تشكيل الحكومة السورية الجديدةحل الأخوان المسلمينسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

السجال حول جماعة الإخوان المسلمين في سوريا -مقالات مختارة- 28 تشرين الأول – 07 تشرين الثاني  2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي:

حل الأخوان المسلمين

—————————

 العيش المشترك أم العودة الناعمة؟ قراءة في وثيقة الإخوان المسلمين في سوريا/ ماهر حسن شاويش

2025.11.01

تأتي وثيقة “العيش المشترك” التي أصدرتها جماعة الإخوان المسلمين في سوريا في أكتوبر/تشرين الأول 2025 في لحظةٍ بالغة الحساسية من تاريخ البلاد، بعد سقوط نظام الأسد وبداية مرحلة إعادة بناء الدولة والمجتمع.

الوثيقة تبدو، للوهلة الأولى، بيانًا وطنيًا جامعًا يدعو إلى تجاوز الانقسامات، وإرساء أسس السلم الأهلي، والاعتراف بالتعددية الدينية والعرقية. لكن قراءةً متأنية تكشف أنها ليست نصًا قيميًا فحسب، بل أيضًا وثيقة سياسية تعبّر عن تحوّل في لغة الجماعة.

من هنا ينبع السؤال المركزي لهذه القراءة:

هل تمثل الوثيقة تحوّلًا فكريًا حقيقيًا نحو مشروع وطني مدني؟ أم أنها تعبّر عن “عودة ناعمة” للجماعة إلى الحياة العامة عبر بوابة المجتمع المدني وبخطابٍ أكثر قبولًا؟

ملامح الخطاب الجديد

تُظهر الوثيقة تحوّلًا واضحًا في اللغة المستخدمة مقارنةً بأدبيات الإخوان السابقة. فقد غابت تقريبًا مفردات مثل “التمكين” و”الحاكمية” و”المشروع الإسلامي”، لتحلّ محلها مفاهيم مدنية وإنسانية مثل: العيش المشترك، العدالة، المواطنة، الأخوّة الإنسانية، الدولة الديمقراطية، سيادة القانون.

وتُقدَّم الآيات القرآنية بوصفها مرتكزًا للقيم الإنسانية العامة، لا كمرجعية تشريعية ملزمة للدولة.

هذا التحوّل اللغوي يعكس انتقالًا من الخطاب الدعوي إلى الخطاب القيمي، ومن المرجعية الإسلامية المغلقة إلى المرجعية الإنسانية المفتوحة.

وهو تحوّل يمكن أن يُقرأ على مستويين:

    إمّا أنه مراجعة فكرية حقيقية استوعبت الجماعة من خلالها دروس الفشل السياسي.

    وإمّا أنه تحوّل تكتيكي يهدف إلى تليين الخطاب بما يناسب المناخ السوري والدولي الجديد.

المجتمع المدني كأداة مركزية

تخصّص الوثيقة مساحة واسعة للحديث عن منظمات المجتمع المدني، وتمنحها دورًا محوريًا في بناء الهوية السورية المشتركة، وإطلاق مبادرات الحوار الوطني والمصالحة، ونشر ثقافة التعايش، وإنتاج خطاب إعلامي وفني هادف.

هذا التركيز ليس تفصيلًا عابرًا، بل يعكس إدراك الجماعة أن المجتمع المدني هو بوابة العودة الأكثر أمانًا وشرعية إلى المجتمع السوري.

فالعمل المدني يسمح لها بإعادة نسج العلاقات المجتمعية بعد عقودٍ من القطيعة، واستعادة الثقة من خلال نشاطات خدمية وثقافية وتعليمية، والظهور في الحياة العامة من دون الاصطدام بالسلطات الجديدة أو إثارة حساسية القوى الأخرى.

وبهذا المعنى، يصبح المجتمع المدني وسيلة استراتيجية ناعمة للعودة أكثر منه هدفًا بحد ذاته.

البعد الاستراتيجي والبعد التكتيكي

يمكن تمييز مستويين في الوثيقة:

    البعد الاستراتيجي: محاولة الجماعة إعادة تعريف ذاتها كفاعل وطني مدني ذي مرجعية قيمية، لا كحركة إسلامية تسعى إلى السلطة. وهذا تحوّل طويل الأمد قد يعكس استجابة حقيقية للتغيرات في البيئة السياسية والاجتماعية السورية والعربية.

    البعد التكتيكي: استخدام خطاب العيش المشترك والعمل المدني كأداة لإعادة التموضع الاجتماعي والسياسي. فالجماعة تدرك أن العودة المباشرة إلى السياسة لن تكون مقبولة، لذا تختار طريقًا تدريجيًا وهادئًا يعيدها إلى المجتمع أولًا، على أمل أن يُمهّد لحضورٍ سياسي لاحق.

الوثيقة لا تنفي أحد البعدين، بل تبقي الباب مفتوحًا بينهما؛ فهي لا تتخلى عن المرجعية الإسلامية تمامًا، لكنها تعيد تأطيرها داخل مفاهيم المواطنة والعدالة والتعددية.

بين التحوّل الحقيقي والسياسة المرحلية

يبقى السؤال الحاسم: هل يعكس هذا التحوّل في الخطاب تغييرًا جوهريًا في البنية الفكرية للجماعة، أم أنه سياسة مرحلية لتكييف الخطاب مع الواقع الجديد؟

هناك مؤشرات في الاتجاهين:

    دلائل التحوّل الحقيقي: القبول الصريح بمبدأ فصل السلطات، حرية الاعتقاد، التعددية السياسية، حصر السلاح بيد الدولة، وتمكين المرأة والشباب.

    دلائل السياسة المرحلية: غياب تحديدٍ واضح لموقع الشريعة في النظام القانوني، والتركيز المفرط على المجتمع المدني من دون توضيح العلاقة بين العمل المدني والحزبي، وطغيان اللغة الأخلاقية العامة التي قد تُستخدم لتلميع الصورة أكثر من كونها التزامًا فكريًا جديدًا.

من ثمّ، يمكن القول إن الوثيقة تعبّر عن تحوّل تكتيكي بملامح استراتيجية: ليست قطيعة فكرية تامة مع الماضي، لكنها تشير إلى اتجاهٍ إصلاحي تحاول الجماعة تثبيته على المدى الطويل.

بين دعوة الحلّ ومسار الاندماج المدني

بوصفي أحد من كتبوا سابقًا حول الدعوة إلى حلّ جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، كنت قد نشرت في أغسطس/آب 2025 مقالًا بعنوان “حلّ جماعة الإخوان المسلمين في سوريا.. دعوة صحيحة في توقيت خاطئ” على موقع تلفزيون سوريا، رددتُ فيه على مقالٍ للدكتور أحمد موفق زيدان في موقع الجزيرة، دعا فيه الجماعة إلى حلّ نفسها استجابةً لمقتضيات المرحلة الانتقالية.

يومها قلت إنّ الفكرة صحيحة من حيث المبدأ، لكنها خاطئة التوقيت، لأنها قد تُفسَّر كإقصاءٍ سياسي لا كمراجعةٍ فكرية.

ورأيت أن الخيار الأنسب هو التحوّل الطوعي للجماعة من كيانٍ تنظيمي مغلق إلى فاعلٍ وطني مدني منفتح على الشأن العام.

اليوم، وبعد صدور وثيقة العيش المشترك، أجد أنها جاءت، سواء بقصدٍ مباشر أم استجابةٍ ضمنية للمناخ السياسي والفكري العام، تعبيرًا عمليًا عن جوهر تلك الدعوة: لا الحلّ القسري، بل التحوّل المدني الهادئ.

فالجماعة تتبنى لغةً جديدة، إنسانيةً وقيمية، وتضع المجتمع المدني في قلب مشروعها، بما يشير إلى استعدادها للاندماج في المجال العام عبر أدوات ثقافية ومدنية بدلًا من الأطر الحزبية التقليدية.

بهذا المعنى، تمثل الوثيقة الشقّ العملي من الحوار الفكري الذي دار حول مستقبل الجماعة: زيدان دعا إلى الحلّ، وأنا دعوت إلى التحوّل، وها هي الجماعة تخطو خطوةً في ذلك الاتجاه، محاولةً أن تعيد تعريف وجودها داخل المجتمع السوري كفاعلٍ مدنيٍّ أخلاقي، لا كتنظيمٍ سياسيٍّ مغلق.

خاتمة

تمثل وثيقة “العيش المشترك” منعطفًا مهمًا في مسار جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، لأنها تجمع بين الخطاب الوطني المدني والطموح للعودة إلى قلب المجتمع.

إنها وثيقة إعادة تعريف بقدر ما هي إعلان نوايا: تحاول الجماعة عبرها أن تقدّم نفسها كجزءٍ من الحلّ الوطني، لا كمكوّنٍ أيديولوجي من الماضي، مستخدمةً أدواتٍ جديدة (المجتمع المدني، الخطاب الإنساني، قيم المواطنة) بدل أدواتها القديمة (الدعوة، التنظيم، الحاكمية).

لكن نجاح هذا التحوّل يبقى رهينًا بمدى صدق الجماعة في تبنّي المواطنة المتساوية فعلًا لا قولًا، وبقدرتها على العمل داخل المجتمع المدني بشفافيةٍ وشراكةٍ حقيقية، لا عبره كواجهةٍ بديلةٍ للعمل التنظيمي.

في المحصّلة، تمثل الوثيقة مزيجًا من التحوّل الفكري والاستراتيجية البطيئة للعودة: تحوّل فرضه الواقع، واستراتيجية تحاول التماهي معه.

إنها، في آنٍ واحد، دعوة إلى العيش المشترك… ومحاولة للعودة والمشاركة من قلب المجتمع السوري.

تلفزيون سوريا

————————————

الإخوان المسلمون ووصفة “العيش المشترك” لبناء سوريا الجديدة/ فيصل علوش

30 أكتوبر 2025

أصدرت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا مؤخرًا (18/10/2025)، رؤية سياسية وسمتها بعنوان “وثيقة العيش المشترك”، طرحت من خلالها رؤيتها لكيفية بناء الدولة والمجتمع في سوريا الجديدة، منطلقة من أنّ “إرادة العيش المشترك شرط لبناء المجتمعات المستقرة والمتماسكة”، وذلك بعد أن لاحظت أن العيش المشترك في سوريا يواجه تحديات جمّة نتيجة الصراعات والنزاعات التي ولّدتها الديكتاتورية التي حكمت بلدنا قرابة 60 سنة، وما خلفته في المجتمع السوري من آثار عميقة، بحيث بدأ يظهر خطاب يعزز من الانقسام المجتمعي، و”سيترك بصمته على الاقتصاد والحياة الاجتماعية والسياسية السورية، إن لم ينهض العقلاء لعلاج الأمر”.

وقد استندت الوثيقة إلى بعض آيات القرآن الكريم التي رأت أنها تعزز “الأسس الشرعية للعيش المشترك”، وتحضّ على “احترام الآخر والاعتراف به، والاهتمام بالتعامل معه وفق مبادئ التعاقد والعدالة والتعاون”، لافتة كذلك إلى دور الدولة في ترسيخ العيش المشترك، وذلك من خلال توفير الأمن لكل مكونات النسيج السوري، وحماية الحقوق والحريات وضبط التجاوزات، وإطلاق المبادرات لتعزيز الحوار والسلم الأهلي بالشراكة بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني.

“العيش المشترك” والجماعات المتراصفة

وفي الواقع، ثمة من يتحفظ على استخدام مفهوم العيش المشترك لوصف العلاقات التي ينبغي أن تقوم بين أبناء المجتمع الواحد، بحيث تبدو مكونات هذا المجتمع وكأنها جماعات صلبة وناجزة “منذ أبد الآبدين” تتراصف إلى جانب بعضها البعض، من دون أن تشكل نسيجًا اجتماعيًا واحدًا، وبالتالي فإن العلاقات في ما بينها تصبح شبيهة بالعلاقات التي يفترض أن تقوم بين الشعوب والدول؛ المتجاورة أو المتباعدة.

وعندما يذكر مصطلح “العيش المشترك” في منطقة بلاد الشام، فإن المثال الأقرب الذي يحضر على الفور هو لبنان، حيث كان يتغنى بعض اللبنانيين ببلدهم الذي يقوم على “إرادة العيش المشترك” بين مجموعاته الدينية والطائفية والأثنية، في حين تبدو الآن وصفة “العيش المشترك” اللبنانية قابلة للانفجار في أي وقت، ولقد سقطت بالفعل منذ بدء الحرب الأهلية في 13 نيسان 1975، هذا فضلًا عن الاستعصاء السياسي والعسكري القائم منذ التسعينيات، بتراكبه مع أبعاد أيديولوجية وفكرية تتصل بطبيعة النظرة إلى لبنان والدور الذي يمكن أن يلعبه في المنطقة.

وفي ضوء ذلك، تبرز أهمية التأكيد على أنّ العلاقات داخل الدولة الواحدة يفترض أن تُبنى ليس على قاعدة الاحترام والتآلف والمحبة والوفاق والمؤانسة فحسب، بل على الأسس والمبادئ الدستورية والقانونية والسياسية المعروفة التي تقوم عليها الدولة الوطنية الحديثة، وفي مقدّمها المواطنة المتساوية، وضمان الاحتكام إلى القانون والمؤسسات، وتأمين وضع تُحترم فيه الحقوق الأساسية للإنسان، وتشيع فيه الحريات والحقوق والعدالة، بما يوفر فرصة وجود بشر لديهم الاستعداد للتعاون والتعاضد فيما بينهم بوصفهم مواطنين أحرارًا، أولًا، وليسوا أدوات طيعة بيد أية جهة خارجية، ثانيًا.

“معايير تعضد العيش المشترك”

وعليه، فإن المرء يميل إلى الاعتقاد بأنّ أهم ما تضمنته وثيقة الإخوان هو تحديدها لـ”معايير تعضد العيش المشترك”؛ وهي بمجملها تتقاطع مع المعايير والمنظومات التي تُبنى وفقها الدولة الوطنية الحديثة؛ من قبيل أن تكون سوريا “دولة ديموقراطيّة تقوم على التعدديّة السياسيّة، والتداول السلميّ للسلطة، ومبدأ المواطنة، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات، وإلغاء المحاكم الاستثنائية ومنع تشكلها مجدّدًا”، وأن يكفل الدستور الحريّات العامّة والفرديّة، وحقّ تشكيل الأحزاب السياسيّة ومنظّمات المجتمع المدني، وأن يتساوى أبناء الشعب السوري في الكرامة والحقوق والواجبات، مع التأكيد على عصمة دماء وأموال جميع السوريين، وأن تكون “حرية الاعتقاد مصونة، وأن يكفل القانون الحرية الدينية للجميع، مع تجريم خطاب الكراهية والتحريض على العنف”، وأن يتمتع جميع السوريّين بحق المشاركة السياسيّة الكاملة، في إطار من التنافس السياسيّ وفق انتخابات حرّة ونزيهة.. الخ.

وعلى نحو مغاير لذلك، فقد سبق للجماعة أن دعت في بيان صادر عن مجلس شورى الجماعة في دورته الرابعة (7/8/2025)، إلى بناء “دولة مدنية حديثة ولكن بمرجعية إسلامية”، وهو ما أثار جدلًا في حينه لجمعه بين متناقضين؛ “الدولة المدنية والمرجعية الإسلامية”، حسب تعبير البعض، مشيرين إلى أن الجماعة يبدو أنها لم تعد تتحرج اليوم من الحديث عن المرجعية الإسلامية، (في ظل سلطة أتت من خلفية إسلامية)، في حين أنها لم تأت على ذكر هذه “المرجعية” في عام 2012، حين أصدرت وثيقة “عهد وميثاق” وتبنّت فيها صيغة الدولة المدنية، في محاولة منها لـ”تبديد المخاوف من الطابع الإسلامي للثورة آنذاك”.

والحال، فهنالك من يرى أن الأصل في المجتمعات هو التنوّع والتعدُّد، وتاليًا، التعايُش (الاضطراري أو الطوعي)، وبأن مبدأ “العيش المشترك” يعبر عن نزوع الإنسان (عامة) إلى تغيير طبيعته المتوحشة التي تقوم على مبدأ الغلبة والسيطرة والنهب والسلب والأخذ بالثأر، (كما في الحياة البدوية حسب وصف ابن خلدون)، وتحويلها إلى طبيعة اجتماعية مهذبة ومرنة وعاقلة وعقلانية تسودها المحبة والتواد والتآنس، بدءًا من العلاقات الضيِّقة داخل العائلة الواحدة والأصدقاء، وصولًا إلى العلاقات العامة بين الأقوام والشعوب والثقافات المختلفة، مرورًا، طبعًا، بالعلاقات التي تربط بين الجماعات والمكونات المختلفة داخل المجتمع الواحد.

لكن، وعلى افتراض صحة هذا المبدأ نظريًا، فإن المشكلة سرعان ما تبرز لدى اختباره العملي على أرض الواقع؟ فالعلاقات بين الدول لا تحكمها المبادئ الأخلاقية المجردة، وكذا الأمر بالنسبة للعلاقات بين الجماعات البشرية داخل بعض الدول التي أخفقت في بناء نفسها وفق المعايير والمنظومات الحديثة، ومنها بعض دولنا العربية، التي توشك أن تتحول إلى أقوام وقبائل وطوائف وعشائر؛ (سنية وشيعية ودرزية وعلوية ومسيحية وكردية وأمازيغية…)، متصارعة ومتحاربة فيما بينها، ومرتهنة في الوقت نفسه لأطراف خارجية، بعضها يُعدّ عدوًا تاريخيًا لشعوب هذه المنطقة، مثل إسرائيل.

تشكيك وطعن في المصداقية

وإلى ذلك، فإن معظم الملاحظات والانتقادات التي وجهت إلى “الوثيقة” ركزت على التشكيك والطعن بمصداقية “الجماعة” التي أصدرتها، إذ يرى كثيرون أنها لم تعتد على التشارك والتعايش مع الآخرين واحترام حق القوى السياسية المختلفة بالوجود والتعبير عن نفسها، كما أنها عمدت في كثير من الأحيان إلى التصرف بمفردها وبما يتناسب مع مصالحها الحزبية الضيقة، مع نزوع إلى محاولة الاستئثار والتفرد، والسيطرة إن أمكنها، وخصوصًا في الهيئات المعارضة التي انبثقت بعد العام 2011، على نحو “لم تترك فيه لنفسها صاحبًا”، كما يقول البعض.

وهي تسعى الآن بشتى السبل إلى التموضع كأحد الفاعلين السياسيين في المشهد الحالي، في وقت تحوط فيه الشكوك حول مستقبلها السياسي، (بعد سقوط الحكم الأسدي)، وخصوصًا بعد دعوة الجماعة إلى حلّ نفسها، من قبل مستشار الرئيس السوري للشؤون الإعلامية، أحمد موفق زيدان، وسعي بعض الدول العربية إلى إقصاء “الجماعة الأم” بشتى فروعها من المشهد السياسي العربي، مترافقًا مع تلويح بعض العواصم الغربية بتصنيفها كتنظيم إرهابي.

وعلى ذلك، فهي تتجنب الصدام مع الإدارة الجديدة، وتكتفي بتقديم ملاحظات ضمنية أو خجولة وغير مباشرة لما تقوم به. وعلى سبيل المثال، فإن وثيقة “العيش المشترك” توحي بأن ما فعلته السلطة في الأشهر الماضية هو ما شكل تهديدًا للسلم الأهلي والعيش المشترك في سوريا، ولكن من دون أن تأتي على ذكر المجازر التي حصلت في الساحل والسويداء، بل ولعلّها حاولت استرضائها حين دعت إلى “مكافحة الخارجين على الدولة ونظامها العام، ووجوب الامتناع عن نصرتهم أو حمايتهم”.

فهل سيشفع لها ذلك؟ أم أن السلطة الجديدة تدرك بقرارة نفسها أنّ سياساتها الصدامية وحملاتها العسكرية التي جردتها ضد بعض المكونات والمناطق، انعكست سلبًا على مصالح السوريين عمومًا، الذين تعبوا من الحروب وباتوا يميلون إلى الهدوء واستتباب الأمن والاستقرار، وبما يوفر المناخ المناسب أكثر للاستثمار والانطلاق في عملية إعادة الإعمار، ويحقق بالتالي مصالحهم ويطمئنهم على مستقبلهم ومستقبل أعمالهم، وهو ما يصحّ خصوصًا على أبناء المدن الكبرى ورجال المال والأعمال فيها، الذين تبدو “الجماعة” حاليًا، (بخطابها المعتدل، بصرف النظر عن الأسباب والدواعي التي تدفعها لتبنيّه)، أميل وأقرب إلى تمثيلهم والتعبير عن مصالحهم.

ولعل ذلك هو ما تخشاه السلطة التي تنظر إليها كتحدٍ كبير، في ظل قدرتها على منافستها على القاعدة الاجتماعية (السُنّية) في المدن الرئيسة، وهو ما قد يدفعها إلى التشدّد أكثر في الدعوة إلى حلّها.

الترا سوريا

———————————–

==============================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى