الناسانتخابات مجلس الشعبمحطات

المرأة والسياسة في سوريا الجديدة/ هولير حكيم

هل تخوض المرأة السورية معركة جديدة على جبهة إثبات الذات السياسية؟

2025-10-23

كان المشهد السياسي في ظل نظام البعث وحكم الأسد (الأب والابن) مغلقاً ورهين قبضة أمنية شديدة قيّدت الحريات العامة وجعلت مشاركة المرأة محصورة بأدوار شكلية دون تمكين فعّلي. فرغم مشاركتها في البرلمان والوزارات إلّا أنها ظلّت محكومة بسقف النظام الأمني والسياسي.

واليوم، عقب التحولات العميقة التي شهدتها الساحة السورية بسقوط نظام بشار الأسد وبروز حكومة انتقالية، تتجه الأنظار إلى شكل الحكم الجديد وموقع الفئات المهمشة تاريخياً فيه، وعلى رأسها المرأة، حيث تُثار تساؤلات حول مدى التزام الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع بتحويل خطابه السياسي لإجراءات فعلية، خاصة فيما يتعلق بتمكين النساء سياسياً ومشاركتهن في صناعة القرار، إذ يخشى البعض أن تبقى التصريحات ضمن إطار الخطاب التزييني دون أن يكون هناك تغيير جوهري على أرض الواقع.

واقع التمثيل العددي: مشاركة المرأة بالأرقام

بلغت نسبة النساء السوريات في البرلمان خلال عهد نظام بشار الأسد، بين حوالي 10-13%، وكانت الحكومات السابقة تضم عادة 2-3 وزيرات من بين نحو 25-30 وزيراً، غالباً ما تكن في وزارات خدمية أو اجتماعية دون صلاحيات تنفيذية تُذكر، بينما المناصب السيادية بقيت حكراً على الرجال.

وفي الحكومة الانتقالية السورية، لا تزال نسبة تمثيل المرأة في مواقع صنع القرار منخفضة نسبياً، ففي التشكيل الوزاري المؤلف من 23 وزيراً، تمثلت المرأة بوزيرة واحدة فقط، وهي هند قبوات، وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، ما يعكس تمثيلاً لا يتجاوز 4% في السلطة التنفيذية.

أما في البرلمان الجديد، بعد أن أُجريت أول انتخابات انتقالية غير مباشرة في 5 تشرين الأول/أكتوبر 2025، فازت 6 نساء فقط من 119 نائباً منتخباً، أي حصلت النساء على حوالي 4-5% من المقاعد المنتخبة، وهو رقم يقل كثيراً عن النسبة المعلنة في بعض الوثائق القانونية التي نصّت على حصة 20% للنساء في الهيئات الناخبة والإشراف على الانتخابات.

ووفق الصلاحيات الدستورية، يُسمح بتعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب من قبل الشرع (70 عضواً من أصل 210). لذا إن أراد الشرع فيمكنه أن يرفع مستوى التمثيل النسائي في البرلمان ويصوب الثغرات، وفق ما أكد عليه رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، محمد طه الأحمد.

ومع التعويل على تعيين الثلث المتبقي من الأعضاء من قبل الشرع لتصحيح الثغرات، بما في ذلك زيادة الحصة النسائية إلى 20% كما وعد سابقاً، يرى مراقبون، أنّه ثمة ما يوحي بنقص الالتزام الفعلي بالمساواة رغم الوعود.

المرأة السياسية بين دمشق وشمال شرق سوريا

في تصريحات لـ”963+“، يقدّم المحلل السياسي والخبير في العلاقات الدولية، الدكتور إياس الخطيب، المقيم في دمشق، نموذجَين متناقضَين في النظرة للمرأة السياسية داخل الدولة السورية الواحدة، قائلاً: “عقلية الحكومة السورية الانتقالية هي إقصائية تنتمي إلى التيار الإسلامي المتشدد تحاول إقصاء المرأة وتهميشها وإبعادها عن الحياة السياسية والثقافية”.

ويضيف الخطيب، أن تمثيل المرأة في الحياة السياسية السورية في الوقت الحاضر سواء في البرلمان أو المؤسسات الحكومية يكاد أن يكون معدوماً، باستثناء بعض الزركشات التي تحاول الحكومة إضفاءها في سبيل إيصال رسالة للمجتمع الدولي بأن المرأة السورية موجودة وفاعلة في الحياة السياسية والاجتماعية الحالية، وفق تعبيره.

أمّا في منطقة الإدارة الذاتية بشمال شرق سوريا، يرى الخطيب أن المرأة لعبت دوراً بارزاً في الحياة السياسية والعسكرية والاجتماعية منذ تأسيس الإدارة الذاتية هناك، مشيراً إلى أن مشاركة المرأة الكردية أمثال إلهام أحمد و فوزة يوسف في مفاوضات مع الحكومة السورية الانتقالية هو دليل إضافي على قوة الدور الذي تلعبه ودلالة أنها ليست مهمشة بل تمثل طرفاً سياسياً بحد ذاته.

وينوه الخطيب إلى أن نظام الرئاسة المشتركة (رجل وامرأة) الذي يُطبق في جميع مؤسسات الإدارة الذاتية السياسية والمدنية كان نموذجاً فريداً ساهم في تحقيق العدالة الجندرية والمشاركة الفعّالة في صنع القرار، وتمكين المرأة سياسياً واجتماعياً.

بينما ترى الباحثة في قضايا التعددية، لمى الأتاسي، أن الحكومة السورية الجديدة تتعامل بواقعية مع ملف المرأة، ولم تعتمد مقاربة فوقية أو مثالية كما فعلت الإدارة الذاتية كفرض مبدأ 50/50 أو الإدارة المشتركة.

وتوضح أن هذا النموذج لم تصل له الدول الأكثر تحضراً كفرنسا والدول الغربية فكيف يُفرض على مجتمع منهك لم يعالج بعد قضايا جوهرية كجرائم الشرف ودور المرأة الاقتصادي.

وتتابع الأتاسي في حديثها لـ”963+“، أن المشهد السياسي السوري اليوم لا يمكن فصله عن البنية الاجتماعية والثقافية التي تشكّلت عبر عقود من التهميش والاستبداد بفعل سياسات النظام البائد، وتؤكد على أنه من الطبيعي أن يكون هناك ضعف في تمثيل النساء أو في الوعي الشعبي بضرورة مشاركتهن.

وتزيد الباحثة السورية أنه رغم أن المجتمع السياسي ذكوري عموماً ويرفض حضور المرأة، ورغم كون دورها الظاهري يبدو ضعيفاً، لكن لا بد الاعتراف بأن النساء السوريات لعبن دور أساسي وجوهري خلال الثورة السورية ولولاهن لما استمرت الثورة ١٤عام ولما صمدت. 

وفي إطار التعقيب على نسبة التمثيل الضعيفة للمرأة السورية في البرلمان الجديد، تقول الأتاسي: “من المبكر الحكم كون البرلمان في طور التأسيس ولم تتضح معالمه بشكل نهائي بعد، ومع ذلك من المهم أن نتفاعل بإيجابية، ولا نتسرع في النقد السلبي، ولكن ذلك لا يعني إيقاف النقد تماماً بل على العكس النقد البنّاء ضروري ومطلوب لتغيير الأمور وتصحيح المسار”.

التحديات والفرص

ورغم ما تحقق من خطوات رمزية أو فعلية في تمكين المرأة سياسياً في بعض المناطق السورية، لا تزال المرأة تواجه تحديات عميقة تعيق حضورها الكامل في الحياة السياسية، أول هذه التحديات يتمثل في البنية الذكورية للمجتمع السوري، والتي ما زالت تنظر إلى العمل السياسي على أنه مجال “خاص بالرجال” ما يفرض قيوداً اجتماعية وأحياناً عائلية على انخراط النساء في العمل العام.

وكان رئيس لجنة الانتخابات، محمد طه الأحمد، قد وصف مشاركة النساء في انتخابات مجلس الشعب بـ”المحدودة”، مفسّراً ذلك في تصريحات له إلى ‘‘عادات المجتمع السوري التي ما تزال تشكّل عائقاً أمام انخراط النساء في الحياة السياسية بشكل أوسع.

وفي هذا السياق، يعقّب الخطيب، أن من أبرز التحديات هي الخلفية الإيديولوجية للحكومة السورية الحالية وللفصائل المسلحة المرتبطة بها التي لا تؤمن بالمساواة بين الجنسين، ولا ترى في المرأة فاعلاً سياسياً، كما أن غياب الأطر القانونية الضامنة للمساواة السياسية، مثل الكوتا النسائية الملزمة، أو القوانين التي تحميهن من الإقصاء أو التمييز داخل الأحزاب والمجالس، تشكل تحديات إضافية.

وتختلف الأتاسي مع الخطيب في عدة نقاط، حيث ترى أن موضوع المساواة ليس ضمن أولويات الحكومة الحالية، لأنها تركز على قضايا الاستقرار وإعادة الإعمار، كما ترى أن الحكومة الحالية لم تسعَ إلى فرض مشاركة النساء عبر الكوتا، بل اختارت أن تترك المجال للمجتمع ليتطور بشكل طبيعي، دون أن تحرق المراحل أو تصطدم بالقيم السائدة. وهذا خيار واقعي في بلد خرج من سنوات طويلة من الحرب والتفكك، وفق رؤية الأتاسي.

وتردف الباحثة في قضايا التعددية قائلةً: “حضور النساء ضعيف في الفضاء العام السياسي، لكن هذا لا يعني أن المستقبل سيكون بذات المنحنى بل ربما بعد مرحلة الاستقرار والأمان يمكن رؤية تغيرات عميقة خصوصاً مع دخول أجيال جديدة أكثر وعياً وانفتاحاً”.

ومن المهم الانتباه إلى أن تمكين المرأة في الحياة العامة، وخاصة في السياسة، لا يبدأ من المؤسسات الرسمية فقط، بل من أبسط الحلقات الاجتماعية، الأسرة والمدرسة، لذا يجب أن تُربى الفتيات منذ الصغر على الثقة بالنفس وعلى الشعور بأن لهن دوراً طبيعياً وشرعياً في الشأن العام، تماماً كالفتيان، عبر حملات التوعية، وفق الباحثة السورية.

وتنهي الأتاسي حديثها بأن هناك نضال نسائي ومجتمعي لم يجد بعد المساحة الكافية للتواجد، كما توجد كوادر نسائية مثقفة وذات خبرة في الداخل والشتات قادرة على خلق نخبة سياسية نسائية فاعلة، إذا ما أُتيح لها الدعم والفرص المناسبة.

بينما يختم الخطيب بالقول: “المجتمع السوري بوضعه الحالي يجب أن يعود لسكته الصحيحة وذلك بتضافر مكوناته كافة وبأيدي نسائه قبل رجاله، وهذا يتطلب وعياً فكرياً وتحرراً على المستويات كافة، وإلغاء فكرة التمايز بين الجنسين، وذلك يتطلب وجود وإنشاء حكومة أكثر اعتدالاً وانفتاحاً وتحرراً تواكب مفردات العصر والحضارة بوجهها الحديث”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى