الناسسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

مقالات تناولت مسألة” تغيير النشيد الوطني السوري”

—————————————

النشيد الوطني السوري: نقاش مبكر حول السلطة وحدود التمثيل

مصطفى الدباس

لم يكن منشور رئاسة الجمهورية حول أمسية جمعت الرئيس أحمد الشرع بعدد من الشعراء والأدباء، سوى شرارة أولى لنقاش أوسع حول النشيد الوطني السوري المقبل، وحول حدود القرار الثقافي في مرحلة انتقالية لا تزال في طور التشكل السياسي والدستوري.

الصورة التي انتشرت للرئيس الشرع وإلى جانبه كل من وزير الثقافة محمد الصالح، والشاعر أنس الدغيم وشقيقه حسن، والكاتب الفلسطيني جهاد الترباني، بدت في نظر كثيرين أكثر من مجرد سهرة أدبية، وقُرئت كإشارة ضمنية إلى انطلاق ترتيبات النشيد الوطني الجديد للجمهورية، مما فتح باباً واسعاً للسجال.

الاعتراضات في وسائل التواصل الاجتماعي انقسمت بين من استنكر ضيق التمثيل ووجود شقيقين في صورة ذات طابع رمزي، ومن تساءل عن مدى شرعية هذه الخطوة أصلاً. واعتبر معلقون أن تغيير النشيد الوطني يتجاوز صلاحيات السلطة الانتقالية الحالية، وأنه ليس من مهام حكومة لم تُنتخب، مشددين على أن الأناشيد الوطنية تولد في العادة من خلال مسابقات وطنية مفتوحة تعكس تنوع المجتمع وتعتمد بشكل مؤسساتي جامع، لا من خلال جلسات مغلقة أو سهرات أدبية مهما كانت نواياها.

لجنة صياغة نشيد

الشاعر أنس الدغيم الذي اشتهر بكتابته للثورة السورية، ويعمل كمدير مديرية في وزارة الثقافة، سارع إلى الرد وفنّد في منشور توضيحي فكرة أن تكون الصورة قد التُقطت في إطار لجنة صياغة نشيد، موضحاً أن الحديث عن النشيد جاء عرَضاً خلال لقاء سابق مع الرئيس، وأن السهرة كانت أمسية أدبية بحتة. وأكد الدغيم أن النشيد الوطني ليس مشروعاً فردياً، ولا يمكن أن يكتب بمنطق الاستئثار، بل يجب أن يكون تعبيراً عن روح كل السوريين الأحرار، مضيفاً أن شقيقه حسن لم يتدخل في أي نقاش يخص النشيد رغم خلفيته الأدبية.

لكن الرد لم ينهِ الجدل، بل أعاد طرح سؤال عن صياغة الهوية الرمزية لسوريا من دون العودة إلى مسار تشاركي فني واسع وواضح.

قانونياً، يربط الفقه الدستوري عملية تغيير النشيد الوطني، كما العلم أو الشعار، إما بنص دستوري أو بإجراء قانوني صادر عن سلطة منتخبة أو مفوضة ضمن إعلان دستوري انتقالي واضح. أما من الناحية السياسية، فإن اختيار الرموز الجامعة في الدول الخارجة من نزاعات أو من أنظمة شمولية غالباً ما يتم عبر مسارات علنية، تستند إلى لجان تحكيم مستقلة ومفتوحة، وتبنى على مساهمات متنوعة من المجتمع.

وكان قرار وزارة التربية الأخير، بمنع ترداد أي نشيد أو شعار في جميع المدارس العامة والخاصة “إلى حين اعتماد النشيد الوطني للجمهورية العربية السورية”، زاد من أهمية النقاش. فبينما فُهم القرار بوصفه إجراءً مؤقتاً لضبط حيادية المدرسة في مرحلة سياسية حساسة، فإنه عملياً يترك فراغاً رمزياً لا بد من ملئه في أقرب وقت وعلى نحو شفاف تجنباً لانقسام جديد حول رمز يفترض أن يوحّد.

نشيد “حماة الديار”

واعتمدت سوريا منذ العام 1938، النشيد  الوطني الحالي “حماة الديار” عبر مسابقة وطنية أطلقت لاختيار رموز الدولة الجديدة، بعد نيل الاستقلال الجزئي عن فرنسا، وفاز في تلك المسابقة النص الذي كتبه الشاعر الدمشقي خليل مردم بك، ووضع ألحانه محمد فليفل، أحد الأخوين اللبنانيين فليفل، المعروفين بإسهامهم في تأسيس تقاليد النشيد المدرسي العربي.

أما النشيد السابق كان “سوريا يا ذات المجد” من كلمات مختار التنير وألحان أحمد ومحمد فليفل، وظل معتمداً منذ 1919 في عهد المملكة السورية وحتى استبداله العام 1938. لاحقاً، خلال فترة الوحدة بين سوريا ومصر (1958–1961)، استبدل النشيد مؤقتاً بـ”والله زمان يا سلاحي” من كلمات صلاح جاهين وألحان كمال الطويل، وغناء أم كلثوم، قبل أن يعود “حماة الديار” إلى التداول الرسمي بعد الانفصال.

وخلال الثورة السورية، لجأت بعض الشرائح المعارضة إلى استخدام قصيدة عمر أبو ريشة “في سبيل المجد والأوطان” كنشيد بديل في الميادين والفعاليات، تعبيراً عن القطيعة الرمزية مع النظام البعثي، ليتحول النشيد الوطني إلى مرآة لتحولات السلطة والرمز، حيث ارتبط دوماً بتعاقب الأنظمة وتبدل الشرعيات، ما يجعل النقاش الحالي حول تغييره امتداداً لتاريخ طويل من التجاذب الرمزي والهوية الوطنية.

النشيد الألماني

ولعل الاطلاع على خبرات دول أخرى يساعد في التفكير بهدوء. ففي التجربة الألمانية مثلاً، لم يُلغ النشيد الوطني بالكامل بعد سقوط النازية وتم التعامل معه بتحفظ قانوني ورمزي.

النشيد المعروف بـ”Das Lied der Deutschen” الذي كتبه أوغست هاينريش هوفمان العام 1841 ولحنه جوزيف هايدن، كان يتألف من ثلاثة مقاطع. وبعد الحرب العالمية الثانية ونتيجة لاستخدام النازيين للمقطع الأول بشكل شعاراتي يروج لفكرة “ألمانيا فوق الجميع”، تقرر تجاهله. ومنذ العام 1952، اعتمدت جمهورية ألمانيا الاتحادية المقطع الثالث فقط كنشيد رسمي، وهو مقطع يتحدث عن “الوحدة والعدالة والحرية”، ويعبر عن قيم ديموقراطية جامعة، واتُّخذ هذا القرار بالتوافق بين الحكومة والرئاسة، ثم أقر لاحقاً بشكل دستوري بعد توحيد الألمانيتين العام 1991.

ويعكس النموذج الألماني مساراً تدريجياً وواعياً في التعامل مع رمزية النشيد، إذ لم يستبدل بنشيد جديد بل جرى تنقيحه واختيار ما يتناسب مع المرحلة الجديدة من تاريخ البلاد في إطار مؤسساتي واضح ومنضبط قانونياً. أما جنوب أفريقيا فاعتمدت العام 1997 نشيداً مزدوجاً يدمج بين نشيد الحقبة السوداء “Nkosi Sikelel’ iAfrika” ونشيد البيض “Die Stem”، في صيغة تعكس المصالحة من دون إنكار الماضي.

بداية مسار

في سوريا يبدو أن المسار لم يبدأ بعد، ورغم أن ما نشره حساب رئاسة الجمهورية لا يتجاوز جلسة أدبية ونقاشاً أولياً، لكنه سرّع الجدل حول الشكل والمضمون، الأمر الذي يحتاج وضوحاً في توجه السلطات وخريطة طريق مؤسساتية، تبدأ بدعوة عامة إلى تقديم اقتراحات، تشرف عليها لجنة موسعة تضم أدباء وملحنين ومؤرخين من مختلف الاختصاصات، وتعرض نتائجها للنقاش العام قبل اعتمادها دستورياً، ليكون النشيد  وثيقة شعورية سياسية، تمثّل حاضر البلاد وتطلعاتها.

المدن

————————————-

تغيير النشيد الوطني في سورية… خطوة أخرى لبناء هوية متجددة/ محمد أمين

21 أكتوبر 2025

تعتزم الحكومة السورية تغيير النشيد الوطني الحالي للبلاد لارتباطه بمرحلة النظام المخلوع ولتمجيده الجيش الذي فتك بالسوريين طيلة سنوات الثورة، في خطوة أخرى ضمن سلسلة إجراءات بدأت بها هذه الإدارة للقطيعة مع حقبة يراها كثيرون من السوريين من أحلك الفترات في تاريخ بلادهم.

واجتمع الرئيس السوري أحمد الشرع، الأحد، مع وزير الثقافة في حكومته وعددٍ من الشعراء السوريين لـ”مناقشة الترتيبات الخاصة بالنشيد الوطني الجديد للجمهورية العربية السورية”.

وظلت قصيدة “حماةَ الديار عليكم سلام” للشاعر خليل مردم بك، والتي لحّنها الأخوان فليفل، النشيدَ الوطني لسورية منذ عام 1938 حتى سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي. ومنذ إسقاط النظام، جرى استبعاد هذا النشيد من المناسبات الوطنية والمدارس، واعتماد قصيدة عمر أبو ريشة “في سبيل المجدِ والأوطانِ نحيا ونبيد”، التي لحّنها الأخوان فليفل، نشيداً مؤقتاً في المناسبات الوطنية والرياضية.

وبيّن القانوني أحمد القربي، وهو أحد واضعي الإعلان الدستوري الناظم للمرحلة الانتقالية، في حديثٍ مع “العربي الجديد”، أنّ الإعلان في مادته الخامسة نصّ على أنّ “شعار الدولة ونشيدها يُحددان بقانون”. وتابع قائلاً إنّ لهذا القانون مسارين: “الأول باقتراح من مجلس الشعب، والثاني باقتراح من رئيس الجمهورية، على أن يتطلّب الأمر صدور القانون من السلطة التشريعية وتصديق رئيس الجمهورية، أي أنّ تغيير النشيد الوطني يستلزم موافقة البرلمان والرئيس معاً”.

وينظر كثير من السوريين إلى النشيد السابق نظرةَ استهجانٍ لارتباطه بمرحلة حكم الأسدين، الأب والابن، وهي المرحلة التي تُعدّ الأكثر قتامةً في تاريخ سورية المعاصر، لذلك طالبوا منذ الأيام الأولى لسقوط النظام بتغييره. ويأمل الشارع السوري بأن تكون كلمات النشيد الجديد موحّدة للسوريين ومعبّرة عن هوية بلادهم.

ومنذ تسلّمها مقاليد الأمور في البلاد، اعتمدت الإدارة السورية الجديدة راية الثورة السورية علماً رسمياً للدولة، كما غيّرت الهوية البصرية القديمة في خطوةٍ واسعة باتجاه القطيعة الكاملة مع الماضي، بهدف القضاء على الإرث الأمني والاستبدادي وتأسيس عقدٍ اجتماعيّ جديد يعبّر عن “سورية الجديدة”.

وكانت الإدارة قد حلّت، في يناير/كانون الثاني الفائت، كلّ مؤسسات الجيش والأجهزة الأمنية والعسكرية والحزبية ومجلس الشعب، وألغت العمل بدستور عام 2012، كما حلّت حزب البعث وجميع الأحزاب التابعة له.

غير أنّ تفاصيل خطوة تغيير النشيد الوطني لم تتضح بعد، إذ لم تُعلن وزارة الثقافة عن مسابقةٍ لشعراء سوريين لتقديم نصوصٍ شعرية، ولا عن تشكيل لجنة من الأدباء والشعراء للإشراف على هذه المهمة الوطنية، التي يُتوقّع أن تثير جدلاً واسعاً في الشارع السوري بين مؤيّدٍ ومعارضٍ لها.

نجوم وفن

نقابة الفنانين السوريين: محاولات للإصلاح

ورأى الصحافي السوري مجد أمين، في حديثٍ مع “العربي الجديد”، أنّ “النشيد الوطني القديم لا مشكلة في كلماته أو لحنه، فهو جميل وكان نشيداً وطنياً قبل وصول آل الأسد إلى السلطة بأكثر من خمسةٍ وثلاثين عاماً”، مضيفاً أنّ “النشيد وُلد في مرحلة التحرّر من الاستعمار، حين كانت الروح القومية في أوجها”.

وتابع أنّ “النشيد الوطني من الثوابت التي لا تتغيّر بسهولة في أيّ دولةٍ من دول العالم، شأنه شأن الراية الرسمية والدستور، لذلك فإنّ خطوةً كهذه تحتاج إلى جهةٍ تمثّل السوريين لتأخذ موافقتهم”. وبرأيه، فإنّ الأهم في هذه الخطوة هو “تحديد آليات التغيير وشرعيتها، وألا تكون مقتصرةً على قرارٍ فردي من الرئيس الحالي للحكومة الانتقالية”، موضحاً أنّ “الأمر يتطلّب وضوحاً في الجوانب القانونية والدستورية، إلى جانب تحديد الآليات التقنية لاختيار من سيكتب النشيد وطريقة اختياره، سواء عبر التعيين أو من خلال مسابقةٍ مفتوحةٍ على مستوى البلاد، أو بوسائل أخرى”.

وفي السياق، أيّد زيدون الزعبي، وهو خبيرٌ في مجالات الحوكمة، خطوةَ تغيير النشيد الوطني في سورية، “لأسبابٍ تتعلّق بضرورة إعادة بناء الهوية الوطنية السورية، لا بسبب ارتباط النشيد السابق بالنظام البائد، إذ إنّ عمره يقارب التسعين عاماً”.

وأوضح الزعبي في حديثه مع “العربي الجديد” أنّ “الأمر يحتاج إلى قانونٍ يصدر عن جهةٍ أكثر تمثيلاً وشمولاً”، مضيفاً أنّ “تغيير النشيد يمكن أن يتمّ من خلال المجلس التشريعي القادم، بعد عمليةٍ تشاوريةٍ مع مختلف المجتمعات السورية”.

العربي الجديد

———————————

 حين يعزف الوطن.. “في سبيل المجد والأوطان” رمز الحرية السورية/ محمد السكري

2025.10.22

تلقّف السوريون لحظة سقوط الاستبداد كما لو أنّها اللحظة الأخيرة لزمن الطغاة في سوريا. لم تكن لحظة سقوط الأسد حدثًا عابرًا، بل استعادةً كاملة لماضي النضال السوري طوال سنوات الثورة، وإحياءً جديدًا للإيمان بالقضية في قلوب المؤمنين بها. عند سقوطه، خرج السوريون إلى الساحات هاتفين بحرية وطنهم، رافعين علم الثورة الذي بدا وكأنه وُلد من جديد، لا عن اضطرارٍ أو تحدٍّ فحسب، بل عن إيمانٍ راسخٍ بأن الثورة قد انتصرت أخيرًا.

وقفت الجموع حينها في سكينةٍ لم تعهدها خلال سنوات التظاهر والصدام، مترقّبةً لحظة رفع العلم، حتى انطلقت موسيقى “في سبيل المجد والأوطان” تُطرب الساحات وتُعيد للوطن صوته المفقود. كان هذا النشيد محفورًا في وجدان الشباب السوري؛ أنشدوه في الجامعات، وردّدوه في المؤسسات الثورية، وحفظوا كلماته وكأنها وعدٌ مؤجّل بعودة الوطن.

اكتسب النشيد رمزية استثنائية لدى من عارضوا نظام الأسد، إذ تبنّته مؤسسات ثورية عديدة، رسميًا أو ضمنيًا. فقد صوّت اتحاد طلبة سوريا المعارض أكثر من مرة لاعتماده نشيدًا في فعالياته، حتى أصبح جزءًا من سردية الثورة السورية. لم يكن ذلك قرارًا عابرًا، بل تتويجًا لتراكمٍ طويل، إذ سبق أن عزفته فصائل من الجيش السوري الحر في أثناء رفع علم الثورة في مناسبات مختلفة، تقديرًا لمعناه الوطني. كما تبنّته فرق ومنظمات مدنية مثل فريق ملهم التطوعي والدفاع المدني السوري والمنتدى السوري في فعاليات عامة داخل البلاد وخارجها.

يحمل النشيد أهمية رمزية وتاريخية كبيرة في الذاكرة السورية، إذ يُعدّ المنافس الأبرز لنشيد “حماة الديار” عبر تاريخ البلاد. وقد منعه نظام الأسد من العزف في المدارس خلال تسعينيات القرن الماضي، لما يتضمّنه من معانٍ تتصل بالمجد والحرية والمواطنة، ولأنه يضع الإنسان الحر في مركز الوطن لا العسكر كما يفعل “حماة الديار”. ولهذا، وجد السوريون في “في سبيل المجد” تعبيرًا صارخًا عن روح ثورتهم، وعن هوية المهجّرين والمنفيين الباحثين عن وطنٍ يشعرون بالانتماء إليه.

مثّل النشيد رمزًا مضادًا للسلطة، حاول أن يحرّر مفهوم الوطن من هيمنة النظام الأمني، ويعيده إلى الناس العاديين. لقد أصبح هذا النشيد عنوانًا للحظة تأسيسية، إذ تُصنع الرموز الوطنية كسردياتٍ في زمن النضال لا بعده. فالأناشيد الوطنية ليست نتاج إبداعٍ شعري فحسب، بل هي نتاج تراكمٍ تاريخيٍّ وتجربةٍ جماعية. وكما لا يستطيع أحد أن يصنع علمًا أغلى من علم الثورة السورية بالنسبة للسوريين الأحرار، كذلك لا يُقاس النشيد بجمال لحنه فقط، بل بعمق تاريخه وقدرته على تمثيل الذاكرة الجمعية. فالشعوب التي تسعى إلى بناء أوطانها تبحث دائمًا عن صناعة أسطورتها، بالاتكاء على التاريخ لا على الحاضر وحده.

لقد تناسب نشيد “في سبيل المجد” مع مرحلة الثورة السورية بشكل صارخ، إذ شكّل هويةً متخيّلة للمهجّرين والمنفيين الذين فقدوا أرضهم، لكنه منحهم وطنًا في الذاكرة. وبذلك غدا النشيد خطابًا وجدانيًا يُعيد إنتاج الانتماء الوطني الممزق، ويجعل من الإنشاد الجماعي فعلًا مقاومًا يرمم الكسر في الوجدان الجمعي، ويعيد تعريف العلاقة بين الشعب والوطن.

فكان ملاذ الحالمين بسوريا الحرّة، في لحظات اليأس والتعب، كوسيلة مقاومة ضد المستبد. فالثورة السورية لم تكن ثورة سلمٍ وسلاحٍ وعلمٍ فحسب، بل كانت ثورة لانتصار النفس الوطنية. فالمستبد حاربنا برموزه وحارب رموزنا.

لا يمكن فصل حضور نشيد “في سبيل المجد” عن مسار تشكّل الهوية الوطنية السورية الجديدة، فالنشيد لم يكن مجرد لحنٍ يُنشد، بل خطابًا رمزيًا لإعادة تعريف الوطن والمواطنة. وتحوّل إنشاده الجمعي بين السوريين إلى فعل مقاومةٍ يرمم التصدّع في الانتماء، ويوحّد السوريين حول ذاكرة مشتركة تصنع رموزها لا من فوق، بل من قلب الشارع والساحات والجامعات، وهو نشيد يتجاوز فكرة إسقاط النظام، بل يركّز على إعادة صناعة الوطن.

لم يكن الشاعر السوري عمر أبو ريشة ليتخيّل يومًا أن النشيد الذي خطّه في زمن النضال ضد الانتداب الفرنسي، تخليدًا لبطولات المقاومين السوريين وتبجيلًا لتضحياتهم، سيغدو بعد عقود طويلة أحد أبرز رموز الثورة السورية ضد نظام الأسد. فقد وجد السوريون في هذا النشيد مناسبة لردّ الجميل لصاحبه، ذلك الشاعر الذي لم يجامل الاستبداد يومًا، ووصف حافظ الأسد بـ”هولاكو العصر”، مجسّدًا بذلك وحدة الموقف بين من قاوم الاحتلال بالأمس ومن يقاوم الاستبداد اليوم. وهكذا تحوّل النشيد إلى جسرٍ رمزيٍّ يصل بين الماضي والحاضر، بين نضال الأجداد في سبيل الحرية ومقاومة الأبناء من أجل استعادتها.

أمّا عن تغيير هذا النشيد، بعدما اعتُمد في المناسبات الوطنية، فسيكون من كبرى الأخطاء السياسية والوطنية التي ربما تُرتكب بعد الانتصار على المستبد، فعلى الأقل لدى النشيد رمزية تاريخية نضالية على غرار علم الثورة السورية، كمبرّرٍ للإبقاء عليه في المرحلة الانتقالية على الأقل، لتعذّر الاستفتاء في سوريا. في حين اعتماد نشيدٍ آخر سيعني اختزال الذاكرة وتجاوز المنطق الدستوري وتهميش صوت الناس.

فإن لم يكن هذا النشيد صوت سوريا الحالي، فلن يكون في الأناشيد كلها ما يشبهه، وإن لم يكن هذا النشيد هو نشيد سوريا في المرحلة الانتقالية لبناء وطنٍ يتناسق مع السردية، فهو على الأقل نشيد السوريين الأحرار الذين أعادوا تعريف الوطن خارج سلطة الاستبداد.

————————————-

سوريا بلا نشيد وطني ومشاورات لولادة آخر رسميا/ مصطفى رستم

قررت السلطات الجديدة التوقف عن ترداد أي شعارات لها علاقة بالنظام المخلوع

الاثنين 27 أكتوبر 2025

يستذكر السوريون مشهد رفع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني علم سوريا في مقر سفارة بلاده في واشنطن (اندبندنت عربية)

ملخص

اتجهت السلطات السورية في أعقاب تأليف حكومة جديدة نحو الدفع باتجاه تشكيل هوية بصرية جديدة كان منها شعار الجمهورية الجديدة “النسر السوري”، في موازاة محاولات نحو ولادة نشيد وطني جديد.

وكانت كوادر “الثورة السورية” لجأت إلى استخدام قصيدة عمر أبو ريشة “في سبيل المجد والأوطان” كنشيد بديل في الميادين والفعاليات، تعبيراً عن القطيعة الرمزية مع “النظام البعثي”.

إبان سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد وهربه في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي 2024 إلى العاصمة الروسية موسكو، بدأ السوريون بإزالة وإحراق كل أنواع الشعارات والصور وأي شيء يرتبط بالنظام السابق، أو بحكمه الممتد نصف قرن من الزمن.

بعد النسر والتمثال

وظلت صور آل الأسد (الأب والابن) والشعارات التي تمجدها تحتل الصدارة وبكثرة في الشوارع والمؤسسات والأماكن العامة، ويمنع المساس بها، بل إن كثيرين من السوريين سجنوا وعذبوا بسبب الاستخفاف بهذه الشعارات أو الصور، لأنها كانت تعد خطوطاً حمراء وأشبه بالمقدسات السياسية التي يمنع الاقتراب منها أو تشويهها وحتى نقدها، إلى أن جاء اليوم الذي مزقت، فضلاً عن اندفاع الشبان لتحطيم تماثيل الرئيس الراحل حافظ الأسد الموزعة على مساحة الجغرافيا السورية. وتبع ذلك حل كل ما يرتبط بالنظام السابق، بخاصة المؤسسات العسكرية والأمنية من جيش وأمن وشرطة، فضلاً عن حل “حزب البعث”، وهو الحزب الحاكم طوال فترة امتدت منذ فترة الستينيات من القرن الماضي.

واتجهت السلطات السورية في أعقاب تأليف حكومة جديدة نحو الدفع باتجاه تشكيل هوية بصرية جديدة كان منها شعار الجمهورية الجديدة “النسر السوري”، في موازاة محاولات نحو ولادة نشيد وطني جديد.

وقررت السلطات الجديدة التوقف عن ترداد النشيد الوطني أو أي شعارات لها علاقة بالنظام المخلوع، ريثما يصدر النشيد الجديد.

وكانت كوادر “الثورة السورية” لجأت إلى استخدام قصيدة عمر أبو ريشة “في سبيل المجد والأوطان” كنشيد بديل في الميادين والفعاليات، كتعبير عن القطيعة الرمزية مع “النظام البعثي”.

في غضون ذلك، يستذكر السوريون مشهد رفع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني علم سوريا في مقر سفارة بلاده في واشنطن وفي مقر الأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) الماضي، من دون أن يرافق رفع العلم ترداد النشيد الوطني.

في السياق، أصدر وزير التربية محمد عبدالرحمن تركو قراراً ألزم بموجبه مديريات التربية في المحافظات كافة بوقف ترداد أي نشيد أو شعار داخل المدارس العامة والخاصة، في سائر المراحل الدراسية لحين اعتماد النشيد الوطني الرسمي للدولة، والشعار الخاص بوزارة التربية وفقاً للأصول الدستورية والقانونية المعمول بها.

وجاء هذا القرار بعد مداولات المجلس الأعلى للتربية والتعليم تعزيزاً لحال الانضباط، ومنع أي اجتهادات فردية بأعقاب رفع أناشيد في المدارس ذات مدلولات معينة ما أثار استياء من الشارع السوري.

وكان هناك نشيد وطني معتمد منذ عام 1919 في عهد “المملكة العربية السورية” وحتى استبداله عام 1938 بنشيد يحمل عنوان “سوريا يا ذات المجد” من كلمات مختار التنير وألحان أحمد ومحمد فليفل، وظل معتمداً حتى عام 1938، إذ استبدل النشيد الوطني بآخر عنوانه “حماة الديار” عبر مسابقة وطنية أطلقت لاختيار رموز الدولة الجديدة، بعد نيل الاستقلال الجزئي عن فرنسا، وفاز في ذلك الوقت بالمسابقة الشاعر الدمشقي خليل مردم بك، ووضع ألحان النشيد الجديد محمد فليفل.

ولاحقاً، خلال فترة الوحدة بين سوريا ومصر (1958-1961)، استبدل النشيد موقتاً بـ”والله زمان يا سلاحي” من غناء أم كلثوم، قبل أن يعود نشيد “حماة الديار” للتداول الرسمي بعد الانفصال.

النشيد الجديد

من المتوقع، بحسب المعلومات المتوفرة، إعلان تشكيل لجنة صياغة خاصة للنشيد العتيد قريباً، في حين لم يصدر حتى كتابة هذه السطور أي قرار رسمي أو إعلان مسابقة، لانتقاء قصائد أو تشكيل فريق متخصص لهذا الأمر.

في الأثناء، ولد منشور صادر عن معرفات رئاسة الجمهورية حول اجتماع ضم الرئيس السوري أحمد الشرع مع عدد من الشعراء منهم وزير الثقافة السوري محمد الصالح، وأنس الدغيم وشقيقه حسن، والكاتب الفلسطيني جهاد الترباني، شرارة البحث عمن يكتب النشيد الوطني، ومن يلحنه، لا سيما أن المنشور أكد أن الجلسة تضمنت الحديث عن صياغة النشيد الوطني الجديد، بينما لم تتخذ وزارة الثقافة أو أية أية جهة رسمية خطوة بعد في سياق التحضيرات للنشيد الجديد، إلا أن الشاعر السوري أنس الدغيم، وهو مسؤول في وزارة الثقافة، أكد أن الجلسة “ودية”، مضيفاً “الحديث عن النشيد جاء عرضياً، خلال لقاء الرئيس، والنشيد ليس مشروعاً فردياً، ولا يمكن أن يكتب بمنطق الاستئثار، بل يجب أن يكون تعبيراً عن روح جميع السوريين”.

وأثار الاجتماع مع الشعراء وتبديل النشيد الوطني جدلاً بين مؤيد ومعارض لإلغاء النشيد القديم، واعتراضات على مناقشة هذا الأمر المرتبط بالنشيد الوطني مع عدد ضيق من الشعراء، كما جاءت الانتقادات حول صلاحيات الحكومة الانتقالية إجراء تغييرات جوهرية كهذه، وذهب بعض المنتقدين إلى اعتبار النشيد الوطني “حماة الديار” لا يرتبط على أية حال مع النظام المخلوع.

“استمزاج” الآراء

في السياق، كشف عضو اللجنة العليا للانتخابات والكاتب السياسي حسن الدغيم عما دار في الجلسة مع الرئيس السوري إذ أتت كنوع من “استمزاج” الآراء، وتناولت “الوجدانيات والقيم التي ينبغي أن يتضمنها النشيد الجديد، سواء من ماضي سوريا، أم حاضرها ومستقبلها، والثورة والشهداء والانتصار والتضحيات، ونشيداً يختزن القيم ويصافح قيم الحرية والكرامة والعدالة”، وأضاف “الجلسة تضمنت أيضاً الحديث عن المعاني الرمزية للنشيد، ولم تكن في شأن إجراءات تقنية بكتابة النشيد الوطني، وهذا ربما يتم التفكير به عبر وزارات عدة أو وزارة الثقافة أو إطلاق مسابقة، واستمع الرئيس إلى عدد من القصائد الشعرية وكان يناقش في الشعر ومعانيه وتحليل القصائد ضمن سهرة أدبية، كما استمع إلى قصائد شعراء راحلين أو موجودين ومنهم وزير الثقافة، واستمع إلى دور الكلمة في بناء الخطاب الوطني ولغة التسامح والعدالة وإطلاق عجلة الدولة من المنظور الثقافي والأدبي”.

وأكد عضو لجنة الانتخابات العليا في سوريا الدغيم “أن كل دولة تحتاج إلى نشيد وطني، هذا الأمر أساس، ومع التغيير العظيم في سوريا والتحرير، النشيد الوطني السابق وإن كان مصاغاً وموضوعاً من الآباء السوريين بالجمهورية العربية السورية، لكن الذهنية ارتبطت بالجيش السوري البائد”، وتابع “لذلك بقي نشيد حماة الديار نشيداً مزعجاً مرتبطاً بالإجرام والفتك والقصف ولم تعد الآذان تحتمل صوت حماة الديار وبات ضرورياً تغييره، وهذا ما نص عليه الإعلان الدستوري”.

وثمة حديث لناشطين قانونيين يرون أن على السلطة الحالية الالتزام بالإعلان الدستوري الحالي، وينص الإعلان الذي أقر بعد سقوط النظام السابق في مادته الخامسة، على أن شعار الدولة ونشيدها يحددان بقانون باقتراح من مجلس الشعب، وباقتراح من رئيس الجمهورية ويستلزم موافقة البرلمان الذي لم يتشكل بعد.

——————————

=========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى