سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

طبالون ومكيودون وحائرون/ ياسين الحاج صالح

عرفت الأشهر الأحد عشر المنقضية منذ سقوط الحكم الأسدي استقطابات مفرطة الحدة بين المعنيين السوريين بالشؤون العامة، وقد اتسعت دوائرهم خلال هذه الفترة أكثر حتى مما عرفته الثورة السورية من اتساع في عاميها الأولين، لتضم صامتين، يهتمون بالشأن السوري اليوم لأول مرة أو يعودون إلى الاهتمام به، وكذلك عدداً غير قليل ممن كانوا موالين خجولين للحكم الأسدي سلبتهم هذه الموالاة صوتهم وقتها ويستعيدونه اليوم بعد السقوط. بعض هؤلاء «كوعوا» ضد النظام إثر سقوطه، وبعضهم بالعكس حرر السقوط أصواتهم من الصمت، أو من كلام الموالاة الصامت، وصارت لهم قضية لأول مرة ضد الحكم الجديد. وربما حد من ظاهرة التكويع موجتا مجازر الساحل والسويداء، على نحو يذكر بخفوت ظاهرة الانشقاقات عن الحكم الأسدي في عام 2013 وما بعد بأثر صعود العدميين الإسلاميين. أكسبت موجتا المجازر الحكم الجديد أعداء كثيرين، يعبرون عن أنفسهم بصور مختلفة، وبخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي. وهناك بعد ذلك جمهور ثوري متنوع، تمايزت أوساطه بدوره بصور متنوعة إثر سقوط الحكم الأسدي.

تعمل هذه المقالة على اقتراح مسلك سياسي أخلاقي تراه أصوب في هذه الأوضاع الاجتماعية والسياسية والنفسية المضطربة، وهو ما يوجب التوقف عند مسلكين هائجين رائجين، وعقيمين على حد سواء، نجملهما تحت فئتي الطبالين والمكيودين. الطبال موال للحكم اليوم، لا يجد فيه عيباً، أو هو يتفانى في تبرير ما لا ينكر من مسالكه المعيبة. وهو أشبه بالموالين للحكم الأسدي قبل عام فحسب، ممن كانوا ينكرون جرائمه، أو يبررونها، ويُخونون معارضيه، متهمين إياهم بالعمالة أو الإرهاب، أو بكونهم بيادق لهذه الجهة الإقليمية أو الدولية أو تلك. الطبالون يفعلون هذه الأشياء نفسها، وبمقادير مماثلة أو متفوقة من الرقاعة ضد خصوم الحكم الجديد، ويسوغون لأنفسهم الإقذاع بإشغال موقع الضحية في زمن سابق. الواقع أن هذا الزمن السابق يتقادم بسرعة شديدة بأثر جزئي من هذه المسالك السفيهة، وبالطبع بأثر المجازر الأحدث التي لا بد أن تضفي النسبية على المجازر الأقدم، بخاصة في غيبة نقاش عام عقلاني بين السوريين المختلفين. ويغلب أن تكون دوافع طبالي اليوم مماثلة لدوافع طبالي الأمس: الطائفية، والسؤدد المبتذل الذي يناله التابعون من كون السلطة بأيدي سيد منهم. وهناك منذ الآن «معارضو معارضة» ضمن الأوضاع الجديدة، موالون خجلون يذكرون بنظرائهم في الحقبة الأسدية، ومثلهم يشغلون بالهم بما يقوله هذا أو ذاك من معارضي السلطة اليوم، أكثر من جرائم ارتكبتها وكوارث تسببت بها.

وغذى الاستقطاب الحاد خلال الأشهر المنقضية ظاهرة المعارض المكيود الذي يتسقط زلات السلطة الحقيقية، وربما يساهم في اختلاق بعض منها، فيسوق نفسه إلى مواقع تفتقر إلى النزاهة. يتكلم المكيود بانفعال حاد، ويبدو له من لا يشاركونه الموقف متواطئين مع الحكم الحالي. المطلوب إسقاط النظام الآن وفوراً، أو تقسيم البلد وليكن ما يكون. ويجمع بين الطبالين والمكيودين، من وراء تعارضهما السياسي، التعصب الديني أو شبه الديني الذي ينعكس في عنف لفظي ونفسي شديد يجمع الطرفين. الحقيقة ضئيلة الوزن هنا وهناك. وإن لم يصدر الموقعان عن التهاب الهويات الموروثة، فهما يغذيان هذا الالتهاب بتعصبهما ومقاطعتهما للحقيقة.

كان هناك مكيودون معادون للحكم الأسدي، يُصدقون كل شيء عنه، لكن تبدو الظاهرة اليوم أكثر حدة وأوسع انتشاراً سلفاً، بفعل ما يميز أوار الانتقال من اتساع الحقل العام، بعجر الاتساع وبجره. على أن مكيودي اليوم لا يطابقون المعارضين لحكم الشرع وإسلامييه، مثلما أن معارضي الحكم الأسدي لم يكونوا قابلين للاختزال إلى المعادين الكيديين أو الموتورين له. بعض هؤلاء الأخيرين، بالمناسبة، هم من أبرز طبالي اليوم.

ويتغذى كل من هذين الميلين من وجود الآخر، ويعكسان معاً الانزلاقة اللاعقلانية التي عصفت بالأوساط السورية، داخل البلد وخارجه، بفعل التغير الكبير أواخر العام الماضي، ثم موجتين من المجازر الطائفية في أشهر لاحقة، وتعديات وانتهاكات مستمرة لا تزال تحدث. نتحدث عن انزلاقة لا عقلانية نشأت بأثر مزيج من الدم والغضب والكره العنيف، وعبرت عن نفسها بانحدار حاد في مستوى النقاش العام وتجزؤ شديد في أوساطه فاقمته أجواء قطيعة محتدمة بين القطاعات النشطة من السوريين. السلطة الجديدة ليست قوة عقلنة لا على المستوى العام ولا على مستوى الموالين لها، ممن يبررون الدم ويحرض بعضهم على المزيد. الواقع أنها قوة استقطاب وتفرق، إن عبر تركيز السلطة في أيدي تكوين أهلي محدد، أو بفعل ما ارتكبت قواتها من جرائم مشينة، لم يُعتذَر عنها ولا يبدو أن أحداً حوسب عليها. ولم تظهر مبادرات جماعية وازنة تعمل على تدارك الانزلاقة المستمرة، أو تقترح مخرجاً وطنيا عاماً وعقلانياً.

على أن علو صوت الطبالين والمكيودين في آن يحجب وجود الحائرين، طيف متنوع من سوريين وسوريات، يريدون أن يسلكوا مسالك عادلة حيال عموم مواطنيهم، ويصمتون أو يتلجلجون لأنهم لا يرتاحون للمسلكين الهائجين السابقين.

هل من مسلك صحيح يمكن اقتراحه على حائرين وحائرات، مخلصين في حيرتهم؟ هذا ما يعتقده كاتب هذه السطور استناداً إلى خبرة بالشؤون العام السورية والتفاعل معها خلال جيلين. ويتلخص هذا المسلك في كلمتين يمكن بناء عدة جمل حولهما، هنا الآن: ندين الجرائم هنا والآن، أياً يكن المرتكبون؛ نقف إلى جانب الضحايا أياً يكونوا، هنا والآن؛ نسمي الأشياء بأسمائها، هنا والآن؛ نعمل على قول الحقيقة، هنا والآن؛ ننحاز إلى العدالة وإلى المحرومين من العدالة، هنا والآن. وفي زمننا الراهن، الآن مسألة أيام قليلة غالباً بسبب وفرة وتنوع مصادر المعلومات والأخبار، وهنا هي حيث يكون الواحد منا.

بعد هذه الخطوة الأولى التي يتعين تثبيتها بوضوح، ربما يأتي وقت نحاول فيه أن نتبين سببيات وجذوراً اجتماعية وثقافية، بنى وهياكل للحساسية والسياسة، اضطرارات لا مهرب منها أو مكاسب تجنى. هذا وقت التحليل، ويتعين أن يجري تمييزه دوماً وبكل وضوح عن وقت الإدانة والحكم الأخلاقي، وأن يأتي دوماً بعده، منفصلاً عنه. هذا لأن من أشكال الهرب الشائعة من قول الحق، هنا والآن، أن يصير المرء تحليلياً حيث ينبغي له أو لها أن يقول كلاماً واضحاً في إدانة الجرائم والتضامن مع الضحايا، وهو ما كان طبالو الحكم الأسدي بارعين فيه (ويحدث أن تجد العكس حين يكون المقام تحليلياً، فينبري لك من يدين ولا يقبل إلا كلام الإدانة). التحليل وقت تكون الإدانة مطلوبة ينحدر إلى تبرير، والإدانة وقت التحليل مزايدة وهوج.

فإذا كانت الأمور العامة ستتجه نحو الأحسن وما علينا إلا الصبر وعدم الاستعجال، مثلما قد يقول موالون، فليس في إدانة الجرائم وقول الحقيقة والمطالبة بالعدالة ما يعطل مسار التحسن الموعود، بل لعل رفع الصوت حيث ينبغي أن يُرفع يسهم في دفع الأمور في هذا الاتجاه. وبالعكس، إذا كانت الأمور سائرة نحو الأسوأ، فإن الصمت اليوم يهدر فرصة مناصرة الضحايا، ويفقد الصامتون الصدقية، ويسهم في تغذية الأسوأ المتجدد. نقول الحق هنا والآن لأننا لا نعلم ما قد يحدث فيما بعد. قد نموت، وقد ينتهي العالم، فلنترك فيما بعد يعتني بنفسه.

هنا والآن هما إحداثيا مساحة التدخل الأخلاقي، أو القول الواضح في شأن يتعارض تكوينه مع تأجيل الحقيقة والعدالة والتضامن إلى مستقبل غير مضمون ولا نعلم متى يأتي، مثلما يتعارض مع تبرير الجرائم اليوم بجرائم سابقة. الآن وهنا وقت الموقف الواضح العادل غير المراوغ. غداً يفوت الوقت. ويمكن أن يسري التواطؤ أو الصمت مسرى السم في الجسم، إن لم يقتله، فإنه يقتل الأنفس: بالنفاق، بانعدام الإحساس، بالتملق والكيد، بالسينيكية (عدم الإيمان بشيء، ونسبة كل شيء إلى دوافع أنانية). وهذه نزعات وتكوينات لا يمكن إنكار أنها شائعة في مجتمعنا.

قاعدة قول الحق هنا والآن أصلح في تناول الجرائم والانتهاكات الخطيرة التي تطال حياة وكرامة الناس، والمسائل الحقوقية بعامة. هناك شؤون أخرى، اقتصادية أو اجتماعية أو تعليمية أو دفاعية…، لا تصلح هذه القاعدة فيها، وهي تستدعي مسالك تحليلية مزودة بالمعلومات المتصلة. لكن هذه الشؤون قلما تسهب في تغذية الاستقطابات الراهنة، رغم أنها قد تكون الأهم على مدى أطول.

كاتب سوري

القدس العربي

————————————

وجهة نظر نسوية بمقال ياسين الحاج صالح/ هبة عز الدين

04.11.2025

نحن المخذولات الفاعلات، اللواتي خلقن مساراً رابعاً قائماً على العدالة التواصلية، العدالة التي تتحقّق حين تُسمع كلّ الأصوات لا حين يُحكم باسمها. لم ننتظر أن يُسمح لنا بالكلام، بل صنعنا فضاءنا الخاصّ، حيث الإصغاء فعل مقاومة، والاعتراف علاقة متبادلة.

في مقال  نشره مؤخّراً، تحدّث الكاتب السوري ياسين الحاج صالح عن المرحلة التي تلت سقوط الحكم الأسدي: “عرفت الأشهر الأحد عشر المنقضية منذ سقوط الحكم الأسدي استقطابات مفرطة الحدّة بين المعنيّين السوريين بالشؤون العامّة”، من هذا المدخل، يقدّم الحاج صالح محاولة لقراءة التحوّلات السورية من خلال تشخيص لما يسمّيه “مزاج السوريين”، في زمن ما بعد النظام.

قسّم المجال العامّ إلى فئتين: فئة “الطبّالين”، الذين اصطفّوا مع الحكم الجديد بمنطق الولاء، وفئة “المكيودين”، الذين يعارضونه بانفعال، وكأنهم يستكملون معركتهم القديمة مع النظام السابق.

ويقترح الكاتب “مسلكاً سياسياً وأخلاقياً أصوب”، يقوم على مبدأ مباشر: “أن نقول الحقّ هنا والآن، أياً يكن المرتكبون؛ وأن نقف إلى جانب الضحايا أياً يكونوا، هنا والآن”.

هذا المبدأ ضروري لاستعادة ميزان العدالة الفردية بعد الانقسامات الطويلة، ومع ذلك، يمكن لقراءة نسوية نقدية أن تشير إلى فجوة ما بين القول والممارسة، وبين من يملك القدرة على قول الحقّ ومن يُطالَب به، فـ”قول الحقّ” ليس فعلاً مجرّداً متاحاً بالتساوي للجميع، بل هو مشروط بالسلطة والمكانة والنوع الاجتماعي.

يفترض المبدأ السابق، أن المجال العامّ متاح لكلّ الأصوات، على اختلافها واستقطابها، أصوات محميّة للتعبير، ومضمون “مقاضاتها” في حال تجاوزت “قوانين” الفضاء العامّ، لكنّ النساء، وخصوصاً اللواتي دفعن ثمن الصمت في سنوات الحرب في سوريا، يعرفن أن هذه المساواة مجرّد وهم، فعندما تُهان امرأة أو يُشهّر بها لأنها تجرّأت على الكلام، نادراً ما نجد ذلك “المسلك الأخلاقي” حاضراً لدى من يطالبون بقول الحقّ، بل يختبئون خلف حياد لغوي بارد أو دعواتٍ للتعقّل. وهكذا، يتعثّر “قول الحقّ” حين تكون الضحيّة امرأة.

الثنائيات المريحة والمسكوت عنه

يقول الحاج صالح إنه يسعى لتجاوز “المسلكين الهائجين” اللذين يجسّدهما “الطبّالون والمكيودون”، لأن كليهما يصدر عن “تعصّب ديني أو شبه ديني ينعكس في عنف لفظي ونفسي شديد”.

بهذا التشخيص، في هذا الطرح، يعكس الحاج صالح بنية الاستقطاب ذاتها التي يحاول نقدها، حين يجعل الخلاص الأخلاقي محصوراً في موقع المثقّف العاقل. إلا أن هذه الثنائية، رغم بلاغتها، تُعيد إنتاج التراتب القديم بين “العقلاني” و”المنفعل”، بين “المتكلّم” و”المتكلَّم عنه”.

لا شكّ في أن الحاج صالح من أكثر من حاولوا مساءلة اللغة والسلطة في السياق السوري، لكن حتى الخطابات التقدّمية تقع أحياناً في أسر البنى التي تنتقدها حسب تعبير جوديث باتلر، فهذه الثنائية “المحايدة” تعبّر عمّا يسمّى “اقتصاد القول والاعتراف”، أي النظام الذي يوزّع القدرة على النطق وفق هرم اجتماعي يحدّد من يُسمَع ومن يُقصى.

في هذا الخطاب، تحضر النساء لغوياً (الحائرات) لكن يُغيّب حضورهن المعرفي. يُنظر إليهن كرمز للحيرة والصمت، لا كمصدرٍ للفكر أو الفعل السياسي. وفي المقابل، ما تفعله النساء السوريات اليوم من توثيق ورعاية وتعليم وحماية وبناء حياة جديدة، هو تطبيق حيّ لما تسمّيه نانسي فريزر “العدالة التواصلية”، أي الاعتراف بالفاعلين غير المسموعين كمنتجين للمعنى. هؤلاء النساء لا يشاركن في جدل “من الأحقّ بالحقّ”، بل يمارسن العدالة فعلاً، في الميدان والحياة اليومية، بصمت فعّال ومثابر.

من يمتلك حقّ “قول الحقّ”؟

يقول الحاج صالح: “نقول الحقّ هنا والآن لأننا لا نعلم ما قد يحدث فيما بعد. قد نموت، وقد ينتهي العالم… “لكنّ الحقّ لا يُقال في الفراغ، بل داخل بنى السلطة والأمان والمكانة”، من يستطيع قول الحقّ هو من يملك الشرط الرمزي للاعتراف. مثقّف يمتلك منبراً آمناً يستطيع قول الحقّ بأمان نسبي، بينما امرأة تُعلن عن تعرّضها للعنف تواجه التكذيب والتشهير. هذه المفارقة تذكّر بما تسمّيه سوزان برايسون “سياسات التصديق”، أي النظام الذي يقرّر مسبقاً من يُصدَّق ومن يُعتبر “منفعلاً”. فما يُعدّ شجاعة فكرية لدى رجل، يُصنّف تهوّراً عند امرأة.

وحين كتب الحاج صالح أن “علوّ صوت الطبّالين والمكيودين يحجب وجود الحائرين والحائرات”، كان محقّاً في الإشارة إلى الفئة الصامتة، لكنّه لم يشر إلى أن هذا “الصمت” لدى النساء خصوصاً، ليس حيرة بل استراتيجية بقاء وفعل. الكثير من النساء اخترن إعادة بناء ما تهدّم، أنشأن مبادرات للتوثيق والمساءلة، أدرن مراكز دعم، وخلقن فضاءات تضامن رقمية تتجاوز الرقابة والحدود. إنهن لا يطبّلن ولا يكدن، بل ينسجن العدالة من تفاصيل الحياة اليومية.

وهنا أيضاً مشكلة “استراتيجيّة بقاء” لا تعني فقط أن المجال العامّ “مسموم” وممتلئ بالتهديد، وأن المرأة (كما الرجل) في حالة سوريا محرومة من الممارسة السياسية ضمن إطار الدولة، ودورها يقتصر على الماريونيت لإرضاء الكوتا المتواضعة، بل يعني أن نساء سوريات خاضعات لتهديد قد يودي بحياتهن لا فقط أصواتهن، والصمت هنا تظهر فيه “النجاة” كفعل ذي أثر مادّي لاستمرار حياة المرأة في ظلّ اللا نظام في سوريا والتهميش، الحياة بمعناها المادّي والجسدي التي تحوّلت إلى مادّة للاستعراض وصراع القوى، سواء كانت المرأة ضحيّة أم ناجية، أي بعد الثورة والإطاحة بالأسد، ما زالت النساء يقدّمن تنازلات للبقاء على قيد الحياة، لا الانخراط في الحياة السياسية بمعناها السيادي لا الخدمي والتشغيلي.

الإدانة والتحليل: غضب النساء عقل آخر

يُحسب للحاج صالح أنه يحاول دائماً وضع حدود واضحة بين التحليل والإدانة، لكن في واقع النساء، لا يمكن فصل الاثنين، فالإدانة هي التحليل ذاته، لأن الجريمة لا تكمن فقط في الفعل، بل في الثقافة التي سمحت به.

تُبيّن كارول جيليغان أن الأخلاق النسوية تقوم على “أخلاق الرعاية”، أي الإصغاء والتعاطف والمسؤوليّة المشتركة، لا على إصدار الأحكام من علٍ. أما أودري لورد فترى أن غضب النساء ليس تدميراً، بل طاقة معرفية تكشف حدود العدالة المزعومة.

غضب النساء، إذاً، ليس نقيض العقل، بل شكله الأصدق في مجتمع يطلب منهن الصمت باسم “السلم الأهلي”، والاختبار الحقيقي لشعار “قول الحقّ هنا والآن” لا يكون أمام السلطة فقط، بل أمام المجتمع ذاته. فالسلطة تعاقب الجسد، أما المجتمع فيعاقب السمعة، وحين تتعرّض كاتبات وناشطات للتشهير، قلّما يقف المثقّفون الذين يرفعون شعار العدالة إلى جانبهن، ذلك الصمت، كما كتب الحاج صالح نفسه “يسري مسرى السمّ في الجسد”.

“العدالة التواصلية”

ربما لا يكفي اليوم أن نبحث عن “المثقّف العاقل”، بل عن الإنسان المتضامن. لقد قدّمت النساء شكلاً جديداً من السياسة والأخلاق، قائماً على الإصغاء والرعاية وعدالة التشارك التي لا تقوم على التفوّق الأخلاقي، بل على الاعتراف المتبادل بالكرامة والضعف الإنساني.

نحن المخذولات الفاعلات، اللواتي خلقن مساراً رابعاً قائماً على العدالة التواصلية، العدالة التي تتحقّق حين تُسمع كلّ الأصوات لا حين يُحكم باسمها. لم ننتظر أن يُسمح لنا بالكلام، بل صنعنا فضاءنا الخاصّ، حيث الإصغاء فعل مقاومة، والاعتراف علاقة متبادلة.

مسارنا لا يرفع شعارات النقاء الأخلاقي، بل يمارس الأخلاق يومياً. لا يطلب التصفيق من النخبة ولا ينتظر اعتراف المؤسّسات، لأن شرعيته تأتي من الصمود في وجه الصمت.

كثيرات نحن، وأصواتنا متعدّدة ومختلفة، قرّرنا أن نصنع هذا الطريق بأيدينا، طريقأً يعرف أن العدالة ليست توازناً بين الغاضبين، بل انحياز لمن لا يُسمع صوتهن. طريق يعرف أن قول الحقّ لا يُختبر في مواجهة العدوّ فقط، بل في مواجهة الصديق، أي “السياسة” بمعناها الصرف، نحن اللواتي نحاول أن نجعل من العدالة علاقة حيّة، ومن قول الحقّ ممارسة يومية.

كثيرات نحن، اللاتي قرّرن إعلاء الصوت لا لأننا ندّعي تمثيل النساء، وكثيرات منّا ذوات أصوات “مسموعة”.

نقول ما يمليه علينا التعاطف، أي أن نكون مكان “الضحيّة”، تلك التي صودر صوتها وتصمت نجاةً. نحن اللاتي لن نسكت وإن نُعتنا بـ”الهاربة مع شريك عاطفي، والهيستيرية، والموتورة”… وسنقول الحقّ “الآن وهنا” لأن غيرنا صمتن “نجاةً” لا خوفاً.

درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى