سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

أفكار عن موقع الإسلام من عهد “الأسدين”/ حسام جزماتي

 

2025.10.20

مع تصاعد صراع المظلوميات السورية، واستفحاله إثر انهيار النظام السابق على وجه الخصوص، احتلت مسألة الدين مكاناً مركزياً من حجج الطرفين اللذين صار يجري تعريفهما، من دون خطأ جسيم في الحقيقة، بأنهما جمهور من غالبية السنّة العرب في مقابل جماهير من الأقليات المتنوعة.

يرافع الجمهور الأول بأن جزءاً وافراً من حرياته الدينية كان قيد التضييق في عهدي “الأسدين” الأب والابن؛ بدءاً من مراقبة تكرار التردد لصلاة الجماعة في المساجد، ولا سيما للأعمار الشابة، والخطب والدروس التي كانت تلقى فيها، وصولاً إلى حظر حجاب الفتيات في المدارس ونقاب الشابات في الجامعات والنسوة في الوظائف العامة، ومنع الصلاة في الجيش، الذي كان معظم الشبان يضطرون إلى الخدمة فيه بحكم قانون التجنيد الإلزامي، ووضعها تحت العين في الجامعة. ومسائل أخرى كثيرة.

ومن هنا يرى هؤلاء أن من حقهم، بعد أن انعتقوا من قيود النظام وتقارير مخابراته وخطر سجونه، أن يكونوا أحراراً في الجهر بشعائرهم التي هي من موجبات الدين الإسلامي الذي تعتنقه أغلبية ساحقة من السكان.

ومع غياب إحصاء “طائفي” اعتاد مساجلو هذا التيار أن يقولوا إن جمهورهم يبلغ نِسَباً تقارب التسعينات من أهالي البلاد، مما يجعل مطالبهم “ديموقراطية” عملياً.

ولكن فضلاً عن الخلاف الكبير حول الأعداد، والنقاش حول النظر إلى العرب السنّة بوصفهم كتلة موحدة تريد الأشياء نفسها لمجرد الولادة؛ فإن للجمهور الثاني، في هذه الشؤون، تجربة مختلفة مع النظام إلى درجة كبيرة.

فمن دون أن يكونوا متدينين بالضرورة هم يسجلون بداية أن “الأسد” اعتمد المذاهب السنّية رسمياً؛ سواء في وزارة الأوقاف، مع هوامش ضئيلة، أو، وهو الأهم، في الكتب المدرسية لمادة “التربية الإسلامية”، التي تصحب الطالب لسنوات معتبرة من عمر التنشئة ويدرسها العلوي والدرزي والإسماعيلي وسواهم، والذين قد يتلقون في المنزل أو عبر الطائفة تعاليم ربما لا تتفق مع ما يقدّمونه للامتحان.

ومن دون تردد إلى الجوامع يلاحظ هؤلاء زيادة أعدادها ومرتاديها، وبلا معاناة مع الحجاب يعلّقون على ما رأوه انتشاراً متزايداً لارتدائه بدعم من دعاة وجماعات مشيخية ونسائية (القبيسيات) لم يقمعها، وفق علمهم، النظام الذي يرفضون أن يوصف بالعلمانية في أي من مراحله.

والواقع أن هذا الملف، المتشعب بكثافة، هو مما تبرز فيه آثار جهل المجتمعات/ المكونات السورية بحياة بعضها، والنظر إلى الآخر بعين معادية أو مرتابة سلفاً أو برانية لا تجمع ما يكفي من معلومات ولا ما يؤهل للتحليلات.

وكان هذا بديهياً في عهد حافظ الأسد الذي حرّم فعلياً أي نوع من مناقشة المسألة الطائفية، والقومية، وعدّ مجرد الحوار حولها وقوعاً فيها وتحريضاً عليها وتهديداً للوحدة الوطنية التي يسوّرها بنفسه.

وفي السنة الفائتة، بعد الخلاص من حكم وريثه، صار الأمر أصعب في أكثر البيئات لأن الخلافات صارت مسلّحة ومهدِّدة بالموت.

وحين أخذت قلة من السوريين حيزاً للحوار حول هذه المسائل اكتشفت بسرعة أنها لا تملك إحصاءات حديثة يمكن الاستناد إليها، ولا أبحاثاً صالحة للركون إليها، ولا اطلاعاً على روايات الآخرين، وأن معظم العدّة المزجاة، التي طُرحت لخوض نقاش عام حساس، كانت، مثلاً، ذكريات شخصية عن منع مدرّبة فتوّة للحجاب أو عدم اهتمام أخرى، في تباين كبير يرجع إلى الزمان والمكان.

فعلى سبيل المثال وصل “الأسد” الأب إلى السلطة حاملاً مشروع المصالحة مع سنّة المدن، خاصة دمشق، بالقياس إلى من سبقه، وبعد أن اصطفى منهم ممثلاً دينياً، هو المفتي أحمد كفتارو، لم يصطدم بهم طالما أنهم لم يعيقوا مسيرته نحو الطغيان، الذي كان معتدلاً في السبعينيات.

أمّا في العقد التالي فكانت نزعات الاستئصال فاعلة بقوة في النظام بعد الهزة التي أصابته إثر الصدام مع الإسلاميين، وهو ما سيعود إلى الانفراج نسبياً في التسعينات بعد أن اطمأن إلى رسوخ حكمه وسحق أعدائه.

أمّا بشار فكان، في بداية حكمه مع مطلع الألفية، مغرماً بالنخب المدينية في العاصمة وحلب وحمص، أو النخب المهاجرة الراسخة، فقاد مصالحة متجددة تعايشت مع بعض المظاهر المحافظة لهذه الطبقات، قبل أن ينقلب على ذلك، عام 2010، بجملة إجراءات كان من بينها منع النقاب في الجامعة، ونقل المنقبات من وزارة التربية إلى وظائف أخرى، والإيعاز بتحويل كتب “التربية الإسلامية” إلى مادة أخلاق تجتمع فيها تعاليم الأديان والطوائف، وهو ما لم يتم بسبب الثورة التي قامت ضده في العام التالي.

وفضلاً عن هذا السياق العريض كان لكل المسائل مساراتها الموضعية، فمن البديهي أن سلطة حافظ الأسد لا تستطيع إصدار قانون يمنع الحجاب في المدارس، رغم ضغوط شقيقه رفعت ومؤيديه؛ فأوكلت المسألة إلى “اتحاد شبيبة الثورة”، المنظمة الرديفة لـ”حزب البعث” في المرحلتين الإعدادية والثانوية، تحت عنوان ضرورة التزام الطلاب والطالبات بزيّ الفتوّة المكوّن، فضلاً عن البوط العسكري، من البدلة الزيتية والسيدارة (القبعة) التي تغطّي الرأس.

وبالتوازي مع ذلك سرت التعليمات الشفوية، من أعلى إلى أسفل، بمنع الحجاب داخل المدرسة بذريعة تعارضه مع هذا اللباس المقرّر.

وتباينت التطبيقات من الناحية العملية، تشدداً وتساهلاً حسب فرع الشبيبة وإدارة المدرسة ومدربة الفتوّة، طبائع شخصية وتوجهاتٍ وتفهماً لظروف المنطقة، إذ لم تحتج بعض المدارس إلى فرض شيء لعدم وجود محجبات فيها أصلاً، ولوّحت بعضها بمندوب المخابرات لترهيب الأهالي المعترضين، في حين تدخل مسؤولون محليون لتناسي القرار تدريجياً في مناطق كان يثير فيها احتقاناً قد لا تحمد عقباه وتسرباً ملحوظاً للطالبات.

يحتاج بحث كل واحدة من هذه المسائل إلى مكاشفة وإلى هدوء، وقد حصلت الأولى بشكل فاقع إثر انفجار الدمّلة في السنة الأخيرة، أما الهدوء فيبدو أنه يحتاج إلى وقت طويل.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى