سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

بعد أكثر من عقد على تغييبه قسرًا.. طرح جائزة باسم الفنان زكي كورديلو

23 أكتوبر 2025

عام 2012، وبينما كانت الأحداث في سوريا تتجه نحو التصعيد، داهمت عناصر مسلحة تنتمي إلى القوات الرديفة للجيش السوري، منزل الفنان المسرحي زكي كورديلو (1950 – مغيّب قسراً منذ 2012) في حي دمر القريب من العاصمة دمشق، واعتقلته مع ابنه مهيار وعدد من أصدقاء العائلة، كما صادرت سيارته وأجهزة الكمبيوتر الشخصية ومبلغًا نقديًّا، ورغم المطالبات والمحاولات العديدة لمعرفة مكان اعتقاله، لم تستطع زوجته ومُحبوه الحصول على أية معلومة، ليصبح في عداد المُختفين قسرًا حتى تاريخ هذا اليوم.

وإذا كان الغياب القسري نجح في انتزاع جسده من المشهد، فإنه فشل في انتزاع حضوره من ذاكرة الناس، ففي غيابه الطويل، لم يُمح أثر كورديلو، بل بقي حيًّا في ذاكرتنا، في الضمير، وفي الفن الذي يبقى حين يغيب أصحابه، وهو ما ينسحب على الآلاف ممن غيبهم نظام الأسد “الأب والابن” قسرًا، ومن اعتقلهم وعذبهم، منذ بدء الثورة حتى لحظات السقوط المُدوية. وعلى أن المطالبة بكشف مصير السوريين الذين ندين لهم بما نحن عليه اليوم، خطوة لا بد منها في طريق العدالة، فالأمر ليس سياسيًّا فقط كما يبدو، إنما ثقافي أيضًّا، يؤدي فيه الفن دور المُوثّق والمُؤرشف، للأسماء والوجوه، وللثورة السورية التي غيّرت كل شيء حولنا، وهو ما تسعى إليه منصة “كواليس بلس” التي أطلقت مؤخرًا “جائزة زكي كورديلو للحرية والإبداع الفني”، تكريمًا لمسيرة فنان لم ينكسر أمام القمع، وبقي صوته حاضرًا رغم غيابه منذ ما يزيد على عقد من الزمن.

الروائي والمشرف على المنصة غيث حمور، استعاد في بيان نشرته صفحة المنصة في فيسبوك، تجربة الممثل والمخرج المسرحي زكي كورديلو، والذي “يُعدّ من القلائل، وربما الوحيد، الذي حمل على عاتقه مهمة إحياء لون مسرحي كان على وشك الاندثار؛ مسرح خيال الظل. ولم يكتفِ بإعادة تقديمه كما هو، بل عمل على تأصيله ضمن رؤية جديدة، ليصبح مشروعه الفني الخاص، جامعًا بين الحفاظ على التراث وإدخاله في صُلب الحاضر”. وإلى جانب ذلك، “اشتغل كورديلو على المسرح المعاصر، مُشاركًا في العديد من العروض وإخراج بعضها، كما تولى إدارة مسرح العرائس، الذي أراده أن يكون جزءًا من طريقه في خدمة خياره الفني بخيال الظل. عاش مخلصًا لهذا المشروع، مدافعًا عنه أمام خطر التهميش والاندثار، وواصل العمل عليه في صمت وإيمان عميق، وفي رصيده التلفزيوني والسينمائي أيضًّا أكثر من 20 عملًا منها أسمهان، أهل الراية، سيلينا”.

ومع انطلاق الثورة السورية عام 2011، يضيف حمور “انحاز كورديلو بصوتٍ هادئ وضمير حي إلى جانب الحرية والكرامة، دون شعارات صاخبة أو مواقف استعراضية. لكن ذلك لم يشفع له عند الأجهزة الأمنية، فكان من أوائل ضحايا الاعتقال والإخفاء القسري”. مُؤكداً أن غياب كورديلو لم يُلغِ حضوره، بل جعله رمزًا للمسرحي الحر، الذي دفع حياته ثمناً للوقوف مع الحرية. واليوم، “حين نذكر مسرح خيال الظل، لا يمكن أن نستحضر اسمًا آخر غير اسمه، لقد ترك مشروعًا سيبقى منارة للأجيال الجديدة، وإلهامًا للشباب المسرحي الذي سيواصل المهمة، وفاءً لرجل آمن أن الفن طريق حضاري للتغيير”. وفي هذا السياق “أطلقت منصة كواليس بلس جائزة زكي كورديلو للحرية والإبداع الفني، المكرّسة للاحتفاء بفن الرواية والنصوص المسرحية، تكريمًا لذكراه وتخليدًا لقيم الحرية والإبداع التي عاش من أجلها”.

بدوره، عميد المعهد العالي للفنون المسرحية غطفان غنوم، وأحد المشاركين في مبادرة المنصة، تحدث في تسجيل مُصوّر عن موقف كورديلو من الثورة السورية، والذي يستحق كل التقدير: “أمام إنسان ومواطن وفنان كبير مثل زكي كورديلو، تقف الكلمات حائرة حقيقة. أخلص لفنه وبلده، ودفع حياته ثمنًا للحرية التي نتمتع بها جميعنا اليوم، فكان مثالًا للفنان الحقيقي، الجوائز تتكرم وتتشرف بإنسان مثله”. بدوره، أشار الإعلامي الدكتور عبد القادر المنلا إلى أنّ “الجائزة خطوة هامة لإعادة ترسيخ اسم فنان ضحى بحريته ليقف مع الثورة، وقيمها”، مؤكدًا أن “هذه الجائزة لا تُكرّم زكي كورديلو فقط بل تُذكّر الأجيال بأن الإبداع لا ينفصل عن الحرية”.

وأوضح المنلا في تسجيل بثه عبر صفحته في فيسبوك أن المبادرة التي أطلقها الروائي غيث حمور، تستحق الوقوف عندها لأنها تتعلق بأحد رواد المسرح السوري الذي غُيّب قسرًا بسبب مواقفه الأخلاقية والانسانية، ورفضه مناصرة رواية النظام كما فعل كثيرون، زكي كورديلو، عدا عن أنه ظُلِم خلال فترة وجود النظام السوري البائد، وخلال الثورة أيضًّا. مُضيفًا “المبادرة رائعة لأن كثيرًا من المغيبين منسيون، ولا سيما من قدموا بصمت، لذلك فهي تعيد ترسيخ اسم ضحى بحياته وحياة ابنه، ولازالا من المفقودين حتى اليوم. سوريا في أيدٍ أمينة طالما أن لدينا من يرفضون نسيان الآخرين، ويسعون لتقديرهم، لذلك فإن إطلاق الجائزة بجزأيها المادي والمعنوي، لفتة جميلة جدًّا، يجب أن تحظى بالدعم والاهتمام”.

وقالت المنصة في بيان نشرته عبر حساباتها في وسائل التواصل إن الجائزة “ليست مجرد تكريم رمزي، بل منبرًا لتكريس الحرية كقيمة أساسية في العمل الفني، والاحتفاء بكل من يرى أن الكلمة قادرة على كسر الصمت وصناعة الأمل”. مشيرةً إلى أن هدفها دعم الرواية والنصوص المسرحية التي تحمل رؤية إنسانية وتطرح أسئلة الحرية والعدالة، إضافةً إلى تكريم الأصوات الجديدة والمبدعة في الأدب والمسرح السوري والعربي، وربط الإرث الفني والإنساني لكورديلو بروح الحاضر والمستقبل، وتخليد اسمه في ذاكرة الثقافة.

أما عن مجالات المشاركة فهي “الروايات العربية المنشورة بعد 1-1-2024، النصوص المسرحية المنشورة أو غير المنشورة أو المعروضة بعد 1-1-2024″، ويُمنح الفائز جائزة مالية قيمتها ألف دولار أمريكي وشهادة تقدير. وفي شروط التقدم إلى جائزة زكي كورديلو للحرية والإبداع الفني، فيحقّ لجميع الكتّاب العرب التقدّم للجائزة، دون أية شروط محددة، على أن يُغلق باب التقديم بتاريخ 15 كانون الأول/ديسمبر 2025.

الترا صوت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى