اللاانتماء كهوية.. جيل نسويّ يرفض الطائفة والسياسة/ ديلان محمد

جيل اللاانتماء: وعيٌ أنثويّ يعيد تعريف الهوية السورية
2025-10-19
في زمنٍ أنهكته الحروب والانقسامات، تتشكّل في سوريا هويةٌ جديدة على الهامش، لا تشبه ما قبلها، ولا تنتمي إلى أيٍّ من التصنيفات التي مزّقت المجتمع لعقود. جيلٌ من الشابات السوريات قررن أن يقلن “لا” — لا للطائفة التي تقيّد، ولا للحزب الذي يحتكر، ولا للانتماء الذي يُفرض من الخارج. بالنسبة لهن، اللاانتماء ليس فراغاً، بل موقفٌ واعٍ من واقعٍ مثقلٍ بالانقسامات، وسعيٌ إلى تعريف الذات بمعايير جديدة: الحرية، الفردية، والإنسانية.
لقد تحوّل “اللاانتماء” إلى شكلٍ من أشكال الهوية المعاصرة، تولد من رحم الخيبة، وتبحث عن وطنٍ لا يُقاس بالولاء، بل بالكرامة والمساواة.
على امتداد سنوات الحرب السورية، لم تكن الانقسامات الطائفية والسياسية مجرّد انعكاسٍ للواقع، بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للسوريين. غذّت الحرب الشعور بالخوف والارتياب بين الجماعات، حتى صار الانتماء إلى طائفةٍ أو حزبٍ وسيلةً للبقاء أكثر منه قناعةً فكرية أو إيمانية. ومع الوقت، تكرّس هذا الانقسام في الذاكرة واللغة والعلاقات، إلى أن بدا وكأنه قدرٌ لا فكاك منه.
لكن في الظل، نشأ جيل مختلف، جيل لم يختر الحرب ولا الانقسام، بل وُلد في وسطهما. شابات سوريات ترعرعن وسط خطابٍ طائفيٍّ حاد، لكنّهن لم يتبنَّينه، بل رفضنه بهدوء. بالنسبة لهن، الطائفة لم تعد عنواناً للهوية، والحزب لم يعد طريقاً للتغيير، والانتماء ذاته صار فكرةً ثقيلة لا تعبّر عنهن. وفي المقابل، برزت لديهن فكرة جديدة تُعرف بأنها “اللاانتماء”، موقفٌ لا يقوم على الرفض وحده، بل على البحث عن هويةٍ سوريةٍ إنسانيةٍ تتجاوز التصنيفات القديمة… إنهن ببساطة سورياتٌ يبحثن عن ذاتٍ حرّة، وعن انتماءٍ لا يُملى عليهن من أحد.
اللاانتماء ليس حياداً.. بل وعياً جديداً
تقول نجلة توفيق تمّو، الإدارية في جمعية شاوشكا للمرأة، في حديثٍ خاص لـ”963+“، إن مفهوم الانتماء في سوريا لم يعد كما كان قبل الحرب، فـ”الانتماء اليوم يتجاوز الهويات الطائفية والسياسية الضيقة نحو هويةٍ إنسانيةٍ أوسع”.
وتضيف: “أؤمن بوطنٍ تتساوى فيه الحقوق والواجبات بين جميع المكونات، يقوم على دستورٍ جامعٍ يضمن العدالة والمواطنة الحقيقية. ما تحتاجه سوريا هو عقدٌ اجتماعيّ جديد يُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة بعيداً عن أي تمييز”.
وترى تمّو أن جيل الشابات اليوم أكثر وعياً بضرورة تجاوز الاصطفافات القديمة التي غذّتها الحرب والانقسامات السياسية، فـ”الكثير من الفتيات لم يعدن يجدن أنفسهن في الانتماءات التقليدية، وبدأن بالبحث عن هويةٍ فردية تعبّر عنهن كنساءٍ مستقلات، قادرات على التفكير والتغيير دون أن يحدّهن إطار الجماعة أو الحزب أو الطائفة”.
وتشير إلى أن هذا التحول “لا يعني القطيعة مع الماضي، بل هو نتيجة تراكم خيباتٍ وانكسارات جعلت الجيل الجديد أكثر رغبة في بناء واقعٍ مختلف، يقوم على الحوار والتفاهم لا الصراع”.
وتؤكد أن “اللاانتماء” لا يمكن وصفه بالسلبية، بل هو شكلٌ من أشكال الوعي الجديد الذي أفرزته سنوات الحرب الطويلة. تقول: “الشابات اليوم لا يرفضن الانتماء كفكرة، بل يرفضن أن يُفرض عليهن شكلٌ واحد له، إنهن يبحثن عن مساحةٍ حرة للتعبير عن الذات، وعن هويةٍ سوريةٍ مدنيةٍ تتجاوز الجغرافيا والطائفة”.
وتضيف: “هذا التحول ينعكس في تفاصيل الحياة اليومية للفتيات، سواء في اختيارات الدراسة والعمل، أو في طريقة اللباس، أو حتى في اللغة التي يستخدمنها للتعبير عن أنفسهن”.
وفي ختام حديثها، تشدد تمّو على أن بناء هويةٍ سوريةٍ جديدة أكثر مدنية وإنسانية يحتاج إلى دعمٍ فعليّ من المجتمع والمؤسسات، قائلة: “الفتيات يحتجن إلى بيئةٍ قانونيةٍ آمنة، وإلى تمكينٍ اقتصاديٍّ وتعليميٍّ يترجم إلى ثقةٍ مجتمعيةٍ بهن ومساحةٍ حقيقيةٍ للمشاركة في القرار. المساواة ليست شعاراً، بل ممارسةٌ يومية يجب أن تتحوّل إلى واقعٍ ملموس، حينها فقط يمكن للمرأة أن تكون شريكةً حقيقية في إعادة بناء الوطن”.
جيلٌ يبحث عن خلاصه الإنساني
في المقابل، تتأمل الإعلامية والناشطة الحقوقية إيمان أبو عسّاف معنى أن تكون سورية بعد أكثر من عقدٍ من الحرب، فتقول إن التجربة جعلتها “شاهدة على بؤس العجز الإنساني والأخلاقي”، بعدما سقطت في نظرها شعارات المنظمات الحقوقية والإغاثية التي ادّعت الحياد، واكتشفت أن “العالم المتمدّن اختزلنا إلى هوامش وأشياء، وأن الخديعة كانت كامنة في الثقافة والتاريخ والشعارات”.
وتشير أبو عسّاف إلى أن المحنة السورية أيقظت في داخلها سخطاً على كل أشكال الانتماءات التي بدت لها “قيوداً لا معنى لها أمام سطوة القوة وشهوة السلطة”.
وترى أن الانتماء الطائفي أو الحزبي لم يعد يحمل قيمة تُذكر، موضحةً أنها لم تكن تنتمي يوماً لطائفةٍ بعينها، لكن سنوات الحرب دفعتها إلى إعادة النظر في هشاشة الانتماء أمام الفكر الجمعي الذي يمنح الشرعية لمن يمتلك القوة.
وتضيف: “الفشل السياسي، سواء في الأحزاب أو المبادرات، يعكس حاجةً إلى تجديدٍ حضاريٍّ طبيعي تفرضه قوانين التطور الإنساني”.
وتعترف أبو عسّاف بأنها تعيش عزلةً فكرية نتيجة ابتعادها عن القناعات الجمعية، مؤكدةً أن “الأزمة المركّبة التي يعيشها السوريون دفعتها إلى طرح أسئلة الوجود والمعنى والجدوى”، وأنها باتت تدرك أن الكثير مما تربّت عليه الأجيال “لم يعد قادراً على الصمود أمام متغيرات الواقع”.
وتعتقد أن الجيل الجديد من الشابات، رغم فقدانه لمقومات الحياة، يحمل وعياً ناضجاً تشكّل من عمق المأساة، لكنه ما زال مكبّلاً بحالة الإنهاك والفوضى.
وتقول: “الفتيات فقدن الثقة بكل أشكال الانتماء، وبدأن بالبحث عن أدوار تُعيد لهن الاعتبار”، بعدما لم تعد الصورة النمطية أو الأدوار التقليدية مغرية لهن. وتصف حالة “اللاانتماء” بأنها “مزيج من الوعي والخيبة”، لكنها تمثل تحولاً نحو “الفردانية الخلّاقة التي تُنتج تنوّعاً واختلافاً”، مشيرةً إلى أن هذا التحول يظهر في تفاصيل الحياة اليومية، من تطوير القدرات التعليمية والمهنية إلى اختيار مظهرٍ طبيعيٍّ وعمليٍّ أكثر.
ورغم مقاومة المجتمع لأي تغييرٍ قادم من النساء، ترى أبو عسّاف أن الحرب، رغم قسوتها، فتحت لهن أبواباً جديدة.
“الظروف الصعبة أجبرت النساء على خوض مجالاتٍ لم يكنّ يدخلنها من قبل، والتعبير عن ذواتهن بجرأةٍ أكبر. هذا الجيل سيشكّل هويةً سوريةً مختلفة ومميزة، شرط أن تتوافر له ظروف حياةٍ كريمة وتنظيمٌ جديد يمنح هذا الوعي شكلاً مؤسساتياً متيناً، بدلاً من أن يبقى في حالة سيولةٍ مهدورة”.
وفي النهاية، يبدو أن اللاانتماء لم يعد مجرّد موقفٍ عابرٍ من السياسة أو الطائفة، بل هو مشروع وعيٍ جديد، يتكوّن في صمتٍ على أيدي النساء. بين صوت نجلة تمّو التي تبحث عن وطنٍ عادلٍ جامع، وصوت إيمان أبو عسّاف التي ترى في الفردانية طريقاً للخلاص الإنساني، تنبثق ملامح هويةٍ سوريةٍ جديدة، تقول إن “الانتماء الحقيقي ربما يبدأ حين نكفّ عن الانتماء لما يفرّقنا”.
+963



