سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

“العود إلى البدء” المقيم/ رباب هلال

21 أكتوبر 2025

لم يعرف السوريّون الانتخابات الحرّة النزيهة ستة عقود. ولم يخبروا تجربة الديمقراطيّة. ولزمن مديد صمت الشعب وصبر إلى أن كاد الصبر يضجر منه.

اليوم، انمسح وجود الحكم الأسديّ وزبانيته. فماذا عن تلك المصطلحات في العهد الجديد؟ وماذا عن المعتقلات التي ما تزال تنتفخ يوميّاً؟ ولماذا لا تكفّ الدماء عن فورانها؟ وماذا عن وحدة الأرض والشعب الواحد؟ عن الأمن والأمان؟ عن التشاركيّة؟ عن تطبيق القانون والعدالة الانتقاليّة؟ عن “اذهبوا فأنتم الطلقاء.” ومن الذين أُطلقوا حقّاً في شعاب الأرض الحمراء، وأجّجوا فيها الحرائق والدماء، وأعملوا فيها السلب والنهب والإذلال؟ ثمّ ماذا عن الصهاينة الذين ما زالوا يقضمون جنوبنا. وعمّا بقي فعلاً من أحلام ثورتنا 2011، ووحدة الساحات والصرخات الثوريّة من أجل الكرامة والحرّيّة. وماذا عن الخذلان الشنيع الذي دكّ الصدور الصابرة للخلاص من الإجرام الأسديّ، وبفرح صاخب وأمل استقبلت العهد الجديد في المناطق السوريّة، التي بحكم القدر، لا تنتمي إلى طائفة الحاكم الجديد. وقد صار اسمها أقلّيات، مكوّنات، وحديثاً يتردّد على إعلامنا صفة “أقاليم”، عوض مواطنين وأهل البلاد الأصليّين. ما يتماشى وهاجس الانفصال والتقسيم المرعبيْن. وقد صرّحت للعلن مرّات كلّ من السويداء وثوات سوريا الديمقراطية (قسد) عدم تسليم السلاح، بسبب مجازر الساحل، وقتل الأبرياء العزّل، وتعرّض الأهالي لانتهاكات وإهانات شنيعة، إضافة إلى النهب والتخريب وإحراق الممتلكات. وقد شهدنا نسخة مماثلة في السويداء. يحضرني هنا ما قرأته يوماً عن عالم الذئاب الموصوفة بالغدر، أنّها تتّسم بصفة نبيلة، فحين تخضع الفريسة لها، فإنّها تتركها من دون أن تؤذيها.  

أدرك أنّني أكتب تبعاً لما يسمّى “عود على بدء”، هذا الذي التصق بي بعد أوّل نقطة دم سوريّة انسفحت سنة 2011، وأوّل هراوة شجّت رؤوس الثوّار وكسّرت عظامهم، وأول معتقل بريء، وأوّل الخطف والاغتصاب. وأوّل صرخة طفل مذعور، أو مقتول. منذ أوّل شكوى أو موت لجائع، وبردان وتائه. مع بدء التهجير والنزوح، وانطلاقة التغريبة السوريّة، وصمة العار والذلّ. تضطرّني صرخات الضحايا، العيون المرتعبة، المعد الخاوية، صقيع الشتاءات، وهلع الأمّهات والآباء على أكبادهم، والأكباد على ذويهم. القتل وتفجير أوّل برميل فوق الأهالي، تدمير أحياء بكاملها، وأحياناً على رؤوس أصحابها، والاعتقال، بدء التعفيش (النظام الأسدي) والتشويل (الفصائل المسلّحة المعارضة). ومع نصب مخيّمات اللجوء المذلّة، وابتلاع البحر وأسماكه لجثث الهاربين للنجاة، وتجارة المهرّبين للضحايا في مجاهيل الدروب والغابات، والتهام الحيوانات للجثث التي تاهت عنها القبور، وأيدي الأهالي المفجوعين، والمقابر الجماعية… فجميعهم أهلي وإخوتي.

مجدّداً يتأبّطني “العود إلى البدء”. فما الذي تغيّر حقّاً؟ مجازر جماعية حدثت، أضحت اليوم متفرّقة، واعتقالات عشوائيّة، وطائفيّة الشبّيحة الجدد معلنة بقذارة. فغالباً القتل طائفيّ، والخطف طائفيّ، خطف الأطفال، الشباب والكهول، وعلى وجه خاصّ، خطف النساء من طائفة بعينها المستمرّ، رغم انفضاحه في العالم وتقارير دوليّة معلنة. الاغتصاب، وحتّى حرائق الأراضي، كانت، في أغلبها، مفتعلة وطائفيّة. والسلاح منفلت والفصائل داشرة. وما وضع طلّابنا وطالبتنا، أبنائنا المحرومين من متابعة دراستهم، في السويداء أو الساحلّ، في حمص وحماه؟ والحكومة تعتمد التكذيب وليّ عنق الحقائق، أو التجاهل وتغييب العدالة. فالأوليّات عندها تمكين العلاقات الدوليّة والإقليميّة. والتحاور مع الأعداء من دون التحاور الحقيقي مع الداخل، وهذا عليه إعطاء مزيد من الفرص. ما يدفع المختلفين المقصيّين المرتعبين إلى انعدام الثقة بها، والتخلّي عن حقوقهم الشرعيّة، مقابل الأمن والأمان. أو جرّهم إلى خيارات أشدّ خطورة.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى