“لوكا”… أصل الحياة/ نجوى بركات

21 أكتوبر 2025
نحن من غبار النجوم! هذا ليس شعراً، إنها خلاصة علمية آسرة توصّل إليها العلماء، ويرويها لنا كريستوف غالفار، الفيزيائي الفرنسي وأحد مساعدي العالم الراحل المعروف ستيفن هاوكينغ، في كتابه “الحياة في متناول اليد” (ألبان ميشال، باريس، 2025). في هذا العمل، الذي يلي عنواناً سابقاً (“الكون في متناول اليد”، 2015)، يأخذنا غالفار في رحلة عبر الزمن والمكان، لنكتشف أن كل خلية في أجسامنا وفي كل نبات وكل بكتيريا، تحمل بصمةَ “لوكا”، آخر سلف مشترك عالمي (Last Universal Common Ancestor)، وأن حياتنا ليست مجرّد مصادفة، بل جزء من قصّة كونية مترابطة تمتدّ منذ بلايين السنين، أي منذ انفجارات النجوم وصولاً إلى الأرض، وربّما إلى أشكال أخرى للحياة في الكون.
كان “لوكا” (LUCA) خليةً بسيطةً احتوت على الخصائص الأساسية للحياة، أي المقدرة على التكاثر والتطوّر والتفاعل مع البيئة، وقد أظهرت دراسة الخلايا البكتيرية مدى قربنا من هذا الأصل الواحد، لأن البكتيريا، برغم بساطتها، تؤدّي جميع الوظائف الحيوية الأساسية للحياة، وتعمل دليلاً حيّاً على كيفية تطوّر الخلايا الأولى. إنها تتكاثر، وتتبادل المعلومات الوراثية، وتنجو في أصعب الظروف، ما يجعلها نموذجاً حيّاً لطبيعة “لوكا” وخصائصه الأولية. فاليوم، عند النظر داخل الخلايا الحيّة، سنجد أن بنيتها الأساسية متشابهة، ما يؤكّد وحدة الأصل، وأن تشابهنا مع الكائنات الأخرى ليس مصادفةً، بل نتيجة إرث مشترك يمتدّ عبر الزمن.
ويربط غالفار أصل الحياة بالكون نفسه، مشيراً إلى أن العناصر التي تكوّن أجسامَنا صُنعت في النجوم منذ مليارات السنين، ثمّ انفجرت هذه النجوم ونشرت بذوراً صغيرةً في الفضاء، تحمل في طيّاتها إمكانات تكوين المادّة الحيّة. “بذور النجوم” هذه هي الجزيئات الأولية التي تراكمت لاحقاً على الأرض لتشكّل ذرّات الكربون والأكسجين والنيتروجين، أي اللبنات الأساسية لظهور الحياة. بهذا المعنى، تحمل كل خلية في أجسامنا بصمةَ الكون بأسره، وتربطنا بتاريخ طويل من الأحداث الكونية والفيزيائية، ما يجعل حياتنا جزءاً من عملية كونية أوسع بكثير من مجرّد وجود فردي، وملحمة صمود أمام الكوارث الكبرى. وهو ما جرى قبل نحو 66 مليون سنة، لحظة هطول النيازك التي أدّت إلى انقراض الديناصورات، حين ارتفعت الصخور والمواد المنصهرة إلى الفضاء، قبل أن تعود لتسقط على الأرض، مكوّنة أمطاراً من الصخور والزجاج المنصهر. ذلك أن الحياة ليست نتيجة ظروفٍ مثالية، بقدر ما هي نتاج عمليات فوضوية وقدرة مذهلة على الصمود والتكيّف.
والحال إن ما يميّز عمل غالفار تحويله المفاهيم العلمية المعقّدة سرداً حيّاً وممتعاً، يجعل القارئ يعيش الأحداث ويشعر بعظمة العمليات الكونية والبيولوجية. فهو لا يكتفي بوصف الكيمياء أو حركة النجوم، بل يجعلنا نشهد تطوّر الخلايا الأولى وأثر النيازك في الأرض، لنفهم أن حياتنا جزء من لوحة كونية كبرى، فتشترك كل الكائنات الحية على الأرض في أصل واحد هو “لوكا”، الخلية البسيطة، وقد عاشت منذ حوالي 3.8 مليارات سنة، وهي تحمل في جيناتها المعلومات الأساسية التي مكّنت الحياة من التطوّر. فالبكتيريا تمثل نموذجاً حيّاً لهذا الأصل، وتوضح كيفية عمل الخلايا الأولى. ويضيف غالفار بعداً كونياً مهمّاً، إذ يشير إلى أن بذور النجوم حملت الإمكانات الأولية لتكوين المادة الحيّة، ما يجعل كل خلية في أجسامنا تحمل بصمة الكون بأسره. هل حصلت هذه العملية على كوكب الأرض حصراً؟ بالطبع لا، إذ يشير الفيزيائي إلى وجود أشكال أخرى محتملة للحياة في الكون، وإلى أن الظروف المختلفة قد تنتج أشكالاً متنوّعة وغير متوقّعة، من الكائنات الحيّة.
نعم، كل لحظة نعيشها هي استمرار لقصّة عمرها مليارات السنين، ملحمة كونية وبيولوجية مترابطة، تمتدّ بين النجوم والذرّات والخلايا، وقد تكشف لنا ذات يوم وجود حياة خارج كوكبنا الصغير.
العربي الجديد



