اللهجات السورية القاتلة/ ميادة سفر

31 أكتوبر 2025
في ظل التحولات السياسية والاجتماعية التي أصابت سورية خلال العقد الأخير، برزت اللهجات السورية إحدى أبرز تجليات الانقسام المجتمعي، فلم يعد العنف مقتصراً على السلاح والانتهاكات المادية للحقوق، بل تجاوزه إلى اللغة والخطاب اليومي عموماً، وبات السوريون يفرزون بعضهم بعضاً وفق كانتونات لغوية مبنية غالباً على أسس طائفية وعرقية وقومية، وباستخدام مفردات اتهامية، غزيرة بتفرقتها، تحولت اللهجة أداة تميّز بين خطاب عام وآخر مهمته تفحُّص الانتماءات، في سرديةٍ تعكس عمق الانقسامات التي أفرزتها سنواتٌ من الاقتتال الطائفي، الذي يعبّر حالياً عن غنى اللهجات وقسوتها في آن، حين تصبح دليلاً على الضعف أو تعبيراً عن القوة.
في الأحوال الطبيعية، تستخدم اللهجة للتواصل بين الأفراد، لكن اللهجات في سورية، ومع تصاعد النزاع منذ عام 2011، بدأت تأخذ منحىً آخر، فاستخدمت لتحديد الانتماءين، المناطقي والطائفي، من خلال طريقة نطق الشخص بعض الحروف أو استخدامه كلمات معينة، لتتحوّل، مع الوقت، تعبيراً عن السلطة، وأداة تمييز وتصنيف وإقصاء، وسبباً مباشراً للقتل، تواكب لغة النظام السياسي والانتماءات الضيقة لمسؤوليه قبل مرؤوسيه، فاللهجة التي كثيراً ما استعان بها بعضهم من مختلف المدن السورية، لإظهار السلطة والنفوذ في ظل النظام السابق، باتت اليوم تهمة ومصدراً للخوف والقلق. يختصر ذلك بيير بورديو في كتابه “العنف الرمزي” بقوله إنّ “اللغة ليست فقط وسيلة للتواصل، بل هي وسيلة للسيطرة، حين تصدر من موقع القوة”.
يبدو أنّ الانقسام الذي خلفته الحرب في سورية تسلّل خلسة، أو تعمًّد إلى اللغة بين طرفي النزاع، وولدت مجالاً حيوياً للكلام السياسي المرمّز، وباتت اللهجات سلاحاً مضافاً لجملة الأسلحة المستخدمة فيما بينهما، ولم تعد فقط وسيلة للتفاهم والتداول فيما بينهم، بل تحوّلت أداة لتحديد المتهمين والتخوين والإقصاء والتصنيف بين مؤيد ومعارض، وأصبحت اللهجة المناطقية عنصراً أساسياً في التفريق والقتل ونعتاً يحمل، في طياته، إهانة مبطّنة حيناً ومعلنة حيناً آخر، ومؤشّراً على الولاء لسلطة ما حالية أو سابقة، فالذي يتحدّث لهجة أهل الساحل السوري يُتًّهم بأنه “فلول” ومن “شبّيحة النظام السابق”. أما من يحكي بلهجة أهل السويداء فتهمته جاهزة أيضاً، حيث يوصم بالخيانة والاحتماء بالعدو والدعوة إلى الانفصال، لم تعد اللغة المتداولة فيما بين أبناء البلد الواحد وسيلة للتواصل، بل تحوّلت عنفاً مقنعاً وساحة حربٍ تضاف إلى ساحات القتال التي أفرزتها حربهم.
في الحالة السورية، أصبحت اللغة كمعنى تقودها اللهجة إما تعبيراً عن ضعف أو للدلالة على قوة، فلم تعد طريقة للتفاهم العقلاني كما يراه يورغن هابرماس، بل تحولت إلى عنف رمزي من خلال استخدامها فرض الهيمنة والإقصاء، ولن تلبث أن تؤدّي إلى عنفٍ مادّي كالذي حصل في الساحل والسويداء حين أظهرت عديد من الفيديوهات والبوستات على منصات التواصل الاجتماعي دعواتٍ إلى القتل، وفق اللهجة التي يتحدّث بها الشخص، بغض النظر عن أي شيء آخر.
في الأزمات ولحظات التوتر والغضب، تتحوّل الكلمات إلى أدوات تعبئةٍ طائفيةٍ وعرقية، وتستخدم كلمات مثل “فلول” و”شبّيحة” و”أيتام الأسد” و”مليشيات” و”عملاء” لتجريد الآخر من إنسانيته، وتبرير العنف ضده، في خطابٍ كهذا لا يُفرّق بين فرد وجماعة، بل يحمّل طائفةً بأكملها مسؤولية فعل فردي، ويشيطنها باعتبارها تهديداً وجودياً. لذلك عندما بدأت أحداث السويداء في يوليو/ تموز الماضي، وقبلها في الساحل في مارس/ آذار الماضي، هبّت كل العشائر والقبائل العربية، ولبتّ النداء، لاعتقادهم أن ما يجري يهدد كيانهم ووجودهم الطائفي والعقائدي. ولذلك كان للغة والخطاب المحرّض دور أساسي في الدفع بآلاف الأفراد لحماية دولتهم الوليدة وفق زعمهم، ولم يكن الإطراء والشكر الذي قوبل به رد فعلها إلا تسامحاً وترحيباً بأية “فزعات” قد تضطر إليها السلطات السورية لاحقاً.
تقول باربرا ويتمر في كتابها “الأنماط الثقافية للعنف” يُجسد السلوك العنيف في الممارسات الاجتماعية بوساطة الإطار الثقافي للتوقعات والمقبولية، أو بوساطة التسامح تجاه التعبير عن السلوك العنيف”، وقد تسامح سوريون عديدون مع مظاهر العنف في السنوات الأخيرة ورحّبوا بها، طالما أنها تحمي وجودهم الطائفي وتعزّز السلطة التي وصلت إليهم، إذ إنّ القبول والدعم الشعبي يشكل عاملاً أساسياً في تمدّد العنف المبني على أسسٍ دينية وإثنية وعرقية. وبدونه، لا يمكن إضفاء الشرعية على ما قد يحصل من انتهاكاتٍ مادّية ومعنوية.
إضافة إلى كثير من عوامل الانقسام بين السوريين ومسبّباته، تأتي اللهجات لتعكس الانقسامات العميقة فيما بينهم، فنحن اليوم أمام صورة حية لما يمكن تسميتها “اللهجات القاتلة”، على غرار الهويات القاتلة التي تحدّث عنها أمين معلوف، وقد اعتبر، في كتابٍ له بهذا العنوان، “الهوية محصلة للانتماءات المتنوعة، بدلاً من حصرها في انتماء واحد، وتحويلها أداة للاستعباد وأحياناً أداة للحرب”. لا سبيل أمام السوريين إلا التماهي مع تنوّعهم بما فيها اللهجات العديدة التي يتحدّثون بها، واعتبارها سمة للغنى لا دافعاً للقتل، وإعادة اللغة إلى بعدها الإنساني وغايتها الأساسية، وتنقيتها وتطهيرها من سموم الحقد والكراهية، لعلهم يتمكّنون يوماً من تجاوز كل هذا الخراب الفكري والاجتماعي والسياسي الذي يعيشون في أفيائه.
العربي الجديد



