المليحة: “ستالينغراد بلاد الشام”/ سمر شمة

19 أكتوبر 2025
تُعتبر مدينة المليحة بوابة الغوطة الشرقية من جهة العاصمة دمشق. تقع على الحدود الفاصلة بين محافظتي درعا والسويداء، ولها أهمية استراتيجية كبيرة لقربها من العاصمة ومطارها الدولي، ومحاذاتها لأكثر المواقع الأمنية العسكرية، لا سيما إدارة الدفاع الجوي التي هاجمها الجيش الحر والفصائل المعارضة المسلحة مرارًا خلال سنوات الثورة السورية. خصوصًا وأنها تقع على الحد الفاصل بين جزأي الغوطة: الشمالي الواقع تحت سيطرة المعارضة آنذاك، والجنوبي المحاذي للمطار والخاضع لقوات الأسد العسكرية الأمنية وحلفائه.
عندما كان السوريون وغيرهم من العرب والأجانب يزورونها قاصدين بساتينها وحدائقها وأماكنها السياحية والترفيهية، ويمشون في شوارعها العتيقة، ويدخلون منازل أهلها الطيبين الكرماء، كانت أزهارها ونباتاتها وأشجارها تحيط بهم من كل حدب وصوب: الورد الجوري، الريحان العطري، زنبق السلام، السرخس، الهندباء، الغار الأسترالي، وأشجار الزيتون والنخيل والرمان والخروب والتين، إضافة إلى العنب والحمضيات بأنواعها: البرتقال والليمون واليوسفي والجوافة.
اليوم، وبعد تعرضها كسائر المدن الثائرة للتدمير والقصف الوحشي والمجازر ومحاولات التغيير الديموغرافي، ما تزال روائح أشجارها وورودها تفوح بخجل هنا وهناك مقاومة اليباس والشحوب وذكريات الحصار وآلامه المبرحة وفقدان الأهل والأبناء والأحبة والجوع والقهر. وما تزال قابلة للحياة عصيّة على الموت وصواريخ النظام السوري البائد وعصابات الميليشيات الطائفية الحليفة والحرب الدموية التي استمرت لسنوات طويلة وانتهت بسقوط النظام الشمولي القمعي وهروبه خارج البلاد.
انخرطت المليحة وما حولها في الحراك الشعبي والثورة منذ بداياتها عام 2011، وكانت من أوائل البلدات التي وقفت مع مطالب أهالي درعا واستقبلتهم في منازل أبنائها الذين قاموا مع الناشطين بمظاهرات حاشدة نادت بالتغيير وإسقاط النظام، وقوبل ذلك بالوحشية والقمع الشديد كما في كل أرجاء سورية الثائرة. ومع تصاعد الأحداث تحولت إلى خط تماس مباشر بين النظام وحلفائه من جهة وفصائل المعارضة من جهة أخرى. وتم فيها تشكيل تنسيقيات وثقت انتهاكات الأسد ونظمت المظاهرات وتواصلت مع الناشطين والثوار في أرجاء الغوطتين الشرقية والغربية والمحافظات السورية كافة.
سيطرت المعارضة عليها عام 2012، وكانت تضمّ بين صفوفها مجموعة من الفصائل: فيلق الرحمن، أجناد الشام، جيش الإسلام، أحرار الشام وغيرها، وذلك بعد معارك ضارية مع الجيش النظامي وحلفائه، والتي أسفرت عن استشهاد أعداد كبيرة منهم ومن المدنيين. وفي إحدى هذه المعارك قامت المعارضة المسلحة بتفجير مجمع “تاميكو” للأدوية في محاولة للتقدم نحو دمشق، وتفجير حاجز النور الحامي الأساسي لإدارة الدفاع الجوي. أما النظام السوري المجرم فقد خاض حربًا وحشية بالمدرعات والدبابات وناقلات الجند والطيران الحربي للسيطرة على البلدة بالتعاون مع حزب الله اللبناني والميليشيات الشيعية الطائفية وإيران. ورغم ذلك لم يكن سقوطها بيده سهلًا وسريعًا، رغم ارتكابه لانتهاكات بشعة بحق أهاليها ورغم استخدامه لأسلحة وصفها الناشطون بأنها ذات تدمير هائل ولم تميز بين شجر أو بشر وبين مقدسات دينية أو مراكز خدمية.
أُطلق على المدينة اسم “ستالينغراد بلاد الشام”، وشهدت أثناء السنوات الأولى للثورة تصعيدًا عسكريًا وأمنيًا كبيرًا. حيث نفّذ الطيران الحربي في يوم واحد أكثر من 23 غارة جوية عليها، وأسقط فوق منازلها وأهلها عشرات صواريخ أرض-أرض، واستخدم القنابل العنقودية والصواريخ الفراغية، وحاصرها لفترات طويلة مانعًا الغذاء والدواء والكهرباء والوقود عن سكانها، وعرّضهم للتجويع والأمراض المزمنة والخطيرة وأغلق منافذها كافة بهدف اقتحامها والسيطرة عليها.
كانت مدينة المليحة تضمّ أنفاقًا وتحصينات ومخازن وغرف عمليات تحت الأرض للمعارضة، ومركزًا للتواصل فيما بينها وبين الثوار في المنطقة المحيطة بها. ومع ذلك سيطر جيش الأسد وحلفاؤه عليها بعد أن استطاعوا الالتفاف حولها انطلاقًا من إدارة الدفاع الجوي، مرورًا بمزارع زبدين وحتيتة الجرش ليطوق المدينة من الجنوب والغرب وصولًا إلى الشمال، مستهدفًا الثوار خلال قتالهم المستميت بأكثر من 786 غارة للطيران الحربي و790 صاروخًا من بينها المعروفة باسم الفيل و7000 قذيفة مدفعية ودبابة وهاون و12 برميلًا متفجرًا كما ذكرت الأنباء. وعندما طوّق البلدة من كافة الجهات اضطرّت قوات المعارضة لفتح ثغرات عديدة والانسحاب إلى تخومها للحفاظ على حياة المدنيين والثوار من القصف الهمجي.
سيطرت قوات الأسد على المدينة بالكامل عام 2014، وتولت الميليشيات الطائفية ربطها والنقاط المحيطة بها ببعضها، واتخذت مقرات داخلها بالتعاون مع الفرقة الرابعة التي كان يقودها ماهر الأسد. وهذه السيطرة تمت في الأول من نيسان/ أبريل بمشاركة: حزب الله اللبناني والعراقي وأسد الله الغالب وعصائب أهل الحق ولواء أبو الفضل العباس وحركة النجباء العراقية التي عاثت فسادًا وإجرامًا في البلدة، وعرّضت من بقي من سكان المليحة الأصليين للتضييق الأمني الشديد والابتزاز والاعتقال والقتل.
وضيّقت قوات الأسد الخناق على مسلحي الغوطة الشرقية المعارضين وكسرت تحصينات جيش الإسلام في القسم الشمالي للبلدة. وفي أواخر 2018 تمّ تهجيرهم إلى شمال سورية مع أعداد كبيرة من السكان المدنيين البالغ عددهم أكثر من مائة ألف.
وكان الأهالي قد ذكروا أنهم وجدوا مئات الشقق السكنية تعود لهذه الميليشيات وفيها جوازات سفر إيرانية ولبنانية وعراقية ووثائق ومستندات تثبت صلة بعض أصحابها بحزب الله اللبناني وبيانات مالية سخيّة كانت تُمنح لهم من هذا الحزب. وذلك بعد سيطرة المعارضة عليها. وذكرت مصادر من داخل الغوطة الشرقية في ذلك الوقت أن حركة بيع العقارات وشراء عناصر الميليشيات الطائفية لها نشطت كثيرًا وكانت تتم عبر وسطاء بين الطرفين بطريقة شبه منظمة استغلتها إحدى الشركات العقارية المدعومة من نظام الأسد والتي قامت بشراء غالبية العقارات لنقل ملكيتها إلى القادمين المحتلين الجدد.
في عام 2019 عاد بعض المدنيين إلى المليحة ليجدوا أن الدمار الشامل يسيطر عليها ونسبته حوالي 70%، معالم الأحياء لم تعد كما كانت، والدمار والخراب طاول المساجد والمدارس والمؤسسات الصحية والبنية التحتية بالكامل، إضافة إلى الخسائر البشرية الكبيرة من شهداء ومعتقلين ومختفين قسريًا.
تجدر الإشارة إلى أن النظام السوري استطاع الدخول إلى المدينة بعد عام ونصف عام من القصف الجوي والبري المتواصل. وقد خصص بعد ذلك أكثر من 200 مليون ليرة سورية من الحكومة كدفعة أولى لإعادة التأهيل بعد خروج المقاتلين بأعداد كبيرة منها. وافتتح البلدية والفرقة الحزبية ومخفر الشرطة وشركات للمقاولات بإدارة الميليشيات والتجار ورجال الأعمال المؤيدين للنظام. وذلك لأن المدينة كانت هدفًا لحلفاء النظام الطائفيين، وبالتالي قرر إعادة تأهيلها من أجلهم كما ذكرت بعض المصادر الصحفية والحقوقية في ذلك الوقت.
تقع المليحة في ريف دمشق، تتربع بأحضان الغوطة الشرقية بمساحة 2000 دونم. يحدها من الشرق زبدين، ومن الشمال جسرين، ومن الجنوب الشرقي شبعا، ومن الجنوب الغربي جرمانا. كانت تسمى قديمًا “المنيحة”، وهي في أصلها مجموعة من البساتين والأراضي الخضراء. بلغ عدد سكانها عام 2009 حوالي 36000 نسمة موزعين على ثلاثة أحياء: حي البلاط، العمادية، الحي الأساسي. تضم معالم بارزة منها مقام الصحابي الجليل سعد بن عبادة الأنصاري الذي أسلم مبكرًا وعاش إلى جوار الرسول محمد (ص). وصرح تذكاري تم تشييده عند مدخل البلدة وكُتبت عليه أسماء ثوار الغوطة الذين حاربوا المستعمر الفرنسي. ولها تاريخ قديم مع الحضارة اليونانية، ويوجد فيها مقابر ومنازل قديمة جدًا وعدد من الجوامع أهمها جامع المليحة الكبير.
يعمل غالبية سكانها في الزراعة وفي بلاد الاغتراب، وخصوصًا في لبنان والخليج العربي. وتتبع لها قرى عديدة منها: دير العصافير، حوش السلطان، حتيتة التركمان، صهبا وغيرها.
بعد سقوط النظام نهاية العام الفائت بدأ سكانها بالتوافد إليها يبحثون بين الركام والأطلال عن منازلهم وذكرياتهم وصور أولادهم وعائلاتهم في ظل تدهور كبير للخدمات في المياه والخبز والكهرباء. ورغم ذلك كله بنى بعضهم خيمًا بمكان منزله وبدأت عمليات الترميم وإعادة الحياة إلى بساتين المدينة وإعادة الإعمار قدر المستطاع. وبدأ المجلس المحلي بتوفير بعض الخدمات الأساسية الضرورية المتعلقة بالصحة والكهرباء والنقل والعناية بالأراضي الزراعية، وجمعوا التبرعات لإحياء المدينة من جديد. ولكن الأعباء والتحديات كبيرة وتتجاوز قدرات الأهالي والمجلس المحلي وتحتاج لجهود محلية حقيقية ولدعم من المنظمات الدولية والعربية.
كان ثوار المليحة وأهلها في صلب المقاومة السورية ضد النظام المجرم، وهذا ليس بجديد عليهم. فقد قاوموا سابقًا الاحتلال الفرنسي مع ثوار الغوطة بقيادة حسن الخراط وشاركوا في معارك كبيرة مثل معركة زور المليحة عام 1925، والتي كانت جزءًا هامًا من الثورة السورية الكبرى. والتي جاءت كرد فعل على سياسة المحتل وملاحقة الوطنيين وإثارة النزعات الطائفية. وألحقوا الهزائم بالمحتلين. وهم اليوم، ورغم أوجاع الحرب والقتل والخراب ماضون في ترميم ما تبقى من منازلهم ومؤسساتهم وأراضيهم وفي تضميد جراحهم العميقة وعينهم على وطن آمن مستقر موحد لكل السوريين.
مراجع مختارة:
بوابة سورية؛
مواقع إلكترونية.
العربي الجديد



