أحمد جاسم الحسين: قتلة ومجرمون أعضاء في اتحاد الكتّاب

محمد أمين
21 أكتوبر 2025
قال الأكاديمي أحمد جاسم الحسين الذي تولّى رئاسة “اتحاد الكتّاب العرب” في سورية أخيراً إن الاتحاد ينوي عقد مؤتمر لـ”العدالة الانتقالية الثقافية”، بهدف ترتيب المشهد الثقافي في البلاد بما ينسجم مع قيم الدولة السورية الجديدة، ولتجاوز ثقافة الاستبداد التي سادت عقودا. وأفاد بأن الاتحاد الذي تأسس في عام 1969، سيولي في المرحلة المقبلة اهتماماً بكل الثقافات في سورية، مشيراً إلى أن الظروف ليست مناسبة حاليا لعقد مؤتمر عام وإجراء انتخابات. ويأتي الحوار التالي مع الحسين على عدة قضايا تخص المشهد الثقافي السوري الذي شهد أخيراً ضجة كبيرة إثر إصدار الاتحاد قراراً بفصل أعضاء كانوا جزءا من آلة النظام البائد القمعية، سيما خلال سنوات الثورة (2011- 2024). وأكد الحسين على بقية الثقافات العرقية في البلاد، وخصوصاً الكردية، في سياق مراعاة التنوع الثقافي في البلاد، ما يستدعي تغيير اسم منظمة اتحاد الكتّاب العرب إلى اتحاد كتّاب سورية.
*تولّيت منظّمة من تركة النظام البائد، مترهلة، لطالما كانت من أدوات القمع الفكري. ما خطتكم في المكتب التنفيذي لاتحاد الكتّاب العرب في سورية للتعامل مع هذه التركة وتحويل الاتحاد إلى مظلة حقيقية للكتّاب؟
اتحاد الكتّاب العرب جزء من تركة النظام البائد الثقافية التي شابها فسادٌ كثير، بمختلف صنوفه أكثر من نصف قرن. وعندما قبلت بتولي مهمّة رئاسة الاتحاد كنت أعلم جيّدا أن إصلاح هذه المنظمة وإعادة تأهيلها لن يكونا مهمتين سهلتين. ولكن الصورة ليست سوداء، ففي أي مؤسّسة من مؤسسات النظام البائد سلبيات وإيجابيات. لدي رؤية تطويرية للنهوض بالاتحاد ليكون بالفعل مظلة ومنبراً حرّاً لكتّاب سورية وأدبائها، تبدأ من ترتيب البيت الداخلي، تحييد كل الأعضاء الذين سهّل لهم الفساد والترهل الإداري الدخول إلى الاتحاد وهم لا علاقة لهم بالثقافة والفكر، وكانوا جزءا من آلة النظام القمعية، وقد بدأنا بالفعل، حيث شطبنا عضوية أبرز تلك الشخصيات التي شاركت في مأساة السوريين.
*هل صحيح أن هناك أعضاء في اتحاد الكتاب أميون بالمعنى الثقافي والفكري؟
بالتأكيد. كان هناك متنفّذون في النظام البائد، سيما من ضبّاط الجيش الذين انتسبوا إلى الاتحاد للحصول على المكاسب التي يقدّمها لأعضائه، وهناك من كُتب لهم كتابان من جنس أدبي لتحقيق شرط الانتساب، ثم لم يعد لهم أي نشاط ثقافي أو فكري أو حتى إعلامي داخل الاتحاد أو خارجه. تخيّل أن المجرم رفعت الأسد كان عضوا في الاتحاد. سنقر في المرحلة المقبلة معايير جديدة للانتساب للاتحاد تتطلب حدّاً أدنى من التعليم والشهادات، وإجراء مقابلة من مختصين لأي شخص يرغب في الانتساب لمعرفة مدى أهليّته ليكون عضواً، كما سنطلب من الأعضاء حضوراً إعلامياً وإقامة محاضرات والمشاركة في نشاطات الاتحاد. … كانت المعايير المعتمدة للانتساب للاتحاد خشبية فضلا عن الفساد، وهو ما فتح الباب أمام دخول هؤلاء إليه. في المرحلة المقبلة، سنطور أدوات القبول على ضوء التغييرات التي حدثت في العالم على هذا الصعيد.
*هل كنت تتوقع الزوبعة التي أثارها قرار شطب عضوية أعضاء لدورهم في التحريض على السوريين، ومن بينهم عم الرئيس المخلوع رفعت الأسد ومستشارته بثينة شعبان وزوجها وسفيره السابق بشار الجعفري؟
لم نكن نتوقع أن يثير فصل هؤلاء هذه الضجة الكبيرة وردود الأفعال، سيّما وأن بينهم من ارتكب مجازر بحق السوريين مثل رفعت الأسد، وهناك أسماء دافعت عن نظام دموي طائفي مستبد استخدم السلاح الكيميائي ضد السوريين خلال سنوات الثورة، مثل السفير السابق بشار الجعفري. كان الأوْلى بالجعفري تقديم اعتذار للسوريين عن دوره المخزي في الدفاع عن النظام البائد. أي منظّمة في العالم لا يمكنها قبول أن يكون أحد أعضائها مدافعاً عن القتلة أو ينكر مجازرهم. ولكن، الأشد غرابة الضجة التي أثيرت حول الكاتب حسن م يوسف الذي يتحدث اليوم عن اغتيال معنوي يتعرّض له من الاتحاد. هذا الشخص بالنسبة لي أخطر من رفعت الأسد، لأنه مثقف قاتل ومستمر في جرائمه. لقد مجّد قوات النظام البائد وضباطا قتلة ومجرمين، مثل عصام زهر الدين الذي مارس كل أنواع المجازر والجرائم، وخصوصاً في محافظة دير الزور والتي قتل فيها عضوان في اتحاد الكتّاب، محمد رشيد الرويلي، وإبراهيم الخريط. كان له دور بارز في السنوات الفائتة في تمييع ما كتب وما نشر عن مجزرة السلاح الكيميائي التي ارتكبها النظام البائد في منطقة خان شيخون في إبريل/ نيسان 2017″ وتمويهه. لقد كتب سيناريو فيلم تبنّى فيه رواية النظام السابق، واستهتر بعمل الخوذ البيضاء (الدفاع المدني). كيف يمكن إبقاؤه في اتحاد يُعني بالثقافة والفكر. في الدول كلها، لا يمكن أن تجد أحدا يمجّد القتلة، أو حتى يدعو إلى العنف، في منظّمة للكتاب والمفكرين. مرجعيتنا الأخلاقية كانت وراء إصدار قرار فصل هؤلاء.
*من اختار أسماء القائمة الأولى للمطرودين من الاتحاد؟
جرى اتفاق أعضاء المكتب التنفيذي، ولكن الرئيس السابق للاتحاد لم يصدر القرار، وعندما تولّيت المسؤولية لم أتردّد في إصداره. وبالمناسبة، أسماء المفصولين من كل شرائح المجتمع السوري. هذه قائمة أولى وسوف تليها قوائم أخرى. هناك ضباط قتلة أعضاء في اتحاد الكتاب لن نسمح لهم في البقاء فيه. نحن اليوم في طوْر التدقيق في هذه الأسماء. ولا يتعلق الأمر بالانتقام من أحد أو تصفية حسابات شخصية أو سياسية كما ادعى بعضهم ممن حاولوا تبييض صفحة هذا أو ذاك. ما قمنا به وما سنقوم به من إجراءات على هذا الصعيد سبق أن أقدمت عليه الدول التي عانت من الاستبداد. لقد حيّدت الأشخاص الذي كانوا جزءاً منه أو مدافعين عنه، وهذا ما سنفعله في اتحاد الكتاب العرب. لدينا نيّة لعقد مؤتمر للعدالة الانتقالية الثقافية.
*هل أفهم أن لديكم في المكتب التنفيذي نيّة لإجراء عزل ثقافي، إذا جاز التعبير، لكل الذين ساندوا النظام البائد؟
لم نحدّد بعد المفهوم بشكل كامل، ولكننا سنسترشد بتجارب دول أخرى عانت مما عانته سورية عقوداً، وسنفتح باب الاعتذار لكل من مجّد النظام البائد وأركانه.
*هل أنتم بصدد تغيير اسم الاتحاد إلى اتحاد كتّاب سورية؟
بالتأكيد، ولكن الأمر يحتاج إجراءات قانونية وإدارية. جاءت التسمية الحالية في موجة المد العروبي في الستينيات، والتي ركبها حافظ الأسد في ذلك الحين، والاتحاد بطبيعة الحال عضو في اتحاد الأدباء والكتاب العرب، والذي يتخذ اليوم من القاهرة مقرّاً له. تسبّبت التسمية الحالية بمشكلات، فهناك كتّاب وأدباء سوريون ليسوا عربا، وخاصة من أهلنا الكرد، لديهم حساسية من هذه التسمية. لا مشكلة في سياق بناء الدولة استبعاد أي مفردة أو كلمة يمكن تستفز أحداً من مكوّنات الشعب السوري. ربما سنواجه تمنّعا من بعض الكتاب أعضاء الاتحاد حيال تغيير التسمية، فهم يرونها لا تعني أن كل الأعضاء يجب أن يكونوا عرباً. ولكننا نبحث عما يجمع السوريين وعن الوئام الوطني في هذا المنعرج التاريخي الصعب الذي تمرّ به البلاد. لذا لا نمانع في تغيير الاسم من اتحاد الكتاب العرب إلى اتحاد كتاب سورية.
*هل يعني هذا أن الاتحاد في المرحلة المقبلة سيولي اهتماماً بالثقافة الكردية والثقافات الأخرى غير العربية في سورية؟
سنكون حريصين على حضور كل الثقافات السورية في المشهد في سياق التعدّد والتنوع، ولا يؤثّر هذا الأمر على الإطلاق في هوية الدولة. يمكن أن نطبع كتبا بلغات غير العربية، وأن نقيم أنشطة ثقافية في عموم البلاد. نحن منفتحون على جميع الأدباء والكتّاب السوريين من مختلف المشارب والتيارات السياسية والفكرية.
*تواجه سورية ما بعد الأسد تحدّيات كبرى، منها تحدّي تجاوز ثقافة الاستبداد التي سادت أكثر من نصف قرن. ما هو دور اتحاد الكتّاب، لتفكيك هذه الثقافة للتخلص منها وطردها خارج العقل الجمعي للسوريين؟
التنوع الثقافي وتعدده وتعزيزه في البلاد خطوة واسعة باتجاه تجاوز ثقافة الاستبداد وثقافة اللون الواحد التي سادت طويلا في سورية، وكانت سببا في وصول الثقافة السورية إلى ما هي عليه من تردٍّ وسوء. وسنعقد مؤتمراً عاماً للكتاب السوريين، للنقاش والتداول العميق في الحالة الثقافية العامة في البلاد، وإعادة ترتيب البيت الثقافي السوري على أسس ومعايير مناقضة للتي كانت في النظام البائد، وستكون هذه خطوة أخرى للتخلص من ثقافة الاستبداد التي لن تزول سريعاً، ونحتاج عملاً كثيراً لتغيير الوعي للتخلص منها. يحتاج تجاوز ثقافة الاستبداد تضافر جهود كل المؤسّسات الثقافية في البلاد، فالاتحاد وحده لا يستطيع القيام بهذه المهمة الكبرى. يجب أن نشيع ثقافة الاعتزاز بالهوية السورية، وأن نبتعد عن تأليه الرئيس. كانت لدى النظام السابق خطط ممنهجة لصنع الاستبداد. أعتقد أن حافظ الأسد كان بارعا في هذا. لدينا اليوم فضاء واسع من الحرية. لدينا نحن الكتاب والإعلاميين السوريين فرصة لتناول أي قضية أو ملف في البلاد، وانتقاد أي ممارسات حكومية، ولكن يجب أن تكون حرّيتنا مسؤولة.
*متى يمكن عقد مؤتمر عام لانتخاب أعضاء المكتب التنفيذي للاتحاد ورئيسه بكيفية ديمقراطية؟
كي أكون صريحا إلى أبعد حد.. لسنا مهيّئين لذلك حالياً. نحن اليوم بصدد ترتيب البيت الداخلي. وكي أكون صريحا أكثر، في حال عقدنا هذا المؤتمر حالياً ربما تفرز الانتخابات قيادة للاتحاد من أشخاصٍ كانوا مؤيدين للنظام البائد، ومن مشجّعي القتلة، فالاتحاد كان حكراً على هؤلاء فترة طويلة، بعد فصل الكتّاب الذين وقفوا مع الثورة أو كانوا معارضين للنظام البائد، وإقفال الباب أمام انتساب أعضاء جدد ليسوا مؤيدين للنظام البائد وممارساته القمعية. نعتمد اليوم معايير الدولة السورية الجديدة القائمة على الحرية والمساواة. ينطلق اتحاد الكتاب الجديد من قيم حقوق الإنسان التي أقرّتها الأمم المتحدة. يجب أن نترك فرصة لكل كتّاب سورية ليكونوا أعضاء في الاتحاد لإيجاد توازن، ومن ثم نعقد مؤتمرا عاما ونجري انتخابات على أسس ديمقراطية.
*هل ترى أن الأجواء في البلاد مهيأة ليكون اتحاد الكتاب فضاء مستقلا للكتّاب والمبدعين، أم أن العراقيل القديمة لا تزال قائمة؟
الكرة اليوم في ملعبنا، نحن من نحدّد ذلك. إذا استكان الكتّاب، ولم يخرجوا من الحالة الاستبدادية التي كانت سائدة في البلاد، لن نصل إلى هذا الفضاء. الفرصة متاحة لنا ولا رقابة علينا اليوم إلا رقابة الضمير وقيم المجتمع. هناك فهم مغلوط لدى بعضهم للحرية. الحرية ليست خروجاً عن كل شيء. عشت في هولندا 13 عاما ولدى الكتّاب هناك حسٌّ عالٍ بالمسؤولية.
*ماذا عن رابطة الكتّاب السوريين في الخارج، وهي الجسم المستقل الذي كان أول تشكيل مدني ثقافي في غضون الثورة، هل ترى أن عليها أن تحلّ نفسها، بانتفاء الداعي لوجودها، سيّما وأن الحاجة هي إلى جسم موحّد للكتّاب السوريين؟
مسألة حل هذه الرابطة وغيرها يرجع إلى مجالسها. لقد تشكّلت في الخارج بسبب ظروف معروفة للجميع في أثناء الثورة، ثم زالت هذه الظروف بعد إسقاط نظام الأسد، وبالتالي أتوقّع أن يعود الزملاء إلى اتحادهم؛ اتحاد الكتاب العرب، فهو يكبُر بهم، وتُغنى نشاطاتُه بإبداعاتهم. نأمل أن يستفيدوا من الميزات التي يقدّمها الاتحاد لأعضائه، وهذا حقٌّ لهم.
* هل تنوون التواصل مع الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب؟ والاتحاد السوري عضو فيه بطبيعة الحال. هناك من يرى ضرورة أن يعترف الاتحاد (العربي العام) بكم، وبإجراءاتكم المعلنة أخيراً؟
لا نستمد الشرعية من الانتساب للاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب، فهو منظمة تتبع لجامعة الدول العربية، وهو من دون هيكلية واضحة. نحن اتحاد للكتّاب السوريين والأنشطة والنشاطات سورية محضة، ومثلما نالت القيادة الحالية شرعيّتها من الشعب السوري، كذلك الحال بالنسبة لنا في الاتحاد. على كل حال، الاتحاد العام للأدباء العرب منظّمة غير ناشطة وليست فاعلة، وفيه خلافات داخلية لا نريد أن نكون طرفا فيها. نحن اليوم في طوْر التواصل مع اتحادات ومنظمات عالمية للتوصل إلى مذكّرات تفاهم معهم.
*الأمانة السياسية في الإدارة السورية الجديدة التي اختارتك رئيسا للاتحاد، هل وضعت حدوداً أو تحدّثت عن محظورات معينة؟
جرى اختياري بعد تقاطع أكثر من جهة. وكنت من بين مرشّحين آخرين، وعندما جرت المقابلة معي سُئلت: هل تقبل أن تكون رئيساً لاتحاد الكتّاب العرب، فقلت: نعم، إذا كان الهدف إصلاح المنظّمة لتكون جزءاً من بناء الدولة، وأن تشارك في سردية السوريين عن الحرية والعدل والديمقراطية. سردية السوريين هي الأجمل والأصدق في العالم. أكّدت الأمانة السياسية أنها لن تتدخل على الإطلاق في عمل الاتحاد. ولم يكن اختياري تعييناً بالمعنى المعروف، وإنما جاء بعد نقاش مستفيض مع كتّابٍ كثيرين في البلاد.
*ما الأسباب التي يمكن أن تدفع أحمد جاسم الحسين إلى الاستقالة؟
أستقيل لأي من الأسباب الثلاثة: عندما أشعر أني مجرّد أداة تنفيذية لا رأي لي، أو عندما ألمس أن العدد الأكبر من الكتّاب السوريين لا يرغبون بي، أو عندما أشعر أني فشلت في مهمّتي، ولم يعد لدي ما أضيفه للاتحاد.
أحمد جاسم الحسين:
ولد في مدينة الميادين في محافظة دير الزور شرقي سورية عام 1969، دكتوراه في الأدب الحديث والنقد من جامعة دمشق عام 2000، عمل أستاذاً مشاركاً في قسم اللغة العربية فيها، وعميداً لكلية الآداب في جامعة الفرات فرع الحسكة، ومستشاراً ثقافياً لوزارة التعليم العالي، وأستاذاً مساعداً في كلية المعلمين بجامعة تبوك في السعودية عدة سنوات. صدر له نحو 15 مؤلفاً، منها: تحقيق كتاب حقوق الجار للإمام المذهبي، ومجموعة قصصية ” لو كنت مسؤولاً”، وكتب نقدية بينها “قصة التسعينات في سوريا”، و”سعد الله ونوس في المسرح العربي الحديث”، كما ترجمت بعض قصصه إلى الإنكليزية والصينية. أقام في هولندا أكثر من عشر سنوات، حتى سقوط النظام البائد الذي كان قد أوقفه عن عمله الجامعي وفصله من اتحاد الكتّاب، لمواقفه المناهضة للقمع والمناصرة للثورة السورية.
العربي الجديد



