منوعات

فريلانسرز خلف الشاشات: الهروب من البطالة إلى الاستغلال والوقوع ضحية الاحتيال/ هاديا منصور

22-10-2025

        في غرفة صغيرة لا يضيئها سوى شاشة حاسوب، يجلس رامي الخطيب، وهو شاب سوري في العشرينات من عمره، مُحدّقاً في منصة عمل حر عالمية، يُقلّب عروضاً لا تتجاوز أجور معظمها 10 دولارات مقابل ساعات طويلة من الجهد، يشرب قهوته الباردة ويهمس لنفسه: «ما في خيار تاني، يا نشتغل بهالشروط، يا ما منعيش».

        من خلف هذه الشاشات، تمتد حكايات آلاف الشباب السوريين الذين وجدوا في العمل الحر على الإنترنت متنفساً وحيداً بعد انهيار الليرة السورية وندرة فرص العمل المحلية، إذ بلغت نسبة البطالة في سوريا 60 بالمئة وفق ما صرح به وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار في لقاءٍ خاص نظّمه مجلس الأعمال السوري التركي في إسطنبول الشهر الفائت، غير أن هذا «الخلاص الرقمي» ما لبث أن تحول إلى ميدان قاسٍ من المنافسة، والاستغلال، وأحياناً الاحتيال الصريح.

        وباتت منصات العمل الحر مثل Upwork، وFreelancer، وMostaql، وSyrianLancer، المقصد الأول لشباب سوريا الباحثين عن مصدر دخل بالدولار. ومع ذلك، يواجهون تحديات متشابكة تبدأ من تدني الأجور بسبب وفرة العرض، مروراً بغياب العقود القانونية أو ضمانات الدفع، وصولاً إلى صعوبة تحويل الأموال بسبب العقوبات الاقتصادية التي تعزل النظام المالي السوري عن العالم.

        ووفقاً لتقديرات خبراء اقتصاديين محليين، تضاعفَ سوق العمل الحر غير الرسمي في سوريا ثلاث مرات منذ عام 2020، حتى غدا أحد أبرز مصادر الدخل الجديدة، غير أن وراء هذا النمو، تتكشّف قصص استغلال شباب وشابات يقدمون مهاراتهم بثمن بخس.

        وبين مصممين، ومترجمين، ومطوري برمجيات وكاتبي محتوى، تختلف المهارات وتتشابه المعاناة، التقينا بعدد من العاملين عبر الإنترنت من مدن سورية مختلفة، تحدثوا عن تفاصيل يومهم، وطرق حصولهم على العمل، والبلدان التي يتعاملون معها، فضلاً عن المصاعب التي تطاردهم من أول نقرة حتى لحظة استلام الأجر إن وصل.

        وتحدث رامي، وهو مصمم غرافيك من محافظة إدلب، للجمهورية.نت عن تجربته المريرة في العمل عبر المنصات الحرة على الإنترنت، وقال إن بدايته اتسمت بالحماس والرغبة في إثبات نفسه في سوق العمل العالمي، لكنه سرعان ما اصطدم بواقع قاسٍ تُهيمن عليه العروض الزهيدة مع غياب الضمانات القانونية.

        في إحدى تجاربه، عمل رامي مع عميل هندي على تصميم مجموعة من الشعارات بأجر لا يتجاوز عشرة دولارات لكل شعار (لوغو) عبر منصة Upwork أنجز العمل خلال أسبوع كامل دون أن يتلقى أي مقابل في النهاية، إذ اختفى العميل بعد التسليم ولم يرد على أي من رسائله، بل وقام بتغيير رقم هاتفه. حاول رامي حينها تقديم شكوى عبر المنصة، إلا أن غياب عقد رسمي بين الطرفين حال دون حصوله على حقه أو حتى إثبات الواقعة.

        ويقول رامي إن تلك التجربة كانت صادمةً له، لكنها في الوقت ذاته منحته درساً قاسياً في كيفية التعامل مع العملاء، حيث بات أكثر حذراً، لكن ضعف الفرص وندرة العروض المجزية تدفعه في كثير من الأحيان لقبول أعمال بأجور متدنية للغاية.

        ويُشير إلى أن معظم عملائه يأتون من دول مثل الهند وبنغلادش والفلبين، حيث «يُدرك الكثير من أصحاب المشاريع هناك الوضع المعيشي الصعب الذي يعيشه السوريون، فيستغلون حاجتهم للعمل ويعرضون أجوراً زهيدة مقابل ساعات طويلة من الجهد»، مؤكداً أن هذا النوع من الاستغلال أصبح ظاهرة راسخة في سوق العمل الحر، حيث يتنافس آلاف الشباب السوريين على مشاريع محدودة بأثمان لا تنصف قيمة الوقت والمهارة المبذولة فيها.

        ويؤكد رامي أن المشكلة لا تتعلق بالأفراد فقط، بل بغياب أي آلية تحمي حقوق العاملين المستقلين في سوريا، مشدداً على ضرورة إيجاد تنظيم قانوني أو نقابي يضمن حقوقهم ويضع حداً لعمليات الاحتيال والاستغلال التي يتعرضون لها بشكل متزايد.

        أما لين حمو، مترجمة مستقلة من دمشق، قالت إن مهنة الترجمة من الإنكليزية إلى العربية والعكس أصبحت مصدر دخلها الأساسي خلال السنوات الأخيرة، إذ تعمل مع عملاء من أوروبا، وخصوصاً من ألمانيا وبولندا، عبر المنصات الرقمية مثل Freelancer لكنها تُشير إلى أن أكبر عقبة تواجهها هي صعوبة استلام مستحقاتها المالية نتيجة غياب الخدمات المصرفية الدولية مثل «بايبال» وعدم إمكانية التحويل البنكي المباشر داخل سوريا.

        تضطر لين إلى التعامل مع وسطاء ماليين عبر تطبيق واتساب لاستلام مستحقاتها، وهؤلاء يتقاضون عمولات مرتفعة تتراوح بين 30 و40 في المئة من قيمة المبلغ، وقد تزيد أحياناً عن ذلك. وتصف هؤلاء الوسطاء بأنهم «يشكلون شبكة ظل مالية» تعمل خارج أي إطار قانوني أو رقابي، حيث تتم التحويلات نقداً، وبناءً على الثقة الشخصية فقط.

        وتوضح أن بعض الوسطاء بنوا سمعة جيدة بمرور الوقت، في حين استغل آخرون غياب الرقابة، ليستولوا على أموال المترجمين والعاملين المستقلين، ثم يتوارَوا عن الأنظار بعد تلقيهم مبالغ كبيرة، كما حدث معها في نهاية العام الماضي عندما فقدت جزءاً كبيراً من مدخراتها عقب عملية تحويل لم تكتمل.

        وتختتم لين مؤكدة أن هذه المعاناة لا تخص المترجمين وحدهم، بل تشمل كل من يعمل في الوظائف الرقمية عبر الإنترنت داخل سوريا، فمعضلة التحويلات المالية تُعدّ العائق الأكبر أمام استمرار هذا النوع من العمل رغم أنه يمثل المنفذ الوحيد للكثير من الشباب في ظل الانهيار الاقتصادي المستمر..

        أما عمر عرفات، وهو مبرمج من ريف حلب، يعمل في مجال تطوير المواقع الإلكترونية لشركات صغيرة في تركيا وماليزيا وبات عمله هذا مصدر رزقه الأساسي خلال السنوات الأخيرة، يرى أن الأسعار في هذه الأسواق مقبولة نسبياً، غير أن المنافسة الشرسة تجعل فرصة الحصول على المشاريع أمراً بالغ الصعوبة.

        ويُضيف للجمهورية.نت أن الإقبال الكبير من المبرمجين حول العالم على المنصات الرقمية يجعل كل إعلان عن مشروع يجذب آلاف المتقدمين، ما يدفع الكثيرين  – ومنهم هو –  إلى تقديم عروض بأسعار منخفضة جداً من أجل نيل فرصة العمل. ويقول: «في حالات كثيرة، يكون سعر المشروع في الأصل نحو 500 دولار، لكن لتُقبل، تضطر لتقديم عرض لا يتجاوز 100 دولار فقط، وهو مبلغ لا يتناسب إطلاقاً مع حجم الجهد المطلوب».

        ويُشير عمر إلى أن المشكلة لا تقتصر على انخفاض الأجور، بل تمتد إلى ضعف الضمانات التي توفرها المنصات الإلكترونية، إذ يُمكن للعميل في بعض الأحيان الادعاء بأن المشروع غير مكتمل أو أنه لا يُطابق المواصفات المطلوبة، فيُحرم المنفذ من أجره كاملاً رغم إتمام العمل. ويؤكد أن هذه الحالات تتكرر كثيراً، ولا تستثني حتى المنصات الكبرى التي يُروج لها على أنها «توفّر بيئةً آمنةً للعاملين المستقلين».

        ورغم كل التحديات، ينوه عمر إلى أن العمل الحر عبر الإنترنت يظل «الأمل الوحيد» بالنسبة له وللكثير من الشباب السوريين، لأنه يتيح لهم دخلاً بالدولار، ولو كان محدوداً، في ظل انعدام فرص التوظيف داخل البلاد. ويختم بالقول: «البديل هو الجلوس بلا عمل أو انتظار وظيفة حكومية براتب لا يكفي حتى أجرة المواصلات، لذلك نتمسك بهذا الطريق مهما كانت صعوباته».

        من جانبه يُوضح الخبير الاقتصادي الدكتور حسام عبود أن تزايد لجوء السوريين إلى العمل عبر الإنترنت هو نتيجة محتومة لانهيار الاقتصاد المحلي وتقلص فرص العمل داخل البلاد، مشيراً إلى أن الشباب لم يعودوا يختارون هذا النمط من العمل طوعاً، بل يلجأون إليه اضطراراً بحثاً عن مصدر رزق يوفر الحد الأدنى من الدخل.

        ويقول عبود في حديثه للجمهورية.نت: « إن غياب الاستثمارات وتراجع النشاط الاقتصادي الداخلي دفع بالكثير من الكفاءات السورية إلى الفضاء الرقمي كميدان بديل، غير أن هؤلاء العاملين يدخلون سوقاً عالمية شديدة التنافسية دون أي حماية قانونية أو مصرفية، مما يجعلهم عرضة للاستغلال والاحتيال بسهولة».

        ويُضيف أن بعض الشركات الدولية تستغل هذا الواقع، فهي «تُوظف السوريين بعقود غير رسمية وبأجور متدنية جداً مقارنة بالعاملين من دول أخرى»، معتبراً أن ما يحدث هو «نوع من الاستعمار الرقمي الجديد»، حيث تُستَغَل حاجة الشباب للعمل وضعف منظومة الحماية الاقتصادية في بلادهم لتحقيق أرباح بأقل التكاليف الممكنة.

        ويقترح عبود تطوير أُطرٍ قانونية عاجلة لحماية العاملين رقمياً، وتسهيل آليات استقبال الأموال عبر قنوات آمنة، وبناء قدرات الشباب لرفع مهاراتهم التنافسية، إلى جانب السعي الطويل الأمد لإعادة إحياء الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل داخلية تُغني عن كل هذه المخاطر.

        وبين وهم الحرية التي يَعدُ بها العمل الحر وحقيقة القيود التي تحاصره من كل جهة، يعيش الشباب السوري تجربة مُعقَدة، يبيعون الوقت والمهارة عبر الإنترنت، ليشتروا بها بصيص حياة في واقع اقتصادي منهار. ومع غياب القوانين والضمانات وشبكات التحويل الآمنة، يبقى مستقبلهم مُعلقاً بين شاشة حاسوب ووعد بالدفع قد يتحقق وقد يتلاشى مثل تلاشي كثيرٍ من أصحاب العمل خلف عناوين إلكترونية وهمية بعد حصولهم على ما يريدون.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى