هل ستحل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا نفسها؟ -مقالات مختارة- تحديث 27 تشرين الأول 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي:
مقالات تناولت “وثيقة العيش المشترك في سورية: رؤية جماعة الإخوان المسلمين في سورية”
—————————————-
تحديث 22 تشرين الأول 2025
———————————-
وثيقة الإخوان المسلمين: تحول حقيقي أم إعادة تموضع؟/ ميشال شمّاس
الأربعاء 2025/10/22
في 18 تشرين الأول 2025، أصدرت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا وثيقة جديدة بعنوان “العيش المشترك”، تُعد من أبرز محاولات الإسلام السياسي السوري، لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع بعد عقود من الاستبداد والانقسام. الوثيقة، التي جاءت بلغة مدنية جامعة، تسعى إلى تقديم تصور لسوريا المستقبل، قائم على التعددية والمواطنة والسلم الأهلي. لكنها في الوقت ذاته، تثير أسئلة جوهرية حول مدى صدقية هذا التحول واستدامته وموقعه من التجربة التاريخية للجماعة.
من حيث الشكل والمضمون، تُظهر الوثيقة تطوراً ملحوظاً في الخطاب السياسي للجماعة. فهي تؤكد أن سوريا يجب أن تكون دولة ديمقراطية تعددية، تقوم على التداول السلمي للسلطة وسيادة القانون وفصل السلطات والمواطنة، مع رفض المحاكم الاستثنائية وإلغائها. كما تُقر بحق تشكيل الأحزاب السياسية والمشاركة السياسية الكاملة والحق في انتخابات حرة ونزيهة، ومبدأ تكافؤ الفرص بغض النظر عن الدين أو الجنس أو العرق. وتُجرّم خطاب الكراهية والتحريض على العنف، وتُعلي من كرامة الإنسان السوري، وتعترف بأهمية منظمات المجتمع المدني في بناء الهوية وتعزيز الحوار.
هذه البنود، في ظاهرها، تمثل تحولاً إيجابياً في أدبيات الجماعة، وتُقارب في لغتها طروحات الأحزاب المدنية. غير أن هذا التقدم الظاهري لا يُلغي الحاجة إلى تفكيك الوثيقة نقدياً والبحث في ما أغفلته، أو ما لم تُصرّح به أو ما يُخشى استخدامه تكتيكياً لا استراتيجياً.
أول ما يُلاحظ في الوثيقة هو غياب الإشارة الصريحة إلى استقلال السلطة القضائية. فرغم الحديث المتكرر عن العدالة، لا تُذكر أي ضمانات مؤسسية لحماية القضاء من التدخل السياسي أو الحزبي. وهذا الغياب يُضعف من قدرة الوثيقة على تقديم تصور متكامل لدولة القانون، ويُثير شكوكاً حول مدى جدية الالتزام بالفصل بين السلطات، خصوصاً في ظل تاريخ طويل من تسييس القضاء في سوريا.
ومن الثغرات المفاهيمية أيضاً غياب حرية التفكير كمبدأ تأسيسي. فرغم الحديث عن حرية الاعتقاد والإعلام، لا تُذكر حرية التفكير، ولا يُوضح ما إذا كان المواطن السوري يملك الحق في مراجعة الموروث، أو نقد المرجعيات، أو تبني رؤى غير سائدة. وهذا الغياب يُضعف من البنية الفلسفية للوثيقة، ويجعلها أقرب إلى إعلان نوايا أخلاقية منها إلى تصور دستوري يضمن حرية الرأي والتعبير.
أما من حيث البنية السياسية، فإن الوثيقة لا تُوضح ما إذا كانت موجهة للمرحلة الانتقالية، أو لما بعدها. ولا تقترح فيها آلية للتبني أو التفاعل، ولا تعرضها كمسودة مفتوحة للحوار الوطني. وهذا الغموض الزمني يُضعف من قدرتها على التأثير الفعلي، ويجعلها أقرب إلى بيان تنظيمي منها إلى وثيقة تأسيسية.
لكن التحفظات لا تقتصر على ما غاب عن الوثيقة، بل تمتد إلى ما يُخشى أن يكون تنازلاً تكتيكياً لا تحولاً استراتيجياً. فالتجربة التاريخية للجماعة، في سوريا وخارجها، تُظهر نمطاً متكرراً من الخطاب المعتدل خارج السلطة، إلى سلوك إقصائي عندما تستلم السلطة. هذا ما عبّر عنه أحد المعلقين على الوثيقة بقوله: “ما يُظهروه غير ما يُبطنوه. يغيرون جلودهم متى تقضي مصلحتهم ذلك، لكنهم لا يتغيرون”. وهو رأي لا يُمكن تجاهله، خصوصاً في ظل غياب أي مراجعة نقدية داخل الوثيقة لتجارب الجماعة السابقة، أو تعهد واضح بعدم تكرار أخطاء الماضي.
ويُلاحظ أن الوثيقة تجاهلت دعوة أحمد موفق زيدان، مستشار الرئيس السوري للشؤون الإعلامية، التي وجّهها في آب الماضي إلى جماعة الإخوان المسلمين لحل نفسها طوعاً. تجاهل هذه الدعوة، رغم أن الوثيقة صدرت بعد نحو شهرين منها، يُفسَّر على أنه اختيار من الجماعة للاستمرار في المشهد السياسي، وتقديم رؤية وطنية بديلة، بدلاً من الانسحاب أو إعادة النظر في بنيتها التنظيمية.
كما أن الوثيقة لا تُشير إلى استقلال الجماعة السورية عن امتداداتها التنظيمية في مصر أو تركيا، ولا تُوضح موقفها من التنظيم العالمي للإخوان المسلمين. وهذا الغياب يُثير شكوكاً حول مدى استقلال القرار السياسي للجماعة بوصفها جماعة سورية، ويُضعف من قدرتها على بناء ثقة وطنية حقيقية، في ظل تجارب سابقة أظهرت تداخلاً بين القرار المحلي والإقليمي.
ومن أبرز ما يُؤخذ على الوثيقة أنها تتحدث بإسهاب عن الاستبداد وانقسام المجتمع، لكنها تتجاهل تماماً دور الجماعة نفسها في تفتيت المعارضة خلال سنوات الثورة، وفي تغذية خطاب ديني إقصائي ساهم في تعميق فقدان الثقة بين المكونات السورية.
لم تتحل الجماعة بالشجاعة اللازمة لإجراء مراجعة نقدية لمواقفها وأخطائها، ولا لتحديد مسؤوليتها في إنتاج حالة من الاستقطاب السياسي والديني، كانت من أسباب تعثر المشروع الوطني الجامع. هذا الغياب لا يُعد مجرد نقص في التوثيق، بل يُضعف من صدقية الوثيقة كمبادرة للمصالحة الوطنية، ويجعلها أقرب إلى إعادة تموضع سياسي منها إلى مراجعة تاريخية صادقة.
ورغم أن الوثيقة تتبنى خطاباً مدنياً في الظاهر، إلا أن بناء مفهوم “العيش المشترك” على أسس شرعية دينية يخص لوناً واحداً من الطيف الوطني، يثير تحفظاً منطقياً ومعقولاً. فالمجتمع السوري متعدد دينياً ومذهبياً وثقافياً، وأي تصور للتعايش يجب أن ينطلق من أرضية وطنية جامعة، لا من مرجعية فقهية خاصة، حتى لو كانت مؤطرة بلغة سلمية. هذا التأسيس الديني، وإن بدا تصالحياً، فإنه يُبقي الوثيقة ضمن أفق الجماعة لا أفق الدولة، ويُضعف من قدرتها على مخاطبة جميع السوريين على قدم المساواة.
ورغم هذه التحفظات، لا يمكن إنكار أن الوثيقة تُعد متقدمة بالمقارنة مع أدبيات الجماعة السابقة، وتفتح باباً للحوار حول مستقبل الإسلام السياسي في سوريا. لكن هذا الحوار لا يُمكن أن يُبنى على النوايا فقط، بل يحتاج إلى ضمانات مؤسسية، وتعهدات واضحة، وانخراط فعلي في الحياة السياسية الوطنية، ضمن أحزاب مدنية تتنافس ديمقراطياً، وتخضع للمساءلة الشعبية.
في المحصلة، وثيقة “العيش المشترك” تمثل خطوة ايجابية في خطاب الإسلام السياسي السوري، لكنها تبقى بحاجة إلى استكمال مؤسسي وتشريعي، يضمن ترجمة القيم والبنود التي طرحتها إلى واقع ملموس، ويعالج الثغرات البنيوية في تصور الدولة والمجتمع. وهي دعوة مفتوحة للحوار الوطني، لكنها لن تُقنع السوريين إلا إذا اقترنت بالفعل والمراجعة والانخراط الصادق في مشروع الدولة، بعيداً عن التنظيمات المغلقة أو الاصطفافات العقائدية
المدن
—————————–
“الإخوان” السوريون.. و”قابلية” تحدّي السلطة في دمشق/ إياد الجعفري
2025.10.22
تموضعت جماعة “الإخوان المسلمين” السورية، على صعيد الخطاب السياسي، إلى يسار النخبة الفعلية الحاكمة للبلاد، بوصفها “إسلامًا سياسيًا”، وذلك عبر وثيقة “العيش المشترك في سوريا” الصادرة عنها قبل أيام. تموضعٌ يؤشّر إلى اشتباكٍ سياسي وخطابي وفكري مرتقب، قد يُكتب له أن يكون إثراءً إيجابيًا للمجال السياسي العام في سوريا، أو أن يأخذ مسارًا نحو صدامٍ تُستخدم فيه أدوات القهر، بما يعزّز الاستقطابات الحادّة في النسيج السوري، لكن هذه المرة، داخل “المكوّن السُّنّي” ذاته. ومن سيقرّر ذلك تحديدًا، هم صنّاع القرار في رأس هرم السلطة بدمشق.
وفيما تُقلّل فئة محددة من المراقبين من قيمة الوثيقة “الإخوانية” الأخيرة، مستندين إلى قراءة مفادها أن “الإخوان” في سوريا يفتقدون إلى الحضور الشعبي، ويعانون من “شيخوخة” على صعيد قياداتهم وأدواتهم وتكتيكاتهم في العمل السياسي، نجد في المقابل أن “النزق” الذي عبّر عنه مستشار الرئيس للشؤون الإعلامية أحمد موفق زيدان، في مقاله المثير للجدل “متى ستحل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا نفسها؟”، في موقع “الجزيرة نت”، بتاريخ 22 من آب الفائت، أكبر دليل على استشعار الممسكين بزمام السلطة لوزن “الإخوان” الرمزي في المشهد السوري، والذي يملك إمكانية التحوّل إلى فاعلية تنظيمية قادرة على أن تنازع السلطة في مساعيها لاحتكار “الفضاء السياسي السُّنّي” في سوريا.
وفيما ينفلت خطابٌ تحريضي طائفي إقصائي من جانب بعض الشخصيات ورجال دين المحسوبين على تيارات قريبة من التركيبة الحاكمة للبلاد، بصورة أزكت الاستقطابات بين مكونات النسيج السوري، جاءت وثيقة “العيش المشترك” الصادرة عن “الإخوان” لتُصوّب على نقطة الضعف هذه في أداء السلطة الحاكمة.
فالصف الأول من رجالات السلطة يقدّم خطابًا غاية في الاعتدال والوسطية، لكنهم يعجزون عن ضبط شخصيات من الصف الثالث أو حتى الرابع من السلطة، أو من المقرّبين منها، ممن يقدّمون خطابًا معاكسًا بالمطلق على صعيد القول والممارسة في كثير من الأحيان. وهو عجزٌ يضرب “الإخوان” على وتره الآن.
وكان الملفت أن الانتقادات المحدودة التي كانت تُطلق من هنا وهناك، من جانب شخصيات محسوبة على “الإخوان”، حيال أداء السلطة في دمشق، خاصة على صعيد علاقاتها المتجاوبة بشدة مع طلبات الخارج، بقيت من دون أثرٍ تفاعلي يمكن تسجيله. وقد نفت الجماعة رسميًا، منذ شباط الفائت، أكثر من مرة، أن تكون على موقع “تنابذ” مع السلطة الحاكمة، ومع شخص الرئيس الشرع. وأن موقفها من السلطة القائمة هو “موقف الداعم الناصح الأمين، الحريص على إنجاح عملية بناء الدولة المدنية الحديثة بمرجعية إسلامية”، وفق ما ورد في بيان “مجلس شورى” الجماعة في 7 آب الفائت.
لكن البيان المشار إليه ذاته كان السبب العميق لأول ردّ فعل من جانب السلطة، إذ إنه صدر على وقع تداعيات أحداث السويداء منتصف تموز الفائت. وقد تضمّن البيان انتقاداتٍ مبطّنة لأداء السلطة، في عبارات من قبيل: “الاستقرار يسهلُ نوالُه بإشراك جميع المكونات السوريّة بشكل فعّال في تنمية وبناء الدولة ضمن برنامج سياسي تعددي”، والتأكيد على “تبنّي خطاب العيش المشترك، والابتعاد عن لغة التأجيج الطائفي”. وقد مهّد هذا البيان لصدور “وثيقة” مرتقبة تعكس “رؤية الجماعة للعيش المشترك في سوريا ومبادئ ضامنة لتحقيق سلمٍ أهليٍ واجتماعيٍ يشمل جميع السوريين”.
بعد بيان “مجلس شورى الجماعة” بأسبوعين فقط، نُشر مقال مستشار الرئيس الداعي لحلّ الجماعة. ولم يُقدَّم المقال باعتباره موقفًا رسميًا، لكن كان من الصعب فصله عن التفاعلات داخل رأس هرم السلطة، خاصة بعد ما أعقبه من تصريحات نُسبت إلى الرئيس الشرع، في لقائه مع وفد إعلامي عربي موسّع في 24 آب الفائت، قال فيها إنه ليس امتدادًا لثورات “الربيع العربي” ولا “للأحزاب الإسلامية سواء التنظيمات الجهادية أو الإخوان المسلمين”.
وفيما تقوم أبرز دعامة لدعوى ضرورة حلّ الجماعة على غياب أي فاعلية لها في الداخل السوري، بعد عقود من التهجير القسري في حقبة نظام الأسد، كان تعيين أسامة الرفاعي مفتياً عامًا لسوريا ورئيسًا لمجلس الإفتاء الأعلى في آذار الفائت، مؤشرًا على توازن القوى –الرمزي على الأقل– بين تيارات “الإسلام السياسي والعقائدي” السوري. ومن المعروف أن للرفاعي صلاتٍ شخصية مع جماعة “الإخوان” منذ مطلع الثمانينيات، كانت سببًا لتهجيره مع شقيقه لعقدٍ من الزمان في عهد الأسد الأب. ورغم عدم ثبوت الصلة التنظيمية للشيخ الرفاعي بـ”الإخوان”، إلا أنه يُعدّ قريبًا منهم بالفهم العقائدي العام للإسلام، مقارنة بالفهم “السلفي” الذي يشكّل أساس “عقيدة” معظم المحسوبين على السلطة الراهنة. كذلك من المعلوم رمزية “الإخوان” في الأوساط “السُّنية” المدينية، رغم المآخذ عليهم لأدوارهم في جرّ “الوسط السُّني” إلى صراعٍ مُكلِف مع نظام الأسد في مطلع الثمانينيات.
الخبرات التنظيمية، إلى جانب البيئة المدينية التي قد ترحّب بأفكار سياسية –إسلامية– أكثر اعتدالًا من نظيرتها “السلفية”، نظرًا لأنها حاضنة تاريخية لها، إضافةً إلى عجز السلطة وأخطائها الكبيرة في معالجة معضلات العلاقة مع مكونات النسيج السوري غير السُّنية، كلّ ذلك يشكّل روافع ستعمل جماعة “الإخوان” على البناء عليها في خلق فاعليةٍ لها على الأرض. وقد تجد تحالفاتٍ مرحّبة في أوساط من المشيخة السُّنية التقليدية المستاءة من تمدّد الفكر “السلفي” ورموزه، والتضييقات المرتبطة به.
بطبيعة الحال، يمكن إيراد جملةٍ واسعة من الانتقادات الصادرة عن شخصيات خبِرت العمل المعارض مع “الإخوان”، سواء على صعيد أداء الجماعة السياسي، أو على صعيد خطابها الفكري المتناقض مع ممارساتها على أرض الواقع، خاصة خلال عقدي الثورة ضد بشار الأسد. وبقدر ما تستوجب هذه الانتقادات مراجعاتٍ جادّة من قيادة “الإخوان”، بقدر ما أنها لا تنفي قابلية تحوّل الجماعة إلى لاعبٍ سياسي قادر على تشكيل تحدٍّ للسلطة الراهنة.
هذه القابلية، هي تحدٍّ إيجابي، لو توافر لدى صنّاع القرار في أعلى هرم السلطة، الوعي الكافي بضرورة ترك المجال العام في سوريا متاحًا للتدافع والصراع الفكري والسياسي. وأن مواجهة هذا التحدّي تكون بتحسين أداء السلطة عبر ضبط المحسوبين عليها، والضرب على أيدي المحرّضين طائفيًا منهم، على صعيد الخطاب والممارسة. أو أن يكون السيناريو البديل استخدام أدوات القهر والعنف الأمني ضد هذا التحدّي، مما سيجعل “الوسط السُّني” السوري مقبلًا على استقطاباتٍ أكثر حدّة مما هو عليه الآن، ويفتح الباب واسعًا أمام احتمال الانزلاق نحو عنفٍ سياسيٍّ مُكلِف لجميع السوريين.
——————————
=======================
تحديث 21 تشرين الأول 2025
———————————-
وثيقة العيش المشترك في سورية: رؤية جماعة الإخوان المسلمين في سورية
بسم الله الرحمن الرحيم
1. تمهيد… الواقع السوري وأهمية العيش المشترك
عصفت ببلدنا في العقود الأخيرة الكثير من المآسي وانتهاك الحقوق وهدر الكرامة البشرية للسوريين. وقد أكرمنا المولى عزّ وجلّ مؤخراً بنصر سقط به نظام الطاغية الأسد. وها نحن نقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة لبناء الدولة والمجتمع في سورية.
يحمل بلدنا بموقعه الجغرافي وتعدد ديانات أبنائه رسالة إنسانية فريدة، جعل سورية بلداً يتمتع بهوية إنسانيّة وحضاريّة متميزة، كان الثابت فيها عبر التاريخ هو بقاء المجتمع موحداً حول القيم الإنسانية الثابتة والمصالح المشتركة.
لقد حرصت الدساتير السورية في مطلع القرن الماضي على تحديد مساحات خاصة لمكونات المجتمع السوري في أمرين: أمر العبادة أو الدين، وأمور الأحوال الشخصية؛ مما يعني أن كل المساحات الأخرى هي مساحات وطنية مشتركة. وقد كانت هذه الرؤية عامل استقرار للدولة.
ما تحتاجه سورية اليوم لضمان مصالحها المشتركة هو عيش مشترك، بحيث لا يَحجرُ أحدٌ على أحد، ولا يستقوي مكون سوري بدولة خارجية على دولته للحفاظ على مصالحه. نعتقد أن التراضي والتطاوع على مشتركات عبر الحوار للوصول إلى سلم أهلي مستدام، ومجتمع مستقر، هو واجب الوقت لأهل الوعي من أبناء مجتمعنا.
وللأسف تواجه قيمة العيش المشترك في سورية تحديات نتيجة صراع المجتمع السوري مع ديكتاتورية حكمت بلدنا قرابة 60 سنة، الأمر الذي ولّد صراعات ونزاعات تركت أثرها العميق، وبدأ يظهر في المجتمع خطابٌ غير بنّاء، ترك أثراً سلبياً واضحاً في تعزيز الانقسام المجتمعي؛ وسيترك ذلك بصمته على الاقتصاد والحياة الاجتماعية والسياسية وعلى العلاقات بين فئات المجتمع، إن لم ينهض العقلاء لعلاج هذا الأمر.
تحاول هذه الورقة التحدث إلى السوريين – كل السوريين – لتطرح عليهم تصور جماعة الإخوان المسلمين في سورية لأسس تراها ضرورية لبناء عيش مشترك يهدف إلى تعزيز التفاهم والسلام بين مختلف أفراد مجتمعنا ومكوناته، ويعيد لسورية صورتها العالمية المشرقة، ويلم شعث السوريين بغض النظر عن خلفياتهم الدينية أو العرقية، علّنا ننجح في طيّ تناقضات وصراعات الماضي التي خلّفها لنا نظام الاستبداد في سورية، لنترك لأبنائنا مجتمعاً يفخرون بالعيش فيه، متذكرين أنّ بناء “حضارة إنسانية” وتوفر إرادة عيش مشترك صنوان لا يفترقان؛ وأن إرادة العيش المشترك شرط لبناء المجتمعات المستقرة والمتماسكة.
2. الأسس الشرعية للعيش المشترك
تنطلق رؤيتنا من آيتين كريمتين في القرآن الكريم:
من قول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) سورة الحجرات: 13، التي تثبت وحدة الأصل الإنساني، وأن الإنسانية أسرة واحدة، وأن الله جعل هذه الأسرة شعوباً وقبائل – والشعوب أعراق مختلفة ولغات مختلفة – لحضّ الناس على التعارف على بعضهم البعض؛ وأن من أراد الكرامة من أفراد هذه الأسرة الإنسانية، فليس له إلى ذلك سبيلاً إلاّ من خلال معيار واحد هو التقوى؛ وأن هذه الكرامة هي عند الله، وليست لبعضنا على بعضنا الآخر في الدنيا.
ومن قوله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) سورة الممتحنة:8. المتدبر لهذه الآية يرى أنها تنظم تعامل المسلمين مع غيرهم عندما يعيشون في نطاق أي مجتمع، فترشدهم إلى الالتزام بأسس شرعية للتعامل والعيش المشترك مع الآخر. هذه الأسس تتمثل – باستقراء سريع – بالقيم الأساسية التالية:
احترام الآخر، والاعتراف به، والتعامل معه، وهذا أمر شرعي يشمل كل أنواع الاختلاف، إذ بدون هذه الثلاثية لا يمكن للمسلم أن يبرّ الآخرين المختلفين في مجتمعه ولا أن يعدل فيهم. من الأهمية بمكان أن نثبت هنا، أن الرؤية الإسلامية تنطلق من الاعتراف بالآخر المختلف وبأحقيته في الوجود؛ والأدلة على ذلك في الشرع عديدة. وهذا ملحظ جوهري يجدر ألاّ يضيع في زحمة الأفكار.
الاهتمام بجانب الأخلاق في التعامل إلى درجة البرّ بهم، ويلاحظ هنا، أن البر في القرآن أتى في معرض التعامل مع الوالدين… الأخلاق الإسلامية هي التي تحكم أسلوب التعامل مع الآخرين. والأخلاق في الإسلام قيم مطلقة، يتعامل بها الإنسان المسلم مع الموافق والمخالف، ولا تتأثر باختلاف الدين، أو الزمن، أو أيّ اعتبار آخر. هكذا كان خُلُق النبي (صلى الله عليه وسلم) مع المشركين في مكة، ومع اليهود في المدينة؛ بل كانت أعظم صفة مدح بها الخالق عزّ وجلّ رسوله، قوله: (وإنّكَ لعلى خُلُقٍ عظيم) القلم:4.
العدالة (القسط): والعدالة هي التي تحدّد الحقوق والواجبات تجاه الآخر، أياً كان هذا الآخر؛ وهي بلا شك أهمّ القيم الإنسانية إطلاقاً. بل إن الخالق سبحانه وتعالى بيّن في سورة الحديد أن إحدى العلل لإرسال الرسل هي إقامة العدل بين الناس، كل الناس. يقول تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) الحديد:25. فالكتاب هو مصدر العدالة، والميزان هو وسيلة تحقيقها؛ والمنطق السليم يقتضي بذا إيجاد التوازن بين الحقوق والواجبات.
والعدالة من القيم المطلقة التي يأمر بها الإسلام مع العدو والصديق، ومع البعيد والقريب؛ بل حتى مع العدو المحارب. يقول تعالى: (ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى) المائدة:8.
ولا يمكن أن يقوم عيش مشترك في مجتمع ما، أو في دولة ما، أو في إقليم ما، أو حتى في نطاق العالم إلاّ بإقرار العدالة للجميع عبر استعمال ميزان واحد تتساوى فيه الحقوق والواجبات لبني البشر. حينها فقط يمكن أن تجني المجتمعات البشرية السلم الوطني والسلام العالمي.
التعاون: إذ لا معنى لعيش مشترك في مجتمع ما، إذا لم يتعاون فيه الناس على تحقيق المصالح المشتركة. وقد بيّن الله سبحانه وتعالى أنّ التعاون مطلوب حتّى مع المشركين (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا، وتَعَاوَنوا علَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوَانِ) المائدة:3. لقد صدّ الكافرون المسلمين عن المسجد الحرام، وترتّب على ذلك وجود الكره في قلوبهم تجاه مشركي مكة، فنبه سبحانه وتعالى المسلمين إلى أن هذا الكره لا يجوز أن يدفعهم إلى الاعتداء؛ بل إذا وجدوا مجالاً للتعاون مع هؤلاء المشركين، فهذا جائز ومطلوب بشرط أن يكون تعاوناً على البرّ والتقوى، وليس على الإثم والعدوان.
يقول تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) هود:118. الاختلاف بين البشر سنّة كونية، والنظرة الإسلامية تثبت أن التنوع الديني والثقافي في المجتمعات الإنسانية لا يُبرر الصراع والصدام، بل يستدعي إقامة شراكةٍ وتواصلٍ وتعارفٍ يجعل من التنوع جسراً للحوار والتعاون لمصلحة المجتمع بل الأسرة الإنسانية كلها؛ والسعيد من يستثمر ذلك في بناء دولة تقوم على القيم الإنسانية ومحبة الخير للجميع. ومن هنا ننادي بحوار الحضارات لا صراعاتها.
التعاقد: تعتبر صحيفة المدينة الأساس المرجعي لذلك وخير مثال، فقد أقرها الرسول (صلى الله عليه وسلم) لتكون دستوراً يُجسّد الكليات القرآنية والقيم الإسلامية الكبرى. ومما يجدر إثباته هنا أن هذه الصحيفة تُعد صيغة تعاقدية باتفاق الأطراف، أتت مخرجاتها نتيجة ًلعمليةِ مداولاتٍ انتهت بتعاقد (عملية تشاورية)، فقدمت في الإسلام الأساس المرجعي للمواطنة التعاقدية التي تضبطها القوانين وتصون حقوق جميع المواطنين وتحميهم من وقوع أي اعتداء عليهم.
إن التعاقد يوضح الحقوق والواجبات، ويمنع تحوّل الخلافات إلى صراع… صراع يمكن أن يلتهب حين تريد السلطة مثلاً توسيع المساحة الوطنية المشتركة على حساب خصوصيات المكونات المجتمعية، أو حين تريد هذه المكونات توسيع مساحتها الخاصة على حساب المساحات المشتركة. التعاقد يحوّل العلاقة بين الدولة ومكوناتها إلى علاقة توافق وتكامل حين تكون الحدود واضحة بين المساحة الوطنية المشتركة والمساحات الدينية الخاصة، ويرضى كل مكون بمساحته المحددة.
3. دور الدولة لترسيخ العيش المشترك
تأمين الإطار القانوني لتوفير الأمن لكل مكونات النسيج السوري، ولحماية الحقوق والحريات في الدولة، ولحماية القيم (كالعدالة الاجتماعية، والعدالة الاقتصادية، والعدالة الانتقالية، … إلخ)، ولدعم سياسات المواطنة، وضبط التجاوزات على القيم الإنسانية أو التعدي على المنظومات الاجتماعية السورية وقيمها بحجة الحرية الشخصية.
إطلاق مبادرات لتعزيز السلم الأهلي والحوار الحقيقي بهدف تعزيز قيمة السلام وإيجاد تفاهم مشترك، سواء على مستوى الوزارات أو على مستوى الإدارات المحلية (والأخيرة أقدر على اختيار القرارات الصائبة التي تؤثر على حياتها).
بناء شراكات بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني لدعم التنوع الثقافي، لوضع أهداف وسياسات تخدمه.
اختيار مواد التعليم البانية للقيم المشتركة والمعززة للوعي الثقافي المناسب؛ فالتعليم والثقافة أمران لا غنى عنهما لكرامة الإنسان، وبهما تتحقق الحرية والعدالة والسلام.
4. أدوار منظمات المجتمع المدني لترسيخ العيش المشترك
المساهمة في بناء الهوية السورية المشتركة: تعدّ الهوية من أعقد المصطلحات، وبالرغم من أن عملية بناء الهوية السورية قد يكون بالدرجة الأولى من واجب الدولة (مناهج تعليمية، مبادرات، … إلخ)، إلاّ أن هناك مجالات تنجح بها منظمات المجتمع المدني في بناء الهوية أكثر من مؤسسات الدولة، بفضل مدنيتها وقربها من المجتمع.
إطلاق مبادرات لحوار وطني لتعزيز تفاهم مشترك حول قضايا المجتمع لتقوية النسيج الاجتماعي.
إطلاق مبادرات لتوعية الأسر ومؤسسات التنشئة الأولى لزرع القيم الأساسية في وعي النشء منذ الصغر.
التصدي لثقافة مأزومة تولّد العدوانية والفتن.
إطلاق مبادرات إعلامية وفنية وثقافية هادفة وخادمة للحوار والتعايش.
إطلاق مبادرات لبناء الثقة والحد من الميل إلى العزلة والانغلاق.
ترسيخ القيم والأخلاق النبيلة لتأكيد الأخوة الإنسانية وتشجيع الممارسات الاجتماعية السامية، والتصدي للتحديات الأخلاقية والأسرية والبيئية.
5. معايير تقييمٍ، وقيمٌ تعضدُ العيش المشترك
سورية دولة ديموقراطيّة، تقوم على التعدديّة السياسيّة، والتداول السلميّ للسلطة عبر صناديق الاقتراع، ومبدأ المواطنة، وسيادة القانون، وفصل السلطات، وتلغي المحاكم الاستثنائية وتمنع تشكيلها. ومن يستقرئ مقاصد الشريعة يرى أن هذه القيم السياسية تتعاضد معها في حفظ ضروريات الشريعة وحاجياتها وتحسينياتها ولا تتعارض معها.
حرية الاعتقاد مصونة، ويكفل القانون الحرية الدينية للجميع.
تجريم خطاب الكراهية والتحريض على العنف.
يتمتع جميع السوريّين بحق المشاركة السياسيّة الكاملة بناءً على الكفاءة، في إطار من التنافس السياسيّ وفقاً لانتخابات حرّة ونزيهة.
يكفل الدستور الحريّات العامّة والفرديّة، وحقّ تشكيل الأحزاب السياسيّة ومنظّمات المجتمع المدني ضمن القوانين الناظمة.
تحقيق التنمية المستدامة والمتوازنة والعادلة في كافة المناطق السوريّة.
مهمّة الجيش الوطنيّ الدفاع عن الوطن بحدوده المعترف بها دولياً ضدّ الاعتداءات الخارجيّة، ويُحظَر على أفراده التدخّل في العمل السياسيّ، ويخضع في عمله للرقابة البرلمانيّة والمساءلة القضائيّة.
حصر السلاح بيد الدولة، مع تنظيم حمل السلاح الفردي بالقانون.
التمكين المشروع للمرأة ورفض تهميش دورها، وكذلك تمكين الشباب والنهوض بدورهم.
الإنسانية أسرة واحدة، والأخوة الإنسانية بين كل البشر أصل يجب التمسك به.
تساوي أبناء الشعب السوري في الكرامة والحقوق والواجبات.
كل إنسان مسؤول عن عمله، ولا يؤخذ إنسان بجريرة آخر، ولا يجني جانٍ إلاّ على نفسه، ولا حماية لمجرم ولا لظالم.
يقوم المجتمع السوري على أساس التعاون على البر والتقوى، ويتكاتف السوريون دون الظلم والإثم والعدوان، ويكفل القانون رفع الظلم عن كل سوري يُعتدى عليه.
يشترك الشعب السوري في تقرير العلاقات المصيرية المتعلقة بالبلاد.
مكافحة الخارجين على الدولة ونظامها العام، ووجوب الامتناع عن نصرتهم أو حمايتهم.
عصمة دماء وأموال جميع السوريين.
حرية الانتقال داخل الدولة حق مكفول لكل المواطنين.
6. خاتمة
إيماناً منا بضرورة العيش المشترك بين جميع المكونات السورية، وغيرةً على كرامة الإنسان السوري من أي مكوّنٍ كان، نتقدم بهذه الورقة لشعبنا السوري، آملين من أفراده ونخبه العمل سوية لإنجاح عملية العيش المشترك في مجتمعنا… تحتاج سورية اليوم إلى إخراج قامات وطنية وشخصياتٌ تتعالى مواقفها رغم الأزمات عن النظرات الضيقة وربط الممارسات السياسية الخطأ لأي سوري بالدين.
إن الركون للأحكام المسبقة المحمّلة بعداوات التاريخ، والتعميم الخطأ للمواقف والتصرفات الشاذة لا يمكن أن تجني منها المجتمعات إلاّ الكراهية وفقدان الثقة بالآخر. التاريخ مضى، وهو في ذمة أصحابه، تُستقى منه العبر والدروس ولا يُلزِم الناس بمواقف.
نود في الختام الإشارة إلى أن مجتمعاتنا الإنسانية – وليس فقط مجتمعنا السوري – تمر في عصرنا المضطرب بسياقات اجتماعية وسياسية سريعة التغير، ولا نبالغ إن قلنا إنها أقرب للاضطراب. وإن تحقيق العيش المشترك في مثل هذه الظروف يتطلب متابعة واعية وصادقة من جميع الأطراف، فيسددون ويقاربون بصورة عملية ومستدامة، ملتزمين بإنجاح عملية العيش المشترك.
وإن المتأمل لمختلف الأزمات التي تهدد دولتنا الحديثة، يزداد اقتناعاً بضرورة التعاون بين جميع مكونات الشعب السوري لضمان الأمن المجتمعي وبناء عيش مشترك ينعم به أبناؤنا بالأمان والاستقرار؛ وهو تعاون يجب ألاّ يقوم فقط على التسامح والاحترام والنوايا الحسنة، بل على الالتزام بالحقوق والواجبات والحريات التي تكفلها القوانين وتضبطها الدولة، مستصحبين ذلك بسلوك حضاري يُبعد كل أنواع التعصب والاستعلاء.
حفظ الله سورية أرضاً وشعباً ودولة…
جماعة الإخوان المسلمين في سورية
18 / 10 / 2025 م
—————————–
إخوان سورية وبرنامج العيش المشترك/ حسام أبو حامد
21 أكتوبر 2025
في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، لا تسير إعادة تشكيل النظام السياسي السوري نحو تعدّدية جدّية، بل نحو رسملة جديدة على خطاب الشرعية والسيطرة. وفي هذه اللحظة الرمادية، يحاول إخوان سورية البحث عن موطئ قدم لهم في المشهد الجديد. وتأتي وثيقة جماعة الإخوان المسلمين، “العيش المشترك” (السبت الماضي)، ردّاً متأخّراً (وإن غير مباشر) على دعوة المستشار الرئاسي أحمد موفق زيدان لحلّ الجماعة (قبل نحو شهرَين)، في مشهد سوري تتناقص فيه فرص الفعل السياسي لحساب السيطرة، وتُحتكَر فيه الشرعية خلف واجهاتٍ مدنيةٍ هشّة. سعت الجماعة إلى إعادة تقديم نفسها فاعلاً سياسياً في الداخل السوري، وفي الوقت نفسه، توجيه رسالة إلى المجتمع الدولي بأنها لم تعد تنظيماً أيديولوجياً مغلقاً.
وثيقة إخوان سورية، التي تجنّبت توجيه انتقادات مباشرة للسلطة الجديدة، غابت منها المفردات التقليدية، مثل “الشريعة” و”الحاكمية”، لتحلّ محلّها لغةٌ مدنيةٌ تتحدّث عن الديمقراطية، المواطنة، سيادة القانون، تجريم الكراهية، حرّية الاعتقاد، وتمكين المرأة… ذلك كلّه بدا قطيعةً مع مشروع الدولة الإسلامية الذي اقترن باسم الجماعة. غير أن الوثيقة، رغم لغتها المتقدّمة (كما وثيقة العهد العام 2012)، افتقرت إلى بنية برامجية حقيقية: لا رؤيةَ اقتصاديةً، ولا خطّةَ اندماج مجتمعي، ولا تصوّرَ للعلاقة مع السلطة أو الإقليم. بدت إعلانَ مبادئ أكثر منها برنامجاً سياسياً ناضجاً.
هل يسعى إخوان سورية إلى تأسيس حضور سياسي حديث، أم إلى تدوير حضورها الرمزي في انتظار لحظة إقليمية أو دولية قد لا تأتي؟… يصعب فصل الإجابة عن طبيعة المرحلة السياسية ما بعد سقوط الأسد، فسلطة الأمر الواقع، بقيادة أحمد الشرع، لا تتيح حتى الآن حيّزاً حقيقياً للمشاركة السياسية. من هنا، تمكن قراءة وثيقة “الإخوان” محاولةً لتأكيد الوجود، لا لتأسيس واقع سياسي جديد. فالجماعة التي تتجنّب التصادم المباشر تدرك أن التنازل الكامل عن الفعل السياسي يعني ذوبانها. في المقابل، ترى السلطة أن السماح بعودة الجماعة إلى المجال السياسي يهدّد توازنها الأيديولوجي. وهكذا نشهد معادلة شديدة الهشاشة: علاقة تكتيكية، متوترة، قائمة على اللاثقة واللاحسم، وأيّ تقارب مستقبلي سيكون محكوماً بميزان الردع، لا بصفاء الشراكة. الوثيقة كذلك أقرب إلى نصّ أخلاقي عام منه إلى برنامج سياسي. فلا حديث عن العدالة الانتقالية، ولا عن آليات العمل السياسي أو شكل التنظيم المقبل، ولا حتى عن مراجعات جدّية لتجربة الجماعة. يعزّز هذا النقصُ الانطباعَ بأننا أمام تكيّف لغوي، لا تحوّل بنيوي.
ولم تُنتج الجماعة نخباً جديدة منذ عقود، إذ شلّها القمع والمنفى وانقطاعها عن الداخل، وظلّت بنيتها التنظيمية أسيرة منطق الجماعة المغلقة. وحتى حين غيّرت خطابها، فعلت ذلك من دون مساسٍ بالجوهر، فرغم القطيعة الشكلية مع خطاب الحاكمية، لا تشير الوثيقة إلى أيّ مراجعة فكرية حقيقية تقطع مع خطاب التنظيم العالمي، أو تفصل بين الدعوي والسياسي، كما فعلت مثلاً حركة النهضة في تونس.
قد يبقى العامل الخارجي مُحدِّداً أساساً في فرص عودة الجماعة، بعد تراجع ما تبقى لها من دعم إقليمي تقليدي لمصلحة هيئة تحرير الشام وفصائل التيار السلفي، مع تحالفاتٍ جديدةٍ تشكّلت قبيل إسقاط النظام، وهذا يضع الجماعة أمام خيار وحيد: التحوّل إلى حزب مدني فعلي ببنية شفافة وبرنامج واضح وخطاب وطني قابل للتنفيذ. لا يكفي أن تتبنّى القيم الكونية نظرياً، بل يجب أن تترجمها في مؤسّسات وأشخاص وتحالفات، وإلا فإن سيناريو التلاشي سيكون أكثر واقعيةً. لكنّ فرصةً (وإن ضئيلة) لا تزال قائمةً، شرط أن تفكّر الجماعة في ما بعد التنظيم، وأن تستثمر ما تبقّى من إرثها في بناء سياسي جديد. فالحركات التاريخية، مثل الدول، لا تُمنح مكانة رمزية بالوراثة، فإمّا أن تجيب عن أسئلة الواقع بصيغة الحاضر، أو تُمحى من الذاكرة السياسية مهما عَظُمَ إرثها.
أمّا الإقصاء السياسي الذي تمارسه سلطة دمشق عموماً، وبحقّ إخوان سورية أيضاً، فهو خيار قصير النظر، فالدولة التي تنشأ على إلغاء الخصوم (تضمّنته دعوة زيدان) لا تبني شرعيةً مستدامة، بل تعيد إنتاج الاستبداد بصورة محدّثة. والمطلوب في المحصلة عقد اجتماعي جديد يتيح مشاركةَ كل من يلتزم بالمواطنة والدستور، لا بمنظومة الولاء والطاعة.
العربي الجديد
———————————
“الإخوان” يقدّمون مشروعاً لسلطة لا مشروع لها/ عمر قدور
الثلاثاء 2025/10/21
سبق لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا توضيحَ موقفها من السلطة الجديدة، باعتبار الجماعة تنطلق من موقع “الداعم الناصح الأمين”؛ هذا ما ورد مثلاً في بيان للجماعة بتاريخ السابع من آب الفائت، كان فحواه الرئيس كيفية التعامل مع المسألة الطائفية في سوريا. آنذاك، عقب البيان، طالب مقرَّبون من السلطة وأنصارٌ لها بأن تحلّ الجماعة نفسها، وأن ينضوي بعض أفرادها ضمن السلطة الجديدة. إلا أن الجماعة لم تبارح موقفها، بل قررت تعزيزه برؤية أوسع، وهو ما يُقرَأ في “وثيقة العيش المشترك في سورية-رؤية جماعة الإخوان المسلمين في سوريا”، الصادرة بتاريخ 18/10/2025.
لا يقترن إعلان الوثيقة بحدث ساخن، لكنه بالتأكيد معطوفٌ على المجازر التي حدثت في الساحل ثم في السويداء، وآثارها البليغة على صعيد العيش المشترك في سوريا. اليوم هناك أصوات صريحة تَجهر بعدم إيمانها بإمكانية التعايش بين السوريين، على الأقل ما بقيت السلطة الحالية في الحكم. وهناك أيضاً كثر من الذين يعتقدون أن السلطة، بقواها ونهجها المعروف، لن تُقدِم على خطوات دراماتيكية تزرع الثقة وتمهّد لمصالحة كبرى، وكثر يعتقدون أنها غير قادرة على ذلك، إذا كان البعض منها راغباً في فعله.
من هذه الزاوية تأتي وثيقة الإخوان لتقدِّم الإطار النظري، متعيّناً بمرجعية إسلامية واضحة، من أجل العيش المشترك، وإقامة التوازن بين المواطنة وحقوق الجماعات، مع إقامة نظام ديموقراطي تداولي. الجماعة لا تتحرّج من استخدام كلمة الديموقراطية، ولا تتحاشاها قدر المستطاع كما يفعل قادة السلطة، وهذا ليس الدرس الوحيد الذي تقدّمه الوثيقة، فهي تستعرض “الأسس الشرعية للعيش المشترك”، بدءاً من “احترام الآخر والاعتراف به”، مروراً بوجوب ألا تتأثر أخلاق التعامل بالاختلاف الديني، وبأن العدالة والتعاون هما معيار الحقوق والواجبات في التعامل بين المختلفين، وصولاً إلى كون التعاقد هو الركن الأساسي في بناء الدولة.
بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع الإخوان، أو مع ما ورد في وثيقتهم، فهُم يقدّمون وثيقة متكاملة، يجوز على الأقل اعتبارها نواة لرؤية سياسية أوسع. على أرضية الوثيقة يمكن الدخول في نقاش مع الجماعة، والاتفاق أو الاختلاف معها في هذا البند أو ذاك. أما في المغزى المباشر فلا مغامرة في القول إن الوثيقة تمدّ سُلّماً عقائدياً للسلطة كي تصعد من البئر الذي سقطت فيه، خصوصاً في آذار وتموز الماضيين.
بتعبير رمزي، تظهر الجماعة كأب ذي خبرة وحنكة، ينصح ابنه الضال. ولا مغامرة تالياً في الظنّ أن الابن الضال لن يكترث بنصائح الأب، لا من موقع الضلال، وإنما من موقع وعي السلطة لما تفعل، ولو جزئياً. ومن المستحسن الانتباه والتفكير في أنها لا تملك مشروعاً بالمعنى الذي يحاول الإخوان تقديمه، ولا تسعى إلى امتلاك مثل هذا المشروع.
من المفهوم أن هيئة تحرير الشام حكمت إدلب من موقعها الجهادي، حيث تضافرت كالمعتاد الرؤية المتطرفة مع المظلومية السنّيّة. كان ذلك كافياً لحكم إدلب الصغيرة، مع وجود شبح الانتقام الأسدي، من دون أن يعني رضى أهالي إدلب عن توجهات الهيئة أو أسلوبها في الحكم. في كل الأحوال، الأمر مختلف جداً مع حكم سوريا، مختلف داخلياً وخارجياً، وإذا كان قادة السلطة يتفاخرون بأنهم كانوا يعدّون أنفسهم للحظة إسقاط الأسد، فمن المؤكد أنهم “نسوا” ضمن هذا الإعداد تجهيز مشروع لحكم سوريا.
في الواقع يندر أن تحكم سلطة ما بلداً بلا مشروع تحمله، فتتنوع المشاريع بين ما هو أيديولوجي صارم وما هو إداري واقتصادي يعكس توجهات فكرية أيضاً… إلخ. وحدها الأنظمة الوراثية بقيت بمنأى عن هذا الشرط، إلا أن معظم الورثة في العصر الحديث لم يعودوا يكتفون بوراثة المُلْك، وراحوا يقدّمون أنفسهم أصحاب رؤى تختلف عن أسلافهم، ليكتسبوا تميّزاً عنهم ومشروعيةً شخصية تتعدّى الوراثة.
في التجربة السورية نفسها يمكن ملاحظة تقدّم المشروع القومي أثناء سنوات الاستقلال الأولى، على حساب تجربة ليبرالية متعثّرة، وآل المشروع إلى وحدة فاشلة مع مصر، أعقبها الانفصال الذي حمل نزوعاً وطنياً، ثم أُجهِض بانقلاب البعث. قدّم حافظ الأسد نفسه صاحب مشروع تصحيحي ضمن البعث نفسه، ثم اقتبس عدّته التفصيلية من التجارب السوفيتية، ويصحّ القول إنه ظهر كرجل سلطة بلا أي مشروع مع ظهور فكرة التوريث إلى التنفيذ والعلن، ولإنقاذ السلطة من غياب المشروع اختُرعت للوريث رؤى تميّزه عن الأب.
من موقعها كسلطة انتقالية، ليس مطلوباً منها تقديم مشروع وفق المفهوم التقليدي، إلا أن المطلوب بالتأكيد هو تقديم مشروع مطابق للوضعية الانتقالية. إذ يتوجّب عليها تقديم رؤيا للإجراءات ولمراحل الانتقال السياسي، خلال السنوات الخمس، إلى نظام ديموقراطي تداولي. وفيما يخص السلم الأهلي والعدالة الانتقالية، فهي مطالبة بخريطة طريق تحافظ على الأول مع الشروع في الثانية التي تتطلب وقتاً أطول. الأمر نفسه ينطبق على المستويات الإدارية والاقتصادية، حيث يجب أن تتوافر الحساسية والدقة بين ما يستلزم إصلاحاً سريعاً وبين ما يُترك أمره لسلطة منتخبة وبرامج سياسية تُطرح في حينها بين المتنافسين.
توشك السنة الأولى من المرحلة الانتقالية على الانتهاء، ولم تطرح السلطة مشروعاً ضرورياً لتدشين مرحلة سياسية فعلية، فهي لا تزال تستفيد من إعلان الانتماء إلى الثورة، ومن فكرة التحرير كما تُسوَّق عاطفياً، ومن المظلومية السنّيّة التي تُستعاد بوفرة لتبرير كل ما تفعله اليوم؛ أيضاً مع تدنّي الانتباه إلى عدم جواز اجتماع المظلومية والسلطة معاً، إذ يُفترض أن تكون الأولى قد استهلّت طور الاستشفاء. وبعد مرور هذا الوقت لا مؤشرات على أن السلطة في طور الإعداد لمشروع من هذا القبيل، ما يُرجِّح كونها لا تريده، أكثر من كونها عاجزة عنه.
حتى الآن تستفيد السلطة من حالة اللايقين، فلا ضغوط تستعجلها للخروج إلى الوضوح المعبَّر عنه بمشروع يلزمها قبل إرضاء الآخرين. بعبارة أخرى، لا تريد إلزام نفسها بأي التزام، ولو كان من وضْعها. بل من المرجَّح أن حالة عدم اليقين متعمَّدة، ولو عبّرت أولاً عن تخبُّط البدايات. فاليوم، وعلى معظم الأصعدة، يمكن العثور على الشيء ونقيضه، ما يعطيها مساحة مريحة من المناورة، ثم التملّص من تبعات أي فعل. وهي بهذا لا تتهرّب من تبعات الأفعال بالمعنى المباشر فحسب، بل تتهرّب من تبعات السجال السياسي، وتعيق وجوده أصلاً، إذ لا يقوم حوار جاد وحقيقي مع طرف لا يعرِّف نفسه مفاهيمياً.
ليست المسألة أن تقبل السلطة أو لا تقبل بوثيقة الإخوان، بل هي في المراهنة على الاستمرار بلا ضوابط ما دام ذلك متاحاً، وما دامت هناك شريحة واسعة تضع اللايقين في مرتبة المرونة والشطارة السياسية. الاستمرار على هذا النحو يجعل المرحلة الانتقالية ضمن أضيق فهْمٍ لها، إذ يكون الانتقال من عهد الأسد، أما إلى أين، فلا أحد لديه جواب.
المدن
————————–
وثيقة العيش المشترك في سوريا.. هل أضمرت رسائل سياسية؟/ حسن النيفي
2025.10.21
أصدرت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا يوم السبت 18 من تشرين الأول الجاري وثيقة بعنوان “وثيقة العيش المشترك في سوريا”، تتضمّن رؤية الجماعة لنواظم الدولة السورية بعد سقوط نظام الأسد.
وتستقي الوثيقة مشروعية صدورها من حالة التصدّع والتشظّي التي باتت تهدّد أسس العيش المشترك في سوريا، وذلك بفعل الحكم المديد للدكتاتورية التي حكمت البلاد قرابة ستين عامًا. بل إن الخشية من حالة الانهيار المجتمعي باتت تجسّد التحدّي الأكبر أمام العقلاء والنخب المجتمعية، وفقًا للوثيقة التي أشارت إلى أن من أبرز تداعيات هذا التصدّع هو ظهور خطاب يعزّز الانقسام المجتمعي ويترك آثارًا سلبية على سائر الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد.
حرصت الوثيقة في فقرة مكثّفة على أن توجز تصورًا تحرص جماعة الإخوان المسلمين على تصديره، من خلال التأكيد على أن سوريا دولة ديمقراطية قائمة على التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة
وانطلاقًا من الشعور بالمسؤولية في مواجهة تحدّي الانقسامات المجتمعية، تتوجه الوثيقة إلى السوريين جميعًا بمجموعة من الأسس التي تعتقد أنها تجسّد حوامل مناسبة وضرورية لتجاوز الأزمة الراهنة، ولعل أبرز هذه الأسس:
الأسس الشرعية: وتتضمّن التأكيد على وحدة الأصل الإنساني التي توجب الإقرار بتساوي جميع البشر من حيث الحقوق والواجبات، ذلك أن اختلاف الناس في أعراقهم وأديانهم لا ينبغي أن يحول دون التعارف، وأن التقوى هي المرجعية الأصل للكرامة الإنسانية، وفقًا لما جاء في الوثيقة.
العيش المشترك: الذي يقوم على جملة من الأمور أهمّها احترام الآخر والاعتراف به والتعامل معه، انطلاقًا من أن الاختلاف بين البشر سنّة كونية، وبالتالي يصبح التعامل مع الآخر المختلف وفقًا لمعايير إنسانية تحفظ الكرامة والحقوق للجميع، بحسب الوثيقة.
العدالة: وهي أهمّ القيم الإنسانية على الإطلاق، والتي لا يمكن حصر تجلياتها في مكوّن محدّد، بل هي ذات صفة عامة وشمولية.
التعاون: ويعني العمل مع الآخر من أجل المصالح المشتركة، ولو أن هذا الآخر كان من المختلفين، ذلك أن التنوع الثقافي والديني لا يبرر الصراع والصدام، بل ينبغي أن يدفع إلى إقامة شراكة وتواصل وتعارف يجعل من التنوّع جسراً نحو مصالح المجتمع، وفقًا لما تضمنته الوثيقة.
إلى ذلك، لم تغفل الوثيقة الدور المناط بالدولة فيما يخص مسألة التعايش المجتمعي، إذ يتوجب على الدولة في هذه الحال تأمين الإطار القانوني لتوفير الأمن وحماية الحقوق والحريات وحماية قيم العدالة، فضلًا عن دعم سياسات المواطنة وضبط التجاوزات على القيم الإنسانية. كما أشارت الوثيقة إلى ضرورة مشاركة منظمات المجتمع المدني في إرساء مفهوم التعايش، من خلال المساهمة في بناء الهوية الوطنية، ومبادرات اجتماعية وثقافية وفنية أخرى.
كما حرصت الوثيقة في فقرة مكثّفة على أن توجز تصورًا تحرص جماعة الإخوان المسلمين على تصديره، من خلال التأكيد على أن سوريا دولة ديمقراطية قائمة على التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، وإلغاء المحاكم الاستثنائية، وضامنة لحرية الاعتقاد وتجريم خطاب الكراهية، وتكفل حق تشكيل الأحزاب السياسية وحق المواطن في المشاركة السياسية.
وبعيدًا عن تقييم ما تضمنته الوثيقة، فإن صدورها في هذا التوقيت يحيل إلى أكثر من تساؤل. يفصح أولها عن رغبة الإخوان المسلمين في تقديم رؤية متكاملة للحكومة الحالية، تكون بمنزلة خارطة طريق للمرحلة الانتقالية. أمّا السؤال الثاني والأهمّ، فيُضمر رغبة الجماعة في الردّ غير المباشر على الدعوة التي طالبت جماعة الإخوان المسلمين بحلّ نفسها، تلك الدعوة التي تضمنتها مقالة السيد أحمد موفق زيدان، المستشار الإعلامي لرئيس الجمهورية، والتي نُشرت على موقع الجزيرة نت بتاريخ 25 آب 2025.
وتكمن حساسية تلك المقالة في كونها نُشرت بعد أيام قليلة من تعيين السيد زيدان مستشارًا إعلاميًا، الأمر الذي جعل كثيرين يعتقدون أن دعوة المستشار تحمل في طياتها موقفًا للسلطة الجديدة من جماعة الإخوان المسلمين، وأن هذا الموقف ربما حمل رسالة اطمئنان واسترضاء في آنٍ معًا لجهات دولية وإقليمية لا تبدي قبولها لأي نشاط مستقبلي للجماعة. وثمة من رأى في دعوة المستشار موقفًا واضحًا للسلطة الحالية يقضي بعدم قبول جماعة الإخوان المسلمين كطرف فاعل في السياسة السورية، بسبب المرجعية المشتركة بين الإخوان وهيئة تحرير الشام، إذ على الرغم من الخلافات الكثيرة بين الجانبين – من الناحية الفكرية والسياسية – إلا أن وحدة الإطار العام للمرجعية الإسلامية تعني أن ثمة من ينافس أو يزاحم السلطة على أرضية أيديولوجية واحدة، وهذا ما لا تريده السلطة.
على أية حال، وسواء أكانت دعوة السيد أحمد زيدان شخصية أو أنها تعبّر عن توجه حكومي مستقبلي، فإنها أثارت المزيد من الريبة، ولم تلقَ إلا زيادة من الحذر والشك لدى شرائح واسعة من السوريين، إذ رأى فيها كثيرون أنها لا تُضمر موقفًا حيال جماعة الإخوان المسلمين فحسب، بل تجسّد إرهاصًا أوليًا عن موقف الحكومة الحالية من العمل الحزبي في سوريا الجديدة.
فضلًا عن أن الدعوة إلى حل جماعة الإخوان المسلمين تعني استهدافًا لكيان سياسي يرى ذاته من أكثر الكيانات السياسية عراقةً ومشروعيةً في سوريا، فضلًا عن إرث حافل بالمواجهات مع نظام الأسد أفضت إلى تضحيات هائلة منذ أواخر السبعينيات في القرن الماضي. إذ ليس بمقدور الإخوان المسلمين تجاهل السؤال الداهم للأذهان على الدوام: لماذا يُتاح للأحزاب ذوات المرجعيات التقليدية الأخرى (ماركسية – قومية) استمرار العمل والنشاط، في حين تُحرَم جماعة الإخوان من هذا الحق، علمًا أنها تؤكّد على الدوام التزامها بمبدأ رفض العنف والتداول السلمي للسلطة، والالتزام بآليات العملية الديمقراطية كالانتخابات النزيهة، وحق تمثيل المرأة، واحترام الدستور؟
ما هو راجح أن دعوة المستشار الرئاسي أحمد زيدان إلى حل جماعة الإخوان المسلمين تبقى غائمة، ولا يمكن الجزم في كونها دعوة شخصية من صاحبها أم أنها جاءت متماهية مع توجه حكومي لم يتم الإفصاح عنه بعد. وبناءً على ذلك، يمكن النظر إلى “وثيقة العيش المشترك” باعتبارها ردًّا صريحًا على ما جاء في مقالة زيدان، ولكن بطريقة أكثر عمومية ووضوحًا في آنٍ معًا.
تلفزيون سوريا
—————————————-
تعليقًا على وثيقة الإخوان المسلمين في سورية/ د. مخلص الصيادي
أكتوبر 21, 2025
أولا: مدخل في أهمية الوثيقة
في وثيقة أصدرتها السبت 18 / 10 / 2025 جماعة الإخوان المسلمين في سوريا بعنوان “وثيقة العيش المشترك في سوريا”، عرضت الجماعة رؤيتها للوضع في سوريا راهنا ومستقبلا، وقد وضعتها تحت ستة عناوين بدأتها بتمهيد استعرض الواقع السوري وأهمية العيش المشترك، ثم انتقلت لعرض ما تراه أسسا شرعية للعيش المشترك، واستعرضت دور الدولة في ترسيخ العيش المشترك ومن ثم دور منظمات المجتمع المدني ترسيخ العيش المشترك وتوقفت عند معايير تقييم وقيم تعضد العيش المشترك، قبل أن تنتهي إلى خاتمة تذكر فيها انها توجه هذه الوثيقة إلى الشعب السوري بكافة مكوناته في هذه المرحلة المضطربة عالميا تطلعا إلى مشاركة تثمر بناء مجتمع على قاعدة من العيش المشترك، وتولد الأمن والأمان والاستقرار لمجتمعنا ولأبنائنا.
الوثيقة التي تقع في ست صفحات هي أول وثيقة شاملة تطرحها الجماعة على الحياة السياسية والاجتماعية في سوريا منذ سقوط العهد الأسدي البائد.
وهي وثيقة مهمة لسببين اثنين على الأقل:
السبب الأول: صدورها عن جماعة الاخوان المسلمين، التي تعتبر قوة رئيسية في تيار “الإسلام السياسي”، وكان لها في تاريخ سوريا السياسي الحديث مكانة وتأثيرا، وما زال، وقد لعبت الجماعة دورا مركزيا في تاريخ الصراع مع النظام الأسدي البائد وكانت مواجهات حماة 1964، ومذابح حماة 1982 من أبرز محطات المواجهات العسكرية بين الإخوان المسلمين والنظام الأسدي، وقامت الجماعة بدور مهم في التأثير على مسار المعارضة السياسية بعيد استلام الأسد الابن السلطة وراثة عن أبيه، قبل تفجر الثورة الشاملة عام 2011، وذلك من خلال مساهمتها غير المباشرة في ولادة “إعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي” في تشرين الأول / أكتوبر 2005، وانحيازها لاحقا للتحالف مع عبد الحليم خدام المنشق عن نظام بشار الأسد، وتشكيل جبهة الخلاص الوطني في يونيو / حزيران 2006، ثم عبر سنوات الثورة كلها بأدوارها السياسية في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية ، وفي الحراك والفصائل العسكرية، وإن الكثير من مكونات التيار السياسي الإسلامي الذي بات الآن يحكم سوريا، بعد أن تمكن من إسقاط نظام الأسد تتغذى من نهر هذه الجماعة. وبالتالي فإن ما تعرضه من رأي له قيمة نابعة من قيمتها الجماعة نفسها، ومن دورها في تاريخ العمل السياسي في سوريا.
السبب الثاني: يتصل برؤية وطنية خاصة ترسخت خلال سنوات طويلة في سوريا وعلى المستوى العربي، قبل أن تهتز هذه الرؤية بدواعي الانهيارات السياسية التي واجهتها مجتمعاتنا وقواها السياسية، عقب الربيع العربي، وعقب انكشاف الآثار المدمرة للتدخل الإيراني الطائفي في سوريا، وتذهب هذه الرؤية إلى أن راهن الأمة العربية بمختلف شعوبها في حالة انكفاء وتراجع، وأن مشروعها الحضاري مهزوم، وأن فرص استعادة قدرتها ومبادرتها مرتبط بإعادة بناء “الكتلة الاجتماعية الرئيسية” لهذه الامة التي يقع على عاتقها النهوض بمشروعها الحضاري، وهي الوحيدة القادرة على ذلك، وأن أساس هذه الكتلة الرئيسية يقوم على التقاء تياري “العروبة والإسلام” في حركة عامة واحدة.
ونحن في سوريا الراهنة، في أمس الحاجة إلى بناء هذه الكتلة الاجتماعية التاريخية لتحمل عبء بناء سوريا بعدما تركها النظام الأسدي ركاما قد تشوهت معالمه الحضارية، وبنيته الاجتماعية، ووحدته الجغرافية.
ولهذه الحاجة الوطنية، ولذلك الدور والمكانة المؤثرة لجماعة الإخوان المسلمين، فإن التفاعل مع رأيها ومشروعها ضرورة وطنية لا يجوز إغفالها.
ثانيا: قراءة في بنية الوثيقة
1ـ وضعت الوثيقة تحت عنوان ” وثيقة العيش المشترك في سوريا”، ولا أظن أن العنوان موفق رغم أنه يستجيب لكثير مما يُتداول اليوم على الساحة السورية، فمفهوم العيش المشترك، ينطلق من قاعدة الاختلاف، حينما تلتقي مع ضرورات الاجتماع، هذا اللقاء يولد السعي لتثبيت كل ما يمَكٍن هذه الجماعات المختلفة من توفير أسس العيش المشترك، وهذا المنطق يستجيب لرؤية قوى في سوريا تولدت نتيجة ممارسات أسدية على مدى ستين عاما، وهي تحمل مشروعات خاصة لوجودها ومستقبلها.
لكن ليس هذا حال السوريين الذين خاضوا معركة لم تتوقف ضد نظام الأسد الأب والابن، وكانت المعركة الأخيرة الممتدة لثلاثة عشر عاما، لا شبيه لها في أي دولة أو مجتمع في العصر الحديث.
عنوان “العيش المشترك” لا يعبر عن شعار” الشعب السوري واحد” الذي كان الشعار المتصدر دائما للثورة السورية. وهذا العنوان يحمل في طياته اعترافا ضمنيا بأحد أهم أسس النظام الأسدي وهو انقسام المجتمع السوري إلى طوائف، وأعراق.
والبديل عن هذا الشعار هو الدعوة إلى بناء سوريا على قاعدة “دولة المواطنة”، ودولة المواطنة بطبيعتها دولة توفر المساواة والعدل وتكافؤ الفرص بين كل المواطنين، فلا يكون التمييز بينهم على أساس العرق، أو الدين، أو المذهب، أو العشيرة والمنطقة، وإنما على أساس “الكفاءة والحاجة”.
ولعل من المناسب هنا أن نسترجع السؤال المركزي:
لماذا ثار السوريون على النظام الأسدي؟
هل لأن الأسد الأب والابن كان علويا؟
هل لأن السوريون حكموا عليه بالكفر؟
هل لأنه رفع شعارات اجتماعية ووطنية يرفضها شعبنا؟
الجواب على هذا السؤال يتيح لنا تحديد قاعدة بناء الدولة السورية الجديدة.
بالتأكيد ليس لهذه الأسباب ثار الشعب السوري، وإنما جاءت هذه الثورة المستمرة والعظيمة لأن النظام الأسدي كان على مدى ستين عاما وبشكل تصاعدي نظاما “طائفيا مستبدا فاسدا ومن ثم إرهابيا قاتلا”.
لقد أقام ذلك النظام كل سياساته على هذه القواعد، السياسات الاقتصادية والتربوية والدينية، وسياسة الابتعاث، والجيش، والأمن، والقضاء، وتوزيع الثروات، أعطى من أراد واختار من مكونات المجتمع ما أعطاها انطلاقا من هذه النظرة، وبما يحقق له الهيمنة الكاملة على مختلف مظاهر الحياة في بلادنا، ونتج عن هذه السياسات إعادة تشكيل المجتمع على نحو مشوه، مشدود كله بالترهيب والترغيب إلى قمة الهرم الطائفي المستبد والفاسد، وحينما نفذ صبر الناس وتفجر الوضع استخدم كل المكونات التي حباها بامتيازاته لتشاركه في جرائم التصدي للحراك الشعبي، وليرتكب معها وعبرها ما ارتكب من جرائم. وكان هو ومن شاركه جرائمه ـ من مختلف المكونات ـ طائفيون فاسدون حتى العظم.
ولقد جاء الرد الشعبي على هذا النظام صافيا دقيقا وحاسما” الشعب السوري واحد”.
نحن الآن في سوريا نريد أن نقيم نظاما لا طائفيا، ولا مستبدا، ولا فاسدا، نظاما يعتمد الشرعية الشعبية، وهذا هو ” نظام المواطنة” الذي نتطلع اليه.
لو كان الأمر لي لجعلت عنوان الوثيقة ” مشروع وثيقة جامعة لإقامة دولة المواطنة”.
صحيح تحدثت الوثيقة في الفقرة الخامسة عن مبدأ المواطنة، لكنها جعلته جزءا من التعريف بسورية الديموقراطية، وهي بذلك جعلته فرعا وليس أصلا، والحق أن مفهوم ” المواطنة” أصل تقوم عليه الدول والشعوب، يحفظ وجودها، ويحقق العدل والتكافؤ والتعاضد بين أبنائها، ومن هذا المبدأ تتفرع الكثير من القيم الأخرى الضرورية لبناء المجتمع.
2ـ بشكل عابر أشارت الوثيقة في الفقرة الأولى من البند الثالث الذي يتحدث عن “دور الدولة في ترسيخ العيش المشترك ” حين تعرض إلى دور منظمات المجتمع المدني في ترسيخ العيش المشترك إلى مفهوم الهوية، هوية المجتمع السوري، معتبرة ان “عملية بناء الهوية السورية قد يكون بالدرجة الأولى من واجب الدولة”، لكن الوثيقة لم تتطرق الى مفهوم هوية المجتمع السوري، وهي وثيقة مطروحة لبناء المجتمع السوري؟ ما مفهوم الهوية الذي تريد لهذا المجتمع؟ لقد غاب عن الوثيقة تعريف هوية المجتمع السوري، وغياب التعرف بهوية المجتمع الذي نريد نقص معيب في بناء هذه الوثيقة.
هناك من المفكرين والسياسيين من يطالب بشطب مفهوم الهوية، واعتباره معيقا لبناء المجتمعات الحديثة، لكن نحن نعتبر أن تحديد هوية المجتمع يمثل الخطوة الأولى في البناء الاجتماعي، وفي تحديد اتجاه التطور لهذا المجتمع، ويساهم في عمل مؤسساته.
نحن نؤمن أن الهوية ليست نتاج بحث فكري، ولا تخضع للإيديولوجيا، والرأي السياسي، وإنما هي نتاج حركة بناء تاريخي مر بها المجتمع على مدى مئات، وقد يكون آلاف السنين، نجم عنها هذا المجتمع الذي نرى.
وكل حديث غامض عن هوية مجتمع ما هو إلا الخطوة الأولى في التلاعب ببنية هذا المجتمع، تمهيدا لتخريب هذا المجتمع وتمزيقه.
والهوية تختصر وتكثف”العناصر المشتركة” التي سمحت بقيام هذا المجتمع، وبالعيش المشترك بين أبنائه، وببقائه على مدى التاريخ المنظور.
وحين نقول إن الهوية تختصر وتكثف العناصر المشتركة لمكونات هذا الشعب فإن العبارة دقيقة جدا، إذ هي تنفي التطابق بين هذه المكونات، وتنفي في الوقت نفسه التصادم بين هذه المكونات، وتثبت التنوع الذي يغني هذه الهوية ويزيد من تألقها وفاعليتها.
ونحن نرى أن الهوية السورية تقوم على عناصرها الثلاثة: “العروبة، والإسلام، والتنوع”، والحفاظ على مكونات هذه الهوية هي الوظيفة الأساسية لأجهزة الدولة، وما عداها من وظائف يمكن النظر إليها من منظور البرامج السياسية التنافسية بين القوى السياسية والاجتماعية لتوفير ما يعتقد أنه الأفضل لمستقبل هذا المجتمع.
لا يجوز الخلاف على هوية المجتمع، وأول وأهم مؤشرات الخطر الذي يتعرض اليه المجتمع أن يتم التشكيك بهويته، ولعلنا عايشنا هذا الخطر عيانا ونحن نتابع فعل الاستعمار الفرنسي للجزائر، وقد وضح مسعاه في التشكيك، بالإسلام، والعروبة والتنوع العرقي المكون للمجتمع الجزائري، وقد عمل على مدى عقود متصلة لتفكيك عرى هذه العناصر المكونة للهوية الجزائرية، وجعلها متناحرة يهدم بعضها بعضا. وما فعله الاستعمار الفرنسي في سوريا ـ إبان مرحلة الانتداب ـ في محاولة إقامة خمس كيانات سياسية على أساس مذهبي بدل سوريا الموحدة نموذج آخر للعبث في بنية المجتمع.
لقد جعلت الوثيقة من وظائف منظمات المجتمع المدني ” المساهمة في بناء الهوية السورية المشتركة”، كيف يمكن لهذه المنظمات القيام بهذه المهمة ما لم نحدد سلفا ماهية هذه الهوية؟
3ـ الدين والدولة: وهذه المسألة من أهم ما يجب أن يتحدد في طبيعة الدولة المنتظرة، ولقد خصت الوثيقة فقرة كاملة لتبيان الأسس الشرعية للعيش المشترك، وبسطت رؤيتها في نقاط عدة، لكنها رغم ذلك تجنبت تحديد العلاقة بين الدين والدولة.
نحن نتطلع إلى دولة مدنية، بمعنى دولة تأخذ السلطات فيها مشروعيتها من “إرادة الناس”، وتتصرف نيابة عنهم، ولا تأخذ مشروعيتها من رب الناس، ولا تتصرف نيابة عنه، وبالتالي فإن الناس هم من يحاسب هذه السلطات، وهذا وفق الآليات المعروفة في مفهوم الديموقراطية.
السؤال هنا يتصل بمسؤولية الدولة تجاه الاحتياجات الدينية للمجتمع، هل تُخرج نفسها من المسؤولية؟ هل تقف على الحياد؟ ما هو موقف الدولة من المسألة الدينية في هذا السياق؟
مهم جدا تحديد هذا الدور للدولة، والدولة هنا تعني “المؤسسات والبرامج والميزانيات والقوانين”؟، أين تقف الدولة في كل هذا؟
هل تعتبر الدولة نفسها ممثلة لطائفة محددة، لدين محدد، ولمذهب معين؟
يمكن الخوض طويلا في غمار الجواب على هذه التساؤلات لكن باختصار نذهب الى القول إننا من المؤمنين بأن “الدين” حاجة رئيسية في الوجود الإنساني الفردي والمجتمعي، وأن وظيفة الدولة يجب أن تكون دائما، ودون أي انقطاع ملبية لاحتياجات “المجتمع” من المسألة الدينية.
الحديث هنا ليس حياد الدولة، ولا المساواة في التعامل مع أديان ومذاهب المجتمع، وإنما الحديث عن تلبية الدولة لاحتياجات أبناء الوطن إزاء معتقداتهم وتشريعاتهم وواجباتهم والتزاماتهم الدينية، بما يعزز سلامهم واستقرارهم الداخلي الذاتي، ويعزز أيضا السلام والأمن الاجتماعي. وقد حددت الفقرة السابقة هوية المجتمع بعناصرها الثلاثة، فيكون واجب الدولة ودورها تعزيز هذه العناصر.
4ـ لا أدري لماذا وضع في الجزء الخاص ب “تحديد معايير تقييم وقيم تعضد العيش المشترك ” فقرة خاصة تقول بأن ” حرية الانتقال داخل الدولة حق مكفول لكل المواطنين”، ما مكان هذا الحق! هل هو تأكيد على المواطنة، يجب إدراك أن مفهوم المواطنة يتضمن ليس حق الانتقال داخل الدولة فقط، وإنما أيضا “حق التملك والعمل والاستثمار”، أي أن الحقوق الأربعة هذه تجسد مجتمعة المعنى الحقيقي لحقوق المواطنة، لا يمنع من ذلك اختلاف في الدين، أو المذهب، أو العرق، أو الطائفة، أو الانتماء السياسي والحزبي.
5ـ هناك توصيف غير دقيق بشأن موقف المكونات يجب ضبطه، فالقول بالعيش المشترك بحيث “لا يحجر أحد على أحد، ولا يستقوي مكون سوري بدولة خارجية على دولته للحفاظ على مصالحه”، هذا القول يستبطن معنى أن هناك مكونات سورية تستقوي بدول خارجية لتحقيق مكاسب داخلية، وهذا الاستبطان غير سوي، وهو يروج ـ ولو بدون قصد ـ لفكرة أن هذه الطائفة أو تلك تعمل على ربط نفسها بقوى خارجية، هذا غير حقيقي، من يفعل ذلك لا يمثل الطائفة، ولا يمثل الجماعة ” العرقية”، وإنما يمثل مشروعا يحاول أن يخطف الطائفة أو العرقية من سياقها الوطني، وإنه ليسعد هؤلاء الخاطفين أن نعتبرهم ممثلين لطائفتهم أو عرقيتهم.
في الختام
خمس قضايا مهمة بعضها رئيس وبعضها فرعي تعرضنا لها ونحن ننظر في هذه الوثيقة التي نصفها بالمهمة، وبعد أخذ هذه القضايا بعين الاعتبار فإن هناك الكثير مما ورد في الوثيقة يمكن اعتباره محل اتفاق، وخصوصا ما تم استعراضه تحت عنوان “معايير تقييم وقيم تعضد العيش المشترك”.
مرة أخرى أؤكد ضرورة أن تجد هذه الوثيقة اهتماما وتقديرا من القوى السياسية السورية، وأن تكون قاعدة حوار، وأن تشجع القوى الأخرى لتبني وثائق وطرح رؤى تساعد السوريين على تفعيل الحوار فيما بينهم، وتساعد السلطة القائمة على ترشيد حركتها، والخروج من أسر مفهوم الاستئثار بالمجتمع وبالسلطة الذي تحكم فيها طوال الأشهر الماضية، وتسرع في ولادة مجتمع المواطنة الحقة، مجتمع السلطة الديموقراطية، حيث يتساوى فيه المواطنون حقوقا وواجبات، على كامل الوطن السوري.
إستانبول 19 / 10 / 2025
———————–
جماعة إخوان سورية تتجاهل دعوة إلى حلها: الديمقراطية والحزبية وحرية الاعتقاد/ عدنان علي
19 أكتوبر 2025
تجاهلت جماعة الإخوان المسلمين في سورية دعوة إليها كانت قد صدرت من السلطة في دمشق، بشكل غير رسمي، إلى حل نفسها، وأصدرت اليوم السبت وثيقة تضمنت “رؤية” الجماعة، بتعبيرها، لشكل الدولة السورية المتوخّاة، والتي رأت أنها يجب أن تكون “ديمقراطية وتقوم على التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة”، وتؤكد “حرية الاعتقاد” وحق تشكيل الأحزاب، وذلك تحت عنوان “العيش المشترك في سورية”، وقد خلت من أي ملاحظات مباشرة على أداء السلطة القائمة في دمشق، غير أن مشتملاتها تعكس ما يمكن أن يعد انتقادا ضمنيا لخيارات السلطة منذ الإعلان الدستوري الذي جرى إشهاره في دمشق في مارس/ أذار الماضي. واتصفت بأنها تشتمل على مضامين ومبادئ عامة. وتعد هذه الوثيقة الأولى التي تعلن فيها الجماعة منظورها لمستقبل سورية منذ سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، ثم تولي هيئة تحرير الشام والرئيس أحمد الشرع الحكم في البلاد. وتلتقي كثيرا مع “وثيقة العهد” التي كان “إخوان” سورية قد أعلنوها في مارس/ آذار 2012، ونصت في حينه على التزام الجماعة العمل من أجل دولة مدنية حديثة وتعددية ديمقراطية تداولية في سورية.
وتتضمّن الوثيقة التي نشرتها جماعة الإخوان المسلمين في موقعها الإلكتروني أمس مبادئ عامة لأسس العيش المشترك كما تراها الجماعة، وهي أسس أشبه بمبادئ دستورية تحث على تمكين المرأة وحظر تدخل الجيش في السياسة، ونطالب الدولة بحماية جميع المكونات. وبدأت الجماعة وثيقتها بإيراد شواهد من الآيات القرآنية تدلّل على الأسس الشرعية للعيش المشترك، وتدعو إلى احترام الآخر والاعتراف به والتعامل معه، وتطبيق العدالة على الجميع، وحتى مع العدو المحارب، والتعاون مع كل الأطراف لتحقيق المصالح المشتركة، مشيرة الى أن “التنوع الديني والثقافي في المجتمعات، لا يبرّر الصدام والصراع، بل يستدعي إقامة شراكة وتواصل وتعارف لبناء دولة تقوم على القيم الإنسانية”.
ولفتت الوثيقة إلى أن الدساتير السورية منذ مطلع القرن الماضي، حرصت على تحديد مساحات خاصة لمكونات المجتمع السوري في أمرين: أمر العبادة أو الدين، وأمور الأحوال الشخصية، مما يعني أن كل المساحات الأخرى هي مساحات وطنية مشتركة، معتبرة أن هذه الرؤية كانت عامل استقرار للدولة.
وتحت باب الأسس الشرعية للعيش المشترك، تشير الوثيقة الى آيات قرآنية عن وحدة الأصل الإنساني، وأن الإنسانية أسرة واحدة، وأن الله جعل هذه الأسرة شعوباً وقبائل لحضّ الناس على التعارف على بعضهم البعض. كما تشير الى ان القرآن الكريم نظم تعامل المسلمين مع غيرهم عندما يعيشون في نطاق أي مجتمع. وحددت الوثيقة القيم الأساسية التي يجب أن تسود في التعامل بين مختلف المكونات السورية، مثل احترام الآخر المختلف، والاعتراف به، والتعامل معه، والعدالة التي تحدّد الحقوق والواجبات تجاه الآخر، والتعاون لتحقيق المصالح المشتركة، إضافة الى “التعاقد” بما يوضح الحقوق والواجبات، ويمنع تحوّل الخلافات إلى صراع.
ولخّصت الوثيقة دور الدولة لترسيخ العيش المشترك في أربعة بنود، أولها تأمين الإطار القانوني لتوفير الأمن لكل مكونات النسيج السوري، وإطلاق مبادرات لتعزيز السلم الأهلي والحوار الحقيقي بهدف تعزيز قيمة السلام وإيجاد تفاهم مشترك، سواء على مستوى الوزارات أو على مستوى الإدارات المحلية إضافة الى بناء شراكات بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني لدعم التنوع الثقافي، واختيار مواد التعليم البانية للقيم المشتركة والمعززة للوعي الثقافي المناسب؛ فالتعليم والثقافة أمران لا غنى عنهما لكرامة الإنسان، وبهما تتحقق الحرية والعدالة والسلام.
كما يتمثل دور الدولة، وفق الوثيقة، في حماية الحقوق والحريات، ودعم سياسات المواطنة وضبط التجاوزات على القيم الإنسانية. يضاف الى ذلك أهمية إطلاق الدولة مبادرات لتعزيز السلم الأهلي والحوار الحقيقي، وبناء شراكات بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني لدعم التنوع الثقافي، واختيار مواد التعليم البانية للقيم المشتركة والمعززة للوعي الثقافي.
كما تدعو الجماعة منظمات المجتمع المدني إلى المساهمة في بناء الهوية السورية المشتركة، وإطلاق مبادرات لتعزيز الحوار الوطني، ومبادرات لتوعية الأسر لزرع القيم الأساسية في وعي الجيل الناشئ، و”التصدي لثقافة مأزومة تولّد العدوانية والفتن، وإطلاق مبادرات إعلامية وفنية وثقافية هادفة وخادمة للحوار والتعايش”، وإطلاق مبادرات لحوار وطني لتعزيز تفاهم مشترك حول قضايا المجتمع لتقوية النسيج الاجتماعي.
وعرّفت الوثيقة سورية بأنها “دولة ديمقراطيّة، تقوم على التعدديّة السياسيّة، والتداول السلميّ للسلطة عبر صناديق الاقتراع، ومبدأ المواطنة، وسيادة القانون، وفصل السلطات، وتلغي المحاكم الاستثنائية وتمنع تشكيلها”. كما تؤكد ان “حرية الاعتقاد مصونة، ويكفل القانون الحرية الدينية للجميع”. وتدعو إلى “تجريم خطاب الكراهية والتحريض على العنف” وتنص على أن يتمتع “جميع السوريّين بحق المشاركة السياسيّة الكاملة بناءً على الكفاءة، في إطار من التنافس السياسيّ وفقاً لانتخابات حرّة ونزيهة”. كما تنص على أن الدستور يكفل “الحريّات العامّة والفرديّة، وحقّ تشكيل الأحزاب السياسيّة ومنظّمات المجتمع المدني ضمن القوانين الناظمة”.
وتحدد مهمّة الجيش الوطنيّ في “الدفاع عن الوطن بحدوده المعترف بها دولياً ضدّ الاعتداءات الخارجيّة، ويُحظَر على أفراده التدخّل في العمل السياسيّ، ويخضع في عمله للرقابة البرلمانيّة والمساءلة القضائيّة” كما تؤكد حصر السلاح بيد الدولة، مع تنظيم حمل السلاح الفردي بالقانون. وتدعو الى “التمكين المشروع للمرأة ورفض تهميش دورها” إضافة الى “تساوي أبناء الشعب السوري في الكرامة والحقوق والواجبات”.
ويذكر أن مستشار الرئيس السوري للشؤون الإعلامية، أحمد موفق زيدان، كان قد نشر مقالة في أغسطس/ آب الماضي دعا فيها جماعة الإخوان المسلمين في سورية إلى حل نفسها، موضحا في الوقت نفسه أنه يعبر عن رأيه الشخصي.
العربي الجديد
—————————————-
وثيقة الإخوان لـ«العيش المشترك»: دولة ديمقراطيّة وتعدديّة سياسيّة
جانبلات شكاي
أطلقت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا وثيقة «العيش المشترك» مطالبة فيها بدولة ديمقراطيّة وتعدديّة سياسيّة وتداول سلميّ للسلطة، وهو ما أعتبره كاتب سوري «محاولة للبحث عن دور» موضحاً أن «الإدارة السورية الجديدة لا تُقيمُ كبير وزنٍ للإخوان وتعرف محدودية حجمهم وضمورهم المطرد».
مضمون الوثيقة
وثيقة «العيش المشترك» التي أطلقتها الجماعة عبر موقعها الرسمي على الإنترنت الجمعة اعتبرت أن «ما تحتاجه سوريا اليوم لضمان مصالحها المشتركة هو عيش مشترك، بحيث لا يَحجرُ أحدٌ على أحد، ولا يستقوي مكون سوري بدولة خارجية على دولته للحفاظ على مصالحه».
وتحدثت الوثيقة عن «تصور جماعة الإخوان المسلمين في سوريا لأسس تراها ضرورية لبناء عيش مشترك يهدف إلى تعزيز التفاهم والسلام بين مختلف أفراد مجتمعنا ومكوناته، ويعيد لسورية صورتها العالمية المشرقة، ويلمّ شعث السوريين بغض النظر عن خلفياتهم الدينية أو العرقية» مستندة في خطابها الى ما سمتها بالأسس الشرعية للعيش المشترك، مستندة في ذلك إلى آيات قرآنية كقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) على أن تتمثل هذه الأسس بقيم أساسية مثل «احترام الآخر والاعتراف به والتعامل معه، والعدالة باعتبارها هي التي تحدّد الحقوق والواجبات تجاه الآخر، والتعاون لتحقيق المصالح المشتركة، واعتبار «صحيفة المدينة» المرجع الأساسي للتعاقد الذي يوضح الحقوق والواجبات، ويمنع تحوّل الخلافات إلى صراع، ويحوّل العلاقة بين الدولة ومكوناتها إلى علاقة توافق وتكامل».
ورأت الوثيقة أن من قيم العيش المشترك أن تكون «سوريا دولة ديمقراطيّة تقوم على التعدديّة السياسيّة والتداول السلميّ للسلطة عبر صناديق الاقتراع ومبدأ المواطنة وسيادة القانون وفصل السلطات، وتلغي المحاكم الاستثنائية وتمنع تشكيلها، مع التأكيد على صون حرية الاعتقاد وكفالة القانون الحرية الدينية للجميع، وتجريم خطاب الكراهية والتحريض على العنف، وأن يتمتع جميع السوريّين بحق المشاركة السياسيّة الكاملة بناءً على الكفاءة، وأن يكفل الدستور الحريّات العامّة والفرديّة، وحقّ تشكيل الأحزاب السياسيّة ومنظّمات المجتمع المدني ضمن القوانين الناظمة.
الجيش والسياسة
الوثيقة التي تحدثت عن ضرورة «تحقيق التنمية المستدامة والمتوازنة والعادلة في كافة المناطق السوريّة» اعتبرت أن «مهمّة الجيش الوطنيّ الدفاع عن الوطن بحدوده المعترف بها دولياً ضدّ الاعتداءات الخارجيّة، ويُحظَر على أفراده التدخّل في العمل السياسيّ، ويخضع في عمله للرقابة البرلمانيّة والمساءلة القضائيّة، مع حصر السلاح بيد الدولة، وتنظيم حمله الفردي بالقانون» إضافة إلى «التمكين المشروع للمرأة ورفض تهميش دورها، وتمكين الشباب والنهوض بدورهم، وتساوي أبناء الشعب السوري في الكرامة والحقوق والواجبات» مع التشديد على «عصمة دماء وأموال جميع السوريين» وكفالة «حرية الانتقال داخل الدولة لكل المواطنين».
البحث عن الدور
الكاتب السوري العائد من الولايات المتحدة وائل ميرزا، اعتبر في تصريح خاص لـ«القدس العربي» أن الجماعة عبر وثيقتها الأخيرة «تبحث عن دور كانت تأملُ أن يكون أكبرَ بكثير من واقع العزلة النسبية الحالية الذي تعيشه، شعبياً ورسمياً، خاصةً مع الخلفية الإسلامية لقيادة الدولة الحالية، والتي كان يأمل أن تكون شفيعاً ثقافياً وسياسياً له».
واعتبر الأستاذ في العلوم السياسية في جامعة الشارقة أن «المشكلة الأساسية، كما هو حال كل الوثائق التي يصدرها الإخوان كل بضعة سنين، أنهم يقولون «كل الأشياء الصحيحة» لكن أفعالهم وممارساتهم، السياسية تحديداً، لا تُعبّر، في قليلٍ أو كثير، عن طروحاتهم النظرية، وهذا هو السبب الرئيس في أن قوتهم وحضورهم على الأرض في سوريا اليوم محدودان للغاية، رغم وجود العديد من قواعدهم وكوادرهم داخل البلد» حسب قوله.
ضمور مطّرد
ورأى ميرزا، وكان أول أمين عام للمجلس الوطني السوري، أن الإدارة الجديدة في دمشق لا تُقيمُ كبير وزنٍ للإخوان في هذه المرحلة أصلاً، لأنها تعرف محدودية حجمهم، بل أكثر من ذلك، إنها تدرك حقيقة ضمورهم المطرد، من خلال عمليات الانسحاب المستمرة من الجماعة، المُعلنة أو غير المعلنة منها، وبالتالي فإن التعامل معهم ليس له أي خصوصية، وسيندرج في الإطار التنظيمي الحاكم لوجود الأحزاب في سوريا، والذي قد يصدر في المستقبل.
ورأى ميزرا أن نشاط الأحزاب الدينية من الضرورة بمكان أن يكون مضبوطاً، ليس فقط ببرنامجها السياسي نظرياً، وإنما أيضاً برصد عملية التنزيل العملي للنظرية على الواقع.
وعن موقفه من القانون 49 لعام 1980 الذي كان يعتبر مجرماً ويعاقب بالإعدام كل منتسبٍ لتنظيم جماعة «الإخوان المسلمين» قال ميرزا: «كان قانونا ليس له أي أساس حقوقي أو سياسي يحترم أي دولة وشعب، وكان أحد أوجه العار على النظام البائد، بغض النظر عن موقفنا من الإخوان المسلمين ورؤيتنا لفكرهم السياسي والتنظيمي، ويجب أن يكون أول ما يتم إلغاؤه من قوانين في المرحلة المقبلة».
واستبعد ميزرا حظر الجماعة كحالها في معظم الدول العربية. وقال: «أسلوب التعامل معهم في سوريا الجديدة وجهاً آخر للأسلوب الذي ارتأته بعض الدول العربية، وذلك من خلال السماح للواقع السياسي والثقافي في سوريا بأن يُظهر صِغَرَ وزنهم وهامشية تأثيرهم في الواقع العملي».
القدس العربي
———————–
الإخوان المسلمون يكشفون وثيقة “العيش المشترك” لرؤية الدولة السورية
وثيقة العيش المشترك في سورية (صفحة الإخوان المسلمين في سورية)
2025.10.19
أعلنت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، السبت، إصدار وثيقة سياسية جديدة بعنوان “العيش المشترك في سوريا”، عرضت فيها رؤيتها لمستقبل الدولة السورية.
الوثيقة ركّزت على مبادئ الديمقراطية والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، إلى جانب حماية حرية الاعتقاد، رغم دعوات غير رسمية من دمشق لحل الجماعة.
وتعد هذه الوثيقة الأولى للجماعة منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 من كانون الأول الماضي، وتحمل تشابهاً كبيراً مع وثيقة العهد الصادرة عام 2012، التي نصت على بناء دولة مدنية تعددية وديمقراطية.
الوثيقة المنشورة على موقع الجماعة الإلكتروني تضمنت مبادئ دستورية واضحة، شملت تمكين المرأة، وحظر أي تدخل للجيش في السياسة، وضمان حماية المكونات الدينية والثقافية، مع الدعوة لمكافحة خطاب الكراهية والتحريض على العنف، وضمان حرية تأسيس الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، في إطار دولة قانون وفصل للسلطات.
وافتتحت الجماعة الوثيقة بنصوص قرآنية تؤكد وحدة الأصل الإنساني، وتشدد على احترام التنوع الديني والثقافي، معتبرة أن هذا التنوع ليس سبباً للصراع، بل دعوة لبناء شراكة مجتمعية تقوم على القيم الإنسانية.
“إخوان سوريا”: سوريا التي يريد العرب عودتها للجامعة العربية لا يمثلها النظام السوري
إخوان سوريا وفرصة إعادة التأسيس والتموضع التي لن تتكرر
وأشار النص إلى أن الدساتير السورية السابقة وفرت مساحات للمكونات الدينية والثقافية في مجالي العبادة والأحوال الشخصية، مؤكدة أن الحفاظ على هذه التوازنات كان عاملاً للاستقرار، ويجب الاستمرار في حمايته مستقبلاً.
كما حددت الجماعة أربعة محاور لدور الدولة في تعزيز العيش المشترك: تأمين الإطار القانوني لحماية المكونات، ودعم السلم الأهلي والحوار المجتمعي، والتعاون مع المجتمع المدني للحفاظ على التنوع الثقافي، وتعزيز التعليم والثقافة لترسيخ القيم المشتركة.
ودعت الجماعة منظمات المجتمع المدني للانخراط في بناء هوية سورية مشتركة، وتشجيع الحوار الوطني، والتصدي لثقافة العدوانية والفتن عبر المبادرات الإعلامية والثقافية والفنية.
وتعرف الجماعة سوريا في الوثيقة كدولة ديمقراطية تقوم على التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، مع سيادة القانون وفصل السلطات، مؤكدة إلغاء المحاكم الاستثنائية، وحصر السلاح بيد الدولة، وتنظيم حمله الفردي قانونياً.
وشددت الوثيقة على أن الجيش يجب أن يقتصر دوره على الدفاع عن الحدود المعترف بها دولياً، مع منع أي تدخل سياسي وخضوع كامل لرقابة البرلمان والمساءلة القضائية.
الإخوان يصدرون وثيقة جديدة بعد دعوات للحل
في آب الماضي، استعرض أحمد موفق زيدان، مستشار الرئيس السوري للشؤون الإعلامية، خلفية جماعة الإخوان المسلمين في سوريا وتجاربها السابقة في حل التنظيم في دول أخرى.
وأشار زيدان إلى أن الجماعة، رغم التزامها بتاريخها وتنظيمها، تواجه فجوة عمرية وعجزاً عن التكيف مع الواقع السياسي المعاصر، ما يقلل من مشاركتها الفاعلة في بناء الدولة السورية الجديدة.
واستعرض زيدان تجارب الإخوان في العالم العربي بعد حل التنظيمات القديمة، مؤكداً أن التمسك بسياسات قديمة يحد من فرص الجماعة ويعوق قدرتها على مواجهة التحديات الداخلية والإقليمية والدولية الحالية، مقترحاً أن حل الجماعة طوعياً سيخدم مصلحة البلاد ويفسح المجال أمام شبابها للمساهمة الفاعلة في صياغة مستقبل الدولة.
——————————
==========================



