أطايب حلب/ عبير داغر اسبر

28 أكتوبر 2025
اسمها رامان، صبيّة من حلب، تعارفنا في جامعة دمشق، درسنا معاً في كلية الآداب. إن كان للقدّ الميّاس من تعريف، فهو قدّها الذي رقّ وراق لهشاشتي. أخذتني رامان إلى بيتها مدروز القلب والأطراف باللهجة الحلبية، الفوّاح برائحة المطابخ ومسيقاها، والتي لم يتوقّف فيها تحضير “الكبّة” بأشكالها وألوانها معاً.
لرامان أمّ حلوة، ليست كالأمهات اللواتي اعتدتُ على رؤيتهنّ، محزوناتٍ بشَعرٍ شائب وذكرى البِكر المسافر أو الأب الفقير. لأمّ رامان رائحة الصباح المتمطّي على مهل، تشبه الدفء المتسرّب من الكعك المخبوز بالحبّ، أبيضَ قشديّاً، دافئاً، مرحاً ولعوباً. تلبس أمّ رامان العباءات، ومباريم الذهب التي تعكس الضوء على بياضها. هي صارمة لكونها أمّاً، لكنها حنون، تعرف دائماً ما الذي يحبّه “الرجاِل” وتلفظها كما يلفظها أهلُ حلب “المدينة”. أحبّتني أمّ رامان التي لم أجرؤ أن أناديها بـ”خالة” أو “تانط”، لأنها أصبى من الصِّبى، لكنها أحبّتني أكثر عندما عرفت أن لا أمّ لي تعدّ الكبّة.
أتذكّر تماماً متى اكتسبت تلك العادة “البديعة” التي أضافت إليّ من فيضها نوراً على نور، بحيث بعد اكتسابها ارتفعت شعبيّتي بين المضيفين، والكرماء، وأصحاب البيوت المفتوحة. اعتنقت تلك العادة، قلّدتها. بعد كل عزيمة، أو دعوة عرمرمية على الغداء أو العشاء، إذ اعتادت أمّ رامان أن تحضر لي علبة الأطايب، تفتحها وتضع فيها قطعاً من كلّ ما تناولناه عندها، تحملني إياها قائلة: “بلكي اشتهيتِ لقمة، بتلاقيهن عندك”.
فالشهوات غير المحقّقة لأمّ رامان غير مسموح بها، فتغرقك بأكلها وصرامتها وحنانها المدروس.
سأكبر وسأتعلّم أن أطبخ قليلاً، وسأدعو من أحبّ إلى بيتي ومطبخي أكثر، وسأحمّل ضيوفي علبةً، أتمنى أن تكون علبةً للأطايب. أعلم أن الأمهات قد يكنّ جميلات، وأعلم أن كثيراتٍ منهنّ ربما يحمّلنك من طعامهنّ، لكن أن تقترب من روحك سيّدة تحفر على وجهها وجسدها وطعامها اسم مدينة، فذاك لن يحصل كثيراً.
لكنها حلب، قليلا ما تغادر أبناءها، قليلا ما تغادر لهجتهم، وتمرينات أصابعهم على الحَشْو، والفَرْك، و”المَرْت”، والهرس. أعرف حلب، لا أحبّ طعامها فقط، بل عمارتها، مطاعمها الصغيرة والكبيرة، الشعبية والعريقة، المعروفة والمخفية، أرمنها وكُردها وعمارتها وموسيقاها، تحفّظها وانفتاحها المتداخلين بشيفراتٍ لا يحلّها غريب.
كم من العمر يلزمكِ، يا مدنُنا، كي نفحص خلاياك ونفهم تلك التراكمات المردومة، أسطورةً فوق أخرى؟ كم من القلوب يكفي كي يتّسع لكلّ هذا الغرام للبيوت والطُّعوم والتاريخ؟ حلب مدينةٌ يلزمها عمرٌ فوق العمر ليكفيها حبّاً.
في حلب، حتى الهواء له قوامٌ أثقل من النسيم، كأنه مرّ يوماً من فوهة فرنٍ حجريّ في حيّ الجديدة، فالتصق به شيء من الدهن والعجين ورائحة السماق.
سوق الزرّاعات، سوق العطّارين، خان الحرير، خان الوزير، وسوق السقطية حيث يتقاطع صوت النحاسين بموسيقى المطارق، وصوت المؤذّن بموجةٍ من الموشّحات التي تخرج من دكّانٍ يبيع الصابون والغار. هناك، يتحدّث الناس بالمقام لا بالنبرة، فالتحية تبدأ على درجة “البيات” وتنتهي في “النهوند”، وبينهما مساحة من الحنان والرقة والافتتان.
حلب، التي تنضجك بقربها، التي تسألك من أين أتيت، لا لأنها تفهم الغرباء، أو تحبّهم، بل لتتأكّد كم من طريق عليهم أن يمشوا ليجدوا حلب فيهم، لكنك حين تطبخ لأصدقائك في مدينةٍ بعيدة، تدرك أنك أصبحت منها، وأن ما في يدك ليس طعاماً، بل أثرُ مدينةٍ كاملةٍ، علّمتك أن تُحبّ الحياة عبر ،منح الغرباء، علب مليئة بالأطايب.
العربي الجديد



