هل عادت المؤسسات القانونية والمدنية للعمل؟: القضاء، والمُلكية، والأحوال المدنية/ ميرا سليم

27-10-2025
بعد سقوط النظام، تكشّفت بسرعة الهشاشة التي نخرت مؤسسات الدولة لعقود طويلة، خصوصاً تلك التي يُفترض أن تشكّل أعمدة أساسية لأي كيان سياسي مستقر: القضاء، والسجل العقاري (الطابو)، والأحوال المدنية (النفوس).
لم تستعِد هذه المؤسسات وظائفها الطبيعية بوصفها ضامنةً للحقوق الفردية والجماعية، بل جرى التعامل معها من قبل السلطة الجديدة كما لو أنها غنائم حرب. تبدّلت الشعارات المرفوعة على جدرانها، لكن الجوهر بقي كما هو: قضاء مشلول لا يملك استقلاليته، ومعاملات مدنية تُدار بعقلية غير مدنية، وسجلات حياة مجمّدة تُعطل أبسط حقوق الأفراد في التوثيق والتصرف والاعتراف بوجودهم القانوني. فالقضاء الذي يفترض أن يكون حصن العدالة وميزان الدولة في مواجهة الاستبداد، جرى تفريغه تدريجياً من وظيفته الحقيقية، وتحويله إلى مجرد واجهة قانونية تُوقِّع قرارات الأجهزة الأمنية وتُضفي على القمع غطاءً شكلياً. الأمر نفسه انطبق على مؤسستي الطابو والنفوس، اللتين حُمّلتا أدواراً ليست من صميم عملهما: فبدل أن تكونا سجلاً لحماية الحقوق المدنية والملكية، تحوّلتا إلى وسيلتين رقابيتين؛ الأولى لتسهيل مصادرة الأملاك وتقييد التصرف بالملكية، والثانية لإنتاج هوية قانونية مشروطة بالولاء والخضوع.
وتكمن أهمية هذه المسألة اليوم في أنها تمس فكرة الدولة نفسها: فهل نحن أمام فرصة لإعادة بناء مؤسسات راسخة على أسس صحيحة تستمد شرعيتها من حماية الحقوق وضمان العدالة؟ أم أننا أمام سلطة لا تمتلك أساساً عقلية بناء الدولة؟
مؤسسة القضاء
بعد استيلاء حزب البعث على السلطة عام 1963، بدأ القضاء يتحوّل تدريجياً إلى ذراع للسلطة التنفيذية، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي أو الأمني، فاقداً أي مساحة للاستقلال، وحوّلَ المؤسسة كلها إلى غطاء شرعي لقرارات النظام، بدل أن تكون ضامناً للعدالة. أمّا في عهد بشار الأسد، ساءت الأمور أكثر، وبقيت المحاكم واجهة شكلية، بينما تُدار معظم الملفات عبر الأجهزة الأمنية مباشرة بالرغم من أن القضاء كان يُمارس دوره بنسب متفاوتة فيما يخص القضايا الجنائية والمدنية. ورغم محاولة نظام الأسد الترويج لبعض الخطوات «الإصلاحية»، مثل تأسيس معهد القضاء العالي عام 2013، فإن هذه المبادرات لم تلامس أساس المشكلة، أي غياب الاستقلال والشفافية والمحاسبة.
مع اندلاع الثورة عام 2011، كانت بنية القضاء شبه منهارة من الداخل، لذلك حين سقط النظام أواخر 2024، وانهارت المؤسسات الأمنية والعسكرية، تهاوى القضاء الرسمي بسرعة، وتوقفت معظم المحاكم عن العمل، لتغرق البلاد في فراغ قانوني. في ذلك الفراغ، ولدت حكومة انتقالية بشكل متسرّع، من دون غطاء دستوري حقيقي، ولا خطة واضحة لكيفية إدارة المرحلة.
لا يمكن النظر إلى واقع القضاء في سوريا بمعزل عن وضع الضابطة العدلية، فهي العمود الفقري لعملية تطبيق القانون وبوابة إدارة التحقيقات الأولية. اليوم، يُواجه هذا الجهاز انهياراً غير مسبوق يعكس بوضوح هشاشة البنية القضائية بأكملها. أحد المحامين (ك. ف) في ريف دمشق يُلخص الصورة قائلاً: «المعروف أن الضابطة العدلية هي أداة تنفيذ للسلطة، سواء كان القرار صادراً عن القضاء أو النيابة أو أي جهة قانونية. لكنها للأسف اليوم تفتقر إلى الخبرة والتدريب المهني، وإدارتها للعمل تتم بلا اختصاص أو تأهيل حقيقي. أفرادها، من أصغر رتبة حتى مدير الناحية أو الفرع، لم يتلقوا أي دورات شرطة، ولا يعرفون كيف يتعاملون مع المواطنين. وفي كثير من الحالات، عند محاولة إحضار مطلوب، يتجاوزون حدود صلاحياتهم، فيقتحمون البيوت من دون إذن النيابة، ويخلعون الأبواب، ويطلقون النار».
ويواصل محامٍ آخر (ر. ن) رواية تجربة شخصية تكشف المزيد من مظاهر هذا الانهيار: «أثناء التحقيق مع موكلتي، وأثناء المواجهة مع المُدّعى عليه، كان المكتب يعج بالناس، دون أدنى احترام لخصوصية التحقيق. استمر التحقيق ساعتين، لم يُخصص منها سوى خمس دقائق لموضوع القضية، بينما انصبّت بقية الأسئلة على أمور شخصية لا علاقة لها بالحادثة».
ويُضيف محام آخر (س. ع) شهادة تُبرز الواقع المُظلم والمُقلق للشرطة والأمن العام في سوريا، يقول: «التعامل مع الشرطة سهل نسبياً، إذ تُحرَّر الضبوط وتنظَّم الإجراءات داخل المخافر، أما الأمن العام فالوضع فيه مختلف جذرياً، إذ يشبه تنظيمات غير رسمية أو عصابات، بلا قواعد قانونية واضحة أو احترام للإجراءات». ويُضيف (س. ع) شهادة شخصية توضح مدى الانتهاكات التي تحصل، إذ يروي قصة أحد موكليه الذي يملك منزلاً في دويلعة تستأجره امرأة لبنانية منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وكيف قال له أحد عناصر الأمن العام بشكل واضح وصريح: «لا داعي لأن تذهب إلى القضاء، سأكلم شيخين ليُخرجا المرأة من البيت بحجة أنها تابعة لحزب الله». هذه العبارة تُلخص كيف يُستغَل الأمن العام في تجاوز القانون وتطبيق النفوذ خارج أطر القضاء، مما يضرب مبدأ سيادة القانون ويُهدّد حقوق المواطنين بشكل مباشر.
في ظلِّ هذا الواقع المُتردّي لمنظومة الضابطة العدلية، ومع تباين مستوى الانضباط والأداء بين المناطق المختلفة، يبرز السؤال حول كيفية عمل هذه الأجهزة في العاصمة دمشق التي يُفترض أن تكون أكثر انتظاماً. وهنا، يُسلط أحد المحامين (ه. ح) الضوء على التجاوزات والاختلالات التي ما زالت قائمة حتى في هذه المراكز، مُشيراً إلى غياب الخبرة والكفاءة اللازمة للمحققين، وانعكاس ذلك سلباً على مسار التحقيقات وحقوق المتهمين. وجاء رده مؤكداً: «المحقق في الاستجواب يجب أن يمتلك خبرة حقيقية، يعرف كيف يطرح الأسئلة وماذا يسأل، وأن يُجيد قراءة لغة الجسد. على سبيل المثال: في قضايا المخدرات أو السرقة، يُفترض أن تقتصر الأسئلة على موضوع الجريمة، لكن ما يحدث اليوم مختلف تماماً؛ تدخل بسبب جرم محدد، فتخرج بجرم آخر». ويستشهد بمثال واقعي: «كنت أرافق موكلاً إلى قسم الشرطة لتنظيم ضبط حول سرقة سيارته، وهو من أبناء الطائفة العلوية، فتم توقيفه بلا سبب، فقط بحجة احتمال أن يكون من فلول النظام السابق».
ويمتد التدهور في الشرطة والأمن العام إلى نقص حاد في العناصر، مما يزيد من ضعف المؤسسات الأمنية ويُؤثر سلباً على قدرة هذه الأجهزة على أداء مهامها بشكل فعال. يوضِح المحامي (ع. ص) أن «هذا النقص أدى إلى تقليص أقسام مهمة مثل قسم التبليغات ومتابعة الأحكام والأقلام والمفارز المستقلة، ما جعل مهام التحقيق والإشراف على الضبوط تقع على عاتق مدير الناحية وحده، مع كاتب واحد فقط للضبوط، وهو ما يُضعف مستوى الدقة والجودة في العمل».. ويؤكد عنصر شرطة سابق هذا الكلام، مشيراً إلى أن «إعداد الضبط وإحالته للمحكمة كان يستغرق سابقاً عشرة إلى خمسة عشر يوماً، أمّا اليوم فيمتد لشهر أو أكثر إذا حُوِّل أصلاً»، مع تراجع عدد العناصر بشكل كبير جداً، مما يزيد من الضغط على ما تبقى من طواقم الشرطة ويضعف قدرة المؤسسة على الاستجابة للحالات الطارئة وتنفيذ القانون.
تعثّر القضاء واستمرار الانتهاكات
وعند الانتقال إلى المشهد القضائي، يصف المحامي (خ. م) الوضع بكلمات ثقيلة: «الوضع القضائي اليوم أخطر بكثير من حال الشرطة، فالقضاء لا يستطيع أداء دوره إلا في بيئة آمنة. كمحامٍ، لا أجرؤ على إرسال موكلي من أبناء الطائفة العلوية لحضور جلسة أو استجواب، خشية اعتقاله بسبب طائفته، وهذا قد يحدث»،. لم تعد الأزمة محصورة في الشرطة والضابطة العدلية وحدها، بل امتدت لتطال القضاء ذاته. إذ يواجه القضاة تحديات كبيرة جراء الأوضاع الأمنية المتدهورة. وفي شهادة تعكس هذا الواقع، يوضح قاضٍ كيف يؤثر عدم الاستقرار على سير العدالة، مما يضطر المحاكم أحياناً إلى تعطيل أعمالها، وبالتالي تأجيل القضايا وإلحاق الضرر بحقوق المواطنين. يقول المحامي: «على سبيل المثال، عند اندلاع الاشتباكات في منطقة جرمانا وصحنايا في نهاية الشهر الرابع تقريباً، أُغلقت المحاكم لثلاثة أيام، ما أدى إلى تأجيل العديد من الدعاوى وتنسيبها بمواعيد جديدة، وضياع مواعيد جلسات لمواطنين.. إلخ من هذه الأمور التي تُعطل وتُأخر سَير القضاء».
في مطلع عام 2025، وبعد أسابيع من التخبّط والفراغ، حاولت وزارة العدل في الحكومة الانتقالية استعادة السيطرة على المشهد القضائي عبر خطة لإعادة تفعيل المحاكم في المناطق «المستقرة أمنياً» بشكل تدريجي. شمل القرار إعادة بدء العمل في المحاكم المدنية والجزائية والشرعية، مثل تنظيم الوكالات وتسجيل الدعاوى، مع تكليف قضاة جدد للنظر في القضايا العالقة، خصوصاً المتعلقة بالأحوال الشخصية والنزاعات المدنية. ورغم «البداية الإيجابية» التي هدفت لترميم النظام القضائي وإعادة بعض الاستقرار والتنظيم إلى حياة الناس، سرعان ما ظهرت على الأرض إشكاليات عدة أفرغت القرار من مفعوله المرجو. وأسفر ذلك عن تفاوت كبير في أداء المحاكم بين المناطق، ففي حين عادت بعض المحاكم للعمل بشكل مقبول، توقّف دور القضاء بشكل كامل في مناطق أخرى، ما يعكس بوضوح التحديات التي تواجه أي خطة لإعادة التفعيل الجزئية.
مع الفوضى التي اجتاحت مؤسسات الدولة بعد سقوط النظام، أصبح الواقع القضائي في سوريا أكثر تعقيداً مما مضى. فشهادات المواطنين والمحامين تكشف تفاوتاً ملحوظاً في مستوى الأداء، سواء في المحاكم المدنية أو الشرعية أو الجزائية، وهو ما ضاعف مصاعب الناس وحرَمهم في كثير من الأحيان من الوصول إلى العدالة. يقول (ل. س) الموظف في القصر العدلي بدمشق: «قبل سقوط النظام كان دور القضاء في بعض المناطق ضعيفاً، واليوم اختفى تماماً». وفي غيابه ظهرت هيئات عرفية، قوامها وجهاء المجتمع: رجال دين، شيوخ عشائر، وكبار السن ممن عُرفوا بالحكمة. ورغم غياب أي خلفية قانونية لديهم، حاولوا بطريقتهم سدّ الفراغ، معتمدين على الأعراف والتقاليد في الفصل بين الناس، خاصة في القضايا الأُسرية والمدنيّة. وفي بعض المرات نجحوا في التهدئة وتخفيف التوتر، غير أن هذه «العدالة البديلة» سرعان ما ولّدت إشكالات عميقة، أبرزها انعدام الضمانات القانونية: لا وجود لمحاكمة عادلة، ولا رقابة مؤسسية، ولا حماية فعليّة لحقوق الأفراد، ولا سيما النساء والفئات المهمشة، ما أدى إلى ترسيخ شكل من «العدالة العرفية» التي قد تُنصف البعض وتُقصي آخرين وتترك الباب مفتوحاً أمام تجاوزات خطيرة.
أمّا في القضاء الشرعي، فيُوضح أحد كتّاب المحكمة أن «العمل توقّف لفترة وجيزة بسبب مشكلات في التبليغات، لكن الإجراءات بقيت على حالها، ومع ذلك ظلّ تنفيذ الأحكام وتثبيت الوقائع في دوائر السجل المدني معلقاً حتى منتصف تموز (يوليو)». ويصف أحد المحامين (ج. ي) الواقع بقوله: «القضاء يُعاني من تعثر شامل في كل المجالات: المدني، الجزائي، وحتى الشرعي. فالعراقيل والثغرات حاضرة دائماً، وحتى بعد صدور الأحكام تواجه مرحلة التنفيذ عقبات كبيرة». ويُضيف أن «القضاء المدني بات يعمل بشكل شكلي، وقراراته لا تجد طريقها إلى التنفيذ، خصوصاً تلك المتعلقة بتثبيت عمليات البيع والهبة والملكية، بسبب توقف السجل العقاري عن تنفيذ الأحكام الخاصة بنقل الملكية. وأن تسجيل الدعاوى استؤنف في مطلع نيسان (أبريل)، لتبدأ التبليغات بعد شهر، ما أدى إلى شطب قضايا عديدة بسبب غياب التبليغات الصحيحة، وهذه واحدة من أبرز المشكلات التي نواجهها اليوم». إن شطب القضايا، على سبيل المثال، يترتب عليه إعادة قيد الدعوى من البداية وترقين إشارتها والحجز الاحتياطي، وهذا يؤدي لإيقاف سير الخصومة وتأخيرها.
وفيما يتعلق بالقضاء الجزائي، يؤكد محامٍ آخر (ر. ق) أنه «منذ سقوط النظام لم يُعرض أي متهم على قاضي التحقيق. ففي محكمة جرمانا مثلاً تمر الضبوط على النيابة مروراً شكلياً، ولا يُعرض الموقوفين والموقوفات على قاضي التحقيق، وبعض الضبوط لا تصل أصلاً إلى النيابة وتبقى في المخافر». في المحصلة، يتضح أن ما يواجهه القضاء ليس مجرد عراقيل إدارية أو فنية، بل هو انعكاس لسياسة السلطة، وفقدان الثقة العامة بشكل كبير، ما يجعل أي محاولة لإعادة التفعيل الجزئية عرضة للفشل.
لم يكن أداء المحاكم مجرد انعكاس لضعف البنية الإدارية أو توقف بعض الدوائر الخدمية، بل كشف عن مشكلة أعمق تمس فكرة العدالة نفسها: التسييس أو عدم استقلال القضاء. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط ببطء الإجراءات أو نقص الكوادر، بل أصبحت تتعلق بانحياز المنظومة القضائية وتوجيهها لخدمة مصالح سياسية أو فئوية، مما دفع الكثير من المواطنين والمحامين إلى تجنّب اللجوء إليها. تقول المحامية والناشطة المدنية (ن.ح): «القضاء اليوم مُسيّس ومنهار. ولا فائدة تعود على المواطن من الشكوى، وأي قضية لا تتحول إلى رأي عام لا يتحرك القضاء بشأنها. نشهد موجة كبيرة من الاعتقالات الغامضة التي لا نستطيع الدفاع عنها لغيابها عن العلن. وطالما أن القضاء مُسيّس، قد يدخل صاحب الحق إلى المحكمة ويخرج منها محروماً من حقه».
ولم يقتصر أثر التَسييس على القضايا الفردية أو الجنائية، بل امتد أيضاً إلى الملفات الإدارية والوظيفية، حيث شهدت مؤسسات الدولة موجات من الفصل التعسفي للموظفين، في ظل غياب أي آلية قضائية فعّالة لمحاسبة المسؤولين أو إنصاف المتضررين. ويُشير المحامي (ع. ل): «كثيرون خسروا وظائفهم، لكنهم لا يستطيعون اللجوء إلى مجلس الدولة، وحتى إذا لجأوا، لا أتوقع صدور حكم لصالحهم لأن القرار يُعتبر سيادياً. وفي حال صدر حكم ضد وزارة الكهرباء بسبب فصل موظفين تعسفياً، السلطة التنفيذية ليس لديها القدرة على إلزام الوزير بتنفيذ القرار».
إن بقاء القضاء مجرد ساحة للنفوذ السياسي، منح السلطة التنفيذية فرصة التمدد إلى ما هو أبعد من صلاحياتها، والتحكم بمفاصل العمل القضائي وإعادة إنتاج منظومة السيطرة القديمة بصيغة جديدة. ورغم التصريحات المتكررة للحكومة الانتقالية عن «ترسيخ العدالة» و«بناء قضاء مستقل»، لم يُتخذ أي إجراء فعلي على الأرض، ولم يُنشأ كيان قضائي انتقالي يُعيد الثقة بالعدالة أو يؤسس لإصلاح حقيقي. في المقابل، واصلت وزارة العدل تجاوز صلاحياتها كجهاز تنفيذي، فلم تكتفِ بإصدار التوجيهات الإدارية، بل تولّت تعيين القضاة وعزلهم وأمسكت بمفاصل العمل القضائي، وسط غياب سلطة رقابية أو تشريعية مستقلة. والنتيجة أن هذه الخطوة، التي يفترض أن تُمثل بداية لبناء قضاء مستقل وعادل، تحولت إلى نسخة أكثر هشاشة من النموذج القديم في ظرف أكثر تعقيداً، مما عمّق فقدان الثقة لا بالقضاء فحسب، بل بفكرة الدولة العادلة التي وُعد بها السوريون بعد سقوط النظام.
وفي كانون الثاني (يناير) 2025، شهدت السلطة القضائية تحوّلاً جذرياً على يد وزارة العدل التابعة للحكومة الجديدة، إذ قررت حل المحكمة الدستورية العليا وفصل عدد من القضاة البارزين بدعوى تورطهم مع النظام السابق، لتُعيّن بدلاً منهم شخصيات محسوبة على القوى السياسية الناشئة. تُشير (ر. ص)، قاضية في إحدى المحاكم، إلى «تغيّر واقع القضاء بفعل هذه الإقالات التي استهدفت القضاة الذين عملوا في محكمة الإرهاب أو ارتبطوا بحزب البعث أو وُصفوا بأنهم من بقايا النظام السابق». ونتيجة لذلك، يُعاني القضاء اليوم من نقص حاد في الكادر القضائي، في حين أن البدلاء الذين تم تعيينهم يفتقرون غالباً إلى الخلفية القانونية المتخصصة، إذ يأتي كثير منهم من دارسي الشريعة دون تحصيل علمي دقيق في القانون، ما يُشكل تهديداً لكفاءة العمل القضائي وجودته. وتؤكد (ر. ص) أن «القضاء كان ولا يزال العمود الفقري الذي يضمن الاستقرار وينظم العلاقات بين الناس، لكن غياب الاستقرار والكفاءة القانونية يُحول المؤسسة القضائية إلى هيكل عاجز عن إنفاذ العدالة»، وفي ظل غياب العدالة الانتقالية، التي تُشكل ركيزة أساسية لأي استقرار حقيقي، تستمر الأزمة القضائية في التفاقم ويزداد المشهد القانوني تعقيداً. ومع استمرار هذه الأزمة، يتصاعد الجدل حول مصير قضاة محكمة الإرهاب، حيث تتداخل قضايا قانونية وإنسانية حساسة تتعلق بالحقوق والعدالة، فالمطلوب هنا ليس الدفاع عن خيار القضاة الذين وقفوا مع نظام الأسد وبرروا جرائمه، بل عن حق أيٍّ كان بالحصول على محاكمة عادلة، أي أن الإشكالية ليست بفصل القضاة بل بالطريقة التي تم فيها ذلك. ويُضيف محامٍ مختص (ن. ت) أن «الوظيفة القضائية تتطلب تخصصاً دقيقاً وخبرة قانونية متخصصة، وأن القاضي يجب أن يكون خريج كلية الحقوق وليس فقيهاً أو طبيباً أو مهندساً، لأن القضاء علم يتطلب معرفة تفصيلية بالقوانين والإجراءات وأداء دقيق يُحقق المساواة بين الناس»، ويؤكد (ن. ت) أن «الواقع الحالي لا يراعي هذه المعايير».
تُوضح (ه. ق) المحامية والناشطة المدنية، أنه «بتاريخ 29 كانون الثاني، أصدرت وزارة العدل السورية القرار رقم 89 الذي ألغى منصب النائب العام الأول في عدليتي دمشق وحلب، واستُحدث بدلاً عنه منصب رئيس العدلية، وبحسب القرار يتولى رئيس العدلية الإشراف الإداري على عمل العدلية في محافظته، فيما تُناط المهام القضائية بالنيابة العامة. هذا التعديل يتعارض مع قانون السلطة القضائية إذ لا ينص القانون على منصب رئيس عدلية، ولا يمنح وزير العدل صلاحية استحداثه، وهو ما يُشكل تجاوزاً لصلاحيات السلطة التنفيذية وإضعافاً لاستقلال القضاء، وأنه يكشف بوضوح تزايد تدخّل وزارة العدل في شؤون القضاء، وهو ما يُهدد استقلاليته ويُكرس تبعيته للسلطة السياسية». إلى جانب ذلك، جرى تعليق العمل بعدد من القوانين الإجرائية واستبدالها بتوجيهات وقرارات مؤقتة صادرة عن وزارة العدل، الأمر الذي أطاح بمفهوم الشرعية القانونية وأحل مكانه ما سُمّي بـ«الشرعية الثورية». ومع غياب برلمان منتخب أو جهاز قضائي مستقل يُراقب هذه الإجراءات، تحولت وزارة العدل عملياً لمركز سلطة مطلق، تتحكم في تعيين القضاة وعزلهم وتُصدر التعليمات القضائية ليعود المشهد من جديد إلى دائرة الهيمنة السياسية والتبعية القضائية، لكن هذه المرة تحت مسميات وشعارات مختلفة.
السجل العقاري (الطابو)
على مدى عقود طويلة، لم يكن السجل العقاري – أو كما يعرفه السوريون باسم «الطابو» – مجرد دائرة بيروقراطية تحفظ وثائق الملكية، بل كان في عمق الواقع واحداً من أقوى أدوات الدولة لإعادة ترتيب موازين القوى وإحكام سيطرتها على الاقتصاد والمجتمع. صحيح أن مهمته المُعلنة هي توثيق عمليات البيع والشراء، لكن خلف الأختام والمكاتب كان يتحول إلى سلاح سياسي، يُوجَّه نحو الخصوم ويُستعمل لانتزاع ممتلكاتهم تحت غطاء قانوني متقن، والقوانين التي وفرت هذا الغطاء لم تأتِ مصادفة، بل وُضعت عمداً لخدمة هذا الدور، وأبرز الأمثلة على ذلك قانون مكافحة الإرهاب الصادر عام 2012، الذي فتح الباب واسعاً أمام مصادرة الأملاك بذريعة الأمن. ومع هذه التشريعات، أصبحت إدارة السجل العقاري خاضعة مباشرة لأجهزة المخابرات، التي حوّلت مكاتبه إلى أماكن مُغلقة تحكمها معايير الولاء قبل أي نص قانوني.
عقب سقوط النظام، لم تُغلَق مكاتب السجل العقاري بالكامل، لكنها توقفت عن أداء دورها: تثبيت معاملات نقل الملكية، والهبة، والفراغ، بينما اقتصرت وظيفتها على إصدار وثائق مثل «إخراج القيد العقاري، وبيانات المساحة، ووضع إشارات الدعاوى»، وهذا الشلل لم يكن مجرد ارتباك عابر في مرحلة انتقالية، بل استمراراً لنهجٍ مدروس يُعيد رسم خارطة الملكيات بما يخدم مصالح السلطة الجديدة، التي بدلاً من إصلاح المؤسسة، فضّلت إدارتها من وراء الكواليس، متذرّعةً بأنها تمنع رموز النظام السابق من التصرف في أملاكهم، لكن هذا المبرر لم يكن سوى غطاء سياسي لتجميد أوسع لحقوق الملكية. ورغم هذا التبرير، فإن مصدراً رسمياً من دائرة السجل العقاري في دمشق يُقرّ: «حتى اليوم، لم يُسجَّل أي حجز احتياطي على أموال أو عقارات لرموز النظام السابق»، وهذا الاعتراف يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق ويُعزز الانطباع بأن القضية تتجاوز القانون والمحاسبة لتصل إلى إعادة صياغة منظومة الملكية.
يُفيد مصدرٌ في دائرة المصالح العقارية بدمشق: «أن السلطة الجديدة تحاول اليوم إعادة السيطرة على عقارات كانت ملكاً للقطاع الخاص، لكنها استُملكت في عهد النظام السابق، مثل بعض الأملاك خلف محطة الحجاز والحريقة. ورغم السماح – في البداية – لأصحابها بالمطالبة بها، إلا أن النية تتجه الآن نحو استملاكها مجدداً». ويقول مهندس في مديرية المصالح العقارية: «رغم سقوط النظام لم يتوقف مسلسل إعادة توزيع النفوذ العقاري في مشاريع مثل (ماروتا ستي)، الحكومة الجديدة دخلت على خط هذه المشاريع، لكن دورها لم يكن إصلاحياً كما توقع المواطنون، بل استمرارية لتعزيز مصالح النخب الصاعدة. اللجان الفنية والإدارية التابعة لها واصلت العمل بالآليات القديمة، مع تعديلات شكلية لا تمس السيطرة الفعلية على الأراضي»، وهذا الواقع يُوضح أن سقوط النظام لم ينهِ الاحتكار العقاري، بل أعاد تشكيله بما يخدم مصالح سياسية واقتصادية جديدة تاركاً آلاف المواطنين في إحباط وفقدان للحقوق. وفي هذا السياق، يكشف موظف في «الطابو» أن «كثيراً من المستثمرين الجدد، صاروا يسألون باستمرار عن العقارات العائدة لوزارة الزراعة، التي تؤجَّر بعقود طويلة الأمد تبدأ من عشر سنوات وتصل إلى خمسين عاماً، وبإيجارات رمزية، هذه العقود تمنح المستأجر الحق الكامل في استثمار العقار أو تأجيره للغير، وقد لاحظنا في الفترة الأخيرة توجهاً واضحاً نحو إعادة تفعيل هذا النوع من العقود».
وفي ظل هذا المشهد الضبابي، يقف السوق العقاري السوري أمام معادلة مربكة: مؤسسات قائمة بلا دور فعلي، وحقوق ملكية مُعلقة، وسلطة جديدة تُعيد توزيع الأوراق لصالحها. وبين خطاب الإصلاح وواقع الهيمنة، يبقى المواطن السوري الحلقة الأضعف، عاجزاً عن تغيير قواعد اللعبة حتى بعد سقوط النظام.
في غياب تشريعات تضمن الشفافية، تحوّل السجل العقاري إلى ورقة ضغط بيد السلطة، يُستخدم للتحكم بحركة السوق وأسعار العقارات بعيداً عن أي رقابة، وهذا التعطيل المُتعمد للمعاملات لم يؤدِ فقط إلى شلل في عمليات البيع والشراء، بل أسهم في هبوط حاد لأسعار العقارات، مقابل ارتفاع كبير في الإيجارات، ما فاقم أزمة السكن وعمّق الفجوة بين الطبقات. ويقول أحد موظفي السجل العقاري في ريف دمشق: «انخفاض سعر الدولار كان أحد العوامل التي ساهمت في هبوط أسعار العقارات، مضيفاً بذلك بعداً اقتصادياً جديداً إلى الأزمة التي يعيشها السوريون».
لكن الأمر لم يقتصر على الجانب الاقتصادي، فعندما جرى تجميد إجراءات تثبيت الملكيات، لم تُترك الأملاك في حالة قانونية ضبابية فحسب، بل جُرّد آلاف السوريين من أبسط حقوقهم في توثيق ملكياتهم وضمان مستقبلهم ومستقبل أسرهم، حقوق تُعدّ في معظم دول العالم من ركائز الاستقرار والعدالة، لكنها في سوريا باتت رهينة لعبة سياسية مُعقدة.
إحدى القصص، تؤكد أن (م. د) وهي واحدة من كثيرين عالقين في هذه الدوامة، اشترت عقاراً في جرمانا قبل سقوط النظام بشهر واحد فقط، وبعد توقف خدمات السجل العقاري، لم تجد أمامها سوى اللجوء إلى القضاء لإثبات ملكيتها، وهي عملية تقول إن الحكم فيها قد يستغرق وقتاً طويلاً، وخلال هذا الانتظار فقد عقارها جزءاً كبيراً من قيمته.
هذه القصة ليست استثناءً، بل صورة مكررة لمعاناة يعيشها آلاف السوريين. وعلى المستوى المهني، يعترف بعض المحامين بأن استمرار إغلاق «الطابو» يخدم مصالحهم، إذ باتت المحاكم الطريق الوحيد لنقل الملكيات، ما يعني تضاعف القضايا وضمان تدفق العمل في بيئة مثقلة بالملفات وبطيئة في الإنجاز، وهكذا تتشابك المصالح الفردية مع سياسات السلطة، لتصنع واقعاً يُكرّس الأزمات ويدفع المواطنين إلى خوض معارك طويلة ومُكلفة من أجل انتزاع أبسط حقوقهم.
مصالح الأحوال المدنية (النفوس)
قبل سقوط النظام، كانت مؤسسة الأحوال المدنية في سوريا أساساً لتوثيق الولادات والزيجات والوفيات وحفظ الهوية القانونية. وفي عام 2021، صدر قانون الأحوال المدنية رقم 13 مطلقاً مشروع «أمانة سورية الواحدة»، لإنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة مرتبطة بالرقم الوطني، تُتيح إنجاز المعاملات المدنية من أي محافظة دون الرجوع لمكان القيد.
ورغم التقدم التقني، ارتبط المشروع برقابة أمنية، إذ استُخدمت بياناته أحياناً لتقييد المعارضين أو فرض قيود على الهويات. جاء المشروع كتحديث للبرنامج القديم بهدف معالجة أخطائه وإضافة معلومات جديدة، من أجل إلغاء السجلات الورقية وتسهيل الحصول على الوثائق إلكترونياً، مثل البطاقات الشخصية والواقعات وبيانات الوفاة والقيد المدني والبيان العائلي وبيانات الزواج والطلاق، مع إمكانية إصدارها من أي مركز سجل مدني».
بعد سقوط النظام ألغت الإدارة الجديدة برنامج «أمانة سورية الواحدة» نهائياً وفرضت برنامجاً كان يُستخدم سابقاً في السجل المدني بإدلب، مبررة ذلك بأنه من «مخلفات النظام البائد»، وفقاً لمصدر في السجل المدني بدمشق.
ورغم كفاءة البرنامج القديم وتوافقه مع المعايير الدولية، حاولت السلطة الجديدة فرض برنامجها المحلي على جميع دوائر السجل المدني، لكنه كان مختلفاً تماماً من حيث التقنية والتطور، وغير مؤهل للعمل على مستوى سوريا كلها أو التعامل مع جميع الأمانات. وبعد شهرين من المحاولات الفاشلة لنقل البيانات وتطبيقه، لجأت الإدارة في الشهر الثالث لدمجه مع «أمانة سورية الواحدة»، ما تسبب في تضارب واسع بالبيانات؛ فقد يظهر الشخص متزوجاً في النظام القديم وأعزب في الجديد، كما حدث مع (ع. ف) بالقيد الفردي الذي استخرجه لأخته المطلقة، أو كما حدث للفلسطينيين السوريين حيث ظلوا لأيام «أجانب» بسبب هذه الفوضى الحاصلة.
ورغم هذه الإشكالات، فُرض البرنامج الجديد على دوائر الهجرة والجوازات، مع السماح لاحقاً باستخدام «أمانة سورية الواحدة» في بعض المعاملات المعقدة، لكن تحت اسم النظام الجديد.
بعد الإشكالات التقنية وتضارب البيانات، ظهرت عقبات إضافية في تسجيل الزواج، خصوصاً حين يكون أحد الزوجين أجنبياً، ما أبرز محدودية البرنامج الجديد في التعامل مع هذه الحالات. تقول (س. م): «تزوجت قبل ثلاثة أشهر ولم أتمكن من تسجيل واقعة زواجي بسبب إيقاف تسجيل الواقعات الجديدة في السجل المدني. وعند استئناف العمل، ذهبنا أنا وزوجي لتثبيت الزواج، ولم نتمكن من ذلك لأن زوجي عراقي، والبرنامج الجديد لا يقبل قيود الأجانب».
ويشرح مصدر في دائرة النفوس آلية التعامل السابقة مع هذه الحالات قائلاً: «يتم إرسال كتاب من دائرة السجل المدني المَعنِية إلى السجل المدني في إدلب، مع معلومات الزوج، ليقوم موظف هناك بفتح خانة للزوج تسمى مسكن أو قيد. بعد ذلك تأتي الموافقة على تثبيت الواقعة»، مضيفا أنه «تم العمل على هذه الآلية خلال الـ 25 يوماً الأولى من استئناف تسجيل الواقعات، لكنها أُلغيت لاحقاً لِما لها من خطورة كبيرة، إذ إن منح رقم مسكن للأجنبي قد يُعتبر بمثابة منحه الجنسية. وكانت هذه الممارسة تُنفّذ سابقاً ضمن حكومة الإنقاذ لتثبيت زواج السوريات من الأجانب، سواء كانوا مقاتلين أو غير مقاتلين».
بالإضافة إلى مشاكل تسجيل الزواج وتضارب البيانات، ظهرت أخطاء تقنية أخرى تُؤثر مباشرة على المواطنين، خصوصاً في الحالات التي تشمل تعدد الزوجات أو الزواج من أجانب، مما يزيد من تعقيد الإجراءات ويُعرقل إنجاز المعاملات الرسمية. يقول (ع. خ)، سوري مُقيم في السعودية: «طلبت من أخي استخراج قيد مدني لأحد أطفالي، وعند استخراج القيد ظهر اسم الطفل مقروناً باسم زوجتي الأولى لا باسم أمه الحقيقية». ويؤكد موظف في دائرة النفوس أن «البرنامج الجديد لا يتحقق دائماً من التفاصيل الدقيقة، ففي حالة شخص متزوج من امرأتين وله أولاد من كل زوجة، قد يُسجَّل اسم الأم الخطأ في القيد المدني، إذ يأخذ البرنامج التسلسل الأول فقط دون التدقيق في العلاقة الفعلية بين الطفل والأم».
ولا تتوقف هذه المشكلات عند الحدود المحلية، بل تمتد أيضاً إلى المعاملات الدولية، خاصة في معاملات لم الشمل، حيث يواجه المواطنون صعوبات إضافية عند اعتماد البرنامج الجديد خارج البلاد. تقول (ر. ف)، سورية متزوجة من فلسطيني سوري مقيم في ألمانيا: «خلال إجراءات لم الشمل، طلبت السفارة الألمانية بيان زواج، لكن البرنامج الجديد لم يتمكن من إدخال بيانات الزوج الأجنبي، ولم أتمكن من استخراج البيان».
ولا تقتصر التعقيدات على الزواج أو المعاملات المتعلقة بالأجانب، بل تمتد إلى تسجيل الولادات الخارجية، حيث يواجه المواطنون عراقيل إضافية تتعلق بتصديق الوثائق وإجراءات اعتمادها. في البداية، صدر تعميم يسمح بتسجيل الولادات دون الحاجة لتصديق السفارة أو الخارجية، لكنه لم يدم أكثر من عشرة أيام، ثم صدر قرار يُلزم بتصديق الوثائق عن طريق الخارجية.
يقول (أ. ب)، سوري مقيم في الإمارات: «جئت لتسجيل ابني البالغ من العمر 5 أشهر بهدف استخراج جواز سفر له. أخبرني أحد معقبي المعاملات بعدم الحاجة لتصديق الأوراق من الخارجية، لكن بعد يومين تم رفض الأوراق. ذهبت إلى الخارجية، فأخبروني أن عليّ إحضار إحالة من السجل المدني ودفع 50 دولاراً. عند العودة للسجل المدني، رفضوا إعطائي الإحالة، لأن التعليمات لم تُصدر بعد». وعند سؤال مصدر في السجل المدني بدمشق عن آلية صدور التعليمات، أوضح أن «كل التعليمات تصدر شفهياً عبر مجموعات على التلغرام والواتساب بين المدراء ورؤساء الأقسام»، ما يعكس غياب آلية رسمية واضحة لتنظيم الإجراءات المدنية.
إلى جانب التعقيدات الإدارية والفنية، برز البُعد السياسي في عمل السجل المدني، حيث أصبح القرار الإداري أداة للسيطرة على المواطنين والموظفين معاً. ففي ريف دمشق، تم تقليص عدد المراكز من 40 إلى 9 فقط، مع إلغاء مراكز في مناطق مثل صيدنايا وجرمانا ومنين، ما زاد صعوبة الوصول إلى الخدمات. يوضح مصدر من «أمانة السجل المدني»: «تم إلغاء مركز جرمانا، وأصبح البديل هو مركز المليحة، مما اضطر سكان جرمانا للذهاب إلى المليحة لاستخراج أوراقهم، وهو إجراء تحوّل من خدمة إلى عقوبة جماعية».
طال تأثير القرار الموظفين أيضاً، حيث تم تسريح عدد كبير منهم، فيما يُضطر من بقي لتقديم إجازة أو يُسرّح عند أي اعتراض على إجراءات العمل، ما يكشف أن السلطة الجديدة تتعامل مع السجل المدني كأداة سياسية لتثبيت نفوذها والسيطرة على الكادر الوظيفي.
تجربة المواطنين مع المعاملات المدنية لم تتوقف عند التعقيدات التقنية أو تقليص المراكز، بل امتدت إلى مركزية القرار، حيث أصبح كل ملف أو واقعة يُرسل إلى إدلب قبل تسجيله، ولم تعد دوائر السجل المدني في دمشق أو غيرها تملك صلاحية المعالجة المباشرة. تقول (ع. ق)، موظفة في دائرة السجل المدني: «كل معاملة، سواء كانت تسجيل زواج أو طلاق أو ولادة أو وفاة، تُحال أولاً إلى إدلب للتدقيق والموافقة. الموظفون لا يملكون أي صلاحية، حتى لو كانت المعاملة موقعة من المحكمة، بل يُطلب منا إرسالها إلى إدلب. وفي حال رفضت المعاملة تُعاد إلينا لإلغائها، دون تبرير ودون إمكانية الطعن».
هذا النظام يُعمّق التأخير ويجعل المؤسسات مجرد واجهات تنفيذية، بينما القرار الحقيقي يُتخذ في مكان آخر، ما يعكس تسييس إدارة السجل المدني وتحويلها إلى أداة للتحكم بالمعاملات.
وبجانب كل التعقيدات السابقة، يبرز البعد السياسي بوصفه المحرك الأساسي لطريقة إدارة السجل المدني. يقول (ه. و) موظف في السجل المدني: «الحكومة الحالية تتعامل مع هذا الملف باعتباره أداة سيادية تعكس هوية السلطة الجديدة، أكثر من كونه خدمة عامة للمواطنين». فالبرنامج الجديد، الذي يُقدَّم على أنه الممثل الرسمي للدولة الجديدة، جاء ليحل محل برنامج النظام السابق في خطوة ذات دلالة رمزية تهدف إلى قطع أي استمرارية إدارية مع الماضي. ويُضيف (ه. و): «عند حدوث أي خلل أو حاجة إلى تطوير الإجراءات، لا يُسمح للموظفين أو المهندسين في دمشق باتخاذ أي قرار، إذ تظل مرجعية الحلول في يد محافظة إدلب وحدها».
هذا النهج يكرّس تبعية المراكز المحلية للسلطة المركزية في إدلب، ويحيلها إلى مجرد منفذ للتعليمات، ما يفرغها من دورها المهني ويحوّلها إلى أداة في يد السلطة، الأمر الذي يعمّق تسييس المؤسسة ويحجب عنها طابعها الخدمي المفترض.
تداعيات غياب القضاء والأحوال المدنية والطابو على المجتمع
غياب مؤسسات أساسية مثل القضاء، الأحوال المدنية، والطابو، لا يقتصر على توقف عملها الإداري فحسب، بل يفتح المجال لفوضى قانونية واجتماعية واسعة. فبدون القضاء، تتوقف آليات الفصل في النزاعات المدنية والجنائية والشرعية، أما غياب مصالح الأحوال المدنية، فيحرم المواطنين من حقهم الأساسي في إثبات هويتهم القانونية، ويُعيق وصولهم إلى الخدمات الأساسية مثل التعليم، الصحة، والعمل. وفي حال غياب سجلات الطابو، تفقد الملكيات العقارية أساسها القانوني، ما يفتح الباب للنزاعات على الأراضي، ويُسهّل التزوير والاحتكار غير المشروع، ويُعطِّل النشاط الاقتصادي المرتبط بالعقارات والاستثمار، ويحد من قدرة المواطنين على الحصول على التمويل والقروض.
تتجمّع هذه التحديات لتزيد من تدهور الوضع الاجتماعي والاقتصادي، وتُقوّض حقوق الإنسان الأساسية، وتزيد من معاناة السكان، وخصوصاً الفئات الأكثر ضعفاً مثل الأيتام، النساء، النازحين، والمشردين.
مأزق المواطن السوري بين غياب المؤسسات وتفكك القانون
في ظل غياب المؤسسات الأساسية، يجد المواطن السوري نفسه أمام مأزق عميق يهدد كينونته القانونية وحقوقه الأساسية. عندما تختفي أوراق الهوية، تتلاشى القدرة على إثبات المواطنة، ما يؤدي إلى حرمان العديد من الأشخاص من حقوقهم المدنية والسياسية، مثل التصويت أو الترشح للوظائف العامة، فضلاً عن صعوبة الوصول إلى الخدمات الاجتماعية والصحية، بما في ذلك التعليم والرعاية الطبية.
النساء، اللاجئون، والنازحون يتحملون وطأة هذا الفراغ بشكل خاص. فالنساء، على سبيل المثال، كثيراً ما يجدن صعوبة في إثبات الزواج أو نسب الأطفال، مما يعرضهنّ لمشاكل قانونية واجتماعية جسيمة. كما يُسهم غياب سجلات رسمية واضحة في استغلال هذه الفئات من قبل جهات فاعلة غير رسمية، أو حتى في إطار نزاعات على الأرض والحقوق، ما يزيد من هشاشتهن أمام الانتهاكات والتهميش.
لم يكن غياب مؤسسات القضاء، والأحوال المدنية، والطابو بعد سقوط النظام مجرد انهيارٍ إداري، بل كان اختباراً حقيقياً لسياسة السلطة الحالية وقدرتها على بناء نظام قانوني يضمن العدالة وحقوق الإنسان. فهذه المؤسسات ليست مجرد أطر تقنية، بل تمثّل قلب الدولة النابض ومصدر شرعيتها وأمنها الاجتماعي.
ورغم الأمل الذي حمله سقوط النظام في تحقيق انتقال نحو حكم ديمقراطي، إلا أن الواقع بعد سقوط النظام أظهر تحديات أكثر تعقيداً. فالاستمرار في تعطيل عمل دوائر الأحوال المدنية والسجل العقاري يعكس أداء الحكومة الجديدة التي أظهرت ضعفاً إدارياً ملحوظاً، ونزوعاً نحو التفرّد بالقرار وإدارة مفاصل الدولة بعيداً عن التشاركية والشفافية. إن أداء السلطة الجديدة لم يُسهم في ترميم مؤسسات الدولة، بل زاد من شللها وعمّق حالة الفراغ التي يعيشها المواطن السوري، لكن هذا الفراغ والانهيار المؤسساتي يبدو نتيجة منطقية لبنية السلطة، التي بدا واضحاً خلال عشرة أشهر من حكمها أنها لا تمتلك عقلية الدولة. والحال أن بناء مؤسسات فعالة وعادلة ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية لأي مجتمع يسعى إلى العدالة والاستقرار والتنمية.
وحدها إرادة بناء دولة القانون والمواطنة يمكنها أن ترمم أو تُعيد بناء مؤسسات الدولة، وأن تصون كرامات السوريين والسوريات.
موقع الجمهورية



