سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

 الذاكرة الجمعية بين التجميل وطمس الحقائق.. من يكتب سردية السوريين؟/ وفاء علوش

         

2025.10.21

يُقال إنّ التاريخ يكتبه المنتصر، وبهذا يصبح التاريخ مجرّد وثيقة سلطوية تُروى بلغة واحدة، وتُحذف منها الفصول التي لا تُرضي صاحب القوة.

إنّ المنتصر – وفقًا لهذا الافتراض – لا يكتفي بالهيمنة على الأرض، بل يسعى لاحتلال الذاكرة أيضًا؛ يعيد صياغة الوقائع بما يخدم روايته، ويستعيض عن الأسماء والوجوه والقصص الحقيقية بصورٍ مصطنعة، تُمجّد القوة وتُدين الضعف. وهكذا يتحوّل التاريخ من سجلٍّ للإنسان إلى مرآة للسلطة، ومن ذاكرةٍ حيّة إلى نصٍّ مراقَب لا يُسمح له بأن يتنفّس خارج القالب المرسوم له.

في إسقاط ذلك على التاريخ السوري، يبدو أن هذا كان واضحًا في حقبة الأسدين، سواء في المناسبات التاريخية التي كان يُجبر السوريون على الاحتفال بها، أم في ما يرد في كتب التاريخ ويُلقَّن للطلبة منذ نعومة أظفارهم في الكتب المدرسية.

لست هنا بصدد الاختلاف أو الاتفاق على ما حصل وكيفية حصوله، إنما علينا فقط الاعتراف بأن ذلك، إن حدث، فإنه ليس حكرًا على الحكاية السورية، بل هو تقليد أعمى اتّبعته الشعوب في حكاياتها كلها.

نحن في بلادٍ تتكاثر فيها المقابر كما تتكاثر الحكايات، وتصبح الذاكرة ساحة حربٍ أخرى لا ينجو منها أحد. فالسوريون اليوم، بعد أكثر من عقدٍ من الألم، لا يختلفون فقط حول ما جرى، بل حول كيف يجب أن يُروى ما جرى. ونحن هنا أمام أسئلة كثيرة: من يملك الحق في السرد؟ من يحتكر الحكاية؟ ومن يُقصى من الذاكرة؟ لم تعد هذه الأسئلة نظرية، بل باتت تمسّ حياة الناس اليومية، في البيوت والمنافي، في المناهج الدراسية، وفي نشرات الأخبار وصفحات التواصل.

لا توجد لدى السوريين رواية واحدة، فلكل مدينة حكايتها، ولكل جغرافيا ذاكرتها التي تشبهها. وفي هذا التنوّع الذي كان يومًا ما مصدر غنى، صار التعدد السردي علامة انقسام. فذاكرة الحرب لم تُكتب بلغةٍ جامعة، بل بلغة الجغرافيا والموقع والنجاة.

منذ البداية، أدرك نظام الأسد أن السيطرة على الذاكرة أهمّ من السيطرة على الأرض، فباتت السردية تُحكى بلغة من يملك المنبر لا من يملك الحق. لقد أعاد تعريف الكلمات والمصطلحات، ولم يكتفِ الإعلام الرسمي بالتجميل، بل أعاد إنتاج واقعٍ بديل يُبثّ ليلًا ونهارًا، حتى باتت شرائح كبيرة تؤمن بتلك الكذبة وتتحدث بلغتها وتستخدم المفردات ذاتها حتى هذه اللحظة. وما زال السوريون اليوم يختلفون على سرد كثيرٍ من القصص، فيروي كلٌّ منهم الحكاية انطلاقًا من بيئته ومحيطه الضيّق، لتواجه الحكاية السورية خطر الانتقائية من جهة، وخطر ضجيج الأصوات وتناحرها من جهةٍ أخرى، ما يحرم أصحاب المظالم أن يكون لهم صوت مسموع ضمن الفوضى الحاصلة.

في المقابل، نرى أصواتًا حوّلت الذاكرة إلى أداة إدانة فقط، من دون مساحةٍ للتأمل أو للفهم الإنساني المعقّد لما حدث. ليؤكد ذلك أن كلا الطرفين يسعى إلى احتكار الألم، لكن الحقيقة لا تملك لونًا واحدًا. إنّ الذاكرة ليست فقط ما نتذكّره، بل ما نختار أن ننساه أيضًا، وفي سوريا، ما يُنسى قسرًا بفعل سرعة الأحداث وتراكمها أصبح أكثر مما يُروى.

لم يعد الانقسام السوري اليوم سياسيًا أو طائفيًا، بل ذاكريًا أيضًا. فكل طرف يرى نفسه الضحية، وكل طرف يملك صورته الخاصة عن الوطن. ففي شمال البلاد وجنوبها وشرقها وغربها، تتكوّن روايات متوازية لا تلتقي، لكن غياب الرواية الجامعة يجعل المستقبل هشًّا، لأن أمة بلا ذاكرة متصالحة هي أمة بلا وجه.

من يكتب سردية السوريين إذن حين تخفت أصوات الضحايا الحقيقية؟

في بدايات الثورة، كان الصوت السوري بسيطًا وواضحًا: صوت شابٍ يهتف من قلب الخوف، وامرأة ترفع صورة ابنها، ومعلّم يصرّ على البقاء في مدرسته رغم القصف. كانت الحكاية نقيّة لأنها خرجت من الألم، من الناس الذين لم يطلبوا شيئًا سوى الكرامة والحياة. لكن مع مرور السنوات، ومع تعقّد الحرب وتكاثر اللاعبين، ضاع ذلك الصوت بين ضجيج السلاح والمنابر السياسية والإعلامية.

تحوّلت الثورة من نداءٍ جماعي للحرية إلى ساحة تنافسٍ على الشرعية والتمثيل، دخلت المصالح الإقليمية والدولية، وتسلّل المال إلى الخطاب، فبدأت الحكاية تُروى بلغاتٍ لا تشبه أهلها. الذين حملوا الكاميرا الأولى ماتوا أو اعتُقلوا، والذين بقوا صاروا يحسبون كلماتهم خوفًا من الاتهام أو التهميش، وهكذا تراجعت الأصوات الحقيقية.

في الحقيقة، لم تُهزم الثورة بقدر ما اختُطفت سرديتها؛ جُرّدت من معناها الإنساني لصالح صراعات القوى، ومن حلمها الجمعي لصالح مصالح متناقضة. صار من الصعب أن نعرف من يروي باسم من، ومن يتكلم فعلًا بضمير الذين دفعوا الثمن.

في النهاية، ربما لم تمت الحكاية، لكنها أُغرقت بالضجيج، وصار صوت السوري العادي، الذي حلم بوطنٍ بسيطٍ لا يخاف فيه من طرق الباب، أضعف من أن يسمعه أحد وسط سوق المصالح والسياسات، على الرغم من أن ذلك الصوت هو الذي يجب أن يُستعاد، لأن الحقيقة تبدأ من الذين عاشوها، لا من الذين تاجروا بها.

السؤال الأصعب اليوم ليس: ماذا حدث؟ بل: من سيقول ماذا حدث؟ وهل يمكن للسوريين – على اختلاف جغرافيتهم – أن يتفقوا على ما يشكّل جوهر التجربة السورية من دون تزويرٍ أو مصالح شخصية؟

تبدو الكتابة عن التجربة السورية اليوم فعل مقاومة، لأنها تحمي الذاكرة من النسيان، لكنها أيضًا فعل مسؤولية، لأنها يجب أن تراعي حقيقة الأحداث وتعترف بالألم، مع مراعاة خلق سردية تحترم الجميع:

الضحايا والناجون، المتمسكون بالبقاء والمطرودون؛ للتصالح مع ذاكرةٍ وطنية، لا مع أرشيفٍ من الحكايات المتناحرة.

إنّ العدالة الانتقالية لا تبدأ بالمحاكم، بل بالاعتراف بالقدرة على قول الحقيقة كاملة، لا مجتزأة ولا مغلّفة. والذاكرة العادلة تقتضي أن نعترف في المجتمع بضرر الضحايا ونحاول جبره.

حين تُتاح للناس مساحة أن يرووا ما حدث لهم، لا يعود التاريخ ملكًا للسلطة أو للأيديولوجيا، بل للوجع الإنساني المشترك، ذاك الوجع الذي يعرفه الجميع وإن اختلفت أسبابه.

قد لا تكون هناك حقيقة واحدة لما جرى في سوريا، لكن يمكن أن يكون هناك اتفاق على وجوب قول الحقيقة، وأن نتذكّر لا لنتخاصم، بل لنمنع التكرار.

تبدو الذاكرة السورية اليوم مثل مرآةٍ مكسورة، كل قطعة تعكس جزءًا من الوجه، ولا أحد يرى الصورة كاملة. لكن من الواجب جمع الشظايا بأمانة حتى وإن كان الثمن باهظًا. ربما لن تُكتب رواية السوريين بعدها في كتابٍ واحد، بل في آلاف الشهادات والقصائد والصور والاعترافات، وربما هذا هو شكلها الطبيعي: ذاكرة مفتوحة، لا تخضع لأحد، ولا تُختصر بجملة.

إنّ إنقاذ الذاكرة من النسيان ليس واجب المؤرخين فقط، بل واجب كل من عاش هذه السنوات الثقيلة، ففي النهاية، ما نكتبه اليوم ليس فقط عن الماضي، بل عن حقّنا في أن نملك ذاكرة حقيقية لوطنٍ هو لنا جميعًا.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى