العزل الأخلاقي غير كاف لفنانين سوريين/ محمد أمين

04 نوفمبر 2025
ربما لم يكن مستغربا إصرار ممثلين ومخرجين على وضع أنفسهم في دائرة الانتقاد، بل والشجب بعد سقوط نظام الأسد، فكثيرون منهم هم نتاج مرحلة الاستبداد، وثمارها الفاسدة.
موجعٌ فتح ملف الفنانين السوريين في كل مرة يدافع فيها أحدهم عن النظام البائد، أو يتحسّر على أيامه، أو يلمح أو يفصح عن ذلك، أو يوجّه سهام النقد لعهد جديد يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من وطنٍ مدمّى اسمه: سورية. يدرك تماماً الملمّ بتفاصيل المشهد الفني، والذي يعرف جانبا كبيراً من أسراره، أسباب هذا الغلو لدى من يدافعون عن المرحلة الأكثر قتامة في تاريخ سورية المعاصر، فالنظام البائد قرّب النماذج السيئة وظهّرها في كل المهن، سيما المتعلقة بالإبداع. مواهبُ كثيرة في صنوف الإبداع، دُفنت أو طويت بسبب عدم قدرتها على ممارسة “الخبث”، والمخاتلة الأمنية والحزبية والطائفية والأسدية. وحدهم الذين يجيدون التزلّف والنفاق تصدّروا المشهد طوال أكثر من نصف قرن، سيما في العقدين الأخيرين اللذين كانا الأكثر وضوحاً في القمع. الناجون قليلون من الحرب القذرة التي شنّها النظام البائد على الفن والثقافة السورية، ومنهم من مات بغربته كمداً ولم يجد قبراً في وطنه.
خلال سنوات الثورة والحرب، انحدر مستوى الفن والثقافة في سورية، إلى دركٍ متدنٍّ، فسقط ممثلون ومخرجون وكتّاب كثيرون من عيون السوريين. لست هنا في وارد التطرّق إلى أسماء بعينها، فهم يصرّون دائما على تذكير الناس بهم من خلال برامج حوارية تافهة تبثها فضائيات عربية، لا عمل لها إلا إلهاء الناس وقتل أوقاتهم بالسفاسف.
خلال سنوات الثورة، دافع فنانون سوريون كثيرون عن سردية النظام البائد الكاذبة عما يجري في البلاد. أُنتجت مسلسلات وأفلام رديئة فنيا (وهذا ليس مستغربا)، كانت أخطر على السوريين من صواريخ الأسد وبراميله. تبرير الجريمة ربما في بعض الأحيان أخطر من الجريمة بحد ذاتها. وصل الأمر إلى الاستخفاف والاستهزاء الفاقع بمآسي الأطفال والنساء ومن ضحايا الأسلحة الكيميائية التي قصف بها الأسد الفارّ مناطق سورية كثيرة، وبخاصة في غوطتي دمشق. ربما الأثر العميق السيئ الذي خلّفه النظام البائد في الشخصية السورية والخراب الأخلاقي الذي تركه، أشدّ مضاضة على راهن سورية ومستقبلها من القصف والقتل بالبراميل والغازات السامة، أو في الأقبية التي لم تحص عددا حتى هذه اللحظة، ففي كل يوم تُكتشف مقبرة أو نفق رُميت فيه أجساد.
كان 8 ديسمبر (2024) كابوسا على فنانين سوريين كثيرين. سقطت ورقة التوت الأخيرة عنهم. هم عراة اليوم أمام الجمهور كما كانوا دائما أمام أنفسهم، فالرئيس الذي كان يدافعون عنه ويرونه “لطيفا”، فرّ تحت جنح الليل متخفيا تحت الغطاء الروسي الأسود، بعد أن أحرق البلاد والعباد. والنظام “القوي”، في نظر مؤيديه والمدافعين عنه، سقط كتينة يابسة عفنة عندما اقتربت ريح الثورة منه. لم يجد بعض منهم إلا اللحاق بسيده والهروب عبر الحدود. مفارقة رائعة أن يهرب المجرم وأعوانه أذلاء صاغرين من المعابر الحدودية نفسها التي عاد عبرها السوريون المهجرون الى وطنهم. ومنهم (الممثلين)، من سارع إلى تقديم بيانات الاعتذار، زاعما إنه كان “أسير ثقافة الخوف”، معتبراً اعتذاره “شجاعة”!
ولجأ آخرون إلى حيلة عدم الدراية بما كان يفعل النظام البائد بالسوريين، وكأنه كان في غيبوبة 14 سنة من القتل والإرهاب وتدمير البيوت. بل وصلت الوقاحة ببعضهم إلى أنه أبدى دهشة من مشاهد المعتقلين الناجين من سجون أسدهم الفارّ. يقولون: “لم نكن نعرف”، والشعب كله يعرف أنهم كانوا يعرفون، ولكن المصلحة تقتضي الصمت، بل والتصفيق لما كان يجري…. نشر ملحّن قبل سنوات صورة من شرفة منزله، والدخان يتصاعد من إحدى المناطق المجاورة لدمشق، بفعل قصف جيش النظام البائد، ولم يكتف بذلك بل كتب: “من شرفتي أستلهم الموسيقا والله محيي الجيش”. … ممثلة من نتاج المرحلة الأسوأ في تاريخ سورية، تنكر مأساة السوريين، وتدافع عن بشار الأسد وتصفه بـ “المحترم”، وتشكّك بالمشاهد الدامية والموجعة للسوريين الذين خرجوا من سجونه، وخصوصاً سجن صيدنايا الرهيب.
تعتبر المادة 49 من الإعلان الدستوري الناظم للمرحلة الانتقالية في سورية “تمجيد نظام الأسد البائد ورموزه، ويعد إنكار جرائمه أو الإشادة بها أو تبريرها أو التهوين منها، جرائم يعاقب عليها القانون”. وربما تنطبق هذه المادة على فنانين كثيرين يطلّون بين فترة وأخرى لتذكير الناس بخسّتهم. منذ ديسمبر/ كانون الأول العام الماضي (2024)، انشغل السوريون بتحرير بلادهم والتحديات التي تواجههم للمحافظة على وحدتها. لذا لم يعد يعني لكثيرين منهم متابعة الفنانين والاهتمام بالهراء الذين يتلفظون به عبر فضائيات ممولة من المال السوري المنهوب من الأسد وأزلامه. لقد سقط أغلب الفنانين السوريين، ما خلا الذين وقفوا بصف المظلومين ودافعوا عن قضيتهم، وانتشالهم من وهدة العدم الفني والثقافي، أمر مستحيل. هذا زمان جديد يحتاج فنانين جدداً وفنّاً جديداً، وخطابا ينتصر للمظلوم لا للظالم، فناً حقيقياً يعيد تشكيل الوعي السوري ويخلّصه من كل رواسب ثقافة الاستبداد. ومن ساند الأسد أو صمت غير مكره على جرائمه فليقض ما بقي من عمره في عزل أخلاقي خانق. وربما العزل الأخلاقي غير كاف لبعضٍ منهم.
العربي الجديد



