تاريخ

درويش فرنسي على باب حلب: أوراق من سيرة جوليان جلال الدين فايس/ شام السبسبي

24-10-2025

        في الذاكرة الموسيقية للمدن، تبزغ حلب شاهداً فريداً على تلاقٍ تاريخي بين الشرق والغرب؛ فبها مرّ آلاف الرحالة والتجّار والمستشرقين، اختلفوا في مقاصدهم، ولكنهم أجمعوا على أن في موسيقى هذه المدينة شيئاً غريباً يختلف عمّا في موسيقاهم ومدارسهم وآلاتهم.

        دوّنَ بعض هؤلاء ما عبّروا به عن دهشتهم، بينما ألّف آخرون ألحاناً تستلهم مقامات حلب النابضة بالحياة وإيقاعاتها «التي تُقاس بالشعور قبل الزمن»، حدَّ وصفِ أحدهم. بينما اختار قلّة منهم البقاءَ في المدينة ودراسة الموسيقى فيها.

        في القرن الرابع عشر كتب المُستشرقان «غيوم دي تيير» و«جان دي بلانكار» في مذكّراتهما عن حلب بوصفها «مدينة الألحان والعود»، وعن نظامها الموسيقي الفريد الذي يمزج بين الحسّ والدقّة الرياضية، وهو الأمر الذي كانت تفتقد إليه الموسيقى الكنسيّة الغربيّة في نظرهما.

        وسجّلَ المستشرق الألماني «ألبير لوكونت» انطباعه بعد زيارته المدينة في القرن التاسع عشر، مشيراً إلى لحظة ساحرة عاشها عندما قابل عازف عود حلبي في أحد خانات المدينة، موضحاً أنه لم يسمع في حياته نغماً يُذيب الوقت كما هو النغم الحلبي.

        في منتصف القرن العشرين، أقام الملحّن الروسي «جورج إيفانوف» في المدينة لفترة وجيزة من الزمن، وترك شهادة تُظهر عمق تأثّره بالموسيقى الحلبية التي وصفها بأنها ذاكرة حيّة تمتدّ لآلاف الأعوام، وأن موسيقيِّي المدينة يعزفون وكأنهم يروُون تاريخها كاملاً.

        كانت حلب مدينة تختبر كلَّ من يقف على خشباتها، فلا ترحم الهواة، ولا تمنح الثقة لأيّ موسيقي قبل أن يُثبت أصالته ومقدار فهمه للنغم. كان المغنّي والملحّن المصري العملاق «محمد عبد الوهاب» بذاته قد خضع لاختبار صارم بحسب لقاءٍ أدلى به لإذاعة دمشق، قبل أن يسمح له موسيقيّو المدينة بالغناء على خشبة أحد مسارحها، حيث رُفعت الستارة عن الشاب المصري القادم من القاهرة ليجد على مقاعد الجمهور التي تتسع لألفي شخص، نحو عشرين شخصاً من عمالقة الفنّ الحلبي و«السَّمّيعة»، ممن جاؤوا لاختباره ومراقبة صوته، وبعد أن أدّى ما لديه أمامهم أُعجبوا به، وسمحوا له بالغناء في نهاية المطاف.

        بداية الرحلة

        بعد مضيّ أربعة عقود على اختبار حلب لعبد الوهاب في ثلاثينيات القرن الماضي، قصدَ المدينةَ موسيقي فرنسي نحيلُ الوجه والجسد اسمه «جوليان فايس» ليخوض فيها اختباراً مشابهاً، ولكنّ الأمر لم يقتصر على اختبار عابر، بل كان مجيء فايس إلى حلب بداية موسيقية جديدة للشاب العشريني.

        في منتصف السبعينيات تحديداً، كان سكّان باريس مفتونين بأنماط الموسيقى الغربية الحديثة، بينما كانت مدارسهم تفيض بالنظريات والتقنيات الجديدة، وكان من بين هؤلاء شابّ أنهى لتوّه دراسة الغيتار الكلاسيكي في مدرسة École Normale de Musique de Paris دون أن يكون قد ألّفَ ولو نغمةً واحدة. وهو الشابّ الذي ستنقلب حياته رأساً على عقب في عام 1976 على أرض القاهرة.

        ففي مكتب مدير المركز الثقافي المصري فاروق حسني، كانت تدور أسطوانة للملحّن العراقي وعازف العود الشهير منير بشير، بينما كان فايس في زيارةٍ للمركز. أصغى جوليان إلى الأنغام باهتمام بالغ، ولم يدرك حينها أنها كانت بوابة إلى عالم سيغوصُ فيه طويلاً. وصفَ جوليان هذه اللحظة بعد سنوات طويلة بأنها «بداية الافتتان بالموسيقى الشرقية ولحظة التحوّل الداخلي».

        ومنذ تلك اللحظة، بدأ فايس رحلته بين العواصم الشرقية؛ فمن القاهرة إلى بيروت، ومنها إلى حلب فإسطنبول، ارتحلَ الشاب المهووس بنغمات العود بين المدن العتيقة، مُتتبِّعاً أثرَ المقامات والموسيقى الشرقية. بينَهُ وبينَ نفسه بدأ يغوص شيئاً فشيئاً في أسرار التصوّف، فيكتشف ذاته بنغم أو بيت شعر يُنشَد في زاوية صوفية.

        لقاء تاريخي

        وبحلول عام 1986 كانت بغداد شاهدة على لقاء تاريخي حاسم، ففي فندق «ميليا منصور» وقف فايس بدعوة من أُستاذه الأوّل منير بشير ليُشارك في مهرجان موسيقي هو بمثابة اختبار غير مُعلَن: امتحان الروح أمام آلة القانون، الآلة التي أصبحت رفيقته بعد أن ترك الغيتار غيرَ نادم. لم يكن اللقاء عاديّاً، بل أشبه بلحظة مواجهةٍ بين شيخ ومُريد، فقد أسّسَ فايس قبل ثلاث سنوات من هذا اللقاء فرقة «الكندي» التي قدّمت الموشّحات والقدود الحلبية، وكان عليه أن يُثبت لأستاذه أن الموسيقى بالنسبة إليه ليست نزوةَ مستشرقٍ غربيّ، وإنّما سلوكاً وطريقة نحو الفهم.

        عزف جوليان، برغبة من منير بشير، برفقة المطرب العراقي الشهير حسين الأعظمي، وحدثت معجزة الفهم دون لغة. فكتب الأعظمي في ذكرياته عن هذه المرحلة قائلاً إنّه وجوليان لم يُتقِنا التحدُّثَ إلا ببضع كلمات؛ فالأخير لا يعرف إلا كلمات قليلة من العربية، والأعظمي بالكاد ينطق الإنكليزية، لكن الموسيقى كانت وسيلة التخاطُب بينهما. وعلى مدار جلساتٍ طويلة، درّبه الأعظمي على ثمانية مقامات عراقية، وتمّ تسجيل اللقاء ليبقى شاهداً على حوار بين عازفٍ غربي على آلة القانون وصوتٍ ومقامٍ عراقي أصيل.

        فيما بعد غيّرَ فايس عقيدته إلى الإسلام، وقال إنه «مسلم شاعري تجذبه النشوةُ وحبُّ الله»، وأطلق على نفسه اسم جلال الدين تكريماً للعالم الصوفي جلال الدين الرومي، وصار يرتدي الأزياء الحلبية التقليدية حتى أطلق عليه الحلبيون لقب «لورانس عرب الموسيقى الحلبية». وكانت هذه الوقائع المختصرة مفتاحاً لفهم التحوّل الجذري في حياة الرجل الفرنسي، الذي أصبح فيما بعد أحد أعلام التراث الموسيقي الشرقي.

        منزل موسيقي

        بين جدران وحجارة تعود إلى القرن السادس عشر، وفي أزقّة حلب القديمة العابقة بروائح الغار والتوابل، وتحديداً في حيّ «باب قنسرين»، اتّخذَ فايس لنفسه منزلاً تراثياً عريقاً صار فيما بعد مقاماً للموسيقى والطَرَب والتدريب والحفلات الموسيقية.

        وحول علاقة فايس بذلك البيت، يقول الموسيقي الحلبي عمر سرميني، الذي كان عضواً في فرقة الكندي، لموقع الجمهورية.نت: «لقد بنى المنزلُ جسوراً من المحبّة بين جوليان وأهل حلب، فتقرّبَ من موسيقيِّيها وفنّانيها من خلال السهرات والأمسيات التي أقامها فيه».

        ويستعيد الباحث سلام الكواكبي ذكرياته عن هذا المنزل، مشيراً إلى أنه كان مُشرَعَ الأبواب دائماً، فعرّجَ عليه الحلبيون والغرباء والسيّاح وكثير ممن مرّوا صدفةً بحلب.

        ويمكن القول إنّ حلب كانت بالنسبة لفايس منزلاً ومُختبَراً فنّياً ومحطةً اجتماعيةً ذات أهمية بالغة. كان بيته صالوناً موسيقياً تحوَّلَ فيه اللحن إلى ممارسة يومية، فضمَّ عازفين ومنشدين محليين وعرباً وغربيين، وسُجِّلَت فيه مقطوعات وأداءات كثيرة، فصار للمنزل طابعٌ طقوسيٌّ تحضر فيه الموسيقى كممارسة اجتماعية وروحية تزيل حدود الزمان والمكان بين الفنان الفرنسي والتراث الموسيقي للمدينة.

        من المحلية إلى العالمية

        وكان التفاعل مع الموسيقيين جزءاً أساسياً من منهج فايس، فاستقدم إلى فرقة الكندي عدداً من الأسماء البارزة في الوسط الموسيقي الحلبي من منشدين وعازفين، وتعاون مع أسماء كبيرة كـ حسين الأعظمي، وشيخ المنشدين صبري مدلّل، والشيخ أديب الدايخ الذي أدّى معه ألبومات عُرفت فيما بعد بألبومات «الغزل»، بالإضافة إلى الملحّن الشهير الشيخ حمزة شكّور، والتونسي لطفي بوشناق، وغيرهم.

        وعملَ فايس بالتعاون مع هؤلاء الفنانين على توثيق القدود والموشّحات وإرث الإنشاد الصوفي، ورافقهم على آلته (القانون) محاولاً أن يُجرّد الآلة من الاستسهال الأوروبي أو التبسيط الفلكلوري. وعن ذلك يقول سرميني: «لقد أدّى جوليان المقامَ الشرقي أداءً أقرب إلى الأذن الشرقية، وأبدع في التقاسيم بعد أن تعاون مع موسيقيِّي حلب، وأدّى الموشّحات والقصائد والقدود وكلّ أنواع الطرب والموسيقى الحلبية بشكل مُتقن».

        رأت العديد من المرجعيات الفنّية الغربية والصحف المختصّة في مشروع فايس جسراً بين شرق يريد الحفاظ على تراثه وغرب يحاول فهم هذا التراث. وكتبَ المستعرب الفرنسي جيل كيبيل واصفاً فايس: «لقد كان موسيقياً كبيراً استطاع جعل الموسيقى التراثية العربية متاحة للجمهور الغربي بعد أن حملها من حلب إلى جميع أنحاء العالم». قدّمَ فايس مع فرقته عروضاً في العديد من المسارح العربية والعالمية، من بيروت والمغرب إلى باريس وإسبانيا وأمريكا وبريطانيا والبرازيل.

        ويصف سرميني هذه العروض بأنها «أثمن» ما قدّمه جوليان للمدينةو بعد أن أخذَ تُراثَهَا الموسيقي ليجول به كلَّ مدن العالم، بينما قدّمت له المدينة بالمقابل منزلاً جميلاً وطقوساً فنّية ألهمته ليصير هو وموسيقاه جزءاً من هذا التراث، وحاضراً دائماً في ذاكرة المجتمع الحلبي.

        جلال الدين

        أمّا على المستوى الشخصي، فارتبطت إقامة فايس في حلب بتحوّل روحي عميق بعد أن اعتنق الإسلام وسَمّى نفسه جلال الدين، تكريماً للتراث الصوفي الذي خلّده في موسيقاه. هذا التحوّل عزّزَ صلته بالمجتمع المحلي في حلب وحلقات فنونها الشعبية والدينية، وجعله وسيطاً حقيقياً بين عالمي الشرق والغرب. ويؤكّد الكواكبي أن فايس كان محبوباً من محيطه الشعبي في مكان سكنه في باب قنسرين، وقد حاز على اهتمام أهل حلب ومحبّتهم، ولا سيّما الأثرياء منهم وأبناء الأسر العريقة. جميع هؤلاء لم يتوقفوا عن حضور صالوناته الموسيقية.

        لم تكن حلب في حياة جوليان محطة عابرة كباقي المدن؛ فتجربته معها حوّلته من هاوٍ مفتون بموسيقى الشرق إلى موثِّق وعازف، ينتمي إلى هذا التراث كما ينتمي إليه أبناؤه. عاش الموسيقي الفرنسي معظم حياته في حلب قبل أن يغادرها ويتوفّى في باريس عن عمرٍ يناهز 61 عاماً. وبينما دُمِّرَ منزله الأثري بالكامل خلال سنوات الحرب، ونُهب كلّ ما فيه من أثاث وتحفٍ شرقيةٍ نادرة، وانتُزع بلاط أرضيته وجدرانه، إلا أن التسجيلات والأشرطة والأقراص التي أنتجها مع موسيقيِّي المدينة في هذه الدار حُفِظَتْ، وظلّت ذاكرة حيّة ومرجعاً للباحثين والمهتمين بالموسيقى الحلبية حتى بعد رحيل فايس عن مدينته الأثيرة.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى