تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

الحذر يحكم علاقات العرب والخليجين بالقيادة السورية الجديدة/ معاذ الحمد

العرب ودول الخليج وسوريا الجديدة: تحالف حذر بين الرمزية والتحفظات الأمنية والسياسية

2025-10-26

منذ تولي أحمد الشرع رئاسة الحكومة الانتقالية في سوريا مطلع عام 2025، شهدت المنطقة العربية تحوّلاً تدريجياً في مقاربتها للعلاقة مع دمشق، بعد عقد كامل من العزلة الديبلوماسية والسياسية. وفي هذا السياق، فتحت أبواب الديبلوماسية العربية والخليجية أمام سوريا الجديدة، في خطوة فسّرها البعض بأنها عودة دمشق إلى عمقها العربي، بينما رأى آخرون أن الأمر يعكس “انخراطاً حذراً بين رمزية التحالف وتحوّلات النوايا السياسية”، كما وصفها باحثون سياسيون.

ويؤكد الباحث في العلاقات الدولية محمد اليمني في تصريحات لـ”963+” أن المرحلة الممتدة بين عامي 2023 و2025 شهدت توازنات ديبلوماسية دقيقة وتغيّراً في الحسابات الإقليمية تجاه سوريا، وأن عودة دمشق إلى جامعة الدول العربية عام 2023 مثلت “لحظة اختبار حقيقية للعواصم الخليجية لاستكشاف إمكانية إعادة دمج دمشق في المنظومة الإقليمية بعد أكثر من عقد من القطيعة”.

ويضيف أن الموقف الخليجي شهد تدرجاً واضحاً، حيث لعبت السعودية دوراً محورياً في الدفع نحو عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن سياسة “الاحتواء عبر الإدماج”، بينما مضت الإمارات في خطوات أكثر عملية عبر الانفتاح الاقتصادي، وفضّلت قطر الاحتفاظ بموقف مشروط بالإصلاح السياسي، فيما اختارت الكويت التريث قبل الانخراط المباشر.

البدايات: تقارب خليجي واستعادة التواصل بعد القطيعة

عقب تولي الشرع السلطة، بدأت ملامح تقارب سريع بين سوريا ودول الخليج تظهر بشكل جلي، خصوصاً السعودية والإمارات والبحرين.

في فبراير 2025 زار الشرع الرياض في أول إشارة خليجية لدعم المرحلة الانتقالية، مع سياسة السعودية “الاحتواء بدل العزلة”، بينما أكدت الإمارات على وحدة سوريا واستعدادها للإعمار، ودعمت البحرين إعادة مؤسسات الدولة، وتوّج التقارب باجتماع مجلس التعاون في مكة وزيارة الشرع لأبوظبي في يوليو 2025، مع إعادة فتح السفارات تدريجياً.

ويشير اليمني إلى أن هذه الفترة شكلت اختباراً ديبلوماسياً دقيقاً للعواصم الخليجية، مضيفاً أن الزخم الخليجي تجاه دمشق شهد تباطؤاً منذ منتصف 2025 نتيجة غياب مؤشرات كافية على تحوّل سياسي داخلي في سوريا، واستمرار القيود الغربية والعقوبات الأميركية، وتصاعد أزمات إقليمية مثل الحرب في غزة، بالإضافة إلى التباين داخل المنظومة الخليجية في مقاربة الملف السوري.

الموقف السعودي: دعم واضح ضمن سياسة الاحتواء

رحبت السعودية بالحكومة الانتقالية منذ البداية، مؤكدة دعمها لاستقرار سوريا ووحدتها. وفي أغسطس 2025، أصدرت الرياض بياناً شدد على ضرورة حماية وحدة سوريا ورفض التدخلات الخارجية، معتبرة أن نجاح المرحلة الانتقالية مكسب للأمن العربي.

يؤكد اليمني أن السعودية لعبت “دوراً محورياً في الدفع نحو عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن سياسة الاحتواء عبر الإدماج”، موضحاً أن أي شراكة اقتصادية أو سياسية متقدمة مرتبطة بقدرة الحكومة السورية على ضبط الجماعات المسلحة وتقليص النفوذ الإيراني، إلى جانب الحفاظ على وحدة مؤسسات الدولة.

كما يشير إبراهيم كابان مدير شبكة الجيوستراتيجي للدراسات، في تصريحات لـ”963+” إلى أن “دعم السعودية ودول الخليج لنظام دمشق الحالي لا يقوم على القرب الإيديولوجي، بل على مصالح استراتيجية مشتركة”، وأن العلاقة مع دمشق في إطار السياسة الواقعية تعرف بـ”العلاقات المصلحية أو تقاطع المصالح”، وهو ما يوضح طبيعة الدعم السعودي الواقعي والمشروط.

الإمارات: الدعم السياسي مع التحفظ الأمني

قدمت الإمارات دعماً سياسياً معلناً للحكومة الانتقالية، إلا أن المواقف اتسمت بالبراغماتية والحذر. وفقاً لتقارير الخبراء، تفضل أبوظبي استقراراً مضبوطاً لا يفتح الباب أمام قوى جديدة أو فوضى داخلية، وترتبط الشراكات الاقتصادية بإصلاحات إدارية واقتصادية واضحة ومكافحة الفساد.

ويشير كابان إلى أن “الإمارات تتخذ خطوات متحفظة، بينما تبقى المنافسة بين دول الخليج، مثل السعودية وقطر، على النفوذ داخل النظام السوري مسألة استراتيجية مركزية”، مضيفاً أن الإمارات تسعى لتحقيق توازن بين الأمن الداخلي السوري والمصالح الاقتصادية، وهي تراقب التغيرات السياسية قبل الانخراط الكامل.

بينما اعتمدت البحرين موقفاً داعماً وواضحاً منذ البداية، مركزة على تعزيز الحوار الوطني والمصالحة الداخلية، واعتبرت سوريا المستقرة جزءاً أساسياً من الأمن الخليجي والعربي. وقد استقبلت المنامة الشرع رسمياً في أيار/ مايو 2025، مؤكدة التزامها بدعم الشعب السوري في إعادة بناء الدولة ومؤسساتها.

التمدد العربي: القاهرة وعمّان وبغداد وبيروت تدخل على الخط

لم يقتصر الحراك على الخليج، بل شمل مصر والأردن والعراق ولبنان، حيث بدأت هذه الدول بالتنسيق لإعادة سوريا إلى موقعها العربي. وفقاً لليمني، هذه الدول نظرت إلى ما يجري في دمشق كـ”خطوات إيجابية نحو بناء مجتمع ديمقراطي مستقر”، رغم التحديات الأمنية والسياسية الهائلة.

وركزت مصر على مكافحة الإرهاب واحتواء النفوذ الإقليمي السلبي، مع استعداد محدود للتعاون الحكومي. بينما اهتم الأردن بأمن الحدود وضبط تدفق اللاجئين، وفعّل التعاون الأمني والاقتصادي مع الحكومة الانتقالية. وعبر العراق عن اهتمامه بتوحيد الجهود لضبط الأمن الحدودي ومكافحة المجموعات المسلحة. في حين وجد لبنان في التعاون مع دمشق فرصة لتعزيز اقتصاده المتعثر وتأمين حدوده الشمالية.

ويضيف كابان أن “بقية الدول العربية تنتظر التوجهات السعودية والقطرية والإماراتية والمصرية قبل اتخاذ موقف واضح”، ما يعكس استمرار التحفظ والانتظار الاستراتيجي، حيث لا يزال القرار مرتبطًا بالتحركات الخليجية والأمنية.

المواقف المغاربية: ترقب حذر وانتظار للاستقرار

أبدت دول المغرب العربي مواقف أكثر تحفظاً، حيث ربطت كل خطوة تطبيعية بسير الاستقرار الداخلي، مؤكدين دعم الوحدة الوطنية ورفض التدخلات الأجنبية: “المغرب لم يعِد فتح سفارته بعد، لكنه بدأ اتصالات حذرة مع الحكومة السورية، مؤكداً دعمه لوحدة البلاد ورفض التدخلات الأجنبية. الجزائر تمسكت بموقفها التقليدي الداعي إلى عدم التدخل الخارجي ودعم الحلول السياسية السلمية، مع تحفظ على أي انخراط ديبلوماسي واسع قبل اتضاح المسار الأمني. تونس أبدت قلقًا بالغًا من ملف المقاتلين التونسيين العائدين من سوريا، واعتبرت أن أي انفتاح على الحكومة الانتقالية مرهون بتسوية هذا الملف بالتعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين”.

ويشير اليمني إلى أن التحولات الخليجية ليست مطلقة، بل “تدرجت وفق مزيج من الأمن والسياسة والمصالح الاقتصادية والجيوسياسية”.

القلق الأمني الإقليمي: محور مشترك بين العرب والخليج

تشارك معظم الدول العربية، سواء الخليجية أو غيرها، مخاوف أمنية متعلقة بانتشار الفصائل المسلحة، وتدفق اللاجئين، وتدهور الأوضاع الإنسانية.

ويؤكد البروفيسور حسن عبدالله الدعجه، في تصريحات لـ”963+” أن “الملفات الأمنية مثل تهريب السلاح والمخدرات وانتشار الميليشيات تلعب دوراً جوهرياً في تحديد طبيعة العلاقة بين دول الخليج ودمشق”، وأنها “تشكل اختباراً مباشراً لمدى الثقة والتعاون بين الطرفين”.

ويضيف أن العلاقة بين الجانبين معقدة، وتتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع المصالح السياسية والاقتصادية والإقليمية، ما يجعل التقارب أو التباعد نتاج شبكة واسعة من الحسابات الاستراتيجية والمصالح المشتركة.

الشروط السياسية الجديدة: دعم مشروط بالإصلاح والسيادة

وضعت الدول الخليجية والعربية مجموعة ضوابط لعلاقتها مع الحكومة الانتقالية، تشمل: “ضمان عدم وجود فصائل مسلحة خارج إطار الدولة. احترام الحدود والسيادة السورية. الشفافية في إدارة موارد الإعمار والمساعدات. إصلاحات سياسية تضمن تمثيلاً وطنياً شاملاً. مكافحة الفساد وتعزيز المصالحة الوطنية”.

ويؤكد اليمني أن الخطوات الخليجية “تمثل محاولة لإدارة النفوذ أكثر من كونها تحالفاً استراتيجياً راسخاً”، بينما يرى الدعجه أن “المرحلة الحالية مبكرة جداً للحديث عن تحالف كامل”، مؤكداً أن “التنسيق الأمني الحالي خطوة أولى لبناء جسور الثقة وتعزيز المصالح المشتركة”.

بين وعود الأمس وواقع اليوم

رغم التفاؤل في بدايات عام 2025، أظهرت الأشهر الأخيرة تراجع الحماسة وميلاً إلى الحذر بسبب الحرب في غزة، التوتر التركي–الإيراني، وتباطؤ الإصلاحات الداخلية في سوريا. ومع ذلك، لم تنقطع قنوات التواصل، وما زال الدعم العربي حاضراً، وإن كان مشروطاً ومتدرجاً.

يشير كابان إلى أن دعم السعودية ودول الخليج لـ”نظام دمشق الحالي لا يقوم على القرب الإيديولوجي، بل على مصالح استراتيجية مشتركة”، وأن العلاقة تتأثر بالصراعات الداخلية على النفوذ بين التيارات المختلفة داخل النظام السوري، وهو ما يفسر “حالة التوازن الحذر: دمشق لم تعد معزولة، لكنها أيضاً لم تُحتضن بالكامل”.

وحتى أكتوبر 2025، تبدو العلاقة بين العرب وسوريا محكومة بمزيج من الانفتاح الحذر والانتظار الاستراتيجي. الخليج يرى في سوريا شريكاً محتملاً لتحقيق التوازن الإقليمي وتقليص النفوذ الإيراني، بينما تنظر الدول العربية الأخرى إلى التجربة الانتقالية كفرصة مشروطة يجب اختبارها بالنتائج لا بالوعود.

كما يؤكد الخبراء أن التحالف العربي–السوري “رمزي وقيد الاختبار”، ويتأثر بالاعتبارات الأمنية والسياسية والاقتصادية. الدعم موجود، لكنه مشروط، والتحركات مقيدة بالواقعية السياسية ومصلحة الاستقرار الإقليمي، مما يجعل العلاقة بين دمشق والعالم العربي خليطاً من الحذر والمصالح الاستراتيجية، بين الرمزية والدوافع الواقعية، وبين الأمن والسياسة، وبين التحفظ والمصالح الاقتصادية والجيوسياسية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى