا للنجاح الملحوظ الذي حققته بتحديد مصير المفقودين بنسبة 75%، إضافة إلى أهميتها بتعزيز دور إرادة أهالي المفقودين بشكل عام، والأمهات خاصة، في المحافظة على قضية المفقودين كرمز للإبادة الجماعية التي عاشتها سربرنيتسا.
وزار الوفد السوري معهد المفقودين في البوسنة، والمدعي العام لجرائم الحرب، وممثلين عن المجتمع المدني وعائلات المفقودين، إضافة إلى النصب التذكاري للإبادة الجماعية في سربرنيتسا ومقابلة الأمهات فيها، واطلع كذلك على عمل اللجنة الدولية لشؤون المفقودين “آي سي إم بي” عبر زيارة مكاتبها ومخابرها.
وأضاف رضا جلخي للجزيرة نت “خلصنا من هذه الجولة بأفكار تتعلق بالتشريعات القانونية للمفقودين، وطرق التنسيق مع المؤسسات الأخرى، وأهمية العمل على تخليد ذكرى المفقودين في سوريا”.
وأوضح أنه جرى الاتفاق على تنظيم زيارات إلى سوريا للعاملين في مؤسسة المفقودين في البوسنة، والنيابة العامة، ورابطة أمهات سربرنيتسا لنقل التجربة البوسنية عن قرب للسوريين.
وأشار أيضا إلى أن العلاقة مع اللجنة الدولية لشؤون المفقودين قطعت أشواطا مقبولة في رسم مسار التعاون، خصوصا في ما يتعلق ببناء القدرات ودعم البنية التحتية الخاصة بالطب الشرعي وتكنولوجيا الحمض النووي “دي إن إيه”، كاشفا أن العلاقة بين الطرفين ستتوّج قريبا بتوقيع بروتوكول تعاون.
آليات ونتائج
وأكد المتحدث أن الهيئة تعمل على تجهيز بنك وطني للمفقودين في سوريا للوصول إلى إحصاء رسمي لأعداد المفقودين، يُبنى عليه في مسألة الدعم الذي يجب تقديمه لعائلات المفقودين والمختفين قسرا، وهي المهمة الثانية للهيئة، إلى جانب مهمتها بتحديد مصيرهم، وفق كلامه.
على الصعيد التشريعي، أوضح رضا جلخي أن الهيئة تناقش مسودة قانون خاص بالمفقودين في سوريا مع خبراء محليين ودوليين، في حين تعمل ميدانيا على افتتاح قريب لـ7 مراكز لها على امتداد الأراضي السورية، وكذلك في الخارج لمتابعة المفقودين السوريين.
ومن الأولويات التي حددتها الهيئة: إطلاق برامج تدريبات متنوعة للكوادر السورية لتمكينها من القيام بأعمال التوثيق والتعامل مع المقابر الجماعية وتكنولوجيا الحمض النووي والبصمة الوراثية بشكل مهني وعلمي.
من جهتها، تقول رئيسة برنامج غرب البلقان في اللجنة الدولية لشؤون المفقودين، سميرة كريهيتش، إنه أُبلغ عن فقدان أكثر من 40 ألف شخص في جميع أنحاء المنطقة عقب انتهاء حروب البلقان في التسعينيات.
وتضيف للجزيرة نت أن الأرقام “كانت مذهلة، ولكن لأول مرة في تاريخ هذه المنطقة كانت هناك نية سياسية واضحة لمعالجة قضية الأشخاص المفقودين”. وكان التحدي الأبرز عدم وجود نموذج راسخ يُحتذى به، ولا مخطط عمل قائم أو تجربة مقارنة يمكن لدول يوغوسلافيا السابقة الاعتماد عليها، لذلك كان لا بد بناء العملية برمتها من الصفر.
وتؤكد كريهيتش أن أهم ما في ذلك أن حقوق عائلات المفقودين ومشاركتهم الفعّالة وُضعت في صميم العملية، وتضيف: “اليوم، تم تحديد مصير أكثر من 75% من نحو 40 ألف شخص أُبلغ عن فقدانهم”، موضحة أن العدد الأكبر من المفقودين (أكثر من 31 ألفا) كان في البوسنة والهرسك.
القانون والمبادئ
تشريعيا، وفَّر قانون الأشخاص المفقودين لعام 2004 -وهو الأول من نوعه في العالم- الأساس للعمل الطويل الأمد. فاستنادا إليه، أنشأت البوسنة معهد الأشخاص المفقودين على مستوى الدولة، ولا تزال تموّله بالكامل. ومن الجهات الفاعلة الرئيسية الأخرى: مكتب المدعي العام، وجمعيات عائلات المفقودين، وهي منظمات غير حكومية نشطة تدافع عن حقوقهم.
ورغم مرور 30 عاما على انتهاء الحرب، تقول كريهيتش إن كثيرين يجهلون أن العملية لا تزال مستمرة إلى حد كبير، فبينما لا تزال سربرنيتسا الموقع الأكثر بروزا بسبب الإبادة الجماعية التي ارتُكبت فيها، يستمر العمل في جميع أنحاء البلاد.
وتتلقى اللجنة يوميا طلبات للمساعدة الفنية، من دعم أعمال الحفر إلى أعمال مرافق التشريح. بل إنه حتى اليوم، لا يزال أفراد من عائلات المفقودين يتقدمون بعينات الحمض النووي، خصوصا أن قانون 2004 لا يحدّد مهلة زمنية معينة للإبلاغ عن المفقودين.
ولضمان استمرار التقدم، تشير كريهيتش إلى أن معهد المفقودين يستكشف الآن دمج التقنيات الجديدة التي يمكن أن تساعد في مواجهة تحديات مثل تغيّر التضاريس، ومرور الزمن، وفجوات البيانات.
وحول زيارة هيئة المفقودين السوريين، تركّز كريهيتش على أن “لكل مرحلة من مراحل ما بعد النزاع خصوصيتها، ويجب أن تُصمّم الاستجابة بما يتناسب مع الظروف الخاصة لكل بلد. ومع ذلك، تُقدم دول غرب البلقان، وخاصة البوسنة والهرسك، دروسا قيّمة ومبادئ أساسية يمكن تطبيقها عالميا”.
وأهم هذه المبادئ:
ضرورة ترسيخ الإرادة السياسية.
إنشاء مؤسسات متخصصة.
دمج العملية في أطر سيادة القانون.
المشاركة الفعَّالة للأسر وتطبيق العلم منذ البداية، وهما عاملان أساسيان للنجاح.
وفد من هيئة المفقودين السوريين يزور البوسنة للاطلاع على تجربتها في البحث عن مفقودي الحرب.مصدرها: الصفحة الرسمية للجنة الدولية لشؤون المفقودين على فيسبوك
الوفد السوري زار البوسنة للاطلاع على تجربتها حول مفقودي الحرب (اللجنة الدولية لشؤون المفقودين على فيسبوك)
دور العائلات
وتقول كريهيتش “لا أعني بالعلم فقط الأساليب الأثرية والأنثروبولوجية (علم الإنسان) المتقدمة أو تحليل الحمض النووي لتحديد الهوية، بل أعني أيضا الإدارة المنهجية للبيانات”.
وتضيف أن “من أهم الأمور التي أطلعت عليها الهيئة السورية خلال زيارتها ضرورة إنشاء قاعدة بيانات مركزية منذ البداية. ينبغي أن يرصد هذا النظام تفاصيل الأشخاص المفقودين وعائلاتهم وظروف اختفائهم أينما توافرت هذه المعلومات”. ولاحقا، مع تطور العملية، تصبح قاعدة البيانات هذه بالغة الأهمية في تتبع التقدم وتوحيد البيانات.
لكن التحدي الأبرز يتمثّل في السباق مع الزمن، إذ تؤكد كريهيتش أنه كلما مر الوقت تعقّدت الجهود، إذ يتوفى الشهود، وتنتقل الأسر أو تفقد الأمل، ويصبح الحصول على المعلومات أصعب.
وتشدد على أن الدور المحوري لأي عملية فعّالة وذات مصداقية هو لعائلات المفقودين، داعية العائلات -عبر الجزيرة نت- للإبلاغ عن مفقوديهم والتواصل مع المؤسسات المعنية ومشاركة أي معلومات لديهم عن المفقودين أو المواقع المحتملة لدفنهم، مؤكدة أنه “حتى التفاصيل الصغيرة قد تكون حاسمة”.
ولفتت إلى أنه في حال وجود مخاوف بشأن السلامة أو الخصوصية، تتوفر قنوات آمنة ومجهولة، خصوصا أن الموقع الإلكتروني التابع للجنة الدولية لشؤون المفقودين يتيح للأفراد الإبلاغ عن معلومات عن الأشخاص المفقودين أو مواقع القبور المحتملة في أي مكان في العالم -من دون الكشف عن هويتهم تماما- عبر وضع علامة على خريطة رقمية.
ولا يقتصر دور العائلات على الإبلاغ فقط، بحسب كريهيتش، بل من خلال البحث عن المعلومات أيضا، وطرح الأسئلة، والدفاع عن حقوقهم، ومحاسبة المؤسسات، إذ لا يعزز هذا التواصل الجهود فحسب، بل يساعد أيضا على ضمان شموليتها وشفافيتها وتأسيسها على الحقيقة والعدالة.
المصدر: الجزيرة
——————————
غياب العدالة الانتقالية وحضور الثأر/ محمد برو
2025.10.25
تتكرر عمليات الثأر والانتقام والقتل والاختطاف في المشهد السوري الهش بسبب غياب آلية واضحة وعملية لما بات يُعرف بالعدالة الانتقالية، وأصبحت الأصوات التي تنادي بالعدالة الانتقامية حاضرة في وقائع المشهد اليومي السوري وإن لم تظهر إعلامياً، وهذا ما خلق مناخًا من الاضطراب والفوضى تنتظره وتعبث به شريحة تحترف الجريمة واقتناص الفرصة في هذا الوضع المخلخل بعيداً عن مفاهيم العدالة أو الصراع السياسي. وهذا ما تعجز أجهزة الأمن على ضبطه حتى هذه الساعة، خاصة أن ذوي الضحايا السابقين والمغيبين على أيدي أجهزة الأمن الأسدية وهم
+A
حجم الخط
-A
تتكرر عمليات الثأر والانتقام والقتل والاختطاف في المشهد السوري الهش بسبب غياب آلية واضحة وعملية لما بات يُعرف بالعدالة الانتقالية، وأصبحت الأصوات التي تنادي بالعدالة الانتقامية حاضرة في وقائع المشهد اليومي السوري وإن لم تظهر إعلامياً، وهذا ما خلق مناخًا من الاضطراب والفوضى تنتظره وتعبث به شريحة تحترف الجريمة واقتناص الفرصة في هذا الوضع المخلخل بعيداً عن مفاهيم العدالة أو الصراع السياسي. وهذا ما تعجز أجهزة الأمن على ضبطه حتى هذه الساعة، خاصة أن ذوي الضحايا السابقين والمغيبين على أيدي أجهزة الأمن الأسدية وهم بمئات الألوف لم ينالوا ما كانوا ينتظرون حتى بالحدود الدنيا، وزاد المشهد بؤساً ظهور بعض أزلام النظام السابق في أحياء دمشق وغيرها وقد نعموا بتسوية تشي بالعفو عن جرائمهم. ليعلو صوت المقهورين: هل تملك الحكومة المؤقتة العفو والتجاوز عن حقوق أبنائهم المقتولين والمغيبين حتى اليوم تحت أي ذريعة؟ سؤال من الصعب بمكان الإجابة عنه، سيما أن هؤلاء المعفو عنهم من أصحاب الملايين التي نُهبت أصلاً من المال العام والخاص. من الصعب جداً وربما كان من المخزي أيضاً أن نطالب هؤلاء الضحايا وذويهم بالصفح البارد، في الوقت الذي يعيش فيه الآلاف منهم في بيوت مهدمة أو في الخيام، بينما ينعم بعض رموز النظام البائد بأموالهم التي يعرف الجميع مصدرها.
هذه الإشكالية المعقدة بين حقوق المظلومين ومصلحة الدولة في إرساء الحد الأدنى من الأمن والاستقرار تُحيلنا مرة إثر أخرى لجدلية الأولوية بين الأمن والاستقرار وبين تطبيق العدالة وتقديم الحقوق على أي شيء آخر، وكأن السعي للأمرين معاً ضرب من ضروب المحال. الأمر الذي سيتركنا في حلقة معيبة حيث تدور دوائر الانتقام والعنف وتخلق بذلك وضعاً مضطرباً يحمل الكثير من التعليلات ويُكرِّس حالة النزاعات الاجتماعية العميقة والتي تجعل من حلم السلم الأهلي وقيام المصالحة الاجتماعية مجرد هراء ثقافي يدور عبر المنصات والصالونات الأدبية.
تكمن أكبر الإشكاليات في هذا الصدد في عجز الحكومة المؤقتة عن إنفاذ أي خطوة عملية من شأنها أن تمضي بهذا الملف الشائك خطوة واحدة للأمام. فإنشاء المحاكم المتخصصة وتكليف مئات المحققين والقضاة المُفرَّغين لهذا الشأن، وبناء فريق من الموثقين، وتوفير جهاز أمني يمتلك القدرة على تقديم المتهمين للعدالة وإجراءاتها، وضمان عدم قيام الأطراف المتهمة بردود أفعال مقاومة قد تزعزع الحالة الهشة أصلاً، كل هذا يحتاج إلى مقدرات مالية هائلة وبرنامج عمل طويل لا تمتلك الحكومة الحالية الشطر الأيسر منه. الأمر الذي يفتح الباب على مصراعيه لإفلات المجرمين والقتلة من العقاب. وهذا ما يعدُّه آخرون شرعنة منطقية للمضي في طريق الثأر والانتقام كسبيل وحيد للعدالة. وهنا ستُستغل هذه الظاهرة المخيفة لتتحول عبر شبكات إجرامية هي متوفرة بالأصل قبل سقوط النظام، لتتحول إلى نمط حياة كريه سنحتاج لثورة اجتماعية كبيرة للقضاء عليه، وسينحدر المجتمع ساعتها إلى نمط ما قبل الدولة، وسيعزز هذا النمط المتخلف وجوده وسيكون عقبة حقيقية أمام نشوء دولة مستقرة.
جميع ما سلف أفضى إلى تآكل الثقة بقدرة الحكومة المؤقتة على إيلاء هذا الملف المحوري ما يلزمه من الاهتمام، وبالتالي نمو الإحساس بالظلم المستمر. وهذا ما ساهم بشكل كبير في تولي من يملكون السلاح مهمة الثأر تحت مسميات عدة أهمها ملاحقة المجرمين والمخَبِرين والفاسدين وتقديم بعض العزاء لذوي الضحايا. كثير من هذه الآراء تمتلك حجتها المقنعة، لكنها بذات الوقت تُحيل المجتمع السوري إلى بؤرة اقتتال وفوضى لا يمكن ضبطها ولا التكهن بمقاصد العابثين بها، ولا بما يمكن أن تسفر عنه في المدى المنظور. ومن المعروف من خلال تجارب بلدان أخرى عانت من ذات الأمر أن الجريمة المنفلتة والمنظمة تتصيد الفرص الغنية في هذا الانفلات الأمني، وتبني كيانات مُجرِمة تتغلغل في بنية المجتمع الموتور أصلاً لتجعل من مسألة الاستقرار وانتظار أن تتسلم الحكومة مهامها في إنفاذ العدالة مجرد لُعاعة تُعلل بها الحكومة شعبها وتشاغله، كما تشاغل الأم الفقيرة طفلها بسلق الحصى.
يستمر الحصار بين مسؤولية الحكومة عن هذه الفوضى ولو من الناحية القانونية أو النظرية، والعجز الحقيقي والمفسَّر عن قيام هذه الحكومة بمسؤولياتها. ورُب قائل: إن لم تكن هذه الحكومة قادرة على النهوض بهذه المسؤولية فلتتنحى ولتحل محلها حكومة أخرى. وهذا في واقع الأمر ضرب من ضروب التوهم، لأن أي حكومة يمكن أن تأتي في هذا الظرف الإقليمي والدولي والانهيار الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي والعمراني والافتقار المفرط إلى أدنى المتطلبات المالية اللازمة للبدء بعملية النهوض، سيكون مصيرها الحتمي الفشل الذريع الذي يطبع الشأن السوري عامة. وأخشى ما يخشى أن نقف يوماً لنكرر العبارة التي تصف حالنا في مقبل الأيام: “إن الأمن مستتب، لكن القيم والعدالة ضائعة”. وهذا ما سيترك باب الفوضى والثأر والاضطراب الاجتماعي مفتوحاً على مصراعيه. فالعدالة مهما كانت مكلفة، ومهما بُذل من جهد ومقدرات في سبيل تحقيقها، هي نقطة الأمان التي تسبق الاستقرار وتمهد له، وهي اللبنة الأولى في بناء السلام المنشود.
تلفزيون سوريا
——————–
=======================



