البشر يصنعون طغاتهم بأنفسهم… العبد السعيد يحرس سجنه/ سالي علي

28 أكتوبر 2025
ليست الحرّية مجرد شعار يُرفع في الساحات، ولا صرخة غضب عابرة تخرج من الحناجر. الحرّية كائن حي، طائر حرّ لا يطيق القفص، ولا يتحمّل الأغلال مهما كانت مطلية بالذهب. وأول شروط الحرّية أن يرغبها المحرومون منها، ويناضلوا للحصول عليها. وبمجرّد كسر قضبان القفص، يرفضون العودة إليه مهما كان بداخله من فتات الخبز.
الطغاة عبر التاريخ حاولوا كل أدوات البطش؛ السجون، المقاصل، النفي، الإذلال. لكنهم فشلوا دائماً في قتل فكرة الحرية نفسها. ما استطاعوا فعله هو زرع أشخاص بعقول مقيدة، بشر اعتبروا العبودية فضيلة، ابتسموا لقيودهم وصفقوا لجلادهم، ورأوا في السجن حماية لا خطراً. هؤلاء هم العبد السعيد، أخطر من الطاغية نفسه، لأنه يطيل عمر الطغيان من حيث لا يشعُر، ويقف في وجه المتمردين باسم الحكمة أو الدين أو الواقعية. هؤلاء لا يحتاجون لأوامر ليخونوا الحرية، إنهم يفعلون ذلك طواعية وبابتسامة.
وهنا تبدأ حكاية سورية، فالثورة السورية لم تكن مجرد انتفاضة ضد بشّار الأسد، بل انفجاراً لمكبوتات عقود من القمع، وصرخة ضد فكرة العبد السعيد التي ترسّخت في المجتمع السوري نصف قرن. في مارس/ آذار 2011، حين خرجت درعا لتنادي بالحرّية، كان الرصاص هو الرد الفوري. ومع ذلك، استمرّت المظاهرات، وتمدّد الحلم. لكن الجموع بينما كانت تهتف للحرية وقف آخرون متشبثين بالخوف والمصلحة والطائفية في صف النظام البائد، يبرّرون جرائمه ويصفون الثوار الأوائل الحقيقيين ممن ملأت أصواتهم شوارع دمشق، درعا وحمص بالمندسين والخونة. هؤلاء لم يكونوا ضحايا إعلام مضلل فقط، بل كانوا تجسيداً حياً للعبد السعيد، الذي يرى في العبودية طمأنينة وفي الحرّية خطراً. توزّع هؤلاء على شرائح متنوعة، فالبعض غلبتهم المصالح، وكان “دكّانهم” يبيع جيداً وكل ضجيج أمامه سيخفّض المبيعات، والبعض غلبتهم أساطير الخوف الطائفية، فاسترجعوا حكايات الأجداد عن القتل بالساطور، وجز الرقاب بالسكاكين، ورأوا في الآخر عدواً بديهياً، يجب محاربته مهما كان رأيه وتموضعه، طالما أنه أراد الخروج من مزرعة العبيد، وكسر ثغرة في السور.
إذا تأملنا العقد الماضي، نرى أن الأسد لم يصمد 14 عاماً بقوته الذاتية، ولا حتى بقوة حلفائه، بل بالحاجة إلى جمهور ارتضوا أن يكونوا حراساً لسجنه. الإعلام الرسمي، النقابات الخاضعة، بعض مشايخ الدين الذين باركوا القتل باسم “الأمن” أو “الممانعة”، أو ضرورة طاعة الحاكم، و”ألف عام من الظلم خير من يوم فتنة”. كل هؤلاء كانوا حرّاساً لسجن لا يعرفونه لأنهم بداخله، اعتادوا عليه وألفوه حتى صاروا يحبونه. وطنّوا ان الحياة لا تستمر خارجه. الطغيان لم يكن ليستمر لولا وجود هؤلاء العبيد السعداء، الذين يقمعون الثائر قبل أن يقمعه الجندي. لم تكن الثورة ضد الأسد فقط، بل أيضاً ضد الفكرة التي جعلت السوري البسيط يخشى الحرّية أكثر مما يخشى السجن.
اليوم وبعد سقوط النظام في نهاية 2024، دخلت سورية مرحلة جديدة لم تتضح ملامحها بعد. الفرحة التي عمّت المدن المحررة، الهتافات التي صدحت في دمشق وحلب وحمص، عقب انسحاب قوات النظام، كلها لحظات تاريخية لا يمكن إنكار عظمتها. لكن سقوط الطاغية وحده لا يكفي كي نقول إن سورية تحرّرت! أعظم ثورة ليست التي تسقط الطاغية، بل التي تسقط حبَ الطغيان من القلوب، وهنا التحدّي الأخطر أمام السوريين.
بعد أربعة عشر عاماً من القتل والتدمير، سورية منهكة، أكثر من ستة ملايين لاجئ، أكثر من سبعة ملايين نازح داخلي، بنية تحتية مدمرة، اقتصاد منهار، عشرات آلاف المعتقلين والمفقودين، وحصيلة ضحايا تجاوزت مئات الآلاف. هذه ليست مجرد أرقام بل أرواح وعائلات وحكايات مأساوية. سقوط الأسد لا يعيد هذه الأرواح ولا يمحو الدماء من شوارع داريا أو دوما وحتى إدلب. ولكن أخطر ما يواجه سورية اليوم ليس إعادة الإعمار أو معالجة الجراح، بل خطر بقاء عقلية العبد السعيد، كثيرون اعتادوا على فكرة أنّ الاستقرار بأي ثمن أفضل من الحرية التي قد تجلب الفوضى. قناعة تبدو مبرّرة بعد عقدٍ من الدم، لكنها بذرة قد تعيد إنتاج الطغيان. إذا قبل الناس حكماً جديداً لأنه يوفر خبزاً وأماناً وهمياً ولم يطالبوا بالكرامة والعدالة، فإنهم سيكتبون المأساة نفسها بوجهٍ جديد. وحولوا أنفسهم إلى حرّاس للسجن، استعاروا ملابس الحراس القدماء الهاربين وعباراتهم وأفكارهم، وصاروا يكرّرونها على أنها عبارات قادمة من خارج السجن.
لا تزال الثورة السورية في منتصف الطريق. لا يعني سقوط الطاغية تحقيق غايتها، ما لم يسقط حب الطغيان من القلوب، وكما هي القاعدة الرياضية، سقوط الطاغية شرط لازم وغير كافٍ للانتقال إلى بلد جديد، وتاريخ جديد. وما لم يتوقف العبيد السعداء عن التصرّف عبيداً سعداء، فسيظهر بشّار آخر، أذكى وأكثر بطشاً، وربما بغطاء ديمقراطي شكلي أو دعم دولي ليعيد إنتاج الاستبداد بأدوات ناعمة. لقد شاهدنا هذا السيناريو في دول عديدة حيث سقط الطغاة ليعود الاستبداد بوجه جديد.
التحدّي الأكبر اليوم ليس صياغة دستور أو حكومة انتقالية، بل إنتاج وعي جمعي يرفض العبودية مهما تلوّنت. المطلوب ثورة في العقول لا تقل عن الثورة في الشوارع. الحرّية ليست رغيف خبز، وليست أماناً هشّاً تحت جناح المستبد، بل القدرة على أن يعيش الإنسان بكرامة، ويقول “لا” لمن يحاول استعباده، وبالإشارة إلى الخطأ، كبيراً كان أم صغيراً، والصراخ بوجهه بهدف تصويبه.
تعلّمنا التجارب الإنسانية أنّ التحرّر الحقيقي يتطلب تحوّل الوعي الجمعي؛ جنوب أفريقيا لم تتحرّر بسقوط نظام الفصل العنصري فقط، بل بتغيير الوعي نحو العدالة والمساواة. أوروبا الشرقية لم تخرج من الشيوعية بمجرّد سقوط الأنظمة، بل عبر بناء مؤسّسات مستقلة ومجتمع مدني نابض. سورية بحاجة لمسار مماثل، لكنها ما زالت تواجه إرثاً طائفياً دموياً، اقتصاداً منهاراً، وتدخّلات دولية متشابكة ومتصارعة المصالح.
اليوم، بينما تسعى الحكومة الانتقالية، بقيادة الرئيس المؤقت أحمد الشرع، إلى السيطرة، وتستمر مناطق تحت نفوذ قوى كردية وأخرى تركية، البلاد مقسّمة جغرافياً وسياسياً، وانعكاساً لانقسام في الوعي؛ هل السوريون مستعدّون لتجاوز عقلية العبد السعيد نحو عقلية المواطن الحر؟
تلوّح المساعدات الدولية بيدها من بعيد وتقول إنها قادمة في الطريق. لكن الخطر أن تبقى مجرّد تلويجة، ولا تصل، والخطر الأكبر أن تصل ثم تتحوّل إلى أكسجين يدعم أنظمة جديدة غير مسؤولة. إذا لم تصحب هذه المساعدات إصراراً على العدالة الانتقالية ومحاسبة مجرمي الحرب، فسيُعاد إنتاج الوضع نفسه تحت عنوان جديد. ليست العدالة رفاهية، بل شرط وجود. لن يعود ملايين النازحين إذا لم يشعروا بالأمان، والأمهات اللواتي فقدن أبناءهن لن يقبلن بخطابٍ سياسيٍّ يتجاهل آلامهن باسم المصلحة الوطنية. المطلوب مسارٌ مزدوج، بناء مؤسّسات جديدة وتجذير ثقافة الحرية.
يذكّرنا العبد السعيد بأن الطغاة لا يستطيعون قتل الحرية، لكنهم قادرون على زرع عبيد سعداء يطيلون عمر الاستبداد. التحدّي الحقيقي أمام سورية اليوم ليس مجرّد إسقاط فكرة الطاغية، بل تحطيم ذهنية الخضوع، وغرس مواطنين أحرار يدركون أن الحرية هي الخلاص والكرامة، وليست قيوداً أو خوفاً.
لذا، في النهاية، الثورة السورية بعد سقوط الأسد تقف على حافة مصيرية. إما الانزلاق إلى إعادة إنتاج الاستبداد بأدوات جديدة، أو صناعة معجزة تاريخية تحوّل التضحيات المروّعة إلى ولادة مجتمع جديد يرتكز على الحرية والكرامة. المعركة اليوم لم تعد بنادق ودبابات، بل معركة وعي يُعيد تعريف معنى أن يكون الإنسان حرّاً في قلبه قبل أن يكون حرّاً في أرضه.
إذا انتصر وعي الحرية على وهم العبودية لن تذهب دماء الشهداء هدراً، ولن تُمحى ذكريات القمع، بل ستصبح وقوداً لإشعال فجر جديد لسورية. وستتحقق أعظم إنجازات الثورة حين يسقط حب الطغيان من القلوب، حين يرفض السوري العادي أن يكون عبداً سعيداً مهما تلوّنت القيود، وحين يصبح كل إنسان، صغيراً كان أم كبيراً، شاهداً فاعلاً على ولادة مجتمع يعبد الحرية لا الطغيان.
الحرية هنا ليست وعداً ولا ترفاً، إنّما هي شرط وجود حقيقي، القدرة على أن تقول “لا” للقهر، والقدرة على أن تحلم بالكرامة حتى في أحلك الظروف. وهكذا ستتحوّل الثورة السورية من حدث تاريخي إلى درس خالد في صمود الروح، وصناعة الإنسان الحر الذي يعرف أن قيوده ليست أصفاداً إذا رفضها في عقله قبل أن يرفضها في الواقع.
العبد السعيد يذكّرنا بأن الطغاة لا يستطيعون قتل الحرية، لكنهم قادرون على زرع عبيد سعداء يطيلون عمر الاستبداد. التحدّي الحقيقي أمام سورية اليوم ليس مجرّد إسقاط فكرة الطاغية، بل تحطيم ذهنية الخضوع، وغرس مواطنين أحرار يدركون أن الحرية هي الخلاص والكرامة، وليست قيوداً أو خوفاً.
العربي الجديد



