أبحاثسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

العنف الرمزي في إعادة تشكيل سورية «جديدة»/ مقدام البربور

ليس العنف المباشر وحده ما يبني هيمنة السلطة

06-11-2025

        منذ بداية هذا العام، وتحديداً مع تولي أحمد الشرع مقاليد السلطة في المرحلة الانتقالية، دخلت سورية مرحلة جديدة تحاول فيها النخبة الحاكمة الجديدة إعادة تشكيل الواقع الاجتماعي والسياسي عبر وسائل قد يكون بعضها أقل وضوحاً وعلنية من تلك التي اعتمدها النظام السابق، لكنها قد تكون أكثر تأثيراً وبقاء. هنا، تبرز نظرية عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو حول السلطة الرمزية كأداة تحليلية مفيدة لفهم كيف تُمارَس السيطرة في سوريا اليوم، ليس فقط عبر العنف المباشر والواضح الذي لا تبخل السلطة بممارسته، بل أيضاً عبر الصمت والرمز والخطاب المُعاد تشكيله والذي قد يكون تأثيره أكثر دواماً.

        السلطة الرمزية، كما يصفها بورديو هي تلك التي تُمارَس عبر أدوات خفية مثل اللغة، التعليم، الإعلام، والعادات اليومية. إنها لا تُفرَض بالقسر، بل بالموافقة الضمنية من قبل الناس الذين يستوعبون قيماً ومعاييرَ تجعل النظام القائم يبدو طبيعياً، بل ومقبولاً. هذه الآلية تعمل بشكل خاص في المجتمعات التي تمر بتحولات كبيرة، كما هو الحال في سورية اليوم.

        فعلى سبيل المثال، لا يركز الخطاب الرسمي للسلطة اليوم على تخويف المواطن أو تهديده فقط، بل على تقديمها كضرورة وطنية وخيار لا بد منه. كان هذا حاضراً في ظل النظام السابق، لكنه أكثر حضوراً اليوم. عندما يُعلَن عن إصلاحات اقتصادية أو إدارية، لا تُقدَّم بوصفها خيارات سياسية قابلة للنقاش، بل بوصفها حقائق فنية محايدة. يُصوَّر تقليل الدعم مثلاً، أو تحويل الخدمات إلى القطاع الخاص، على أنها إجراءات منطقية وحتمية، بينما هي في الحقيقة توجّه سياسي يعكسُ مصالحَ فئة معينة. هذا التحويل من السياسي إلى الفني هو أحد مظاهر السلطة الرمزية التي تحدث عنها بورديو، عند تحويل القرار التعسّفي إلى حقيقة مُسلَّم بها.

        يعمل الإعلام الجديد الذي تسيطر عليه السلطة، أو جهات قريبة من السلطة، على تعزيز هذه الرسائل. فبدلاً من أن يكون ناقلاً للأخبار، يتصرف كأداة لصناعة التصورات. يُقدَّم رجال الأعمال الجدد، على سبيل المثال، ليس كأثرياء استفادوا من الظروف، بل كرواد تنمية ومبادرين. وفي المقابل، تُصوَّر أي معارضة أو مطالبة بحقوق اجتماعية على أنها عاطفية أو غير عملية. هذه اللغة ليست بريئة، إنها أداة رمزية تُستخدَم لخلق شرعية جديدة وإبعاد الأصوات الأخرى.

        التعليم أيضاً لم يسلم من هذه الآلية. فالمدارس والجامعات ليست أماكن للتعلم، بل هي مساحات لترسيخ قيم النخبة الجديدة. كان هذا أيضاً حاضراً بقوة في زمن النظام السابق، لكنه كان قد صار ملمحاً شديد الرثاثة وضعيف التأثير في سنوات حكم النظام السابق الأخيرة، ويستعيد حيويته وفعاليته اليوم. يُرَوَّجُ لرواية تاريخية جديدة، تُظهِرُ المرحلة الحالية كبداية جديدة وانفصال عن الماضي، دون نقد جذري حول من يملك الحق في كتابة هذه الرواية ولمصلحة من.

        ما يجري اليوم لا يمكن قراءته كولادة جديدة بالكامل، بل كتحوّل داخل بنية مستمرة. فالسلطة الرمزية التي نراها الآن تُعيد توظيف إرث طويل من الهيمنة التي بناها النظام السابق عبر الحزب الواحد والخطاب التعبوي والإعلام المُسيطَر عليه. الجديد ليس في جوهر السيطرة، بل في بعض أدواتها الأكثر نعومة وخفاء. هذا الامتداد التاريخي يكشف أن ما يبدو تجديداً هو في الحقيقة إعادة تدوير لآليات قديمة في قوالب رمزية حديثة.

        في المجال الديني، نلاحظ تحولاً في الخطاب. لدينا خطاب طائفي أكثر علنية اليوم مما سبق، لكنه يترافق في الوقت نفسه مع خطاب الوحدة الوطنية والتسامح، ويُخفي تحته إعادة إنتاج الهيمنة ذاتها. فمن يتحكم بالخطاب الديني اليوم؟ ومن يُحدّد ما هو مقبول وما هو مرفوض؟ هذه الأسئلة نادراً ما تُطرح، لأن الآلية تعمل في صمت، عبر صناعة موافقة ضمنية حول ما هو طبيعي.

        كل هذه الآليات تدخل تحت ما يسميه بورديو الجهل البنيوي المتمثل بعدم إدراك الناس لآليات الهيمنة، لأنها مغلّفة برموز تبدو محايدة. الناس لا يرون أن النظام الجديد يُعيد إنتاج نفس الفروق الطبقية لكن بأدوات جديدة، يظنون أنهم أحرار في خياراتهم، بينما هم في الواقع يتبنون قيماً فرضت عليهم عبر وسائل رمزية.

        لكن هل هذه السلطة مطلقة؟ بالطبع لا. فبورديو يؤكد أن كشف آليات الهيمنة الرمزية هو الخطوة الأولى نحو التحرر، عندما نبدأ بمساءلة ما يبدو طبيعياً بطرح أسئلة مثل: لماذا هذه اللغة هي المعيار؟ لماذا هذا النموذج الاقتصادي هو الخيار الوحيد؟ من يستفيد من هذه الرواية التاريخية؟ نكون بذلك قد كسرنا حلقة الصمت.

        في سورية اليوم، هناك أصوات نقدية بدأت تطرح هذه الأسئلة، وإن كانت ما تزال محدودة. هناك من يتساءل عن شرعية الثروات الجديدة، وعن غياب المساواة في الفرص، وعن الدور الحقيقي للمؤسسات التي يُفترَض أنها مستقلة. هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً، بل هي مقاومة رمزية في مواجهة سلطة رمزية.

        السلطة التي تُمارَس بالصمت هي الأقوى، لأنها لا تواجه مقاومة مباشرة. لكنها أيضاً الأكثر ضعفاً، لأنها تعتمد على استمرار الصمت. عندما يكسر الناس هذا الصمت، ويُدركون أن ما يُقدم لهم كحقائق هو في النهاية اختيارات سياسية، فإنهم يبدأون في استعادة قدرتهم على التغيير.

        سورية اليوم ليست فقط في مرحلة إعادة بناء بالمعنى المادي أو بمعنى هياكل السلطة فقط، بل في مرحلة إعادة بناء الرموز. والمعركة الحقيقية قد لا تدور في المجلس النيابي أو في الشوارع، بل في العقول والتصورات. والسلطة الرمزية، رغم قوتها، يمكن أن تتهاوى إذا ما واجهت وعياً نقدياً يُجبرها على الكلام بدلاً من الصمت.

        إن تحليل بورديو للسلطة الرمزية يذكرنا بأن الهيمنة ليست فقط مسألة قوة مادية، بل هي أيضاً مسألة سيطرة على العقول باستخدام خطاب يُحدد ما هو طبيعي وصحيح. ففي سورية اليوم، نرى كيف أن اللغة الجديدة للإصلاح وإعادة الإعمار تُخفي تحتها استمرارية في علاقات القوة السابقة، مع انزياح في الأشخاص والفئات التي تملك هذه القوة. فعلى سبيل المثال، عندما يتم الحديث عن الشفافية والمساءلة، نجد أن هذه المفاهيم تستخدم بشكل انتقائي بحيث تُطبق على بعض الجهات وتُهمَّش عند الحديث عن أخرى. هذا الانتقاء ليس بريئاً، إنه جزء من آلية رمزية لخلق وهم التغيير مع الحفاظ على الامتيازات.

        كذلك فإن التركيز على الاستقرار والوحدة الوطنية ما يزال يُستخدَم أداةً لقمع أي صوت نقدي. فالنقد يوصف بأنه تقسيم أو إضعاف للدولة الناشئة، بينما تُقدَّم الطاعة على أنها وطنية. هذا التحويل من النقد السياسي إلى المسؤولية الأخلاقية هو شكل آخر من أشكال العنف الرمزي، فهو يُجبر الأفراد على الصمت ليس بسبب الخوف من العقاب، بل بسبب الخوف من الوصم الاجتماعي.

        حتى في المجال الثقافي، نلاحظ كيف تُدعَم أنواع معينة من الفنون والآداب التي تُروج لرواية السلطة، بينما تُهمش تلك التي تَطرح أسئلةٍ مهمة. الفنان الذي يُروج لخطاب التسامح دون نقد أسباب الصراع يُكرَّم، بينما الكاتب الذي ينتقد الفساد الهيكلي يتم تجاهله. هذه الآلية لا تحتاج إلى قرارات رسمية بالمنع؛ فالنظام الرمزي يعمل تلقائياً عبر شبكة من العلاقات والمصالح التي تدفع الفاعلين إلى مراقبة أنفسهم.

        وفي الاقتصاد كذلك فإن صعود طبقة جديدة من رجال الأعمال غالباً ما تكون مرتبطة بالنخبة الحاكمة يُقدَّمُ على أنه دليل على انفتاح الاقتصاد والفرص للجميع. لكن في الواقع، فإن هؤلاء غالباً ما يستفيدون من علاقاتهم وامتيازاتهم للسيطرة على السوق، مما يُعيد إنتاج التفاوتات تحت شعارات الحرية والمنافسة. المواطن العادي الذي يرى إعلانات عن مشاريع كبيرة واستثمارات واعدة قد يُصدق أن هناك تحسُّناً، دون أن يُدرك أن هذه المشاريع تخدم مصالح فئة محدودة.

        الأخطر في كل هذا هو أن السلطة الرمزية تنجح في تحويل المسؤولية من النظام إلى الفرد. فالبطالة، على سبيل المثال، لم تعد تُعزى إلى سياسات اقتصادية فاشلة، بل إلى قلة مهارات الشباب. والفقر لم يعد نتيجة لسياسات تمييزية، بل إلى عدم اجتهاد الأفراد. هذا التحويل هو ذروة العنف الرمزي المُتَمثل بجعل الضحايا يلومون أنفسهم على وضعهم.

        لكن رغم كل هذا، فإن السلطة الرمزية ليست قدراً محتوماً. فكما أشار بورديو، فإن الوعي بآليات الهيمنة هو بداية المقاومة. في سورية، بدأت تظهر علامات هذا الوعي في نقاشات وسائل التواصل الاجتماعي، في بعض المنابر الثقافية، وفي صمود بعض المؤسسات المستقلة. هذه العلامات قد تكون صغيرة الآن، لكنها تثبت أن الصمت يُمكن كسره.

        الخطر الأكبر هو أن تستمر السلطة الرمزية في العمل دون مُساءَلة، مما يؤدي إلى تدمير أي إمكانية لتغيير حقيقي. لذلك، فإن مسؤولية المثقفين والإعلام المستقل والمجتمع المدني هي كشف هذه الآليات، وتقديم خطاب بديل يرفض أن يُختزَل الواقع إلى رموز زائفة.

        سورية على مفترق طرق؛ إما أن تستمر في دوامة الهيمنة الرمزية التي تُعيد إنتاج القمع بأشكال جديدة ولصالح فئات جديدة، أو أن تبدأ رحلة الوعي والنقد التي تؤدي إلى تحرر حقيقي. السلطة الصامتة قد تكون قوية، لكن الكلمة يُمكن أن تهز أعظم الرموز.

        غير أنّه من الضروري التذكير بأنّ هذه المواجهة لا تُختزَل في صراعٍ آني مع نخبةٍ بعينها، بل تمتد جذورها إلى بُنى سلطوية راسخة تراكمت عبر عقود. ما يتغيّر اليوم ليس منطق السيطرة في جوهره، بل الأدوات والرموز التي يُعاد من خلالها إنتاجه. بهذا المعنى، فإنّ التحدّي الحقيقي يكمن في كسر هذه الاستمرارية التاريخية التي تمنح للهيمنة قدرةً على التجدد خلف واجهات متبدّلة.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى