سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

غيمة التحوّلات الكبرى/ يعرب العيسى

21 أكتوبر 2025

يذكر الجيل الذي عاصر سنوات الوحدة مع مصر (1958 -1961) تلك الحقبة أنها كانت سنوات قحط. وانحباس المطر ثلاث سنوات ليس فقط أكثر ما علق بذاكرة السوريين عن تجربة الوحدة، بل الأرجح أنه كان عاملاً رئيسياً في نهايتها السريعة.

حين سمعت خبيراً أممياً في عام 2011 يتحدّث عن أهمية العامل البيئي في انفجار الثورة السورية، أصابتني الدهشة الممزوجة بالاستنكار، وقلت لنفسي: ها هو واحد آخر من المستشرقين المتعالين الذين يأتون إلينا بأفكار جاهزة تعلموها في جامعاتهم المترفة، ويريدون قياس كل شيء عليها. ما علاقة البيئة بثورة شعبٍ خرج ليستعيد كرامته المهدورة وحرّيته الحمراء؟

بعد عامين، رأيت خريطة للمناطق الأكثر تضرّراً من موجة الجفاف التي ضربت سورية بين 2008 و2011، مركّبة على خريطة أخرى لتوزع الفصائل العسكرية، والتي كانت في ذلك الوقت تزيد عن 1600 فصيل. ورأيت تطابقاً بين الخريطتين. ثم قرأت تقارير عن الهجرة التي حصلت من منطقة الجزيرة بسبب جفاف الخابور، وخروج مئات آلاف الهكتارات من خريطة الأراضي الزراعية، ونزول مئات آلاف الناس إلى خط الفقر.

هذه أشياء كافية لتعيدنا إلى مراجعة كل حقب التغيرات الكبرى التي مرّت بسورية، والمدهش أننا سنصل إلى نتيجة، وهي أنها جميعاً ترافقت أو جاءت على ذروة موجة جفاف، أو ما يشبهه.

السنتان اللتان سبقتا نهاية الدولة العثمانية كانتا سنتي جفاف، تفاقم بأخذ كل الشباب إلى الحرب، وهم قوة العمل في مجتمع زراعي كالمجتمع السوري، وتوّج بموجة من أسراب الجراد في ربيع 1915، قضت على القليل المتبقي في الأراضي الزراعية. واحتفظ التاريخ السوري لتلك السنة باسم “سنة الجوع”، وهو اسم لائق بسنة جفاف وحرب، في بلاد يقوم اقتصادها على بعل (المطر).

حتى سنوات نهاية الستينيات التي شهدت انقلابات البعثيين بعضهم على بعض، كانت سنوات جفاف أيضاً، وفي سنة 1968 أطلق برنامج الغذاء العالمي حملة دولية لمكافحة الجوع في سورية، وقد صكَّ المصرف المركزي ليرة تذكارية نقش عليها: حملة مكافحة الجوع. ورسم عليها خمس سنابل قمح.

بالعودة أكثر في التاريخ، نجد أن نهاية المماليك جاءت بعد خمس سنوات قحط تلت عقوداً من الرخاء، ونهاية الدولة الأموية جاءت في ذروة موجة طاعون، قتلت ثلاثة من كل أربعة جنود. ولأن التاريخ لم يدوّن تفاصيل الحياة اليومية وظروف المناخ في الحضارات والإمبراطوريات الأقدم، فنحن لا نعرف هل كان نهاية الآراميين أو الإغريق أو الفرس في بلاد الشام، مترافقة مع سنوات قحط. ولكن كل التاريخ المدوّن يؤكد وقوع تلك “المصادفة”، وهي ظروفٌ بيئيةٌ سيئة تترافق دائماً مع نهاية حقبة سياسية وبداية حقبة جديدة.

لا أقول إن التغيير يحصل بسبب هذا العامل فقط، ولكن الزراعة البعلية هي الحلقة الأولى في دور الاقتصاد في هذه البلاد على مرّ القرون، وضعف الحلقة الأولى سيؤدي إلى ضعف باقي الحلقات في السلسلة، والضعف الاقتصادي سيؤدّي إلى نزق المجتمع، والنزق الجماعي سيؤدّي بالضرورة إلى تغيير اجتماعي، وفق مبدأ تراكم الكمّ الذي يؤدّي إلى تغير الكيف.

شتاؤنا السابق كان أسوأ شتاء مرّ علينا في سورية منذ سنوات الوحدة، والذي سبقه كان متوسّطاً، ونحن داخلون على شتاء ثالث، إذا كان جافاً كسابقيه، فنحن أمام خطر اقتصادي ثم اجتماعي، وسيحتاج إلى تفكير مختلف وحلول مختلفة.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى