تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

مقالات تناولت التحركات لإثارة الفوضى في سوريا انطلاقاً من لبنان

الأسد في الضاحية/ أحمد عياش

أحمد عياش

26 أكتوبر ,2025

أطلت “نداء الوطن” في عددها الصادر أمس السبت بخبر خاص يفيد بالآتي: “تؤكد معلومات أن متوارين في لبنان من شخصيات أمنية تابعة للنظام السوري السابق، موجودون في الضاحية الجنوبية بحماية “حزب الله”، ولم ينجحوا في الانتقال من لبنان إلى بلدٍ آخر”.

كما أطل الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط مساء أول أمس الجمعة في حديثٍ إلى “الإخبارية السورية” للمرة الأولى محذرًا من وجود ضباط سابقين تابعين لنظام الأسد في لبنان، الأمر الذي وصفته صحيفة “الأنباء” الالكترونية الناطقة باسم الحزب بأنه ينطوي على “خطورة أن يكون لبنان بيئةً حاضنةً لمجرمين ارتكبوا فظائع على مدى عقود، وفرّوا ليلة سقوط الأسد ليحتموا بين اللبنانيين ويُهدّدوا الأمنين اللبناني والسوري”.

وأتى كلام جنبلاط في المقابلة ردًّا على سؤال ، فأكّد أن “هناك رموزاً من نظام الأسد في لبنان، وهم محميون من جهات كانت مع المحور القديم، ومن هنا أهمية التنسيق الأمني بين لبنان وسوريا”. وأوضح أنّ هناك نظرية لدى بعض المسؤولين في الأمن اللبناني مفادها أنّ هؤلاء أتوا إلى لبنان وليس بحقّهم مذكّرات جلب من قبل السلطات السورية، وقد تكون هذه حجّة، لكن لا بدّ من الخلاص منهم لأنهم يشكّلون خطرًا على لبنان وسوريا.

يستفاد من هذه المعطيات، أن هناك مشكلة أمنية مقرها مناطق “حزب الله” وبالأخص الضاحية الجنوبية لبيروت. ويأتي إعلان جنبلاط عن وجود “مذكّرات جلب من قبل السلطات السورية” بحق رموز نظام الأسد ليضيف بعدًا قضائيًا لا يمكن اغفاله، في وقت ما زالت قضية الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية لم تحل بعد. وتكمن المفارقة في هذا الموضوع، ان هناك من عارض نظام الأسد فكان مصيره السجن اللبناني. بينما هناك رموز هذا النظام قد استقروا في الضاحية الجنوبية لتوفير الحماية لهم كي لا يتسلمهم القضاء السوري الجديد.

أماط جنبلاط اللثام عن جزء من قضية واسعة النطاق ما زالت في صدارة اهتمام الإعلام دوليًا. فتحت عنوان “تقرير خاص-مؤامرة في عهد الأسد لإخفاء آلاف القتلى حولت صحراء سوريا إلى مقبرة جماعية”، أعدت رويترز تحقيقًا أنجزه فريق صحافي تضمن معطيات مذهلة عن جرائم نظام الأسد ونشرته الوكالة في 17 تشرين الأول الجاري. وجاء في مقدمة التقرير: “كانت رائحة الموت التي لا تخطئها الأنوف تعبق الأجواء على طول الطريق الصحراوي السوري أربع ليال أسبوعيًا على مدار عامين تقريبًا… إنها رائحة عشرات الآلاف من الجثث التي تنقلها شاحنات من مقبرة جماعية إلى أخرى في موقع سري.

كان ممنوع على السائقين مغادرة سياراتهم بينما أقسم الميكانيكيون ومشغلو الجرافات على التزام الصمت، فقد كانوا يعلمون جيدًا أنهم سيدفعون حياتهم ثمنًا للتحدث علنًا. كانت أوامر “عملية نقل الأتربة” شفهية فقط وأشرف عليها ضابط سوري برتبة عقيد، قضى ما يقرب من عقد من الزمن في دفن قتلى الرئيس السوري السابق بشار الأسد.

صدرت أوامر نقل الجثث من القصر الرئاسي. وأدار العقيد، المعروف باسم “أستاذ التطهير”، العملية من 2019 حتى 2021.”

تزامنًا مع تقرير رويترز كان الرئيس السوري أحمد الشرع يقوم بزيارة لموسكو للمرة الأولى منذ وصوله إلى سدة الحكم في سوريا. وأورد تقرير إعلامي أن الشرع حظي باستقبال حافل في الكرملين. وجرى استقبال الشرع والوفد المرافق له في “القاعة الخضراء” في الكرملين، وهي قاعة الاستقبال الرسمية الأفخم في القصر الرئاسي، ولم يكن قد زارها الرئيس المخلوع بشار الأسد. وقد استقبل فيها بوتين في السابق عددًا محدودًا من زعماء العالم. ورأى صحافيون أن هذا الترتيب عكس درجة من الحفاوة التي تعمد الكرملين إظهارها وهو يستقبل الرئيس السوري للمرة الأولى.

في المقابل، أفاد مصدر حكومي سوري لوكالة الصحافة الفرنسية بأن الرئيس الشرع طلب، خلال زيارته الأولى إلى روسيا، تسليم الرئيس المخلوع بشار الأسد الذي فرّ إلى هناك في كانون الأول الماضي.

لا تستطيع سوريا الجديدة، مهما بلغت الحفاوة الروسية أقصى مداها في استقبال الشرع في موسكو، أن تتجاهل ملف حكم الطاغية. وما يزيد الطين بلة أن لبنان الذي ورّطه “حزب الله” في الحرب السورية منذ اندلاع الثورة هناك في بداية العقد الماضي ولغاية فرار الأسد، لا يستطيع توفير الحوافز لدمشق كي تغض الطرف عن وجود ملاذ ملاصق لبيروت يأوي كل رموز الأسد، الذين لو كشفت ملفاتهم، لتبيّن أن رعبًا مماثلًا سيسود الأجواء كما فعل تقرير رويترز المشار اليه آنفًا.

وهكذا، تبدو مشكلة الضاحية الجنوبية الآن مزدوجة: مشكلة وجود رموز الأسد، ومشكلة حماة هؤلاء الرموز، وهم الذي تورطوا في سفك الدماء في سوريا.

ظهرت هذه المشكلة الآن في تصريح جنبلاط، فهل هناك من يلاقيه على أرض الواقع، بأن تقوم العدالة في لبنان بواجباتها تجاه هؤلاء المطلوبين الخطرين ليس على سوريا وإنما على لبنان أيضًا؟

تفيد المعلومات بأن دمشق طالبت في وقت مبكر بتسليمها رجال الأسد عندما بدأت أقنية الحوار المشتركة بين البلدين تنفتح. ولا مفر أمام لبنان من القيام بواجباته حتى ولو كان بشار الأسد نفسه متواريًا في الضاحية بدلًا من موسكو حيث ينعم حاليًا برفاهية مليارات الدولارات التي سرقها من سوريا قبل فراره.

تستطيع روسيا أن تحمي الأسد وزبانيته إلى حين في موسكو. أما لبنان، فلن يستطيع ذلك في الضاحية مهما حاول “حزب الله” حماية رموز الأسد.

*نقلاً عن “نداء الوطن”.

———————————-

 تضم رجال أعمال وضباطاً موالين للأسد.. مصادر: تفاصيل تحركات لإثارة الفوضى في سوريا انطلاقاً من لبنان

عربي بوست

تحديث 26 تشرين الأول 2025

تطورات مثيرة تشهدها العلاقات بين سوريا ولبنان بعد التحذيرات التي وجهتها السلطات الجديدة في دمشق لنظيرتها اللبنانية بسبب “تطور أمني خطير” يتعلق بتحركات مريبة داخل لبنان يقودها ضباط ومسؤولون ورجال أعمال موالون للنظام السوري السابق، تهدد الاستقرار في سوريا انطلاقاً من الأراضي اللبنانية.

المعلومات التي حصل عليها “عربي بوست” تشير إلى أن القيادة السورية وجهت تحذيرات إلى السلطات اللبنانية، كشفت خلالها أن “فلول النظام السابق” يخططون لعمليات تستهدف مناطق الساحل السوري، تحديداً اللاذقية وطرطوس ومناطق في مدينة حمص، في محاولة لخلق بؤر توتر جديدة تُربك الإدارة السورية الجديدة.

دمشق لم تكتفِ بتوجيه أصابع الاتهام فقط إلى عناصر محسوبة على نظام بشار الأسد الذي فرّ إلى روسيا، بل شملت أيضاً حزب الله اللبناني واتهمته بالتورط أيضاً في التحضير لهذه العمليات. فما تفاصيل هذه التهديدات؟ ومن يقف خلفها؟ وكيف تعاملت السلطات اللبنانية مع تحذيرات نظيرتها السورية؟

من يقف وراء تهديد استقرار سوريا وكيف؟

وفق المعلومات التي حصل عليها موقع “عربي بوست”، فإن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، وخلال زيارته الأخيرة لبيروت، وضع الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في صورة نشاط “فلول النظام السابق” في لبنان، والتي تجري تحت نظر أجهزة الأمن اللبنانية. وحسب المعطيات، فإن الاجتماع الذي عقده مدير المخابرات السورية اللواء حسين سلامة مع نظيره اللبناني طوني قهوجي ناقش هذا الملف بشكل موسّع.

مصدر أمني سوري أوضح لـ”عربي بوست” أن الوثائق والمذكرات التي سلّمتها دمشق إلى بيروت كشفت أن هذه التحركات تشير إلى أنها ممولة من رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، ورَجُلَي الأعمال علي ومحمد الجابر، وتولى الأخير قيادة ميليشيا “صقور الصحراء” المساندة للأسد، وهما من كبار تجار النفط والتهريب خلال عهد النظام السابق.

رامي مخلوف، رجل الأعمال السوري وابن خال الرئيس السابق بشار الأسد، الذي خسر موقعه كمقرّب من السلطة عام 2020 إثر أحكام قضائية، يملك شركات في لبنان، وسبق أن أعلن عبر حساب يُنسب إليه على “فيسبوك” تأسيس ميليشيا خاصة تهدف إلى “حماية العلويين” في المناطق الساحلية.

ووفقاً للمعلومات، يجري تمويل العمليات عبر شبكة مالية تنشط في لبنان، تتولى تحويل الأموال نقداً من حسابات وشركات واجهة في بيروت بالتنسيق مع عناصر أمنية سابقة، ومجموعة رجال أعمال لبنانيين وسوريين يحتفظون بعلاقات عميقة مع النظام السابق.

والهدف من هذه التحركات، بحسب الرواية السورية، هو “إرباك الدولة السورية الجديدة، وخلق بيئة فوضى تتيح لبعض رجالات النظام السابق مثل مخلوف وجابر العودة إلى المشهد السياسي والاقتصادي عبر فوضى أمنية تبرر عودتهم تحت ذريعة إعادة الاستقرار”.

اتهامات سورية لحزب الله بالتورط

بحسب المعطيات التي حصل عليها “عربي بوست”، فإن دمشق اتهمت “حزب الله” بأنه يغضّ الطرف عن هذه التحركات، بل ويمنحها تغطية لوجستية غير مباشرة عبر أحد قادته الأمنيين الذي يشرف على تسهيلات تنقل الأشخاص بين مناطق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية.

كما كشفت المعطيات التي توصل إليها “عربي بوست” عن تورط مسؤول أمني رسمي سابق، وهو على تواصل مع كمال الحسن وغياث دلا، الضابطين السوريين المقيمين في بيروت، واللذين يديران الاتصالات بين فلول النظام السابق وشخصيات لبنانية محسوبة على محور الممانعة.

ووفق المصدر نفسه، فإن حزب الله نُقل إليه الملف بشكل رسمي من جانب وزارة الداخلية اللبنانية، وأنه سارع إلى نفي أي علاقة له بالأمر، معتبراً أن دمشق تبالغ في الاتهامات بدافع سياسي، لكن الجانب السوري لم يقتنع بالنفي وواصل ضغطه على بيروت لمعالجة الملف بسرعة.

وحسب مصدر “عربي بوست”، فإن اللواء حسام لوقا، مدير المخابرات العامة السورية السابق، يتابع الملف مباشرة من مقر إقامته في موسكو، حيث يقيم بشكل شبه دائم منذ سقوط النظام، ويجري اتصالات متواصلة مع الشخصيات السورية لمراقبة الوضع الأمني في الساحل السوري، وأن هذا الأمر دفع الرئيس السوري أحمد الشرع لمفاتحة بوتين بشأنه.

فقد حظي الشرع خلال أول زيارة له إلى روسيا بترحيب حار من فلاديمير بوتين، في حين أفاد مصدر حكومي سوري لوكالة الأنباء الفرنسية بأن الرئيس الانتقالي سوف يطلب من موسكو خلال زيارته تسليم بشار الأسد، الذي لجأ مع عائلته إلى روسيا بعيد فراره من سوريا في عام 2024.

“ملف خطير” كشف عن شبكة واسعة

الملف الأمني السوري الذي تسلّمته بيروت يتضمن معطيات تُوصف بأنها خطيرة، تشمل صوراً وتسجيلات وتحليلاً لمسارات مالية وتحركات لأفرادٍ سوريين ولبنانيين كان هدفها التخطيط لإثارة الفوضى في مناطق سورية مستغلين “الانقسامات الطائفية” في البلاد.

بحسب المعلومات، جرت لقاءات خلال الأسابيع الماضية في بيروت بين ضباط من النظام السابق وشخصيات درزية لبنانية وسورية قريبة من الشيخ حكمت الهجري في السويداء، إضافة إلى مسؤولين في “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).

وتشير المعلومات إلى أن هذه الاجتماعات كانت تجري في بيروت بحضور الوزير اللبناني السابق وئام وهاب، الذي يُعتقد أنه يلعب دور الوسيط السياسي لهذه اللقاءات، مستفيداً من علاقاته التاريخية مع أجهزة أمنية سورية سابقة، ونتيجة أدواره في توتير الأمور في ملف أحداث السويداء.

وئام وهاب، الذي ينتمي إلى الطائفة الدرزية في لبنان، عُرف بمواقفه الداعمة للنظام السابق في سوريا ولقوى “المحور” عموماً، وقد وصف نفسه مرة بأنه مستعد لـ”التحالف مع الشيطان” لحماية طائفته الدرزية، في إشارة إلى تحفظه على بعض مواقف المقاومة.

ووفق المعلومات، فإن الجانب السوري يعتقد أن هذه اللقاءات “محاولة لخلق جبهة سياسية – أمنية جديدة تضم دروز السويداء وبعض أجنحة قسد وشخصيات سابقة من النظام المنهار، على أن تكون بيروت مركز تنسيقها.”

فيما أوضح مصدر لـ”عربي بوست” أنه، ووفق تقديرات الأجهزة السورية، فإن التحركات الأخيرة ليست مجرد مبادرات فردية من رامي مخلوف وجابر، بل جزء من محاولة أوسع لتقويض النظام الجديد بقيادة أحمد الشرع، وإعادة إنتاج حالة من الفوضى الأمنية تُستخدم كورقة ضغط على دمشق من أطراف إقليمية.

ويرى أن لبنان بات “حلقة رخوة” في هذه الشبكة، نتيجة ضعف الرقابة الأمنية، وتعدد الولاءات الحزبية، وعجز الدولة اللبنانية عن اتخاذ موقف حاسم من نشاطات فلول الأسد المقيمين على أراضيها، على حد تعبير مصدر “عربي بوست”.

بيروت تتباطأ ودمشق منزعجة

بالمقابل، يؤكد مصدر سياسي لبناني لـ”عربي بوست” أن دمشق سلّمت لبنان منذ أوائل أكتوبر/تشرين الأول ملفات تتضمن أسماء محددة وتحركات مالية وأمنية لشخصيات سورية نافذة تتحرك بحرية في لبنان، من بينها ضباط استخبارات سابقون ورجال أعمال كانوا جزءاً من منظومة التهريب عبر الحدود.

لكنّ الجانب اللبناني، بحسب المصدر نفسه، اكتفى بإجراءات شكلية عبر مراجعة أمنية محدودة واستيضاح “حزب الله” بشأن بعض الأسماء. الرد اللبناني جاء هادئاً، فيما كان الجانب السوري يتوقع مداهمات أو على الأقل تجميد حركة الأشخاص المعنيين.

ووفق المصدر، فإن الجانب السوري وضع نظيره اللبناني في صورة وملفات لتواجد العناصر وعائلاتهم في بيروت، حيث يرتادون مطاعم ومقاهي وسط العاصمة بشكل طبيعي، ما يُظهر أن حركتهم مغطاة أمنياً من أطراف أو جهات محلية.

كما أوضح المصدر أن دمشق ألغت الاجتماع الأمني المشترك الذي كان مقرراً عقده الخميس 23 أكتوبر/تشرين الأول في بيروت، احتجاجاً على ما وصفته بـ”الإهمال المتعمّد من الجانب اللبناني.”

تداعيات محتملة على العلاقات بين سوريا ولبنان

إلغاء الاجتماع الأمني بين البلدين وارتفاع نبرة دمشق في هذا الملف يعكسان بداية فتور جديد في العلاقات بين سوريا ولبنان التي كانت قد شهدت تحسناً منذ فترة. ويتخوف مراقبون من أن يؤدي هذا التوتر إلى تجميد قنوات التعاون الأمني الحدودي، ما قد ينعكس سلباً على ملف الحدود والتجارة والموقوفين واللاجئين.

أما أخطر ما تخشاه بيروت، فهو أن تتحول الأراضي اللبنانية إلى منصة لتصفية حسابات بين أجنحة النظام السوري السابق والجديد، بما يعيد إلى الواجهة مرحلة “الظل السوري في لبنان” ولكن بأدوات جديدة. ومن شأن هذه التطورات أن تعيق حل الملفات الشائكة بين لبنان وسوريا، والتي تتمثل في:

    قضية السجناء السوريين في لبنان: إذ تطالب دمشق بترحيل سوريين محتجزين في السجون اللبنانية، ويحوي ملفهم نحو ألفي شخص تقريباً، من بينهم حوالي 800 محتجز بخصوص هجمات وقعت داخل لبنان. وترفض لبنان الإفراج الجماعي عن هؤلاء، وتؤكد أن كل حالة تُدرس بمفردها لأنها تتعلق بهجمات ضد الجيش اللبناني أو أجهزة الدولة.

    قضية اللاجئين السوريين ومصيرهم: لبنان يستضيف نحو مليون ونصف لاجئ سوري، ما يُشكّل ضغطاً كبيراً على بنيته التحتية والاقتصادية، بينما تطالب دمشق بعودة تصاعدية وآمنة للاجئين إلى سوريا، في حين يخشى لبنان من عودة جماعية غير مُعدة أو تحمل تبعات أمنية واجتماعية.

    التهريب والحدود المشتركة: الحدود اللبنانية-السورية استُخدمت على مدى سنوات لعمليات تهريب (وقود، أسلحة، مخدرات)، وتتهم سوريا لبنان بعدم القيام بما فيه الكفاية لوقف التهريب، بينما يرى لبنان أن ضبط الحدود معقد ويخضع لعوامل متعددة. غير أن القرار بتحديد الحدود ورسمها يُعد خطوة أساسية لإعادة بناء الثقة، لكنه أيضاً يثير خلافات حول السيادة والمراقبة.

    الأموال السورية المجمّدة والأصول في البنوك اللبنانية: دمشق تطالب باسترداد أموال مودعة لديها في بنوك لبنان أو أصول مجمّدة منذ أزمة القطاع المصرفي اللبناني، فيما تخشى بيروت من أن تُستخدم هذه الأموال كوسيلة ضغط أو كشرط لعملية تطبيع أوسع، مما يضعها في موقف حساس داخلياً.

وبعد أن كانت الزيارات التي قام بها مسؤولون سوريون إلى لبنان في سبتمبر/أيلول 2025 تُعدّ “منعطفاً حقيقياً” في مسار العلاقات بين سوريا ولبنان، ومحاولة جدية لطي صفحة ستين عاماً من الالتباس والتجاذبات، جاءت هذه التطورات الأخيرة لتُفرمل أي تقدم في تجاوز المشاكل العالقة بين البلدين، ولو بشكل مؤقت.

غربي بوست

—————————

 انقلبت الآية: سوريا قلقة من لبنان والعبث بأمن الساحل!/ منير الربيع

الخميس 2025/10/23

لطالما نظر لبنان إلى سوريا نظرة الخوف من السيطرة والضم. لكن اليوم تبدو النظرة معكوسة. سوريا هي التي تنظر إلى لبنان، وتعتبر أن في إمكانه أن يضرب على خواصر رخوة فيها. في ظل نظام الأسد، ومنذ السبعينيات، تغيرت التحالفات بين الأفرقاء اللبنانيين مع سوريا، وعرف آل الأسد كيف يديرون هذه العلاقة للاحتفاظ بنفوذ واسع وتأثير. ولم يكن مشروع البعث الأسدي مقتصراً على التأثير في الملف اللبناني فحسب، بل يشمل فلسطين والأردن. وعلى الرغم من تبدل التحالفات، فإن الإجماع اللبناني كان قائماً حول التوجس من مشروع دمشق في لبنان، وإن تحالف معها بعض الأفرقاء للاستقواء بها في مواجهة الآخرين. فالخوف كان جماعياً. أما اليوم فالصورة مختلفة. ولا ينظر اللبنانيون بكليتهم إلى خوف حقيقي من أي مشروع سوري. ومكمن الخوف له حسابات مختلفة تتسم بهوية النظام الجديد، أو طائفته، وهنا يستنهض اللبنانيون خوف “الأقليات”.

لعبة التخويف.. قديمة

مع سقوط نظام بشار الأسد، كان حزب الله هو الأكثر تخوفاً من تداعيات ذلك ليس على المتغيرات في سوريا وانعكاسها على لبنان فقط، بل انطلاقاً من صورته لمتغيرات المنطقة ككل. فقد لعب حزب الله كثيراً لعبة التخويف من وصول أحمد الشرع إلى السلطة في دمشق، مع استعادة كل محطات الصراع والقتال بين الطرفين، إضافة إلى التخويف من وصول الإسلاميين إلى السلطة واحتمال تمددهم نحو لبنان، تماماً كالخطاب الذي سوَّقه الحزب مع اندلاع الثورة السورية. لكن الفارق أن هذا الخطاب لم يلق تجاوباً لبنانياً من جماعات كثيرة على اختلاف تنوعها. حتى المواقف الرسمية السورية كانت متقدمة جداً تجاه لبنان، وجاءت على لسان أحمد الشرع حين شدد على علاقات ندّية من دولة إلى دولة، وحين قال بوضوح إن سوريا لن تسمح بأن يراهن عليها أحد للاستقواء على الآخر في بلده. كما أشار بوضوح إلى التخلي عن الثأر أو الانتقام من حزب الله، وإلى إغلاق صفحة الماضي. وهذا ما فعله أيضاً وزير الخارجية أسعد الشيباني. وتؤشر إلى ذلك الزيارات المتبادلة بين البلدين، بهدف معالجة الملفات العالقة.

صواريخ الحزب لا تصل.. أحياناً

اليوم، ينقسم اللبنانيون في النظرة إلى سوريا. فالغالبية تعتبر أن هناك فرصة لبناء علاقات ندّية، بينما آخرون ينظرون إليها بعين التوجس والخوف. الشروط الدولية المطلوبة من سوريا واضحة، وهي تعمل على تطبيقها والالتزام بها، ولا سيما لجهة مبدئية حصر السلاح بيدها، ضمن إطار عسكري يحظى برضى دولي، ومكافحة الجهاد العابر للحدود، إضافة إلى ضبط حدودها بشكل كامل لمنع تهريب المخدرات أو الأسلحة والصواريخ لحزب الله. حزب الله لا يزال بدوره يحاول تهريب أسلحة من سوريا إلى لبنان، ولا سيما الصواريخ المتوسطة المدى ذات الإصابة الدقيقة. وتنجح دمشق تارة في إفشال هذه المحاولات، فيما ينجح الحزب في المقابل بإدخال هذه الصواريخ.

الشرع والمقايضة: سلاح الحزب مقابل تخفيف الضغوط؟

هذه تبقى ورقة أساسية في مسار العلاقات بين البلدين، وفي علاقة دمشق مع القوى الدولية. ويمكن لسوريا أن تستخدمها متى شاءت في ظل التهديدات الإسرائيلية المتزايدة لوحدتها. فيمكن مثلاً لأحمد الشرع أن يفتح المجال أمام حزب الله لإدخال الصواريخ إلى لبنان وبكثرة، لدفع الإسرائيليين الى التفاوض معه على قطع طريق الإمداد، في مقابل أن تخفف إسرائيل من وطأة شروطها وضغوطها على دمشق. وهذا ما سعت إليه إيران سابقاً من خلال محاولات فتحها لخطوط تواصل مع القيادة السورية الجديدة.

الخارج يستثمر في الداخل

ولكن بعيداً عن ذلك، حتماً لن يكون حزب الله ولا إيران مرتاحين للنظام الجديد. وتعلم دمشق أنها تواجه الكثير من التحديات والملفات، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي الذي يمكن لأي قوة خارجية أن تستثمره في الداخل السوري من خلال تغذية الصراعات ومنع الشرع من تثبيت حكمه وإحكام قبضته على كل الجغرافيا السورية، كما هو الحال بالنسبة إلى السويداء، وشمال شرق سوريا مع قوات سوريا الديمقراطية، وفي الساحل السوري أيضاً.

تفاهمات مع موسكو بعيدة المدى

الخلافات المستمرة بين دمشق وكل من قسد، السويداء، والساحل، يمكنها أن تفسح المجال أمام جهات خارجية عديدة للاستثمار في ذلك. وبالنسبة إلى القيادة السورية، فإن هذه المحاولات حصلت قبل المعارك التي وقعت في الساحل، وتكررت في السويداء، ولا تزال قائمة مع قسد. فزيارة الشرع لروسيا كانت من أجل إبرام تفاهمات بعيدة المدى. فهدفها الأول هو التفاهم مع موسكو على تثبيت الوضع في الساحل مع حفاظ روسيا على مصالحها الاستراتيجية وقواعدها، مقابل أن تكون ضامنةً للعلويين ودمجهم في الدولة الجديدة، وأن لا تتيح لأي من ضباط النظام السابق العمل على التحضير مع ضباط سابقين لا زالوا موجودين في الساحل وجبال العلويين على محاولة الانسلاخ أو الدخول في مواجهات مع السلطة السورية.

مجموعات مسلحة لـ”إقليم الساحل”

جاءت زيارة الشرع لروسيا بعد معلومات كثيرة عن تحضيرات وجولات قام بها ضباط من نظام الأسد، ولا سيما كفاح ملحم وكمال الحسن، لأجل العمل على تشكيل مجموعات مسلحة منظمة في جبال العلويين، والإقدام على خطوة عسكرية تكرس المطالبة بـ”إقليم الساحل” أو إقليم “وسط وغرب سوريا”. وتعلم دمشق أيضاً، أن بعض ضباط النظام السابق فتح قنوات تواصل مع قوات سوريا الديمقراطية التي أيضاً استند عليها الشيخ حكمت الهجري في السويداء لتكريس منطق “الأقاليم أو الإدارات الذاتية”.

لقاءات في لبنان تثير الهواجس 

قبل فترة، شهد لبنان لقاءات عقدت بين شخصيات كانت محسوبة على النظام السابق، وشخصيات كردية من قوات سوريا الديمقراطية، لا سيما أن القياديتين في قسد “إلهام أحمد، وفوزة اليوسف” قد أجرتا زيارة للبنان، عقدتا خلالها لقاءات مع العديد من الشخصيات السورية. كما أن تواصلاً حصل مع شخصيات درزية محسوبة على الشيخ حكمت الهجري. وهذا ما دفع دمشق إلى إبداء التوجس من أي تحرك يتم التحضير له في لبنان أو يتم التنسيق في شأنه على الأراضي اللبنانية.

ماذا عن آلاف الضباط والعناصر؟    

في هذا المجال، نظرت دمشق إلى لبنان بوصفه خاصرة رخوة يمكن أن تُستخدم من جهات عديدة لزعزعة الاستقرار فيها، لا سيما أن المسؤولين السوريين أكدوا سابقاً أن هناك آلاف الضباط والعناصر المحسوبين على النظام السابق موجودون في لبنان. وهؤلاء عملوا على تجميع أنفسهم وفكروا مراراً باستغلال أي حدث في داخل سوريا، ولا سيما في حمص أو مناطق الساحل، لأجل التحرك من هنا للضغط أكثر على دمشق. وهذا الملف كان محط اهتمام كبير من جانب المسؤولين السوريين الذين زاروا لبنان مراراً، وطالبوا الدولة بضرورة ضبط الوضع على الأراضي اللبنانية ومنع أي جهات من استغلال الوضع في سوريا أو التدخل فيه. بينما توالت اتهامات سوريا لحزب الله بمحاولة التدخل عبر مجموعات محسوبة عليه في الداخل السوري. إلا أن حزب الله نفى ذلك في شكل رسمي وقال إنه لم يعد لديه أي تحرك أو تدخل على الأراضي السورية، خصوصاً في ظل مواصلة مساعي شخصيات محسوبة على النظام السابق التحرك في الساحل وسعيهم إلى المطالبة بإدارة ذاتية.

من ملف الحدود إلى عقدة الموقوفين

هذه الملفات، حضرت ولا تزال في كل الاجتماعات التي تعقد بين المسؤولين السوريين واللبنانيين، وهي ستكون طبقاً أساسياً على جدول أعمال الزيارة الأكبر التي يقوم بها الوفد الأمني والعسكري السوري، والتي ستخصص للبحث في كيفية التعاون لضبط الحدود في شكل كامل، ومنع تهريب الأسلحة والمخدرات ومنع تهريب البضائع، وصولاً إلى البحث في ترسيم الحدود وإنجازها، إضافة إلى إعادة البحث في آلية الدخول والخروج بين البلدين، ومواصلة البحث في ملف الموقوفين السوريين وإطلاق سراحهم، والمقاربة اللبنانية لهذه العملية لم ترق إلى السوريين. أما إذا أصر لبنان على المطالبة بشخصيات متهمة بجرائم ارتكبت على الأراضي اللبنانية، فإن الجواب السوري واضح وهو أن دمشق حالياً لا تمتلك أي معلومات عن هؤلاء لأن الداتا كلها مع نظام بشار الأسد. وفي حال بقي لبنان مصراً على ذلك، وإعاقة ملف الموقوفين فعندها ستطلب دمشق من لبنان تسليم ضباط محسوبين على نظام الأسد وشاركوا في القتال ضد السوريين. 

المدن،

—————————————–

 العلاقة السورية–اللبنانية: من زمن الهيمنة إلى زمن التفاوض/ إبراهيم الرز

الأربعاء 2025/10/22

لطالما تأرجح موقع لبنان في الحسابات السورية بين “الغلطة التاريخية” وبين “الخاصرة الرخوة”، فالسياسة الرسمية السورية، وعلى امتداد عقود رسَّخت هذه المعادلة التي تحكمت بالمنطق الاستراتيجي في قراءة للعلاقة بين البلدين الجارين. ومنذ أن صار موقف دمشق نتاجًا لانقلابات عسكرية، نبذت دوائر صنع القرار السورية أي ندية في التعامل مع لبنان، وكأنه كيان لا سيادة له، يجب ضبطه أو استثماره أمنياً وسياسياً. ومع وصول الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد تشكل معيار عملي: الرئيس اللبناني الجيد في نظر دمشق هو من يلبي أجندتها ويتيح لها امتلاك أوراقٍ إقليمية، فلسطينية، لبنانية، أو حتى نفوذ على حساب ملف عراقي أو إقليمي أوسع. هذا المعيار هو مفتاح لفهم تعاطي الأسد الأب ثم الابن مع أمين الجميل، إلياس الهراوي، إميل لحود، ميشال سليمان، ميشال عون، ووصولًا إلى مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، حيث يبرز اسم أحمد الشرع في دمشق وجوزاف عون في بيروت.

منطق حافظ الأسد: تحويل لبنان إلى ورقة إقليمية

مع حافظ الأسد تغيّرت الفلسفة: لم تعد دمشق تكتفي بصدّ أو ملاحقة معارضين جاؤوا إلى لبنان، بل عملت على بناء علاقات مع رؤساء لبنانيين يسمحون لها بأن تستخدم بيروت كمنصة إجراء لمصالح إقليمية. هذا المعيار يفسر بشدة الضغوط والسلوك الحازم الذي قوبل به رؤساء لم يلبّوا توقعات دمشق، وفي المقابل يفسّر الدعم الواسع لرؤساء تعاونوا معها.

محطات رئاسية

تاريخياً، كانت تجربة أمين الجميّل مثالاً على هذا التباعد: حاول الجميّل السير في دروب استقلالية سياسية ظاهرة، لكن النظام الأسدي استخدم سياسة الضغط وإثارة الخلافات وافتعال التوترات الأمنية، فلم يُمنح ما يطمح إليه من “أوراق” استراتيجية، وبقيت العلاقة متوترة. على النقيض، وبعد اتفاق الطائف بدا إلياس الهراوي أكثر قدرة على تفهم قواعد اللعبة السورية فأسهم ذلك في نوع من التوافق المؤسسي الذي سمح لدمشق بضمان مصالحها عبر آليات رسمية، لكن من دون توفير أي وسيلة لاختلاق الأزمات بين ما كان يُعرف بالترويكا (أي رؤساء الجمهورية والحكومة ومجلس النواب) ومن ثم التوسط لحلها، وبالطبع  وصل التدخل في الشؤون اللبنانية مستوى لا يمكن تصوره، وعلى كل الأصعدة وفي كل المرافق الإدارية، بحيث بات التوظيف في الإدارات الرسمية يمر عبر “البوريفاج” أو “عنجر” مقر المسؤول السوري المولج بالملف اللبناني.

 وصول إميل لحود مثّل ذروة ذلك النمط: تحالفٌ وثيق، دعم في شؤون الجيش والأمن، وتقدير سوري لأي تحرُّك يهدد لحود بوصفه تهديدًا لمصالح دمشق نفسها. ومن أخطر محطات تلك الحقبة كانت مسألة تمديد ولاية لحود عام 2004 التي أثارت احتجاجاً محلياً ودولياً وأظهرت مدى قدرة النفوذ السوري على التأثير في القرار اللبناني، في هذا السياق وحسب ما تسرب من لقاء الحريري الأخير مع بشار الأسد، وورد في كتابي فاروق الشرع وباسم السبع، أن الأسد قال له: بانك تعمل ضدي بخيار التمديد وليس ضد لحود. وهدده بأن يحرق بيروت ووسطها على رأسه.

التحول في نمط العلاقة لم يقتصر على هؤلاء فقط؛ فقد شهدت تجربة ميشال سليمان محاولة للانتقال من منطق النفوذ غير الرسمي إلى قنوات دبلوماسية مؤسسية واضحة. زيارة سليمان إلى دمشق عام 2008 ونتائجها التي أفضت إلى تطبيع التمثيل الدبلوماسي وفتح سفارات بين البلدين مثّلت خطوة عملية لتحويل الإطار من تعاملات سرّية إلى تبادل رسمي وتقني، وهي تجربة أعادت جزءًا من الاستقرار المؤسسي إلى العلاقة بعد سنوات من الاحتقان. تلك الخطوة لم تُطهّر الذاكرة أو تزيل الشكوك، لكنها وضعت مجدداً آليات تفاوضية يمكن الاستفادة منها لاحقًا.

أما ميشال عون فقد تحوّل من خصم لسوريا إلى حليف وفي؛ اعتمد قاعدة “تحالف الأقليات” وعمل على تقارب سياسي مع دمشق في فترات محددة، متجاوزًا في أماكن عدة المطالب الرمزية لدى مناصريه (قضية الأسرى وذاكرة 13 تشرين).

في هذا السياق، هناك روايات وشهادات، بينها ما ورد في مذكرات وكتابات شخصيات لبنانية وسورية، تؤكد أن دمشق استعملت على الدوام فكرة “الخاصرة الرخوة” لتبرير سياساتها، وفي المقابل عملت على تجميع أوراق إقليمية عبر بيروت. قصة زيارات لحود وما جرى من تعديلات نصية على مصطلحات العلاقة الثنائية (لبنان خاصرة رخوة لسوريا والثانية أنها مصدر تهديدات لها) تُروى كدليل على أن دمشق كانت تدير العلاقة بذكاء سياسيي: لا يكفي التعاون الظاهري، بل يجب أن تكون الريادة السورية في القرار اللبناني واضحة بما يكفل مصالحها. هذه الوقائع التاريخية تفسّر الخشية اليوم من أي عودة لما قبل 2005.

هذه المحطات تُظهر أن دمشق لم تتعامل مع لبنان فقط كجوار، بل كأداة توازن ونفوذ إقليمي. من يعطيها ما تريد يُعامل كرئيس “مفيد”، ومن يمتنع يُقابل بصيغة ضغط سياسية أو دبلوماسية، وصولا إلى الاغتيال ربما..

ما بعد سقوط نظام الأسد

سقوط حكم الأسد وظهور قيادة انتقالية في دمشق شكّل منعطفًا صارمًا في المسار الإقليمي: تفكك منظومة مركزية أدّى إلى إعادة ترتيب التحالفات، ودفع دولاً إقليمية، وعلى رأسها السعودية، للمبادرة إلى التهدئة وإعادة تنظيم شبكة العلاقات في المشرق كحالة استقرار إقليمية. في هذا الإطار ظهرت محاولات سورية لبنانية لوضع قواعد تعاونية تقنية: ترسيم الحدود، ضبط المعابر، معالجة ملفات النازحين وملفات التوقيف والمفقودين.

ضمن هذا السياق يحاول رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون، أن يقدم أدوات تفاوض تقنية جديدة: قيادة تمنح بيروت قدرة عملية على إدارة الملفات الشائكة بين البلدين في ظل التغير الإقليمي الحاصل في الشرق، ومن الجهة السورية، يبرز أحمد الشرع كرمز للقيادة الجديدة التي تبدو أكثر ميلاً إلى الحلول الإدارية والبراغماتية من منطق السيطرة الشاملة؛ هذا الاختلاف في طبيعة القيادات يفسّر لماذا تبدو قنوات التنسيق هذه المرة أسهل تقنياً من العقلية السابقة، لكن ذلك لا يلغي عمق الجروح التاريخية ولا يضمن استحالة محاولات إعادة إنتاج نفوذ من نوعٍ ما، إذا ما أخذنا في الحسبان أن هناك من يروِّج لنظرية لا يزال يعتبر لبنان محافظة من المحافظات السورية، واستقلاله بموجب سايكس بيكو غلطة تاريخية.

التسوية الإقليمية لعبت دورًا حاسماً: السعودية ودول خليجية أخرى أخذت على عاتقها مهمة الوساطة وضمان إطار تفاوضي بين دمشق وبيروت. الاجتماع الذي عقد في جدة تحت رعاية سعودية أنتج اتفاقات أولية لترسيم الحدود وضبط المعابر، ووضع آليات تقنية للتعاون الدفاعي والأمني بين البلدين.

وتولي الوزير طارق متري ملف حل الأزمات بين سوريا ولبنان يبشر بالتوصل إلى حلول عقلانية وعادلة تساهم بتخفيف التشنج بين البلدين، إن لم يتم التوصل إلى إزالته نهائياً وإرساء علاقات ندية.

التاريخ يعلّم أن دمشق تعاملت دائماً مع لبنان كمساحة نفوذ أصيلة؛ والترجمان لهذه العقلية هو معيار “من يساعد سوريا؟” الذي حكم مواقف عديدة عبر العقود. لكن انهيار منظومة الحكم السابقة في سوريا وفَّر فرصة لإعادة ضبط العلاقة بطريقة مؤسسية وتقنية. نجاح هذه المرحلة يتوقف على ثلاثة عناصر مترابطة:

مأسسة التفاوض: تحويل القضايا من مفاوضات شخصية إلى لجان فنية وقانونية واضحة (ترسيم حدود، ملفات سجناء/نازحين، اتفاقات اقتصادية).

ضمان إقليمي متوازن: استعمال الضمان الخليجي (السعودي خصوصًا) ليس كبديل لسيادة الدولة، بل كقناة حماية توفّر ظروف تفاوضية عادلة.

حفظ الذاكرة والعدالة: أي تسوية يجب أن تعالج ملفات الماضي (اختفاءات، اغتيالات، ملفات أمنية) بشكل شفاف لتجنّب تراكمات تُفرّخ توترات مستقبلية.

المدن

——————————

مسار إعادة الثقة بين دمشق وبيروت/ صهيب جوهر

زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت لم تكن مجرد محطة دبلوماسية عابرة أو استكمالا لبروتوكول علاقات بين بلدين تجمعهما الجغرافيا، ويفصل بينهما التاريخ السياسي، بل جاءت كتجربة واقعية لاختبار النيات بين دولتين تحاولان إعادة تعريف نفسيهما بعد تحولات كبرى في الإقليم.

فسوريا الخارجة من ثورة طاحنة تبحث عن علاقات سوية مع محيطها، ولبنان الغارق في أزماته الداخلية يحاول أن يجد في العلاقة مع سوريا بابا لتنفّس سياسي واقتصادي من دون أن يعيد إنتاج التجربة السابقة التي كلفته كثيرا من السيادة والاستقلالية.

منذ لحظة وصول الوفد السوري إلى بيروت، بدا أن الزيارة تتجاوز المجاملة الدبلوماسية إلى محاولة فعلية لترسيم خطوط مرحلة جديدة. فقد حرص الشيباني في لقاءاته مع رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ونائبه طارق متري، على أن يعكس خطابا هادئا خاليا من لغة التفوق أو الاستعلاء التي كانت تطبع علاقة النظام السابق بلبنان.

وبدا الرجل واعيا لحساسية الذاكرة اللبنانية من كل ما هو “سوري سياسي”، فاختار لغة المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. لم يأتِ ليملي أو ليعتذر، بل ليعلن أن سوريا الجديدة تريد علاقة من نوع آخر، وأنها مستعدة للتعامل مع لبنان كجارٍ وشريك لا كتابعٍ أو ساحة.

غير أن بناء هذه اللغة الجديدة لا يمكن أن يتحقق ببيانات حسن نية فقط، فالعلاقات بين البلدين متخمة بملفات ثقيلة، أولها ملف الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية. وهو ملف مركب يجمع البعد الإنساني بالسياسي، ويختزن في داخله ما يشبه المرآة التي تعكس طريقة كل طرف في النظر إلى الآخر.

فدمشق تعتبر أن استمرار احتجاز مئات السوريين على خلفية انتمائهم السياسي أو انخراطهم في فصائل معارضة للنظام السابق، أمر لم يعد مقبولا بعد سقوط النظام، وتراه امتدادا للمرحلة الماضية التي يجب تجاوزها.

في المقابل، يتعامل لبنان مع القضية من زاوية قانونية وسيادية بحتة، إذ يخشى أن تتحول أي خطوة غير محسوبة إلى سابقة تمسّ القضاء اللبناني، وتفتح الباب أمام تدخل خارجي في شؤونه.

لذلك فضّل الوفد السوري طرح مقاربة وسطية تقوم على تقسيم الموقوفين إلى فئات: من صدرت بحقهم أحكام جنائية، ومن ارتكبوا مخالفات بسيطة، ومن لم يخضعوا بعد للمحاكمة.

وتمّ التفاهم المبدئي على تسهيل إطلاق الفئة الثانية، وتسريع محاكمات الثالثة، مع احتمال توقيع اتفاقية قضائية تسمح بترحيل بعض الموقوفين إلى دمشق؛ لاستكمال الإجراءات القضائية هناك.

بيدَ أن هذه الخطوة سرعان ما تلامست مع ملف آخر لا يقل حساسية: مطالبة بيروت بتسليم مطلوبين لبنانيين متورطين في عمليات اغتيال خلال عهد النظام السابق، أبرزهم حبيب الشرتوني المتهم باغتيال الرئيس السابق بشير الجميل.

وهنا تلمّس الوفد السوري ما يشبه الميل اللبناني إلى مقايضة الملفات، الأمر الذي قد يسبب حساسية دمشق، وقد يثير قلقها من أن يتحول البعد الإنساني إلى ورقة تفاوض سياسية.

وقد عبّر الشيباني في جلساته الخاصة عن رغبة بلاده في التعامل مع الملف كمدخل لترميم الثقة لا كأداة مساومة، مشيرا إلى أن الحكومة الجديدة لا تملك الكثير من بيانات النظام السابق، وأن أرشيف المخابرات القديمة إما أُتلف أو نقل إلى الخارج خلال سقوط النظام.

أما الملف الثاني الذي فرض نفسه على طاولة المباحثات، فهو ترسيم الحدود وضبط المعابر، وهو من أكثر الملفات تعقيدا في العلاقة بين البلدين.

فلبنان يرى أن استعادة السيطرة الكاملة على حدوده شرط أساسي لفرض هيبة الدولة ووقف التهريب الذي استنزف اقتصاده، فيما تطالب دمشق بإعادة النظر في بعض النقاط الحدودية التي ترى أن الجيش اللبناني تجاوزها خلال اضطرابات 2014، وخاصة في جرود عرسال والقاع.

ورغم استمرار التنسيق الميداني بين الجيشين، فإن الجانبين يعلمان أن الحل يحتاج إلى غطاء سياسي وإرادة مشتركة، وربما إلى رعاية عربية تحفظ التوازن بينهما. وهنا برز الدور السعودي والقطري، إذ أظهرت المعلومات أن الرياض والدوحة كانتا وراء تشجيع هذه الزيارة ودفعها قدما، في إطار سعيهما لإعادة وصل سوريا الجديدة بجوارها العربي، وتبريد الملفات العالقة بين بيروت ودمشق.

في موازاة ذلك، جاء ملف اللاجئين السوريين ليشكّل نقطة تقاطع حساسة بين الجانبين. فلبنان، الذي يستضيف أكثر من مليون لاجئ، يرى في العودة المنظمة حاجة وجودية؛ لتخفيف العبء الاقتصادي والاجتماعي، فيما تعتبر دمشق أن الظرف بات مهيأ لعودة تدريجية، لكنها تدرك أن العودة لا تقتصر على قرار سياسي، بل تتطلب ضمانات أممية ودولية ومساعدات مالية.

وقد عبّر الشيباني عن استعداد بلاده للعمل مع الأمم المتحدة على خطة متدرجة، مؤكدا أن سوريا في مرحلة التعافي وتحتاج إلى أبنائها.

لكن بين الخطابين اللبناني والسوري، ما زالت الهوة قائمة: لبنان يريد ضمانات أمنية وحقوقية حقيقية قبل الشروع في العودة، وسوريا تريد تفكيك خطاب الخوف الدولي الذي يربط العودة بملف المحاسبة والعدالة الانتقالية.

وفي العمق، فإن خلف هذه الملفات كلها يكمن بعد اقتصادي غير معلن بشكل مباشر. فدمشق، وهي تدخل مرحلة إعادة الإعمار، تنظر إلى لبنان كنافذة ضرورية نحو البحر، وكممر تجاري حيوي في ظل العقوبات الغربية، بينما يبحث لبنان عن متنفس اقتصادي يعيد إليه دور الترانزيت والمرافئ والتبادل التجاري مع الداخل السوري، والعراقي.

ومن هنا تبرز الرغبة المتبادلة في إنشاء مشاريع مشتركة في مجالات الكهرباء، والطاقة، والنقل، والغاز، وهو مسار إن تحقق يمكن أن يشكل مصلحة مشتركة لكلا البلدين، لكنه يحتاج إلى إطار قانوني ومالي يحظى برعاية دولية لتجنب الوقوع في فخ العقوبات.

تأتي زيارة الشيباني بعد سلسلة من اللقاءات التي سبقتها بين مسؤولين من البلدين، بدأت بزيارات ميدانية للجان فنية وقضائية، ومرورا باتصالات سياسية قادها رئيسا البلدين خلال القمة العربية الإسلامية في الدوحة، وصولا إلى زيارات الزعيم الدرزي وليد جنبلاط المتكررة إلى دمشق.

كل هذه المؤشرات تعكس رغبة متبادلة في طي صفحة الماضي، ولو بحذر، لكن المسار لا يزال هشا ومحكوما بتوازنات دقيقة داخل لبنان نفسه، حيث تتباين المواقف بين من يرى في سوريا الجديدة فرصة لفتح صفحة التعاون، ومن يخشى أن تكون الزيارة محاولة لتلميع إرث ثقيل بواجهة مختلفة.

وهنا يبرز التحدي المرتبط بحزب الله بوصفه عاملا محوريا في صياغة معادلة العلاقة بين البلدين. فالحزب الذي خاض الحرب إلى جانب النظام السابق لا يستطيع أن يتجاهل تبدّل المشهد في دمشق، لكنه في الوقت ذاته لا يملك ترف القطيعة مع جغرافيا شكلت عمقا إستراتيجيا له طوال عقدين.

وفي المقابل، تبدو القيادة السورية الجديدة حريصة على ضبط العلاقة مع لبنان ضمن حدود “التقدير المتبادل” لا “التبعية السياسية”، فهي تدرك أن المبالغة في القرب منه قد تعيد إنتاج الشكوك العربية، وأن تجاهله قد يفتح توترات على الأرض اللبنانية، أو في ملف الحدود.

بهذا المعنى، يتحول حزب الله إلى عامل توازن دقيق بين الانفتاح السوري على الدولة اللبنانية، وبين إرث النفوذ غير الرسمي الذي تمتع به سابقا. والاختبار الحقيقي سيكون في قدرة بيروت على بناء سياسة خارجية تحافظ على التواصل مع دمشق من دون المرور الإجباري عبر الحزب، وفي قدرة دمشق على مخاطبة الدولة اللبنانية مباشرة، دون الاعتماد على وسطاء سياسيين أو أمنيين.

ورغم الحذر اللبناني، فإن الجانب السوري يبدو مدركا أن العلاقة مع بيروت هي بوابة اختبار حقيقية لقدرته على ممارسة الدبلوماسية الجديدة التي وعد بها الرئيس أحمد الشرع. فلبنان ليس دولة يمكن تجاوزها، ولا ساحة يمكن إعادة استتباعها كما كان في الماضي. إنه جار مضطرب لكنه ضروري، وخصم حساس لكنه شريك محتمل.

ولهذا حاول الشيباني أن يعيد رسم صورة بلاده من خلال التواضع الدبلوماسي، والانفتاح الاقتصادي، والتشديد على احترام السيادة اللبنانية، وهي إشارات لم تكن مألوفة في الخطاب السوري خلال العقود الماضية.

يمكن القول إن الزيارة في مجملها تمثل محطة تأسيسية لمسار جديد من العلاقات اللبنانية- السورية، لكنها في الوقت نفسه اختبار صعب للطرفين. فدمشق مطالبة بأن تُثبت صدق نيتها في بناء علاقة قائمة على الشفافية لا على الأمن، ولبنان مدعو إلى تجاوز إرث الريبة دون الوقوع في فخ التساهل أو فقدان التوازن.

العلاقة بين البلدين ليست شأنا ثنائيا فحسب، بل مرآة لتوازنات المشرق بأكمله: بين وصاية الأمس واستقلال اليوم، بين ذاكرة الحرب وحاجة التعاون.

وفي النهاية، تبقى الزيارة أكثر من مجرد حدث سياسي، فهي إشارة رمزية إلى أن الجغرافيا أقوى من الأيديولوجيا، وأن البلدين اللذين عاشا طويلا في ظلال بعضهما لا يستطيعان إلا أن يتعاونا، مهما طال الفراق وتبدّلت الأنظمة.

التحدي الحقيقي اليوم ليس في التوقيع على اتفاقيات جديدة، بل في تغيير اللغة النفسية للعلاقة: هل يستطيع اللبناني أن يرى في سوريا جارا لا عبئا؟ وهل تتعامل دمشق مع بيروت كدولة ذات سيادة لا كحديقة خلفية؟

إن الإجابة عن هذين السؤالين وحدها ستحدد ما إذا كانت زيارة الشيباني بداية مسار حقيقي نحو علاقة نديّة، أم مجرّد فصل جديد من تاريخ طويل يتقن الطرفان فيه فنّ إدارة الأزمات أكثر من فنّ تجاوزها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

صحفي لبنان

الجزيرة

——————————–

==========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى