إصلاح القطاع الأمني في سوريا بعد الأسد.. تحديات التحول ومسارات المستقبل

19 أكتوبر 2025
يستعرض المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في تقرير صدر، أمس السبت، بعنوان “من الانقسام إلى الاندماج: مستقبل إصلاح القطاع الأمني في سوريا بعد سقوط الأسد”، تطورات المشهد السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر العام الماضي، مسلطًا الضوء على التحديات العميقة التي تواجهها الحكومة الجديدة في إصلاح القطاع الأمني والعسكري.
وبيّن التقرير أن هذه المرحلة المفصلية تفرض على السلطات الجديدة تحقيق توازن دقيق بين تفكيك الإرث الأمني للنظام السابق، وضمان استقرار البلاد ومنع انزلاقها مجددًا إلى العنف، مع ضرورة وضع رؤية وطنية جامعة لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية وشفافة.
وأعاد التقرير التذكير بأن فصائل المعارضة بقيادة “هيئة تحرير الشام” أطاحت في مطلع كانون الأول/ديسمبر 2024 بنظام الأسد الذي حكم سوريا منذ عام 1970، بعد أن سيطرت بسرعة على معظم أراضي البلاد. ولفت إلى أن الجيش السوري، الذي كان ذات يوم من أقوى الجيوش في المشرق، أظهر مقاومة محدودة على نحو مفاجئ بعدما تحوّل تدريجيًا من جيش وطني إلى أداة للولاء السياسي بيد النظام.
وأشار التقرير إلى أن حافظ الأسد، بصفته وزيرًا للدفاع خلال هزيمة 1967، ثم ابنه بشار من بعده، أشرفا على تآكل القدرات العسكرية، مفضلين الولاء على الكفاءة، ما جعل الجيش عاجزًا عن مواجهة خصومه الإقليميين. ومع اندلاع الحرب منذ عام 2011، اعتمد النظام على ميليشيات أجنبية من إيران والعراق ولبنانَ إلى جانب ميليشيات محلية جُنّدت من المناطق الموالية. ومع الوقت، أصبحت القوات النظامية هياكل شكلية محدودة القدرات، لكنها ظلت طرفًا في معارك دامية وارتكبت انتهاكات واسعة، منها استخدام الأسلحة الكيميائية.
وأضاف التقرير أن الحكومة الجديدة بادرت سريعًا إلى حلّ الجيش السوري وتفكيك ركائز النظام السابقة مثل حزب البعث، لكنها تواجه تحدي ضمان أمن السوريين من التهديدات الداخلية والخارجية. وهنا يبرز السؤال حول مستقبل الجماعات المسلحة غير الحكومية التي نشأت خلال الحرب، سواء تلك التابعة للنظام أو المعارضة.
وذكر التقرير أن تقديرات سابقة أشارت إلى وجود أكثر من ألف جماعة في بدايات الصراع، قبل أن تنضوي معظمها تحت تكتلات كبرى مثل قوات سوريا الديمقراطية “قسد” ذات الغالبية الكردية، و”هيئة تحرير الشام” ذات الطابع السلفي الجهادي، والجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا.
وبيّن التقرير أن هذه الجماعات تتوزع بين بقايا الميليشيات الموالية للأسد وفصائل المعارضة، فيما حافظت بعض المجموعات، مثل الفصائل الدرزية، على حياد نسبي، بينما قاتلت تنظيمات أخرى مثل تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” الطرفين معًا.
وأوضح التقرير أن النظام الجديد باشر دمج الفصائل المعارضة ضمن وزارة الدفاع، وأنشأ قوة أمن داخلي جديدة تحت مسمى “الأمن العام”، تتبع وزارة الداخلية، سعيًا لاحتكار الدولة للسلاح. غير أن هذا الجهد واجه عقبات كبيرة، إذ ظلت “هيئة تحرير الشام” مهيمنة فعليًا على القرار السياسي والعسكري، ما جعل عمليات الدمج شكلية إلى حد كبير، بينما تعاني قوات الأمن العام من ضعف التدريب وقلة العدد والعتاد.
وأشار التقرير إلى أن أحداثًا أمنية خطيرة كشفت هشاشة هذه الترتيبات، منها الهجمات التي شنتها المجموعات الموالية للأسد في الساحل في آذار/مارس 2025، واشتباكات السويداء في تموز/يوليو 2025 بين فصائل درزية وأخرى من البدو، إذ اختُرقت قوات الأمن العام بسهولة، واندلعت أعمال عنف طائفية استدعت تدخل قوات من وزارة الدفاع لإعادة النظام.
وأكد التقرير أن مستقبل القطاع الأمني في سوريا يجب أن يُحدَّد أولًا من قِبَل السوريين وممثليهم المنتخبين ديمقراطيًا، لكنه لفت إلى أن الحكومة تواجه قيودًا مالية وسياسية خانقة تجعل من مهمة بناء قوات أمنية جديدة أمرًا بالغ الصعوبة، خصوصًا في ظل التنوع الإثني والطائفي داخل الجماعات المسلحة السابقة.
وحذّر التقرير من أن بعض الفصائل مثل “قسد” ما تزال متمسكة بطموح الحكم الذاتي، ما قد يؤدي إلى صدام محتمل مع الحكومة المركزية، فيما تبقى مسألة التعامل مع الضباط السابقين في نظام الأسد، وغالبيتهم من الطائفة العلوية، قضية حساسة وغير محسومة.
واستشهد التقرير بتجربة العراق بعد عام 2003م، معتبرًا إياها نموذجًا تحذيريًا، إذ أدى حل الجيش العراقي بالكامل إلى انضمام الكثير من أفراده إلى “داعش”، مما تسبب في كارثة أمنية وسياسية. لذلك، دعا التقرير الحكومة الجديدة إلى استخلاص العِبَر من هذا النموذج لتجنب تكرار الأخطاء ذاتها.
وبيّن التقرير أن السوريين متفقون على ضرورة وجود قطاع أمني مهني ومدرب ومجهز جيدًا لحماية البلاد، لكن الخلاف ما زال قائمًا حول دمج الجماعات المسلحة أو تفكيكها بالكامل. وأوصى المعهد ببرنامج شامل لنزع السلاح وتسريح المقاتلين وإعادة إدماجهم، بحيث يُدمج المقاتلون السابقون في الحياة المدنية، ولا يُسمح بالانضمام إلى القوات الأمنية الجديدة إلا بعد تدقيق صارم يشمل التحقق من أي تورط في جرائم حرب أو انتهاكات.
وختم التقرير بالتأكيد على أن الشروع في هذا المسار ينطوي على مخاطر سياسية جسيمة للحكومة الجديدة، لكن الإحجام عنه قد يؤدي إلى نتائج أخطر. وحذّر من احتمال تكرار النموذج اللبناني بعد الحرب الأهلية، حيث بقي جيش وطني ضعيف إلى جانب ميليشيات طائفية قوية ومرتبطة خارجيًا، أو العودة إلى نموذج حكم الأسد الذي جعل من الأمن أداة للولاء السياسي والقمع بدلًا من أن يكون قوة وطنية غير طائفية للدفاع عن البلاد.
الترا سوريا



