تشكيل الحكومة السورية الجديدةتطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

تطور الاقتصاد السوري تحديث 28 تشرين الأول – 07 تشرين الثاني 2025

لمتابعة الملف اتبع الرابط التالي:

تطور الإقتصاد السوري

————————————–

تحديث 07 تشرين الثاني 2025

——————————–

خط كركوك-بانياس النفطي وخط الغاز المصري.. شرايين الطاقة وفرص التعافي الاقتصادي في سوريا/ مازن الشاهين

هل تحول التحديات “الأمنية والجيوسياسية” دون عودة سوريا كبوابة عبور للطاقة إلى البحر المتوسط؟

2025-11-07

في الوقت الذي تبحث فيه سوريا عن مسارات واقعية للخروج من أزمتها الاقتصادية الممتدة منذ أكثر من عقد، تعود مشاريع الطاقة العابرة لأراضيها إلى الواجهة كأوردة اقتصادية قد تعيد لها شيئاً من حيويتها الجيوسياسية والمالية المفقودة، ومن بين تلك المشاريع يبرز خط النفط كركوك – بانياس وخط الغاز المصري إلى لبنان عبر الأراضي السورية، بوصفهما محورين رئيسيين في معادلة الطاقة الإقليمية الجديدة، حيث تترقب الأوساط الاقتصادية الإقليمية والدولية مسارين استراتيجيين قد يعيدان لسوريا جزءاً من دورها المحوري كـ”بوابة عبور الطاقة” إلى البحر الأبيض المتوسط، وستستعيد دورها “كعقدة ترانزيت” للطاقة شرق البحر المتوسط، ما يمنحها وزناً تفاوضياً أكبر أمام اللاعبين الإقليميين والدوليين.

ويكسر جزءاً من العزلة السياسية والاقتصادية، مشروع خط كركوك-بانياس لنقل النفط العراقي الذي أنشئ عام 1952 بطول 800 كم لنقل النفط من شمال العراق إلى الساحل السوري وتوقف لأكثر من عقدين من الزمن بسبب التوترات السياسية والأمنية، وخط الغاز المصري إلى لبنان عبر الأراضي السورية، وفي ظل التحديات الهائلة التي تواجه عملية التعافي الاقتصادي، لا يمثل هذان المشروعان مجرد صفقات تجارية، بل هما رهان على تثبيت الاستقرار، وجذب الاستثمار، وتوليد موارد صعبة تشتد الحاجة إليها، وتعزيز العلاقات الاقتصادية الإقليمية، فمن المتوقع أن يمثل المشروعان عامل تقارب بين سوريا والعراق ومصر والأردن ولبنان وهو ما قد يفتح الباب لمشاريع مشتركة وتبادل تجاري أوسع.

خط (كركوك–بانياس): أنابيب الأمل وعودة الشريان القديم

خط كركوك–بانياس ليس مشروعاً جديداً بل يعود تاريخه إلى خمسينيات القرن الماضي حين كان أحد أهم مسارات تصدير النفط العراقي إلى البحر المتوسط، وتوقف الخط منذ عام 2003 إثر الحرب على العراق، ثم تضرر بشدة خلال الأزمة السورية، لكن إعادة إحيائه اليوم تحمل أبعاداً اقتصادية كبيرة كما يرى الخبير الاقتصادي عدنان الجاسم.

ويضيف في تصريحات لـ”963+”: “إعادة تشغيله يمنح سوريا فوائد كبيرة كدولة مصب مثل رسوم العبور التي تُقدر بحوالي 150-200 مليون دولار سنوياً، فضلاً عن فرص العمل التي تخلقها والبنية التحتية المرتبطة بالطاقة والنقل التي تنشطها، رسوم العبور ستحقق سوريا إيرادات مباشرة من رسوم مرور النفط عبر أراضيها، وهي عوائد ثابتة من العملة الصعبة يمكن أن تسهم في تمويل الخزينة العامة، ويساعد الخط سوريا في الحصول على النفط العراقي بأسعار تفضيلية مما يقلل فاتورة استيراد الطاقة ويعزز السوق المحلي ويدعم تطوير وتكرير النفط في مصفاة بانياس.

ومن خلال هذا الخط سيتم تأمين الطاقة بأقل التكاليف ويتيح إمكانية الحصول على حصة من النفط العراقي مباشرة عبر الخط، وهو ما سيوفر على دمشق فاتورة الاستيراد الباهظة ويقلل تكاليف نقل النفط، مما يخفف الضغط على احتياجاتها من المشتقات النفطية الضرورية لتشغيل المرافق، بحسب الجاسم.

كما تعزز إعادة التشغيل موقع سوريا كممر حيوي للطاقة في المنطقة وتنشيط مرافئها وتعزيز العلاقات التجارية مع أوروبا، وإنعاش قطاع الموانئ والتخزين، فإحياء الخط سينعش مرفأ بانياس وقدرات التخزين المرتبطة به، ويخلق نشاطاً استثمارياً وتوظيفاً محلياً في مناطق عبور الخط ومحطات الضخ والصيانة، وسيعيد الحيوية إلى ميناء بانياس الذي يمتلك بنية تحتية جاهزة نسبياً لتصدير النفط وتخزينه، ما يعزز موقع سوريا كممر بحري للطاقة.

ويضاف إلى ذلك، وفق الجاسم، تعزيز الدور الجيواقتصادي، فمن المتوقع أن يعيد المشروع لسوريا دورها التاريخي كمعبر استراتيجي للطاقة، ويمنح العراق منفذاً تصديرياً إضافياً أكثر كفاءة وأقصر مسافة من الطرق البديلة، مما يعزز التكامل الاقتصادي بين البلدين، ومن الجانب العراقي، يساهم الخط في تنويع منافذ التصدير وتأمين صادرات النفط بتكلفة وكفاءة أعلى، خصوصاً مع زيادة إنتاج العراق النفطية.

 أهمية خط الغاز المصري إلى لبنان عبر سوريا

الأكاديمي المصري محمد صلاح في تصريحات لـ”963+” يؤكد أن الاتفاق على إيصال الغاز المصري إلى لبنان عبر سوريا هو جزء من تعاون عربي مشترك لدعم الاستقرار والطاقة في لبنان وسوريا، حيث يقدم مصدر غاز طبيعي مستدام ومتواصل، ويسهم المشروع في مساندة لبنان بتلبية حاجات الطاقة ويعد خطوة فعالة لتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول المشاركة، كما ينفتح أمام سوريا دور محفز في إعادة إحياء مشروع خط الغاز العربي، مما قد يدعم الاقتصاد السوري عبر رسوم العبور والتنشيط الاقتصادي المرتبط بالبنية التحتية للغاز، ويخفف هذا المشروع من أزمات الطاقة في لبنان، ويعزز التكامل الإقليمي في قطاع الطاقة.

ويرى صلاح أن للمشروعين تأثير على الاستثمار والتنمية والتعافي الاقتصادي في سوريا فكلا المشروعين يشكلان رافداً اقتصادياً مهماً لدعم خطط إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية في سوريا، لما لهما من آثار إيجابية في تنشيط قطاع الطاقة وتوفير فرص العمل وتعزيز الإيرادات الحكومية، وتحسن توافر الطاقة يسهم في تحسين بيئة الاستثمار ويحفز المشاريع الجديدة في مجالات الصناعة والخدمات اللوجستية، وتنشيط مرافئ بانياس والمناطق الصناعية المرتبطة بها يعزز من قدرة سوريا على أن تكون مركزاً للتجارة والطاقة في المتوسط، إضافة إلى التكامل مع دول الجوار في هذه المشاريع يعزز من استقرار الاقتصاد السوري ويقوي علاقاته الاقتصادية الإقليمية.

 أبرز المعوقات

يحذر الجاسم من أن التوترات السياسية والأمنية في المنطقة، خاصة في سوريا والعراق تحد من استقرار تنفيذ المشاريع وتطوير البنية التحتية، تهديدات خارجية من ضربات عسكرية محتملة داخل الأراضي السورية والعراقية تفرض حالة عدم استقرار، وهناك بعض الأطراف الإقليمية لا تزال تعارض إعادة دمج سوريا في شبكة الطاقة الإقليمية وتفرض شروطاً سياسية مقابل التعاون، وكذلك العقوبات الدولية مثل قانون قيصر على سوريا، والتي تؤثر على تمويل وشحن المعدات والخدمات اللازمة، وهناك حاجة إلى تنسيق فني وتقني لكن متقدم جداً بين الدول المعنية لضمان جاهزية البنية التحتية والاتفاق على الجداول الزمنية.

بالإضافة إلى أن هناك حاجة ماسة إلى استثمارات كبيرة في إعادة بناء الطرق، والسكك الحديدية والموانئ ومحطات النقل المختلفة مع نقص في المعدات والكوادر ذات الخبرة الفنية، وتحويل بعض المحطات الحيوية إلى مواقع عسكرية خلال النزاع أدى إلى تدمير منشآتها، إضافة إلى مخاطر الاعتماد الكبير على مصادر واحدة للأنابيب أو خطوط النقل، مما قد يعرض المشاريع لمخاطر الانقطاعات.

ويشير الجاسم إلى ضرورة إعادة التفاوض على رسوم العبور والتكاليف، خصوصاً في ما يتعلق بخط كركوك-بانياس بين العراق وسوريا لتعزيز الربحية والاستمرارية، وبالتالي، يمثل هذان المشروعان شريانين اقتصاديين حيويين لسوريا في مرحلة التعافي الاقتصادي، بفضل مكوناتهما من تزويد طاقة استراتيجية وفرص استثمارية وتجارية، مع تحديات سياسية وتقنية ينبغي التغلب عليها لضمان استدامة المشاريع وتحقيق الفوائد المرجوة منها على التنمية والاستقرار الاقتصادي في سوريا والمنطقة، ومع ذلك، تبقى هذه المشاريع حلقة في سلسلة أطول تتطلب إصلاحات مالية وإدارية وتشريعية حقيقية لجذب الاستثمارات وضمان استدامة العوائد.

بالمقابل يرى صلاح وجود التحديات الأمنية والجيوسياسية، فغموض الوضع السياسي والأمني في سوريا ينعكس على عدم استقرار بيئة التنفيذ الأمنية للمشروع، وخطر عودة نشاط تنظيمات إرهابية مثل “داعش” في المناطق التي تمر بها شبكات النقل، مما يهدد سلامة المشاريع والعمال أثناء التنفيذ والتشغيل.

ويمر خط كركوك-بانياس، تحديداً، عبر مناطق شهدت توتراً أمنياً، مما يثير مخاوف بشأن حماية الخط وضمان استمرارية ضخ النفط، وكذلك التوازنات الإقليمية بين أطراف المشروع (العراق، سوريا، لبنان، مصر، الأردن)، حيث تتقاطع مصالح سياسية متباينة، وهناك التحديات الفنية والمالية من حيث تقييم وتأهيل الخطوط، فيحتاج خط كركوك-بانياس، المتوقف منذ سنوات طويلة، إلى تقييم فني شامل وقد يتطلب إنشاء خطوط بديلة أو جديدة بتكلفة أولية ضخمة تصل إلى مليارات الدولارات.

ويضيف: كما تتطلب أعمال التأهيل والتشغيل تمويلاً ضخماً قد يصعب تأمينه في ظل الوضع الاقتصادي الراهن، والحاجة إلى إبرام عقود طويلة الأجل ومطمئنة لضمان الجدوى، وبالمحصلة إن إحياء خط كركوك-بانياس واستكمال خط الغاز المصري لا يمثلان حلاً سحرياً لكافة مشاكل سوريا، ولكنهما يوفران رافعة قوية لعملية التعافي الاقتصادي، ويتوقف نجاح المشروعين على قدرة الأطراف المعنية على تجاوز التحديات الأمنية والمالية والسياسية، وخاصة العمل على إيجاد آليات تفاهم إقليمية ودولية تضمن استثناء مشاريع الطاقة الإنسانية والتنموية من تداعيات التوترات السياسية والعقوبات، لتحويل الفرصة التاريخية إلى واقع ملموس، وفي النهاية، ربما تكون هذه الأنابيب أكثر من مجرد خطوط لنقل الطاقة… إنها أنابيب للأمل، إذا ما أُحسن توجيهها في مسار التنمية لا في دهاليز السياسة.

———————————–

 دولرة رسمية غير معلنة في سوريا… هل فقدت الليرة سيادتها؟/ محمد كساح

الجمعة 2025/11/07

لا تنتهج الحكومة السورية خطاً محدداً في عملة التداول خلال تعاملاتها الرسمية وشبه الرسمية. فالدولار يتغلب على الليرة السورية في تعاملات كثيرة، بينها سداد رواتب “البيروقراطية الجديدة” وجباية بعض الفواتير وتسعير قسم من المخالفات. أما الليرة السورية فتبقى عملة التداول الرسمية شكلاً لا فعلاً، لأن كل شيء في سوريا الجديدة يُسعّر بالدولار، بدءاً من الدولرة غير المعلنة التي كانت سمة اقتصاد الحرب، وصولاً إلى دخول البلاد مرحلة جديدة تقوم على دولرة رسمية معلنة منذ سقوط النظام، وهو الأمر الذي يؤثر سلبياً على العملة الوطنية وقيمتها في السوق.

دولرة معلنة وغير معلنة

رصدت “المدن” حزمة من الدولرة الرسمية للغرامات وإيصالات القبض والمناقصات التي يُعتمَد الدولار فيها عوضاً عن الليرة سواء على نحوٍ إجباري أو اختياري. وأبرز هذه القرارات كان التعميم الذي أصدره مدير التنمية الإدارية هادي الأحمد، بالتفويض عن محافظ دمشق مروان إدلبي، بمنع التدخين في المكاتب والممرات، إضافة إلى أي مكان تابع لمديريات القطاع البلدي والأمانة العامة والخدمات الفنية، تحت طائلة الحبس والغرامة.

وحدد القرار غرامة لا تقل عن 100 دولار ولا تزيد عن 200 دولار، في حال التدخين في أحد الأماكن العامة المحظور التدخين فيها، فضلًا عن غرامة تتراوح بين 1000 دولار و3000 في حال سماح المسؤول عن المكان العام المحظور لأي شخص بالتدخين، وفي حال عدم الإعلان عن منع التدخين في المكان العام المستهدف بالقرار.

وفي إجراء حكومي آخر، حدّدت وزارة الطاقة قيمة التأمينات الأولية المتعلقة بمناقصة توريد 6 مليون عداد ذكي، بالدولار أو ما يعادله. ونلاحظ الإجراء عينه في مناقصة أخرى حول توريد الغاز المنزلي. فقد حُدّدت طريقة الدفع بالدولار بموجب شيك مُصدّق. أما بخصوص الرواتب، فتسلّم الحكومة قسماً كبيراً منها بالدولار عبر تطبيق “شام كاش” الذي تأسس سابقاً في إدلب، وجرى افتتاح مقر رئيس له وسط دمشق.

هل الدولرة مخالِفة للقانون؟

تداول الدولار كان ممنوعاً في القوانين السورية التي سقطت مع الإعلان الدستوري الجديد في سوريا. وأبرز تلك القوانين التي كانت الناظمة لمجال التداول هو المرسوم رقم “3” للعام 2020 الذي فرض عقوبة السجن ودفع غرامة مالية للمتعاملين بغير الليرة السورية، وهو مرسوم جاء معدِّلاً للمادة الثانية من المرسوم التشريعي رقم “54” للعام 2013، الذي كان يعاقب المتعامل بغير الليرة بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات ويغرّمه مبالغ طائلة.

لم تصدر قوانين أو مراسيم جديدة ناظمة لعمليات التداول بديلة عن تلك التي سقطت مع النظام السابق. ولكن واقع الانفتاح المالي الذي رسّخته السلطات الجديدة في سوريا فرض نفسه، وفتح الباب أمام التعامل بالدولار إلى جانب العملة الوطنية في الكثير من التعاملات.

المحامي والمستشار القانوني، غزوان قرنفل قال لـِ “المدن”، إنّ جباية الغرامات والإلزامات المالية بغير العملة الوطنية يعتبر شكلاً من أشكال الاعتداء على مفهوم السيادة، باعتبار أن العملة الوطنية هي إحدى الرموز السيادية، مشيراً إلى أنه من المؤسف أن من ينتهكها هو السلطة المنوط بها حماية السيادة الوطنية.

ومع أنه يشير إلى أنه لا يجوز لدولة تحترم نفسها وسيادتها أن تتعامل بعملة غير عملتها الوطنية. لكنه يلمح إلى ضرورة تعديل القانون المجرِّم للتعامل بغير الليرة، لجهة حيازة العملات الأجنبية وتداولها، لأن القوانين السابقة لا تزال قائمة، وليس هناك قوانين جديدة لاغية لها.

تحفيز الطلب على الدولار يضعف الليرة

الجانب القانوني في القضية لا يعدّ مشكلة، نظراً إلى انتهاج العهد الجديد مساراً مختلفاً يسمح بحريّة التداول. التأثيرات الأكبر لعملية الدولرة المعلنة هي الأهم، لأنها تُفقِد الليرة السورية قيمتها، وتُحفّز الطلب على الدولار، خصوصاً أنّ الحكومة السورية لم تُقدِم حتّى الآن على تنظيم السوق المالية، وبينها شبكة واسعة من شركات الصرافة يُنظر إليها كسوق موازية تتعامل بمختلف العملات، وأهمها الدولار واليورو، بأريحية تامة.

من هذا المنطلق، يلاحظ الباحث ومدير منصة “اقتصادي” يونس الكريم وجود تداعيات عديدة لهذا الإجراء المنتشر على نحوٍ اعتيادي، في ما كان يعرف بالمناطق المحررة سابقاً، والذي بدأت ملامحه تظهر في المناطق الأخرى التي كانت واقعة سابقاً تحت سيطرة النظام المخلوع.

ويلفت الكريم خلال حديث إلى”المدن” إلى وجود حزمة مخالفات متنوّعة في هذه الإجراءات، إحداها تتمثل في التعدّي على مهام وزارة المالية المخوّلة إصدار هذه القرارات، والثانية أنّ تسليم بعض هذه الغرامات يتمّ إما عبر المؤسسة أو أحد البنوك العامة مثل مصرف التسليف الشعبي غير المخوّل أساساً بالتعامل بالدولار.

ونظراً إلى عشوائية هذه القرارات وعدم التزامها النظام العام، فإنّها تؤشّر إلى أن الأساس الاقتصادي والإداري للمرحلة لا يقوم على حوكمة واضحة ومراعاة لمبدأ الشفافية، وهو الأمر الذي يعني تحويل المؤسسات من نظام واضح يمكن قراءته من قبل المواطن والمستثمر على السواء، إلى نشاط شبكي يقوم على مزاجية الفرد لا قرارات المؤسسة، وعلى عوامل القربى والولاء بدلاً من تفعيل الدور المؤسساتي للدولة، وفقاً لما يضيفه الكريم.

ومن جانب آخر، يشير الكريم إلى أثر إيجابي لهذه الإجراءات لجهة رفد الخزانة العامة بالقطع الأجنبي. لكن الجانب السلبي يتغلب على هذه الإيجابية. فسحب الدولار يرفع سعره ويؤثر سلبياً على قيمة الليرة السورية، والطبيعة المزاجية للمخالفات وتسعيرها الفج بالدولار الذي لا يملكه معظم المواطنين يعزز من خسارة ثقة المواطن بالدولة، وهي ثقة مهمة جداً لتنشيط الاقتصاد وتحفيز الفاعلين الاقتصاديين على ضخ الرساميل الكبيرة في مشاريع طويلة الأمد.

الرواتب.. أكبر المعضلات

لا تقتصر الدولرة على تسعير بعض الغرامات والمخالفات؛ بل تأخذ مساحة أوسع بكثير، سواء عبر تسليم كتلة ضخمة من رواتب وزارتي الدفاع والداخلية والإعلام بالدولار، أو عبر اعتماد الدولار كوسيلة تسعير للسلعة وللتحويلات المالية في بعض البنوك، وعلى رأسها “شام كاش” الذي لا تزال الضبابية تكتنف توسعاته الجديدة وحجمه السوقي.

ويرصد يونس الكريم ثلاثة من الرواتب في سوريا في المناطق التي تديرها الحكومة السورية: رواتب الموظفين الحكوميين في دمشق والمحافظات الداخلية وتصرف بالليرة السورية، وهي رواتب منخفضة إذا ما قورنت بالدولار. والرواتب التي تُمنح شمال حلب ذات الإشراف التركي، وهي بالدولار أو الليرة التركية، وتعد متوسطة. أما الكتلة الثالثة فهي رواتب موظفي حكومة الإنقاذ السابقة، وهي الأعلى وهي بالدولار، وتشمل رواتب المقاتلين والأمنيين والإداريين، بمعنى أنها تتضمن رواتب البيروقراطية العسكرية والإدارية الجديدة للعهد الجديد.

وحول تأثير دولرة الكتلة الأخيرة، وهي الأضخم، على الليرة والاقتصاد، يوضح الكريم صعوبة تقييم هذا الأثر لعدم وجود معطيات واضحة تخبرنا عن حجم الرواتب ونطاقات توزعها. لكن على العموم يبدو حجم الدولرة المعلنة كبيراً وقابلاً للاتساع، لا سيما في حال ضُخَّ القطع الأجنبي إلى البلد عبر منح واستثمارات خارجية. وهذا ما سيؤثر سلباً بالطبع على قيمة الليرة، التي يشير خبراء إلى أنها لا تزال تعامل كأيّة سلعة في السوق، وهو ما يجعلها عرضة لرياح العرض والطلب.

المدن

————————————–

سورية ومكافحة الفساد قبل تَمَأسُسه/ مالك ونوس

07 نوفمبر 2025

لم يكن تقرير وكالة رويترز عن انتفاع مقرّبين من دوائر صنع القرار في سورية، الذي نشرته قبل أيام، مفاجئاً للسوريين، بسبب تناقل أخبار قصص عن هذا الحال مبكّراً في الأحاديث بين عامة الشعب وفي صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، في بلاد يصعُب فيها إخفاء قضايا من هذا القبيل أو محاولة التستّر عليها. وكما كانت المداراة على قضايا من هذا النوع صعبةً خلال حكم الرئيس المخلوع بشّار الأسد، فإن المداراة عليها صعبة في هذه الأيام أيضاً بفضل تحفّز السوريين الدائم لكلّ جديد، وتسقُّطِهم أخبار القضايا التي تهمهم وتشغل بالهم، وفي ظلّ القدرة على نشر أيّ خبرٍ في زمن الإعلام البديل والفضاءات المفتوحة. وإذا كان الرئيس السوري أحمد الشرع قد استهل أخيراً ما يمكن تسميتها حملةً على المنتفعين، كما ورد في التقرير، فإن هذه الخطوة تُعدُّ قويةً وفي الاتجاه الصحيح، لكن التعويل عليها ليس ممكناً إلا إذا استُكملتْ وقُوننتْ، قبل تمكُّن هؤلاء المنتفعين وانتشار فسادهم في مؤسّسات الدولة وبين أصحاب المناصب العليا، وفق خطوات متكاملة وبشفافية.

انشغل السوريون بتقرير “رويترز” (31 أكتوبر/ تشرين الأول 2025) وحمل عنوان: “عن كثب – لا غنائم حرب.. الشرع يطبّق القانون على الموالين”، الذي جاء فيه ما كان قد تهامس به كثيرون في الأشهر الماضية عن مناصب حظيَ بها إخوة للرئيس ومقرّبون منه ومن دائرته العائلية، علاوة على تربُّح قادة وعناصر سابقين في المعارضة المسلّحة، إما عبر مصادر غير معروفة، وإما عبر علاقات أو إتاوات فُرضت على رجال أعمال في المحافظات كافّة. وكان لافتاً في التقرير ذكره عمليات “الإخلاء القسري ومصادرة الممتلكات”، ربّما في إشارة إلى وضع أشخاص مقرّبين من السلطة، أو يعملون في القوى العسكرية، اليد على أملاك كثيرة، غالباً بحجّة أن أصحابها كانوا من عناصر النظام السابق أو مواليه.

واستُهِلَّ التقرير بكلمات نُسبت إلى الشرع لدى وصوله إلى مكانٍ في إدلب خصّصه سابقاً قاعدةً له، وذلك للقاء مسؤولين وقادة أعمال، أبدى فيها استياءه من علامات البذخ الظاهرة عليهم، من سيارات فارهة وغيرها، موبّخاً إياهم، ومستفسراً إن كانوا قد نسوا أنهم أبناء الثورة. وبحسب مصدرَين كانا بين الحضور ونقلا هذا الكلام، أضافا أنه طلب من أصحاب السيارات الفارهة تسليم مفاتيحها، وإلا فسيخضعون للتحقيقات. ونقلت الوكالة عن وزارة الإعلام أن الشرع (خلال ذلك اللقاء) “أكّد عدم التسامح مع أيّ شبهة فساد بين موظفي الدولة”. أمّا في ما يتعلّق بإخوته والمقرّبين منه، فقد نقلت الوكالة عن ستّة مصادر مطلعة تشمل مسؤولين حكوميين ورجال أعمال، أن الشرع أمر بإغلاق مكتبٍ تابعٍ لأخيه جمال، يدير فيه أعمالاً تجارية، مستغلاً صلته بالرئيس لتحقيق مصالحه عبر اجتماعات يعقدها مع مسؤولين حكوميين ورجال أعمال. وأضافت المصادر أن الرئيس الشرع “أصدر تعليماته للجهات الحكومية بعدم التعامل مع شقيقه”.

وتأتي هذه الخطوة بعدما انتشر انطباع لدى السوريين بأن ممارسات النظام السابق بدأت تعود، لكن عبر وجوه جديدة، بعدما ظهرت أسماء نافذة، وأخبار عن تلقّي أموال لقاء خدمات حكومية واستثناءات وتلزيم أعمال من دون مناقصات، إضافة إلى عمليات سطو على منازل وأملاك ومؤسّسات بالقوة، ومن دون أيّ اعتبار لسلطة أو قانون. ولا بدّ أن الشرع على دراية بخطورة هذه الظاهرة، وإمكانية تشكيلها منظومةً يمكنها أن تشلّ النظام وتهدّد استقرار البلاد وتمنع أيَّ شكل من التطوّر أو الإصلاح. ومعروفٌ أن الفساد الذي نشأ في زمن الأسدَين كان قد بدأ عبر مقرّبين منهما وأعضاء في عائلتهما، علاوة على أبناء وأقارب مسؤولين كبار في السلطة. وقد تطوّر الفساد حتى صار منظومةً ومؤسّسةً تُدار البلاد وفقها، وقد انتشر حتى صارت مهمته إفساد ما (ومَن) لم يكن فاسداً من أجل تأمين دوران عجلته التي صارت مثل الثقب الأسود الذي ابتلع البلاد ومؤسّساتها وثرواتها، محيلاً إياها دولةً فاشلةً، فلم تكن مهمّة السلطة سوى إدارة أزمات البلاد سنوات، بانتظار لحظة الانهيار.

أمّا وإن سورية تسعى للخروج من أزماتها الموروثة عن نظام الأسد، فإن اصطدامها بسور الفساد سيكون بمثابة صاعق التفجير لتوالد أزمات جديدة من السابقة، قد تهدّد استقرار البلاد بسبب دخول فصائل مسلّحة على الخطّ، ونظرتها إلى البلاد ومؤسّساتها على أنها غنيمة حرب، وهو ما يضرّ بصورتها، ويفخّخ الأرضية التي يسعى الحكم الجديد لتأسيسها من أجل استقطاب الاستثمارات. وتأتي هذه القضية في ظلّ ترقّب السوريين والحكومة رفع العقوبات الغربية عن سورية، وإزالتها من لوائح الدول الداعمة للإرهاب، وعودتها إلى النظام المالي العالمي من أجل تهيئة البيئة المناسبة لدخول الاستثمارات الخارجية اللازمة لإعادة البناء وإقلاع عجلة الاقتصاد. أمّا إذا تحقّق ذلك كلّه، وكذلك فرضت الدولة الاستقرار الأمني، وسط فشلٍ أو امتناعٍ عن محاربة الفساد، فإن أصحاب رؤوس الأموال لن يغامروا في دخول البلاد إذا ما شعروا أن ثمّة سياسة مماثلة لسياسة الأسد وتجّاره، الذين كانوا يشترطون الحصول على حصّة تكون من نصيبهم في صورة نسبة من المشاريع، ومن لا يقبل بهذه النسبة يُرفض مشروعه مهما كان ضرورياً للبلاد ولتطورها.

لا يَنقُص سورية في هذه الفترة مشكلاتٌ حتى يأتي الفساد ويزيدها، ويؤثّر في صورتها، ويُضعفها ويُدخلها في مراحل الفوضى وشلل الإدارات وإفشال الاقتصاد، ويعيدها إلى مراكز متقدّمة في مؤشّرات الفساد العالمية، ما يُنفّر رؤوس الأموال. لذلك، ينظر كثيرون إلى خطوة مكافحة الفساد هذه آملين أن تكون جدّيةً تتجاوز التوبيخ، بل تُستكمل عبر خطط تقطع الطريق على الفسادَين، الكبير والصغير، قبل أن يستشريا وتصبح لهما منظومة ومؤسّسات، ويمدّان أذرعهما إلى مفاصل الدولة. ومن المنتظر في ظلّ هذه الحماسة إنشاء هيئة اعتبارية لمكافحة الفساد وتفعيل القوانين الخاصة بهذه الظاهرة، وعدم الاكتفاء بالكشف وكفّ اليد، بل المحاسبة شرطاً لمنع عودته، وعدم تكرار العمل بمبدأ “عفا الله عمّا مضى”، حين يُسلِّم الفاسدون المسروقات، فهو مبدأ كان دائماً بمثابة العصا التي لا تقصم ظهر الفساد، بل تقوّيه.

العربي الجديد

———————————

توأمة غازي عنتاب-حلب: تركيا تنافس باكراً على إعادة الإعمار/ مصطفى الدباس

الجمعة 2025/11/07

نشرت رئيسة بلدية غازي-عنتاب التركية، فاطمة شاهين، مقطع فيديو في صفحاتها الرسمية، ظهرت فيه أمام قلعة حلب معلنة من قلب المدينة القديمة استمرار مشاريع الترميم ودعم البنية الخدمية في إطار بروتوكول “التوأمة” بين حلب وغازي عنتاب، الذي حول المدينتين رسمياً إلى “مدينتين شقيقتين” قبل أشهر.

شباب حلب يتقنون التركية

وأكدت شاهين في الفيديو أن فرقاً فنية تتابع العمل على ترميم ساعة باب الفرج وبعض المدارس المتضررة والحدائق العامة، وأن بلدية غازي عنتاب ستواصل الوقوف إلى جانب حلب في مرحلة التعافي، مشيرة إلى ما تسميه “التراث المشترك” بين المدينتين، وإلى أن كثيراً من شباب حلب باتوا يتقنون التركية بعد سنوات اللجوء ما يسهل وفق خطابها هذا التعاون المباشر.

وجاءت زيارة شاهين إلى حلب ضمن وفد تركي رسمي ضم نائبة رئيس حزب العدالة والتنمية والمسؤولة عن سياسات البيئة والتخطيط العمراني سيفيلاي تونجر وشخصيات حزبية وإدارية أخرى، حيث استقبلهم محافظ حلب عزام الغريب في مقر المحافظة.

وبحث الجانبان بحسب ما نشرته وسائل إعلام تركية وعربية نقلاً عن “سانا” ووكالة “أناضول”، آليات تفعيل اتفاق “المدينتين الشقيقتين” في مجالات متعددة تشمل الثقافة والآثار ترميم الأبنية التاريخية والدينية والنظافة والخدمات والطرق والجسور والصحة والموارد المائية، إلى جانب مشاريع قيد النقاش تتعلق بتحسين الربط الطرقي بين حلب وغازي عنتاب كمسار اقتصادي ولوجستي داعم لحركة التجارة والعودة الطوعية للاجئين.

جزء من استراتيجية “العودة الطوعية والآمنة”

وتسنتند اتفاقية التوأمة  إلى اتفاق وقّع في 29 أيار/مايو 2025 بين بلدية غازي عنتاب ومحافظة حلب، ونصّ على تعاون مؤسسي في إعادة الإعمار وإدارة النفايات وتنظيم المرور والإنارة ودعم القطاعات الخدمية ووتشجيع التنمية المحلية بما يخلق بيئة مناسبة وآمنة لعودة السوريين الذين عاشوا في غازي عنتاب ومحيطها.

وفي سياق التصريحات التركية الرسمية المرتبطة بالاتفاق جرى التأكيد على أن تحسين ظروف العيش في حلب عبر هذه المشاريع المشتركة جزء من استراتيجية أوسع لـ”العودة الطوعية والآمنة”، مع إبراز غازي عنتاب بوصفها شريكاً مباشراً للمدينة السورية لا مجرد وسيط حكوم  وباستخدام لغة تشدد على الأخوة والتاريخ الواحد بين المدينتين.

رمزية حلب

ويمنح اختيار قلعة حلب ووسط المدينة القديمة مسرحاً مصوراً لهذا الخطاب الرسالة بعداً رمزياً مضاعفاً، فالقلعة المسجلة في لائحة التراث العالمي، والأسواق والجوامع والمدارس التاريخية المحيطة بها تحولت منذ سنوات إلى أحد أكثر ملفات ما بعد الحرب رمزية، ويرتبط ترميمها بسؤال أوسع حول من يكتب رواية إعادة الإعمار ومن يملك حق التدخل في الذاكرة البصرية لعاصمة الشمال السوري.

وحضرت في مقاطع الفيديو والتغطيات التركية المرافقة للزيارة مفردات مثل “إرث الأجداد” و”التراث المشترك” إلى جانب صور الورش والفِرق الفنية ما يربط الدعم البلدي التركي بخطاب الهوية الثقافية الذي استخدمته أنقرة في تجارب سابقة في مناطق أخرى من المنطقة.

تعاون خدمي

في المقابل، تقدم الرواية الرسمية السورية للقاء على أنه تعاون خدمي لتعزيز صمود المدينة وتحسين خدماتها الأساسية من دون التوقف عند حساسية انخراط بلدية تركية كفاعل مباشر في هذه الملفات، مكتفية بالتأكيد على أن التعاون يجري في إطار احترام السيادة السورية وضمن رؤية إعادة الإعمار بعد سقوط النظام السابق.

ويلتقي هذا التوصيف، مع الخطاب التركي الذي يحرص في هذه المرحلة على إظهار التنسيق مع السلطات القائمة في حلب، وعلى ربط كل مشروع عمراني أو ترميمي بعنوان “دعم سورية في مرحلة التعافي” وتخفيف أعباء اللاجئين عبر تهيئة مدنهم الأصلية.

تركيا تحجز مكانها

ويرى البعض أن إعادة إدخال حلب في خريطة الاهتمام التركي، يمر ايضاً من بوابة الاقتصاد إذ يسمح تطوير محور حلب–غازي عنتاب بخلق ممر تجاري جديد للسلع والاستثمارات التركية نحو الداخل السوري، وربط السوقين ضمن منظومة لوجستية واحدة بما يعزز موقع غازي عنتاب كبوابة إقليمية ويمنح أنقرة وزناً إضافيًا في رسم معادلة إعادة الإعمار في مواجهة فاعلين آخرين يسعون إلى الحضور في حلب من دول إقليمية إلى مؤسسات دولية وهو ما يحول الاتفاق البلدي إلى ورقة نفوذ سياسي واقتصادي في آن واحد.

هذا المسار يتقاطع أيضاً مع التعاون الاقتصادي، حيث تفتح الطرق والممرات والخدمات أمام تدفق البضائع القادمة من غازي عنتاب وغيرها في حين تبقى الصناعات المحلية، التي دمرتها الحرب وانقطاع الكهرباء وغياب الحماية الجمركية، عاجزة عن المنافسة في مواجهة سلعة أرخص وأعلى جودة نسبياً ومدعومة بشبكات نقل وتمويل منظمة، وهو ما يهدد بتحويل بروتوكول “المدينتين الشقيقتين” إلى منصة لترسيخ تبعية اقتصادية أحادية الاتجاه ترسخ حضور العلامات التجارية التركية في الواجهة، وتدفع المنتج الحلبي إلى الهامش في مدينة كان اقتصادها الصناعي والتجاري لعقود مصدراً لتوازنها واستقلاليتها، قبل أن تتحول اليوم إلى سوق مفتوحة لسلعة الجار الذي يشارك في إعادة إعمار حجارتها ويتحكم تدريجياً في رفوف محالها في آن واحد.

أسئلة سيادية وثقافية

خلف هذه اللغة الدبلوماسية الناعمة، تثير مشاهد شاهين أمام قلعة حلب، وإحالة بروتوكول “المدينتين الشقيقتين” أسئلة سياسية وثقافية ستبقى مفتوحة خلال المرحلة المقبلة، مثل: إلى أي حد يشكل هذا المسار تثبيتاً لاهتمام تركي بسوريا عبر واجهة بلدية وخدمية داخل واحدة من أهم المدن السورية؟ وكيف سيترجم عملياً في ملفات السيادة على القرار العمراني والاقتصادي، ومن يراقب شروط “العودة الطوعية” التي توضع هنا في سياق شراكة مع طرف يحمل في الوقت نفسه مصالح داخلية وضغوطًا انتخابية مرتبطة بملف اللاجئين، وما إذا كان ترميم الحجر في حلب القديمة سيواكبه ترميم متوازن للعلاقة بين المجتمعين بعيداً عن أي وصاية أو استثمار سياسي للذاكرة والعمران.

————————–

=====================

——————————————-

تحديث 06 تشرين الثاني 2025

————————————–

تأخر إعادة الإعمار في سوريا: بين التفاهمات السياسية وضعف البنية الاقتصادية/ أغيد حجازي

6 نوفمبر 2025

رغم الإعلان عن رفع العقوبات الغربية وتزايد الحديث عن الانفتاح الاقتصادي، ما تزال عملية إعادة الإعمار في سوريا غائبة عن المشهد العملي. وكان وزير الاقتصاد السوري محمد نضال الشعار قد صرّح بأن تكلفة إعادة الإعمار قد تتجاوز تريليون دولار إذا ما تم تنفيذ مشاريع البنية التحتية وفقًا للمعايير الحديثة، بينما قدّر البنك الدولي الكلفة الإجمالية للعملية بنحو 216 مليار دولار فقط، ما يعكس فجوة واسعة بين التقديرات الرسمية والدولية.

وفي مؤتمر “مبادرة مستقبل الاستثمار” الذي استضافته الرياض، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع أن سوريا نجحت في جذب استثمارات بقيمة 28 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الماضية، في مؤشرٍ على ما وصفه بانفتاح اقتصادي متدرّج نحو الأسواق الإقليمية والدولية.

وترافق ذلك مع إنشاء “صندوق التنمية السوري” بموجب المرسوم الرئاسي رقم (112) لعام 2025، ليكون الجهة المعنية بإدارة مشاريع إعادة البناء. ويُعدّ الصندوق كيانًا يتمتع بالاستقلال المالي والإداري ويرتبط مباشرة برئاسة الجمهورية، فيما تشير أحدث بياناته إلى أنه يحتوي على نحو 84.886 مليون دولار أميركي من التبرعات والتعهّدات، وهو مبلغ متواضع قياسًا بحجم التحديات الاقتصادية.

وفي الإطار الدولي، كانت الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي قد أعلنت رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، باستثناء قانون “قيصر” الذي لا يزال بحاجة إلى موافقة الكونغرس. ووفق ما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإن رفع العقوبات “يهدف إلى مساعدة سوريا في إعادة الإعمار بعد حرب أهلية مدمّرة”.

وفي هذا السياق، قال الصحفي موسى العمر، المقرّب من الحكومة في دمشق، خلال مقابلة مع قناة “الإخبارية السورية”، إن “بعض الاستثمارات ومذكرات التفاهم الاقتصادية التي وُقّعت مؤخرًا غير واقعية”، مشيرًا إلى مشروع “مدينة الفراشات” كمثال على ما وصفه بـ”الاستثمارات غير الحقيقية”.

ورغم هذه التطورات، لم تظهر بعد مؤشرات واضحة على انطلاق مشاريع إعادة الإعمار، ما يثير تساؤلات حول مدى ارتباط العملية بشروط سياسية أو تفاهمات إقليمية ودولية لم تكتمل بعد.

الترابط بين السياسة والاقتصاد في مرحلة ما بعد الحرب

قال الباحث السياسي أمجد إسماعيل لـ”الترا سوريا” إن “العلاقة بين إعادة الإعمار في سوريا والشروط السياسية ليست مجرد احتمالية أو فرضية، بل هي واقع يعكس عمق التداخل بين السياسة والاقتصاد في مرحلة ما بعد النزاع”. وأوضح أن “عملية إعادة الإعمار لا تُقاس فقط بكمية الاستثمارات، بل هي انعكاس للترتيبات السياسية التي تحدد شكل الدولة وتوزيع السلطات وضمانات العدالة والمشاركة السياسية”، مشيرًا إلى أن “الربط بين الاقتصاد والسياسة في سوريا يمثل عاملًا محوريًا لا يمكن تجاهله، إذ إن الاستقرار السياسي والحوكمة الفعالة شرطان أساسيان لجذب الاستثمارات وخلق بيئة عمل مواتية للتنمية”.

وأضاف إسماعيل أن “الوضع السياسي الراهن يُعتبر من العقبات الكبرى التي تؤخر تنفيذ المشاريع الاقتصادية والإعمارية، رغم رفع العقوبات وفتح الأسواق أمام الاستثمار”، لافتًا إلى أن “الصورة السياسية لا تزال غير مستقرة ومليئة بالتعقيدات الناتجة عن غياب توافق وطني واسع يضم مختلف القوى والمكونات، ما ينعكس سلبًا على قدرة الدولة على إصدار القوانين والتنظيمات الضرورية لحماية المستثمرين وجذب رؤوس الأموال”.

وأشار إلى أن “إجراءات السلامة والشفافية في عملية إعادة الإعمار لا تنفصل عن بناء إطار سياسي يعزز المناخ المؤسساتي ويحمي من الفساد والمحسوبية”، معتبراً أن “هذا ما يفسر تأخر انطلاق الإعمار فعليًا رغم الحديث المتكرر عن الانفتاح الاقتصادي”.

من جهته قال المستشار الاقتصادي عامر ديب إن “الخطاب الإعلامي حول الانفتاح الاقتصادي ورفع العقوبات وجذب الاستثمارات يتصاعد، إلا أن الواقع لا يظهر بوادر حقيقية لبدء عملية إعادة الإعمار في سوريا”، موضحًا أن “السبب لا يتعلق فقط بعامل الزمن، بل بمنظومة شروط سياسية واقتصادية لم تتحقق بعد”.

وأضاف ديب في حديثه لـ”الترا سوريا” أن “إعادة الإعمار اليوم لم تعد مجرد عملية إنشائية أو تمويلية، بل أصبحت ملفًا سياسيًا بامتياز يرتبط بوضوح بالمسار السياسي ومستوى الاستقرار والحكم الرشيد”، مشيرًا إلى أن “الدول والجهات الممولة تربط مشاركتها بوجود ضمانات للشفافية، واستقلالية القرار الاقتصادي، وضمان بيئة آمنة ومستقرة للمشاريع طويلة الأجل”.

وأوضح أن “الاقتصاد السوري ما يزال يعاني من فجوة مؤسسية واضحة، تظهر في عدم جاهزية البنية التحتية للاستثمار، سواء على صعيد البنى المادية كالكهرباء والاتصالات واللوجستيات، أو البنى التشريعية والتنفيذية التي يفترض أن توفر الحماية والتحفيز للمستثمر المحلي والدولي”.

إعادة الإعمار بين التعافي السياسي والجدوى الاقتصادية

وفي سياق ربطه بين التعافي الاقتصادي والواقع السياسي والمسار الزمني، أكد إسماعيل أن “مرور الزمن وحده لا يكفي لتحقيق تعافٍ اقتصادي شامل”، مضيفًا أن “إعادة الإعمار تتطلب إرادة سياسية حقيقية تقوم على مشروعية وتشاركية في الإدارة الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما لا يتحقق إلا من خلال عملية سياسية متكاملة تشمل المصالحة الوطنية وإعادة بناء المؤسسات وضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لجميع المكونات”.

واعتبر أن “تعثر هذه العملية السياسية يؤدي إلى تأجيل الانفراج الاقتصادي ويُبقي حالة عدم اليقين لدى الفاعلين الاقتصاديين والدول المانحة والمستثمرين الأجانب”.

ولفت إسماعيل إلى أن “عملية إعادة الإعمار في سوريا لا يمكن أن تُختزل في معالجات اقتصادية بحتة أو توقعات زمنية قصيرة، فهي مرهونة بشروط سياسية جوهرية تتعلق بإعادة تأسيس النظام السياسي وبناء اتفاقات وطنية تضمن الاستقرار وشمولية التنمية”.

وأضاف أن “العلاقة بين الاقتصاد والسياسة تمتد إلى البعد الدولي، حيث تؤثر تحالفات دمشق الخارجية في مسارات الدعم الاقتصادي والتمويل، فيما يرتبط استقطاب الاستثمارات بمدى قدرة الحكومة الجديدة على معالجة العقبات السياسية والأمنية الداخلية”.

وشدّد ديب على أن “إعادة الإعمار تتطلب أولًا إطارًا سياسيًا توافقيًا يضمن الاستقرار، وإصلاحًا ماليًا ونقديًا يقوده مصرف مركزي فعّال ومستقل، وتحديث البنية التشريعية والتنفيذية، وإعادة الثقة بين الدولة والمستثمرين والمؤسسات المالية الدولية”، مضيفًا أنه “بدون هذه الشروط، يبقى الحديث عن الاستثمارات وإعادة الإعمار أقرب إلى الطموح النظري منه إلى التنفيذ الواقعي”.

وبيّن ديب أن “ضعف دور المصرف المركزي يُعد عاملًا رئيسيًا في تعطيل الاستثمار”، مرجعًا ذلك إلى “غياب سياسات نقدية واضحة ومستدامة، وعدم استقرار سعر الصرف، وضعف أدوات الرقابة على القطاع المالي، ومحدودية قدرة النظام المصرفي على تأمين التحويلات الخارجية، فضلًا عن غياب بيئة مصرفية تشجع على دخول رؤوس الأموال بدلًا من خروجها”.

وأكد أن “فقدان القطاع المالي للقدرة على الاستقرار والثقة يجعل أي مشروع استثماري معرضًا لمخاطر عالية، وهو ما يفسر تردد المستثمرين والشركات الدولية”، معتبرًا أن “إعادة الإعمار ليست معطلة بفعل الوقت فقط، بل نتيجة غياب بيئة اقتصادية وقانونية ومؤسسية مكتملة”.

غياب التوافق السياسي يعرقل التعافي الاقتصادي وإطلاق الإعمار

وفي ختام حديثه، رأى الباحث السياسي إسماعيل أن “تأخر إعادة الإعمار لا يعود فقط إلى عامل الزمن، بل إلى وجود عقبات سياسية عميقة تتمثل في غياب التوافق الوطني وهشاشة الإدارة واستمرار العقوبات الدولية الجزئية”، مؤكدًا أن “النقص في معايير الشفافية والحوكمة يعد عاملًا بالغ التأثير، وأن أي حديث جاد عن إعادة الإعمار يتطلب تجاوز هذه الحواجز ضمن إطار شامل يوازن بين التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية”، مضيفًا أن “إعادة الإعمار في سوريا هي عملية سياسية بامتياز كما هي اقتصادية، ومفتاحها يكمن في بناء الثقة السياسية وتعزيز الحكم المؤسسي القادر على تنفيذ الخطط الإصلاحية في ظل مظلة مستقرة وشاملة”.

واختتم المستشار الاقتصادي ديب حديثه بالإشارة إلى أنه “رغم كل الحديث عن الانفتاح الاقتصادي، ما تزال إعادة الإعمار في سوريا مؤجلة، والسبب ليس الزمن فقط، بل غياب بيئة سياسية واقتصادية قادرة على جذب التمويل والاستثمار”، مؤكدًا أن “إعادة الإعمار اليوم تحتاج إلى إطار سياسي مستقر، وإصلاح تشريعي وتنفيذي، وبيئة مصرفية ومالية قادرة على إدارة رأس المال، ودور فعّال للمصرف المركزي لضبط سعر الصرف وتأمين التحويلات وحماية الثقة النقدية”، مضيفًا أن “بدون ذلك، يبقى الاستثمار مؤجلًا، والثقة محدودة، والتنمية خارج نطاق التنفيذ”.

الترا سوريا

———————————-

هل تنقذ زيادة التعرفة منظومة الكهرباء من الانهيار أم تفاقم معاناة السوريين؟/ أحمد العكلة

دمشق– أصدرت وزارة الطاقة السورية أواخر أكتوبر/تشرين الأول الماضي القرارين رقم 686 و687، اللذين يحددان تعرفة جديدة لمبيع الكيلوواط/ساعة للكهرباء اعتبارا من الأول من هذا الشهر، وذلك لجميع المشتركين في القطاعات المنزلية والصناعية والحكومية.

ويعتمد النظام على 4 شرائح رئيسية تراعي مستويات الاستهلاك:

    الأولى لأصحاب الدخل المحدود (حتى 300 كيلوواط شهريا) بسعر 600 ليرة سورية للكيلوواط (نحو 0.05 دولار) مدعوما بنسبة 60% من الحكومة.

    الثانية للدخل المتوسط والمشاريع الصغيرة (أكثر من 300 كيلوواط) بسعر 14 ألف ليرة (نحو 0.12 دولار).

    الثالثة للمؤسسات المعفاة من التقنين (مثل المصانع والجهات الحكومية) بسعر 1700 ليرة (نحو 0.14 دولار).

    الرابعة للاستهلاكات العالية مثل الإنارة الإعلانية بسعر 1800 ليرة (نحو 0.15 دولار).

ووصف الوزير محمد البشير هذا التعديل بأنه “خطوة أولى نحو إصلاح شامل” لمواجهة خسائر تصل إلى مليار دولار سنويا، مع خطط لتركيب 6.5 ملايين عداد ذكي وتطوير الشبكات. لكن القرار أثار جدلا شعبيا واسعا بسبب الضغوط الاقتصادية المستمرة.

وفي تصريحات خاصة للجزيرة نت، كشف خالد أبو دي مدير المؤسسة العامة للكهرباء بوزارة الطاقة تفاصيل التسعيرة الكهربائية الجديدة للاستهلاك المنزلي، بالإضافة إلى جهود إعادة تأهيل البنية التحتية ومصادر الطاقة، مشددا على أن التطبيق سيبدأ اعتبارا من بداية الشهر الجاري.

وأوضح أبو دي أن الشريحة الاستهلاكية الأولى تشمل 300 كيلو واط/ساعة بسعر 600 ليرة (نحو 0.05 دولار) في حين تبلغ الثانية (ما فوق 300 كيلو واط/ساعة) 1400 ليرة (نحو 0.12 دولار).

وأشار إلى أن الشريحة الأولى مدعومة بنسبة تقريبية تصل إلى 60% من قبل الحكومة، حيث تصل تكاليف الإنتاج الفعلية 1500 ليرة (نحو 0.13 دولار) وتكون الثانية إما صفرية الدعم أو قريبة جدا من تكاليف التوليد التقليدي.

تطبيق الفواتير وتحسين التغذية

أكد أبو دي أنه سيُحسب كل الاستهلاك بعد تاريخ الأول من هذا الشهر وفق التسعيرة الجديدة. وربط تحسين ساعات التغذية بزيادة التوليد وتقليل التعديات على الشبكة، موضحا أنه لا يمكن تحديد رقم ثابت، لكن الساعات في نطاق 8 ساعات، مع إمكانية زيادة بنسبة 20% تعادل الفاقد أو التعديات.

وأضاف أنه مع توفر الغاز، مثل شراء 6 ملايين متر مكعب من الإيرادات، يمكن زيادة التوليد بنحو ألف ميغاواط، مما يرفع ساعات الوصل إلى نحو 14 ساعة تقريبا.

وكشف أبو دي عن مصدرين رئيسيين للغاز: الإنتاج المحلي، والمنح القطرية (الغاز الأزرق) من صندوق التنمية القطرية، مشيرا إلى أن وزارة الطاقة تعمل حاليا على شراء كميات غاز جديدة، بالإضافة إلى الفيول المحلي بكميات محدودة.

وأوضح أن المؤسسة والشركات تقوم بإعادة تأهيل الشبكة الكهربائية وفق الإمكانيات المتاحة، من خلال تأمين المواد الأولية مثل المحولات وخطوط النقل والأسلاك المنخفضة والقواطع والمصاهر. وأكد أن الأعمال المنفذة الفترة الماضية كانت “جيدة جدا إلى ممتازة” مع بدء تنفيذ مشاريع جديدة عام 2026.

ولفت إلى أن “كل الجهات الحكومية ستقوم بدفع ثمن الكهرباء، ومن يحتاج إلى الكهرباء سيترتب عليه دفع ثمنها بغض النظر عن صفة المستهلك، سواء مواطنين أو شركات أو جهات حكومية”. كما أفاد بأن العدادات الذكية ليست جديدة على سوريا، إذ تُطبّق بالفعل في الشمال والغرب، وسيُصار إلى توسيع التجربة قريبا.

آراء المواطنين بين التفاؤل والقلق

أجرت الجزيرة نت استطلاعا للرأي بين المواطنين لاستقصاء آرائهم حول تأثير هذا القرار على حياتهم اليومية، ومدى ارتباطه بزيادة ساعات الوصل، والحلول المقترحة.

وأظهرت الآراء تنوعا بين التفاؤل بالتحسّن المستقبلي والقلق من العبء الاقتصادي، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب.

فقالت رنين فواخرجي -للجزيرة نت- إن زيادة أسعار الكهرباء ستؤدي تلقائيا إلى زيادة ساعات الوصل، مشيرة إلى أن الحكومة درست إيجابيات وسلبيات القرار. وأضافت “أكيد حكومتنا لو ما شايفة هذا الشيء رح يكون إيجابي ودارسة إيجابياته وسلبياته ما بتعمل هيك”. وأوضحت أن الحكومة ستستفيد ماليا من زيادة الاستهلاك مما سينعكس إيجابا على كل شيء.

وأشار شريف عبد الرحمن -للجزيرة نت- إلى العبارة الشعبية القديمة “غلّوا بس جيبوها” موضحا أن الغلاء كان يسبق دائما تحسنا في الخدمات. وقال “إحنا كنا متعودين سابقا على عبارة غلّوا بس جيبوها.. وللأمانة هذا الشيء معروف”. وأعرب عن معارضته للرفع حاليا بسبب الوضع الاقتصادي بعد الحرب، لكنه توقع زيادة قريبة في الرواتب لتحقيق التوازن، مؤكدا أن زيادة ساعات الوصل ستحل أزمات المصالح التجارية، وستكون مجحفة على الأسر ذات الدخل المحدود، متمنيا تأجيل القرار ودعم الأسعار.

وأبدى أحمد عادل -خلال حديثه للجزيرة نت- رفضا قاطعا للقرار، معتبرا أن المواطن غير قادر على دفع الفواتير. وقال “هلا بجيبوها ثلاثة ولا خمسة ولا 24 ساعة، طيب المواطن ما معه يسدد الفاتورة.. يا دوب عم يحسن يأمن باب المعيشة، الوضع على الناس كلها صعب”. وأضاف أن الزيادة مستحيلة في ظل الظروف، محذرا من أن نقص المال قد يدفع البعض إلى الجريمة أو الهجرة، واقترح إيجاد باب معيشة للناس كحل وحيد.

أما غياث أبو حسين فأعرب عن أمله في التحسّن بعد التحرير، لكنه حذر من تأثير الزيادة. وقال “نحن بعد التحرير كنا عندنا أمل.. وكل الشعب السوري متفائل، ولكن زيادة التعريفة رح تزيد العبء على المواطن”. وأوضح أن الوضع الاقتصادي صعب أصلا، وسيكون التأثير سلبيا خاصة على ذوي الدخل المحدود، مقرا بإمكانية زيادة ساعات التشغيل بساعتين، لكنه أكد أن العبء سيكون غير محتمل لمعظم المواطنين.

وفصّل محمد أبو حسين -للجزيرة نت- بين زيادة الساعات وارتفاع الأسعار، مشيدا بجهود الدولة في إعادة تأهيل الكهرباء. وقال “موضوع ارتفاع سعر الكهرباء يختلف تماما عن زيادة الساعات.. الدولة مشكورة عم تشتغل على موضوع الكهرباء وإعادة تأهيلها”. واعتبر الكهرباء من أساسيات الحياة، لكنه انتقد توقيت القرار بعد الحرب، مطالبا بتناسب الدخل مع الأسعار للمواطنين.

وتوقع مصطفى اللاذقاني -في حديثه للجزيرة نت- تحسنا واضحا في ساعات الوصل بعد الزيادة، مشيرا إلى مصاريف الدولة الكبيرة بعد الدمار. وقال “أكيد بعد زيادة الأسعار رح يكون في تحسّن.. الدولة طالعة من الركام، وبحاجة لتكاتف الكل”. واعتبر الرفع متسرعا في المبلغ، مقترحا تقسيمه إلى دفعات مع زيادات رواتب متتالية لتحقيق تناسب مع الدخل، متمنيا زيادة أخرى للرواتب لتخفيف العبء، ومشددا على تخفيف السعر حاليا وزيادته لاحقا مع تحسّن الدخل.

المصدر: الجزيرة

——————————-

الانكشاف المصرفي” .. كيف يعيد قرار المركزي رسم الخارطة المالية؟/ عزيز موسى

6 نوفمبر 2025

في خطوة توصف بأنها الأكثر جرأة منذ سنوات في السياسة المالية السورية، أصدر حاكم المصرف المركزي، الدكتور عبد القادر الحصرية، قرارًا يُلزم المصارف في البلاد بتكوين مخصصات مالية تغطي خسائرها الناجمة عن الانهيار المالي في لبنان، وتقديم خطط إعادة هيكلة شاملة خلال ستة أشهر.

التعميم الصادر في 22 أيلول/سبتمبر الماضي، يفرض على المصارف الاعتراف الكامل بالانكشاف على النظام المالي اللبناني، بعد أن كانت قد أودعت جزءًا كبيرًا من أموالها هناك خلال سنوات الحرب. هذه الخطوة التي جاءت في سياق إعادة الهيكلة المالية في الداخل السوري بهدف تعزيز الشفافية وتقليص المخاطر الخارجية، طرحت تساؤلات متعددة حول إمكانية تحقيقها والآثار الناتجة عنها، في ظل استمرار عجز المصارف اللبنانية عن إعادة أموال المودعين المحليين.

إعادة هيكلة للقطاع المصرفي

يشير مصطلح “الانكشاف المصرفي” إلى مدى تعرض بنك أو مؤسسة مالية لمخاطر عدم تحصيل أصول أو التزامات قائمة نتيجة تعاملاته أو ارتباطاته المالية مع جهات أخرى، سواء داخل الدولة أو خارجها، بعبارة أخرى: هو المبلغ أو القيمة التي قد يخسرها البنك إذا لم يتمّ تسديد التزام من طرفٍ آخر، مثل إقراض بنك لجهة ما أو إيداعه لدى جهة أخرى أو ارتباطه بمشروع/استثمار لا تستطيع الجهة المقابلة الوفاء به.

يرى الخبير الاقتصادي والمستشار المالي، الدكتور علي محمد، أن المصرف المركزي بنى قراره حول الانكشاف المالي المقدّر بـ1.6 مليار دولار من إجمالي ودائع بلغت 4.9 مليار دولار في المصارف اللبنانية نتيجة كثير من الأسباب. وتأتي العقوبات المفروضة على رأسها وعدم قدرة الجهاز المصرفي السوري على النفاذ إلى النظام المالي والمصرفي العالمي، واستثمار جزء من أمواله في المصارف العالمية، نظرًا لتشجيع البيئة المصرفية في لبنان آنذاك، إلى أن بدأت “الهندسات المالية” في العام 2016 من قبل مصرف لبنان المركزي ومنح فوائد مجزية على الودائع.

وأضاف الدكتور محمد في حديثه لموقع “الترا سوريا” أن أزمة تشرين الأول/أكتوبر 2019 أدت إلى انهيار النظام المالي اللبناني نتيجة لأسباب تتعلق بالمالية العامة اللبنانية، فضلًا عن كيفية تمويل عجوزات الموازنة للحكومات اللبنانية المتعاقبة من قبل مصرف لبنان المركزي. وأشار إلى أنه بناءً على هذا طلب المصرف المركزي من المصارف أن تشكّل مخصصات على مراحل، على أن تصبح 30% من إجمالي هذه المبالغ و70% تتحملها مجالس إدارة المصارف. بالتالي، فإن قرار تكوين المخصصات 100% هو قرار ضاغط من حيث التوقيت في فترة النظام المالي اللبناني الذي يعمل منذ أشهر على تحسين الواقع المصرفي والمالي في لبنان.

من جانبه، يرى الباحث في قضايا الاقتصاد الكلي والمجتمعي، الأستاذ عبد العظيم المغربل، أن إلزام المصارف بتكوين مخصّصات تغطي 100% من انكشافها على النظام المالي اللبناني وخطط إعادة هيكلة خلال 6 أشهر، يعيد تصويب القوائم المالية ويقلّص فجوة رأس المال الدفتري مقابل المخاطر الفعلية. ورأى المغربل في حديثه لـ”الترا سوريا” أن القرار ينسجم مع أولوية الاستقرار المالي على المدى القصير ولو على حساب انكماش الائتمان، خصوصًا في حالة الاقتصاد السوري الذي يعاني قيودًا في السيولة، وتذبذبًا في سعر الصرف، متوقّعًا أن يصل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 1% فقط لعام 2025.

ضغوط الانكشاف تستدعي المرونة

يشير الدكتور محمد إلى أنه يجب أن يكون هناك مرونة من قبل المصرف المركزي في التعامل مع المصارف العاملة خلال مدة ستة أشهر، لا سيما أنها شكّلت المخصصات وستعمل على إيجاد حلول لتغطية هذا الانكشاف، وربما يكون هناك تعاون بين المصارف السورية والمصارف التي وضع فيها مبالغ، مرجّحًا أن يكون هناك تعاون بين مصرف سوريا المركزي ومصرف لبنان المركزي وصولًا إلى التعاون بين الحكوميتين السورية واللبنانية. وأوضح أن المشكلة الأساسية تتعدى مسألة الانكشاف فقط في ظل وجود ودائع للسوريين في لبنان، والتي تُقدّر بين 20 – 40 مليار دولار في ظل غياب أرقام دقيقة، ما يتطلب المعالجة على أعلى المستويات بين البلدين.

أما المغربل، فينظر إلى أن المهلة الزمنية المحددة بستة أشهر هي مدة منطقية لتكوين المخصصات ووضع الخطط، لكنها قصيرة لتمويل الفجوات الكبيرة خاصة مع تقديرات انكشاف بنحو 1.6 مليار دولار، في ظل وجود تحديات تتمثل بمحدودية الرسملة المحلية، وضعف تدفقات رأس المال من الخارج، وقيود سيولة الدولار، بالإضافة إلى العوائق المرتبطة بالبيئة القانونية والتنظيمية وتذبذب سعر الصرف، ما يعرقل التنفيذ الكامل ضمن المدة من دون دعم سياساتي متكامل.

شفافية تجذب رؤوس الأموال

يؤكد الدكتور محمد أن سوريا أمام فرصة كبيرة لتكون ورشة إعادة إعمار في كامل القطاعات في حال سارت الأمور على نحو إيجابي، وتم إلغاء “قانون قيصر” في نهاية العام. وبناء على ذلك، تحتاج سوريا إلى نظام مصرفي قوي يمكنه تسهيل تحويل الأموال من الخارج، ما يعزز فرص الاستثمار. ولفت إلى أن هذه الاستثمارات تحتاج إلى أموال يتم تحويلها من الخارج إلى الداخل السوري؛ وفي المقابل، سيتم تحويل جزء من هذه الإيرادات والأرباح إلى الخارج، كما أن عودة سوريا إلى نظام “سويفت” لتحويلات المال العالمية ووجود مصارف استثمارية كبيرة ستسهم في تقوية القطاع المصرفي ودعم الإصلاحات الاقتصادية.

فيما يشير الباحث المغربل إلى أن القرار قد يدفع عمليًا نحو فرز بنكي، أي اندماجات واستحواذات وخروج بنوك، مقابل تعزيز الحوكمة وإدارة المخاطر لدى القادرين على تغطية الخسائر. كما أن إعادة رسملة انتقائية وشراكات محتملة مع مستثمرين عرب وأجانب قد تعيد تشكيل الخريطة المصرفية، بشرط وضوح القواعد التنظيمية وحماية المساهمين والدائنين. أما على صعيد الاستثمار، فإن تصحيح الميزانيات يرفع الشفافية ويحدّ من المخاطر النظامية، ما قد يساهم في جذب رأس المال الحذر، إلا أن الأثر الإيجابي مرهون بتحسن البيئة الكلية للبلاد.

استثمارات مرتقبة

ينوّه الدكتور محمد إلى أنه في ظل الحديث اليوم عن إقبال بعض المصارف الخليجية على العمل في سوريا خلال مبادرة مستقبل الاستثمار “دافوس الرياض”، والتي عقدت في السعودية بمشاركة سوريا، قد يكون هناك انطلاق لمصرفين أو ثلاثة مصارف سعودية، إضافة إلى إمكانية افتتاح فروع لمصارف عالمية في ظل الكثافة المصرفية العالية بـ40 ألف مواطن لكل فرع مصرفي واحد، وبالتالي هذا يتطلب زيادة في عدد المصارف وتوسيع فروعها.

ويختم الباحث المغربل حديثه مشيرًا إلى أن المطلوب حزمة متكاملة تشمل إطارًا واضحًا لإعادة الهيكلة مثل إرشادات للرسملة، ومعالجة الديون المتعثرة، مع إفصاح دوري مراقَب من الجهة الناظمة، إضافة إلى تعزيز أدوات الرقابة الاحترازية الكلية، وتسوية تدريجية للانكشافات العابرة للحدود، مع خارطة زمنية قابلة للقياس ومؤشرات أداء.

الترا سوريا

——————————

الطاقة السورية توقّع الاتفاقيات النهائية لإنشاء 8 محطات كهرباء بقدرة 5000 ميغاواط

6/11/2025

وقّعت وزارة الطاقة السورية اليوم الاتفاقيات النهائية لإنشاء 8 محطات لتوليد الكهرباء، بقدرة إجمالية تبلغ 5000 ميغاواط، مع التحالف الدولي الذي تقوده شركة “أورباكون” القابضة، عبر شركتها التابعة “أورباكون كونسيشونز للاستثمار”، وبمشاركة شركات “كاليون” و”جنكيز”، و”باور إنترناشونال” الأمريكية للطاقة، وذلك ضمن الخطة الوطنية لتأمين احتياجات سوريا من الطاقة ودعم عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

AMR 1594 2 الطاقة السورية توقّع الاتفاقيات النهائية لإنشاء 8 محطات كهرباء بقدرة 5000 ميغاواط (موسّع)

‏وجرى توقيع الاتفاقيات في مقر الوزارة بدمشق بين وزير الطاقة محمد البشير، ورئيس مجلس إدارة شركة “أورباكون” القابضة رامز الخياط، بحضور ممثلين عن الشركات المشاركة.

‏4 محطات غازية و4 شمسية

وتتضمن الاتفاقيات بناء وتشغيل أربع محطات غازية، تعمل بتقنية الدورة المركبة عالية الكفاءة في كل من شمال حلب بقدرة 1200 ميغاواط، ودير الزور بقدرة 1000 ميغاواط، وزيزون بقدرة 1000 ميغاواط، ومحردة بقدرة 800 ميغاواط، كما تشمل إنشاء أربع محطات طاقة شمسية بقدرة إجمالية تبلغ 1000 ميغاواط، في مواقع وديان الربيع بريف دمشق ودير الزور وحلب وحمص.

AMR 1553 1 الطاقة السورية توقّع الاتفاقيات النهائية لإنشاء 8 محطات كهرباء بقدرة 5000 ميغاواط (موسّع)

ومن المقرر تنفيذ هذه المشاريع، وفق أحدث التقنيات التي تراعي الكفاءة العالية والأثر البيئي المنخفض ومعايير السلامة العالمية، وببرنامج زمني يضمن دخولها الخدمة بشكل متتابع.

‏المشاريع نقلة نوعية في مجال الطاقة

وأكد الوزير البشير أن هذه المشاريع تمثل نقلة نوعية في تطوير البنية التحتية للطاقة في سوريا، وتعزز القدرة التوليدية، وتدعم استقرار الشبكة الكهربائية، وتؤمن آلاف فرص العمل، كما تسهم في تأهيل الكوادر الوطنية للعمل على أنظمة توليد متطورة.

AMR 1616 1 الطاقة السورية توقّع الاتفاقيات النهائية لإنشاء 8 محطات كهرباء بقدرة 5000 ميغاواط (موسّع)

وقال الوزير البشير: “بعد سلسلة من الاجتماعات الفنية وورش العمل المكثفة، وفي إطار الجهود المستمرة لترجمة مذكرات التفاهم إلى عقود تنفيذية، وقعنا اليوم هذه العقود مع شركة UCC امتداداً لمذكرات التفاهم والاتفاقيات السابقة”.

وأضاف الوزير البشير: “سيتم تنفيذ المحطات على مراحل متتالية وفق جدول زمني دقيق، وضمن مدة تنفيذ تمتد إلى ثلاث سنوات ونصف، بما يضمن تحقيق الأهداف المرجوة بكفاءة واستدامة”.

AMR 1620 1 الطاقة السورية توقّع الاتفاقيات النهائية لإنشاء 8 محطات كهرباء بقدرة 5000 ميغاواط (موسّع)

وأكد وزير الطاقة أن هذه المشاريع ستتيح أكثر من 50 ألف فرصة عمل مباشرة وما يزيد على 200 ألف فرصة عمل غير مباشرة، مما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز التنمية المحلية.

‌‌‏من جهته، أوضح الخياط أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص في هذه المشاريع تمثل نماذج تنموية متقدمة تعكس ثقة المستثمرين الدوليين بالاقتصاد السوري وآفاق تعافيه، مؤكداً التزام التحالف بتنفيذ المشاريع ضمن المهل الزمنية وبأعلى المعايير العالمية.

AMR 1573 1 الطاقة السورية توقّع الاتفاقيات النهائية لإنشاء 8 محطات كهرباء بقدرة 5000 ميغاواط (موسّع)

‏وتندرج مثل هذه المشاريع ضمن الشراكة المتكاملة بين القطاعين العام والخاص في قطاع الطاقة، وتفتح الباب أمام استثمارات جديدة في مجالات اقتصادية وخدمية أخرى، بما يدعم جهود الدولة في تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز مقومات النمو الاقتصادي الوطني.

وتسعى وزارة الطاقة، في ظل التحديات المستمرة في قطاع الطاقة إلى تنويع مصادر الكهرباء وتعزيز الاعتماد على الطاقات المتجددة، ولا سيما الطاقة الشمسية والريحية، في إطار خططها الرامية لتحقيق أمن طاقي مستدام، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

———————————

======================

———————————————

تحديث 05 تشرين الثاني 2025

——————————–

حرب اللوبيات” تعرقل إلغاء “قيصر”/ موفق الخوجة | وسيم العدوي | أمير حقوق | عمر علاء الدين

بينما يأمل السوريون رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية، المتمثلة بقانون “قيصر”، عن سوريا بعد سقوط نظام الأسد، لا يزال طريق إلغاء القانون مليئًا بالعثرات بعد مروره من مجلس الشيوخ الأمريكي، في 10 من تشرين الأول الماضي.

القانون يحتاج الآن إلى تصويت في مجلس النواب، ثم يجري التوافق على مشروع لرفعه للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، للتوقيع عليه، إلا أن القانون يشهد تجاذبات في أروقة البيت الأبيض.

وبينما يضغط البيت الأبيض بشدة على الكونجرس لإلغاء “قيصر”، تدعو بعض المنظمات والشخصيات المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، والمناهضة للسلطة في دمشق، إلى إبقاء العقوبات المفروضة على دولة يرونها تهديدًا محتملًا لهم وللأقليات كالعلويين والدروز.

وتقابَل هذه الضغوط بجهود من منظمات سورية- أمريكية، تطالب بالإلغاء الكامل والفوري للعقوبات، وبالتالي السماح لشركات دولية بالانخراط بالنشاط الاقتصادي في سوريا بعد الحرب.

تستعرض عنب بلدي مساعي التيارات الضاغطة لإبقاء قانون “قيصر” الذي فُرض على النظام السابق، ورئيسه المخلوع، بشار الأسد، منذ عام 2020، وتبحث في إمكانيات بقائه أو إلغائه، والشروط المرافقة لذلك، وتأثير ذلك على المستوى الاقتصادي والسياسي مع الباحثين والخبراء.

مثلث الضغوط يواجه إرادة ترامب

قطع إلغاء قانون “قيصر” شوطًا كبيرًا بعد إقرار مجلس الشيوخ رفعه، من خلال تمرير الموازنة العامة لوزارة الدفاع الأمريكية، في 10 من تشرين الأول الماضي، إلا أنه ما زال يواجه تيارات ضاغطة، أبرزها منظمات موالية لإسرائيل، قبيل عرضه على مجلس النواب الأمريكي.

مساعد كبير في الكونجرس، قال لموقع “المونيتور” بشرط عدم الكشف عن هويته، إن المسؤولين في البيت الأبيض ووزارتي الخارجية والخزانة “كانوا واضحين تمامًا أمام الكونجرس بأن الموقف الرسمي للإدارة هو الإلغاء الكامل والنهائي لقانون (قيصر)”.

بالمقابل، بعض المنظمات المؤيدة لإسرائيل في واشنطن تدعو إلى إبقاء العقوبات المفروضة على دولة يرونها تهديدًا محتملًا لإسرائيل وللأقليات كالعلويين والدروز، وفق الموقع.

وقالت مصادر مطلعة على جهود الضغط لـ”المونيتور”، إن مسؤولين إسرائيليين كبارًا، بمن في ذلك رون ديرمر، المساعد المقرب لرئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، شاركوا أيضًا في التواصل مع المشرّعين.

وعقب ما سرّبه الموقع الأمريكي، نشر عضو “المجلس السوري- الأمريكي” محمد علاء غانم، مقطعًا مصورًا على حسابه في “فيسبوك” قال فيه، إن المفاوضات مع مجلس النواب جارية رغم الإغلاق الحكومي، إلا النجاح غير مضمون، مبديًا أمله في نجاح المفاوضات للوصول إلى تسوية في المجلس.

كما أن المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك، كان يدفع باتجاه رفع العقوبات، إذ سهّل عدة لقاءات بين وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ووزارة الخزانة الأمريكية، وعدد من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب في 19 و20 من أيلول الماضي، بينهم ليندسي غراهام وكريس فان هولن.

وقال مصدر آخر في الكونجرس لـ”المونيتور”، إن براك أجرى اتصالات هاتفية مع كبار المشرّعين “الجمهوريين” في الأسابيع الأخيرة لحثهم على دعم إلغاء القانون.

شروط لرفع القانون

في 15 من أيلول الماضي، أي قبل زيارة الشيباني إلى واشنطن، قدّم عضو مجلس الشيوخ ليندسي غراهام، الداعم القوي لإسرائيل، نيابة عنه وعن عضو المجلس كريس فان هولن، تعديلًا على قرار تعليق قانون عقوبات “قيصر” على سوريا.

ووفق موقع الكونجرس الأمريكي، فإن غراهام قدّم تعديلًا ينص على أن “التعليق لن يكون مطلقًا” بل مشروطًا بجملة من الالتزامات الصارمة تُفرض على الحكومة الانتقالية وتُتابع دوريًا، وهي:

    الانضمام رسميًا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”.

    الالتزام بمحاربة “الإرهاب”.

    حماية حقوق المكونات الدينية والإثنية وضمان مشاركتها السياسية.

    الحفاظ على علاقات سلمية مع دول المنطقة بما فيها إسرائيل.

    وقف دعم أو إيواء التنظيمات المصنفة “إرهابية”.

    إخراج المقاتلين الأجانب من مؤسسات الدولة والأمن.

    محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات منذ كانون الأول 2024.

وقبل لقاء وزير الخارجية السوري بساعات، قال غراهام لموقع “أكسيوس”، إن الشيباني سيجتمع بعدد من النواب الأمريكيين لمناقشة إمكانية الإلغاء الدائم لعقوبات “قيصر”، موضحًا أن دعمه لذلك مشروط بانضمام سوريا رسميًا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة”، وبالتوصل إلى اتفاق أمني جديد مع إسرائيل.

إلا أن هذه الشروط أصبحت بعد تمرير مشروع الإلغاء في مجلس الشيوخ “غير ملزمة”.

ووفق عضو “المجلس السوري- الأمريكي” محمد علاء غانم، فإن هذه الشروط غير الملزمة تُعيد عقوبات “قيصر” تلقائيًا في حال الإخفاق بتطبيقها.

وأضاف أن هناك بندًا غير ملزم يقضي بأن يناقش الكونجرس مسألة إعادة فرض قانون “قيصر” في حال لم تُحرز الحكومة السورية تقدّمًا فيما هو مطلوب منها لمدة 12 شهرًا متتالية.

بالنسبة للبنود غير الملزمة، قال الباحث في مركز “جسور للدراسات” محمد سليمان، إن معظمها يمكن النظر إليه كـ“بوصلة سياسية” أكثر من كونها “شروطًا قسرية”، معتبرًا أن الحكومة السورية تستطيع بـ”درجات متفاوتة” تنفيذ عدد من هذه التعهدات وهي لديها رغبة “حقيقة وجدية”.

المستشار السابق في الخارجية الأمريكية، حازم الغبرا، قال لعنب بلدي، إن موضوع رفع العقوبات مرتبط بـ”طلبات واضحة جدًا وبسيطة عمليًا وليست معقدة”، يتشارك بها الطرفان السوري والأمريكي، منها “حماية حقوق الأقليات وأمنهم، ومحاربة الإرهاب”، بحسب تعبيره.

مَن الداعمون والرافضون لرفع القانون؟

التحالفات بشأن قانون “قيصر” في الكونجرس وفي عموم الولايات المتحدة، انقسمت على مستوى الحزبين الأمريكيين، وعلى مستوى الجالية السورية في أمريكا نفسها، وفق ما رصدته عنب بلدي.

الداعمون لإلغاء “قيصر”

يتوزع الداعمون لإلغاء “قيصر” على:

    إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ووزارة الخزانة الأمريكية، وغرفة التجارة الأمريكية.

    أعضاء من الكونجرس:

    من الحزب “الديمقراطي”: جين شاهين وماكسين ووترز ورشيدة طليب وإلهان عمر وجيمي بانيتا وبراميلا جايابال.

    من الحزب “الجمهوري”: جو ويلسون وراند بول وآنا بولينا لونا ومارلين ستوتزمان ولو كوريا وجاك بيرغمان.

    عائلات المفقودين الأمريكيين في سوريا.

    من المنظمات السورية: “المجلس السوري- الأمريكي”، “التحالف السوري للسلام والازدهار”، “المنظمة السورية للطوارئ”.

الرافضون لإلغاء “قيصر”

    عدد من أعضاء الحزبين “الجمهوري” و”الديمقراطي” في الكونجرس المعروفين بدعمهم لإسرائيل مثل: ليندسي غراهام ومارك لولر  وكريس فان هولن وبراد شيرمان.

    المنظمات الداعمة لإسرائيل مثل: “لجنة الشؤون العامة الأمريكية- الإسرائيلية” (آيباك)، “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” (FDD)، “المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي” (JINSA)، “المنتدى الأمني الأمريكي” (ASF).

    ومن المنظمات السورية: “رابطة العلويين في الولايات المتحدة”، إضافة إلى منظمات أخرى تشكلت بعد سقوط النظام السابق.

وليست “رابطة العلويين” العقبة الأساسية أمام رفع عقوبات قانون “قيصر”، وفق ما يرى عضو مجلس إدارة “المجلس السوري- الأمريكي” زكي لبابيدي.

لبابيدي اعتبر، في حديث إلى عنب بلدي، أن “رابطة العلويين” مؤسسة حديثًا في الولايات المتحدة، وليس لها نفوذ في واشنطن، كما أنها لا تملك أصدقاء في مجلسي الشيوخ والنواب، بحسب تعبيره.

وأكد لبابيدي أنه رغم العقبات التي تواجههم، بسبب “اللوبي” الإسرائيلي ذي النفوذ القوي بالكونجرس، فإن الوضع في مجلس الشيوخ ممتاز، لكن المشكلة موجودة في مجلس النواب، وتعمل الجالية السورية في أمريكا لحلها.

وتابع لبابيدي أن الأمر الإيجابي الذي يجابه جميع العقبات، هو أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، والبيت الأبيض، يريدون رفع العقوبات، ويضغطون في هذا الاتجاه، معتبرًا أن التوازنات السياسية في الولايات المتحدة ستحدد رفع العقوبات من عدمه.

بينما قال الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل، موفق طريف، إنه عقد لقاءات مع أعضاء من الكونجرس، في سبيل وضع اشتراطات أمام رفع العقوبات عن سوريا.

وأشار في حديث جمعه مع ناشطين من الطائفة العلوية، وفق تسجيل بثه الصحفي الإسرائيلي إيدي كوهين، إلى لقاءات أخرى مع أعضاء في الكونجرس، للضغط على إعادة فرض “قيصر” في حال تعدّت الحكومة السورية على الأقليات، وفق تعبيره.

    ما قانون “قيصر”؟

    قانون “قيصر” هو مشروع قانون أقره مجلس النواب الأمريكي، في 15 من تشرين الثاني 2016، ووقّع عليه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في 21 من كانون الأول 2019 (خلال ولايته الأولى).

    وينص القانون على معاقبة كل من يقدم الدعم للنظام السوري السابق، ويلزم رئيس الولايات المتحدة بفرض عقوبات على الدول الحليفة للأسد المخلوع.

    ويشمل القانون كل من يقدم الدعم العسكري والمالي والتقني للنظام السابق، من الشركات والأشخاص والدول، حتى روسيا وإيران، ويستهدف كل من يقدم المعونات الخاصة بإعادة الإعمار في سوريا.

    وتعود تسميته باسم قانون “قيصر” إلى الضابط السوري المنشق عن النظام فريد المذهان، الذي سرّب 55 ألف صورة لـ11 ألف معتقل عام 2014، قُتلوا تحت التعذيب، أكد مكتب التحقيق الفيدرالي (FBI) صحتها، وأثارت الرأي العام العالمي حينها، وعُرضت في مجلس الشيوخ الأمريكي.

    الكونجرس يدرس “تحريرًا مراقبًا” للعقوبات

يعود ملف العقوبات الأمريكية على سوريا إلى واجهة الاهتمام في واشنطن، وسط نقاش معمّق حول أفضل السبل للتعامل مع النظام السوري الجديد بعد سقوط الأسد وتغير موقع سوريا على الخريطة الإقليمية والدولية.

ويرى المحلل السياسي السوري عبد الله العلي، في حديث إلى عنب بلدي، أن المشهد الأمريكي لا يتجه نحو رفع كامل ونهائي للعقوبات، بل إلى تفكيك يُدار تحت سقف رقابي يوازن بين الانفتاح الاقتصادي واحتفاظ الولايات المتحدة بأدوات الضغط، فإسرائيل وملفات الإرهاب و”الكبتاجون” واللاجئين تمثل جميعها عوامل رئيسة تحدد شكل القرار الأمريكي.

وأكد أن أي انفتاح سيكون مشروطًا برقابة صارمة، وليس تحريرًا كاملًا بلا قيود، حسب وصفه.

الفرصة الحالية وقيود التنفيذ

ووفق العلي، فإنه بعد سقوط نظام الأسد، بدا أن فرصة رفع العقوبات الأمريكية أصبحت أكبر من أي وقت مضى، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن القرار سيتحقق سريعًا.

واعتبر أن هذه الفرصة مرتبطة بـ”اشتراطات وترتيبات دقيقة وضعتها القوى الداعمة لضمان أن يكون الانتقال السياسي متوافقًا مع مصالحها”، مبينًا أن رفع العقوبات صار أكثر قابلية للتحقق، لكنه سيترك فراغًا سيملأ بـ”آليات جديدة قد تكون عقوبات انتقائية أو تهديدًا بالعقوبات”، بهدف ضبط العملية وضمان الرقابة.

ويرى أن تعقيد الوضع ناجم عن “التشكيلات العسكرية التي حلت محل النظام السابق وهي خاضعة للعقوبات الأممية، ورفعها يحتاج إلى قرار من مجلس الأمن”، وهو ما ظهر عند إخفاق المجلس مؤخرًا في رفع العقوبات عن شخصين فقط رغم الحشد الأمريكي الكبير.

الانقسامات الأمريكية وتشريعات الكونجرس

لم يعد الانقسام حول العقوبات “حزبيًا تقليديًا” بين “الجمهوريين” و”الديمقراطيين”، بل صار أفقيًا داخل كل حزب، بحسب المحلل السياسي عبد الله العلي، ففي مجلس الشيوخ، اجتمعت كتل من الطرفين لدعم مسار إلغاء “قيصر” ضمن موازنة الدفاع، بينما اصطف نواب آخرون من نفس الحزبين خلف مقترح تمديد العقوبات لعامين إضافيين.

وأوضح العلي أن هذا التداخل يظهر أن القضية تتجاوز حدود التكتيك الحزبي الضيق، وتدار عبر مقاربتين أساسيتين:

    الانفتاح المراقَب: إنهاء العقوبات الشاملة مع إبقاء أدوات رقابة وآلية “ارتداد سريع” لهذه العقوبات.

    التدرّج المشروط: وضع اشتراطات مسبقة أو تمديد محدود قبل أي تحرير واسع من العقوبات.

ولكن المحلل السياسي ذاته يرى أن الخلاف بين أكبر حزبين في الولايات المتحدة ليس حادًا لدرجة الاستعصاء، لأن هناك قاسمًا مشتركًا هو حماية مصالح الولايات المتحدة وحلفائها مع تقليل الأعباء على السوريين.

آليات الرقابة والشروط

يتضمن نص التشريع المقدم من مجلس الشيوخ قيدًا رقابيًا مهمًا، يتمثل في تقارير دورية كل 120 يومًا عن ستة معايير، مع آلية “ارتداد سريع” لإعادة فرض العقوبات تلقائيًا إذا تراجعت المؤشرات مرتين، وهذه الآلية تحوّل أي رفع للعقوبات إلى مراقبة مستمرة وليست تحريرًا نهائيًا.

وأشار العلي إلى أن أي تقارب مع موسكو لا يغلق الباب أمام رفع العقوبات، لكنه يفرض صيغة مشروطة ويحتاج إلى ضوابط إضافية وفق القراءة الأمريكية، مع التركيز على الحفاظ على قواعد عدم التصادم والهدوء على الجبهة المرتبطة بإسرائيل.

وتشمل شبكة الملفات المحيطة بالسياسة الأمريكية حيال مسألة رفع العقوبات عن سوريا من عدمها وفقًا للعلي:

    إسرائيل التي تراقب الجنوب السوري ومصالحها تتجاوز حماية الحدود إلى ضبط النفوذ الإقليمي، خصوصًا تجاه تركيا، والمخاوف من الخلفية الجهادية للسلطة السورية، وذلك يترجم عبر “اللوبيات” الإسرائيلية إلى حملات ضغط تؤثر في مشاريع قوانين العقوبات.

    الإرهاب وتنظيم “الدولة الإسلامية”: رغم استعداد دمشق للتعاون، تبقى الشكوك حول البنى القتالية السابقة للسلطة الحالية، وهذا ما يفسر الحذر الأمريكي.

    “الكبتاجون”: ملف قانوني مستقل، مع استمرار التصنيع والتهريب وفق تقارير أممية وبحثية، رغم مصادرة المعامل، مما يجعل رفع العقوبات مرتبطًا بالتحكم في هذا الملف.

    اللاجئون: وزنهم العددي محدود، لكن رمزية ملفهم عالية سياسيًا، حيث استُخدم في الحملات الانتخابية الأمريكية كرمز للتشدد أو التساهل من قبل المرشحين.

لا معارضات حقيقية لإلغاء “قيصر” في واشنطن

من جانبه، قال الدبلوماسي السوري في واشنطن بسام بربندي، إنه لا أحد في واشنطن يعارض سوريا بشكل جدّي، ولا أحد يعارض إلغاء العقوبات فورًا، وهناك تفاؤل لدى المسؤولين الأمريكيين حيال إمكانية استقرار سوريا، والقضاء على تنظيم “الدولة”، والحد من النفوذ الإيراني، وتحقيق سلام مع إسرائيل.

وأوضح بربندي أن النقاش لا يخلو من تعقيدات، مع أسئلة حول كيفية ضمان استقرار سوريا وفرض السلم الأهلي بين جميع الأطياف السورية، مشيرًا إلى أن رفع العقوبات دون ضمانات حقيقية من الحكومة السورية ربما يبدو غير ممكن عمليًا.

وقال إن الهدف من رفع العقوبات هو منح سوريا مساحة للتنفس، بشرط الالتزام بالتعهدات الرسمية، مع وجود آلية لإعادة فرض العقوبات في حال حدوث أي إخلال.

ومن يرى في واشنطن ضرورة وجود شروط صارمة لرفع العقوبات، يشددون على أن الحكومة السورية لا يمكن أن تحصل على “إشارة خضراء” لتجاوز أي التزامات، أضاف الدبلوماسي السوري.

تحديات ميدانية

يتفق المحلل السياسي عبد الله العلي والدبلوماسي بسام بربندي على أن الوضع الميداني في الساحل السوري وأحداث السويداء تشكل تحديات لسياسة الحكومة تجاه الأقليات وحقوق الإنسان، وأن تأثير “اللوبيات” الأجنبية التي لها مصلحة في عدم استقرار سوريا يزيد من تعقيد المفاوضات المتعلقة بالعقوبات.

ولكن بربندي أكد أن رفع العقوبات مرتبط بانتهاء هذه المفاوضات بين الأمريكيين، وأن الزمان والمكان لتطبيق قرار الرفع يحددهما مسار التوافق الأمريكي الداخلي.

وتشير آراء العلي وبربندي إلى أن خيارات رفع العقوبات الأمريكية السورية اليوم لا تدور حول ما إذا كانت سترفع أم لا، بل حول كيفية رفعها، وما الشروط الواجب الالتزام بها من قبل دمشق.

توافق تاريخي مشروط بين “الجمهوريين” و”الديمقراطيين”

يقدم المحامي الأمريكي من أصل سوري سمير صابونجي، مقاربة مختلفة حول أكبر حزبين بالولايات المتحدة والتوازن بين السياسة والمصلحة، ويقول إن هناك تباينات داخل كل حزب.

تاريخيًا، يميل “الجمهوريون” إلى ربط أي تخفيف بشروط صارمة وضغط مستمر، فيما يظهر لدى “الديمقراطيين” استعداد أكبر لتحسين المسارات الإنسانية والاقتصادية المشروطة.

لكن المواقف تتبدّل بحسب الظرف والقيادة في الولايات المتحدة، قال صابونجي، ورغم الاستقطاب، يمكن الوصول إلى تسويات عملية، وفي حالة سوريا، غالبًا ما تدور هذه التسويات حول رفع العقوبات لإفساح المجال أمام سوريا مع توقعات بتطبيق معايير واضحة ورقابة، مشيرًا إلى وجود مناصرة في هذه المراحل، فمثلًا هناك تأييد كامل من طرف الجالية السورية- الأمريكية للحكومة السورية.

ويتوقع عادة أن يُطرح قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA) للتصويت، ويُقرّ في كانون الأول المقبل، أوضح صابونجي. فعلى سبيل المثال، هذا هو الشهر الذي دخل فيه قانون “قيصر” حيّز التنفيذ عام 2019، وهو أيضًا الوقت الذي جرى فيه تجديده العام الماضي بعد فترة وجيزة من سقوط النظام.

المسار التشريعي لقانون “قيصر”

تم تمرير إلغاء قانون “قيصر” ضمن نسخة مجلس الشيوخ من قانون تفويض الدفاع الوطني الأمريكي (NDAA)، ويتعين على مجلسي النواب والشيوخ تمرير نسختيهما من قانون الدفاع سنويًا، وقد أقرّ مجلس النواب بالفعل نسخته، لكنها لم تتضمّن بند إلغاء قانون “قيصر”.

في المقابل، أقرّ مجلس الشيوخ نسخته من القانون، وتضمّنت نصًا صريحًا بإلغاء القانون.

بعد ذلك، سيجتمع المجلسان (وأتوقع أن يتم ذلك قريبًا) فيما يُعرف بـ”اللجنة المشتركة” (Conference Committee)، وهي لجنة تُشكَّل لتسوية الخلافات بين النسختين وإعداد نص موحّد للعرض النهائي.

وفي هذه المرحلة، يمكن أن تتضمن الصيغة النهائية للقانون بنودًا لم تكن مدرجة في أي من النسختين الأصليتين، إذا وافق عليها الجانبان.

ومن خلال هذه اللجنة المشتركة يمكن أن يتم إدراج إلغاء قانون “قيصر” في النص النهائي أو استبعاده، ومع ذلك، فإن الاحتمالات السياسية حاليًا تُشير إلى ترجيح إدراجه في النسخة النهائية لقانون الدفاع الوطني، نظرًا إلى تزايد الزخم الحزبي المزدوج (من الحزبين) باتجاه مراجعة سياسة العقوبات الأمريكية تجاه سوريا.

إلا أن الحكومة الأمريكية تمر حاليًا بحالة إغلاق (Shutdown)، ما أدى إلى تجميد العمل التشريعي مؤقتًا وتأجيل اجتماعات اللجان والتصويت على الصيغة الموحدة لقانون الدفاع، ورغم ذلك هناك دعم وحملة في الشارع الأمريكي للتصويت على قانون موازنة وزارة الدفاع.

الصيغ والخيارات المحتملة:

في حال توصّل الكونجرس إلى اتفاق لإلغاء أو تعديل قانون “قيصر”، فهناك ثلاث صيغ رئيسة محتملة:

1. إلغاء كامل وغير مشروط، يتم بموجبه إلغاء قانون “قيصر” بالكامل وإنهاء الأساس القانوني للعقوبات المفروضة بموجبه بشكل فوري.

2. إلغاء مع اشتراطات تقارير دورية، حيث يُلغى القانون، لكن يُضاف شرط تقديم تقارير دورية. وفي هذه الحالة، يُلزَم الرئيس الأمريكي أو وزارة الخارجية الأمريكية بتقديم تقارير منتظمة إلى الكونجرس حول أداء الحكومة السورية، مثل التقدّم في حقوق الإنسان، والإصلاح السياسي، والوصول الإنساني، ويحتفظ الكونجرس بحق إعادة فرض العقوبات عبر تشريع جديد إذا رأى أن سوريا لم تلتزم بالمعايير المحددة.

    في هذا النموذج، يتم إلغاء القانون فعليًا، لكن يستمر الإشراف الرقابي للكونجرس من خلال آلية التقارير.

    وإذا قرر الكونجرس إعادة فرض العقوبات مستقبلًا، فسيتعيّن عليه إصدار قانون جديد، وهو إجراء طويل ومعقّد بطبيعته.

3. تعليق القانون مؤقتًا مع آلية مراجعة مشروطة، ويمكن تعليق العمل بقانون “قيصر” إلى أجل غير محدد مع تحديد فترة زمنية واضحة لتقديم التقارير (سنة أو سنتين مثلاً)، وإذا استوفت الحكومة السورية المعايير المحددة خلال تلك الفترة، يتم حينها إلغاء القانون بشكل نهائي.

هذا السيناريو يعني استمرار التعليق الحالي لقانون “قيصر” ولكن مع معايير محددة وآلية زمنية واضحة تمهّد لإلغائه النهائي.

اقتصاديًا وسياسيًا..

ما انعكاس احتمالات بقاء “قيصر”؟

منذ أن فرضت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية العقوبات على دمشق، تأثرت مختلف قطاعات الاقتصاد السوري بشكل بالغ، ما جعل من مسألة رفع هذه العقوبات أو تعديلها موضوعًا بالغ الأهمية للمستقبل الاقتصادي للبلاد.

التغييرات لم تُترجم لتحسينات

المحلل الرئيس في قضايا العقوبات بشركة “كرم شعار الاستشارية”، فيتوريو ماريسكا دي سيراكابريولا، قال لعنب بلدي، إنه تم بالفعل تخفيف معظم العقوبات الاقتصادية الأمريكية على سوريا، إذ شُطبت معظم البنوك من قوائمها، ورُفع تصنيف “هيئة تحرير الشام” (نواة السلطة السياسية والعسكرية) كمنظمة إرهابية أجنبية، وشُطبت العديد من الكيانات والأفراد من قوائم العقوبات.

نظريًا، أعاد هذا فتح قطاعات كاملة أمام التجارة والعلاقات الاقتصادية، وتم الإعفاء مؤقتًا من قانون “قيصر”، كما تم تخفيف بعض أحكام قانون محاسبة سوريا، وفق ما أوضحه دي سيراكابريولا.

وأشار إلى أن هذه التغييرات لم تُترجم بعد إلى تحسينات ملموسة في العلاقات المصرفية والمالية أو مشاريع إعادة الإعمار، ويعود ذلك أساسًا لسببين:

أولًا: لا تزال عقوبات أخرى سارية، ومنها قانون “قيصر”، إذ لا يزال قائمًا حتى مع الإعفاء منه حاليًا، مما يعني أن عقوباته الثانوية قد يعاد فرضها في أي وقت.

ثانيًا: لا يزال هذا الغموض يردع حتى الشركات والمؤسسات المالية غير الأمريكية عن إعادة التعامل مع سوريا.

استقطاب الاستثمارات

بدوره، أوضح الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد، لعنب بلدي، أنه بالرغم من أن احتمالات رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا تبقى مفتوحة وتخضع للعديد من المتغيرات، فإن التطورات الحالية تشير إلى احتمال كبير لرفع العقوبات بشكل كامل.

وبدأت بعض الشركات بالفعل في انتظار إزالة العقوبات لتتمكن من تنفيذ مذكرات التفاهم التي تم توقيعها مع دمشق، حيث بلغت قيمة هذه المذكرات نحو 24 مليار دولار، وهو ما يمكن أن يُحرك الاقتصاد السوري بشكل مبدئي، ويعطي دفعة لقطاع الإنتاج والصناعة في البلاد، وفق ما قاله الدكتور علي محمد.

كما أن رفع العقوبات سيسهم في استقطاب استثمارات جديدة، خاصة في مشاريع حيوية مثل مشاريع الطاقة الكهربائية، بالإضافة إلى دخول المصارف الأجنبية والعالمية إلى السوق السورية، وهو ما يُعدّ خطوة مهمة نحو تنشيط الاقتصاد السوري، بحسب ما شرح محمد.

تدفق رؤوس الأموال لسوريا

إذا رُفعت جميع العقوبات بالكامل، سيتولد اهتمام متجدد في قطاع الأعمال، وتدفق ملموس لرؤوس المال إلى سوريا، بحسب توقع المحلل الرئيس في قضايا العقوبات بشركة “كرم شعار الاستشارية”، فيتوريو ماريسكا دي سيراكابريولا.

وبالمقابل، أكد أنه ومع ذلك، من المرجح أن تستمر مشكلة “تداعيات العقوبات”، وهي حالة من عدم اليقين المستمر، ومخاطر على السمعة، ومخاوف من الامتثال حتى بعد رفع القيود الرسمية.

وتتطلب معالجة هذا الأمر اتخاذ إجراءات من كلا الجانبين، تتمثل في:

    تحتاج البنوك السورية إلى تعزيز أطر مكافحة غسل الأموال وتمويل “الإرهاب” الخاصة بها.

    استحداث آليات لتقاسم المخاطر أو الحوافز، حيث من غير المرجح أن تُخاطر الأسواق بنفسها مرة أخرى دون دعم خارجي.

    فرص استثمارية تحتاج إليها سوريا

        القطاع المالي: يعد فرصة استثمارية مهمة جدًا، وذلك من خلال فتح فروع من البنوك والمصارف العالمية، وعبر شركات مالية كبيرة.

        القطاع السياحي: قادر على إدخال عملة أجنبية بنسبة كبيرة، وهو قادر على تشغيل عدد من المرافق، كالفنادق والمنتجعات والمدن السياحية وغيرها.

        القطاع التكنولوجي والاتصالات والذكاء الاصطناعي: يشكل فرصة مهمة في سوريا اليوم، لأن القاعدة موجودة ولكن تفتقر للأدوات، ويمكن أن يكون رافعة الاقتصاد، لأن نجاحه يؤثر على بقية القطاعات، كالصناعي والزراعي والسياحي.

    الدكتور مجدي الجاموس

    أستاذ جامعي وخبير اقتصادي

بقاء العقوبات

إذا بقيت بعض العقوبات، توقع المحلل الاقتصادي فيتوريو ماريسكا دي سيراكابريولا، أن تسير عملية إعادة الإعمار في سوريا ببطء، مستبعدًا معظم التدخل الغربي، ومرجحًا أن تُثني حتى بعض دول الخليج التي لا تزال حذرة من التعرض المحتمل للعقوبات الأمريكية.

بينما شرح الدكتور في الاقتصاد علي محمد، أنه في حالة الرفع الجزئي للعقوبات، وهو السيناريو الأقل احتمالًا، فإن معظم العقوبات الأوروبية قد تكون رفعت بالفعل، لكن هناك بعض القطاعات التي قد تبقى تحت القيود، فمثلًا يمكن أن تبقى مجالات إعادة الإعمار والطاقة، وإن استمرت العقوبات على هذين القطاعين، سيعني ذلك تعثر الاستثمار في البنية التحتية والإسكان.

تحتاج سوريا إلى حوالي 500 ألف وحدة سكنية بالإضافة إلى صيانة وإعادة تأهيل الطرق والجسور، وهو ما قد يعوق أي تقدم اقتصادي ملموس، إذا بقيت العقوبات على قطاعات معينة تتصل بالبنية التحتية، وفق ما أضافه الدكتور علي محمد.

أما إذا تم السماح بقطاع الإسكان والبنية التحتية مع استمرار منع الاستثمار في قطاع الطاقة، فإن ذلك سيخلق تحديات أخرى، خاصة فيما يتعلق بشبكات الكهرباء والتوريد، مما قد يؤدي إلى حالة من الركود الاقتصادي.

سياسيًا.. آثار داخلية وخارجية

على الجانب السياسي، سعت السلطة السورية منذ توليها الحكم إلى رفع العقوبات للمضي بمسارها السياسي، الداخلي والخارجي، خصوصًا مع النجاحات التي حققتها الحكومة على الصعيد الخارجي والمتمثلة بفك العزلة المفروضة على سوريا منذ سنوات.

ومع احتمالية بقاء قانون “قيصر” تبقى المخاوف حول إمكانية كبح تقدم السياسة الخارجية، والتأثير على السياسة الداخلية التي لا تزال في مستويات متراجعة.

الباحث السياسي الدكتور نادر الخليل، يرى أن القانون قد يُعزز عزلة سوريا الدولية ويحرمها من قدرتها على بناء علاقات طبيعية مع دول الغرب والدول المجاورة.

وتشمل القيود التعاملات الاقتصادية والتجارية مع الحكومة السورية، وتستهدف الشركات والأشخاص الذين يدعمونها في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والطيران.

كما تخضع الدول والكيانات التي تتعامل مع سوريا للعقوبات الأمريكية، مما سيُصعّب على الحكومة الجديدة إيجاد شراكات دولية تُسهم في إعادة الإعمار، وفق حديث الباحث إلى عنب بلدي.

وسيكون من الصعب على الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، وحكومته، كسب الثقة محليًا ودوليًا، وذلك لأن العقوبات لا تزال سارية.

بالمقابل، يمكن أن تكون هذه المرحلة فرصة لإثبات قدرة الحكومة على إدارة البلاد بشكل مختلف عن النظام السابق، بحسب الخليل، وهذا يمهد الطريق لتخفيف القيود وإزالتها بالكامل.

حلول نادرة لكنها ممكنة

رغم أن الخيارات المتاحة للحكومة السورية تبدو محدودة، في حال بقاء قانون “قيصر”، وفق ما يراه الباحث نادر الخليل، فإنها ليست قدرًا محتومًا لا يمكن تجاوزه.

وفي الوقت الذي يتزايد الضغط من بعض الأطراف الأمريكية للحفاظ على وجود قانون “قيصر”، لا تزال هناك حلول لمواجهة الواقع من خلال تعزيز التعاون الإقليمي وإطلاق مبادرات حيوية شفافة تعيد الثقة مع الشعب والمجتمع الدولي.

البديل في حال وجود قانون “قيصر” يتمثل بعدة نقاط، بحسب الباحث نادر الخليل:

    التوجه إلى حلفاء غير تقليديين، مثل الصين والدول غير المتأثرة، للتعاون الاقتصادي معها.

    تنويع الاقتصاد المحلي عبر التركيز على الصناعات المحلية والزراعة لتقليل الاعتماد على الواردات والاستيراد.

    التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية، ويتطلب ذلك تبادل بعض التنازلات السياسية، مثل حقوق الإنسان والقضايا الإقليمية.

    الاستفادة واستغلال الدعم الإنساني الدولي، من خلال العمل مع الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية لضمان تلبية احتياجات الناس خارج القيود المفروضة والمسيّسة.

عنب بلدي

————————————–

 الحكومة واتساع الفجوة!/ جمال الشوفي

2025.11.05

لم تزل شؤون الحكم في ديارنا تمر عبر بوابتين متباعدين: الأولى عنوانها الوصفات النظرية الجاهزة للتطبيق بطريقة سحرية أو ما يسمى “العقلانية السياسية”، في حين تحتكم الثانية “للواقعية السياسية” والبراغماتية، والنفعية المحضة في مستواها الأدنى؛ وكل من العقلانية والواقعية براء من هذه وتلك.

فصناعة الفعل والحدث السياسي اليوم في مرحلة الاضطراب والفوضى وعدم الاستقرار التي تمر بها سوريا بعد التغيير تترنح بين دعوى العقلانية المكتفية بالتنظير والجمل الوصفية والإجابة على استحقاقات المرحلة الجسام بأجوبة نظرية محضة وكأنها جاهزة للتطبيق الفوري. في حين يسود على الضفة الأخرى السعي الحثيث للانغماس بمجريات الواقع وملاحقة تفاصيله العينية اليومية سواء بالملفات الخارجية المعقدة أو الداخلية المتراكمة والمهولة مع الاستفادة منها سياسياً ومادياً وكل حسب قدراته! وقد يقول قائل: أجل لا بد من معالجة المرحلة بفكر نظري متكامل وعلى السلطة والحكومة الانتقالية تنفيذه! في حين يقول آخرون: ماذا عن الاقتصاد؟ ماذا عن الوضع الفصائلي؟ ماذا عن العقوبات؟ ماذا عن الخدمات؟؟ وتبقى الأسئلة تدور في فجوة تتسع مع الزمن، ليبقى سؤال الأدوات والتحديد والممكن ورسم سياسة عامة تربط الفكر النظري بالواقع والمعطيات هو الغائب عن المشهد لليوم.

بالأمس آثار دهشتي ودهشة السوريين عامة ملفان: ملف زيادة أجور استهلاك الكهرباء ورفعها بحدود ستون ضعفاً، بحيث يصل استهلاك الأسرة الوسطي لما يعادل راتب الموظف الحكومي بالشهر! والملف الآخر، فيديو من أبناء الثورة في حوران المصابين بشتى أنواع الإصابات من بتر أرجل وأيادي وهو يطالبون بالاهتمام بهم بعد عشرة أشهر من التغيير دون أن يتم الاهتمام بهذا الملف صحياً ونفسياً ومعنوياً! الأمر الذي يعود بنا لخانة الافتتاحية والوقوع في الفجوة ذاتها! وهذه الفجوة المتسعة بين التنظير العام والتطبيق الواقعي تزداد يوماً خلف يوم، وبدأت تتجاوز الموضوع السوري المفصلي في المرحلة الانتقالية في ترسيخ مفهوم المواطنة ودولة المواطنة نظرياً والعمل على تأسيسها لكنها تصطدم بحواجز الواقع السياسي القائم بالتحريض الطائفي وخطاب الكراهية المتفشي أفقياً، مع تمترس قَبَلي محلي لا يتم العمل على معالجته بما يناط بالمرحلة من استحقاقات، سواء بضبط الحالة الأمنية أو إطلاق الحوارات الوطنية المحلية، أو الاهتمام بالشأن الداخلي السوري بموازاة الاهتمام بالملفات الخارجية.. فإن كانت هذه الفجوة مرجعيتها الفوضى المتوقعة بعد نجاح الثورات تاريخياً وسياسات الهيمنة المتضاربة ومن الصعب أن تأتي بنتائجها السريعة قبل استنفاد مولداتها، فإن الملفات الأخرى التي نعنيها بهذا المجال، هو بنية البناء العام من أجهزة التخطيط والبناء في مؤسسات الدولة الناشئة. اذ تكاد تعمل كل جهة منها منفردة كأدوات تنفيذية منفردة دون رؤية عامة!

من الواقعية تحسين الواقع الخدمي العام، ولن يتم تحسينه إلا بتحسن الكهرباء والبنية التحتية وهذه تحتاج لكلفة باهظة تستلزم الزيادة في عائداتها. لكن ماذا عن حال الموظف والمواطن السوري، أجل المواطن المسحوق نفسياً ومادياً أمام رغيف الخبز بأبسط متطلبات الحياة! هذا ما يستلزم بالضرورة الخروج من دائرة الواقعية الفجة إلى مساحة العقلانية الأوسع والتي تشير بالضرورة إلى ضرورة إجراء دراسات كمية، وهي موجودة سلفاً ويمكن تحديثها، حول الأوضاع المعاشية للمواطن السوري. بحيث تتعامل وفق آليات وخطط زمنية مجدولة لتحسين الدخل والخدمات

قبل زيادة أعبائه بالمدفوعات. وهذه وإن كانت بطبيعتها خطط اقتصادية تختص بالموازنة العامة وتحديد الدخل القومي عموماً وأطر الإنتاج والاستهلاك وبرامج البحوث والانفاق العام، لكنها تخلق تصور عمومي لآليات التنفيذ وفق خطوط عريضة عنوانها المصلحة العامة، مصلحة المواطن وشؤون الدولة بعامها، وليست مصلحة هذه الوزارة أو الإدارة بعينها. وإلا كيف لوزارة الطاقة أن تقرر الزيادة على أسعار الكهرباء من 10 إلى 600 ل. س. للشريجة الأولى من الاستهلاك لحدود 300 ك.واط وإلى 1400 ما يزيد عنها، وبمعنى آخر، فأي أسرة ستدفع 180000 للشريحة الدنيا وستتجاوز بسهولة النصف مليون وأكثر عند تعاملها الطبيعي مع الكهرباء! فمن أين سيدفع المواطن السوري؟ حتى وإن تم مضاعفة الرواتب الفترة القادمة، فستبقى الأحمال اليومية للكلفة المعاشية تفوق مستويات الإنفاق الأسري الشهري للخدمات الأساسية، وكأن التخطيط الاقتصادي العام مصاب بعقم التوجه لشريحة الشعب المسحوق بالمبدأ، إضافة لإن تنفيذ هكذا آليات حكومية لوزارة بعينها لم يرتبط بخطة عامة للوزارات الأخرى، لنجد أن الفجوة بين التخطيط العام والآليات التنفيذية متسعة حتى في هذه المساحة المفترض أنها أولوية حكومية!

المؤلم والأشد ألماً هو تلك الفجوة المعنونة بالصحة النفسية والمادية والمعنوية لأبناء الثورة المصابين بشتى أنواع الخيبات، والتي عبر عنها فيديو مصابي أبناء درعا، وإصاباتهم الجسدية تعلن عن نفسها بوضوح! فكيف لم يتم العمل على معالجة مشاكلهم الصحية والجسدية والمعنوية؟ أليس من الأولى كان أن يرصد جزء فقط من حملات الدعم التي جابت المحافظات السورية لمشاريع مباشرة تصب في مصلحة هؤلاء بالتحديد، وكيف لوزارة الصحة ألا تفرد ملفاتها لمصابي الثورة! وكيف للحكومة برمتها ألا تضع أولى أولوياتها التعامل مع ضحايا الثورة؟ فمن نافل القول اليوم أن الاهتمام بملفات السوريين وإعادة بناء مؤسسات الدولة ذات أولوية للمستقبل دون المرور على من كان له الرصيد العيني والواضح من الوصول لهذه المرحلة من التغيير السياسي! هذا ولم نتطرق لأولئك السالمون جسدياً ولكن المصابون بوجدانهم العام قهرياً ونفسياً أمام تصدع الحالة السورية وعدم انتظامها بعد في مسارات التصحيح المفترض رغم كل نداءاتهم وكتاباتهم ونقدهم ونصحهم! لنجد بوضوح شديد أن طريقة إدارة الشؤون العامة السورية تخضع لألية تنفيذية براغماتية واضحة، قد تكون ناجحة في مؤسسة اقتصادية كمعمل أو منشاة اقتصادية صغيرة، لكنها أبداً لا يمكن ان تنجح على مستوى خطة طريق بناء الدولة المفترض بلا رؤية عمومية، كنا قد ناقشناها مراراً، سواء بالمرحلة الحالية أو في مرحلة ما قبل التغيير السياسي، وهم صناع الدولة. وصناع الدولة أو ما يسمى سياسياً (رجال دولة) هم أولئك الذين يمتلكون القدرة على وضع السياسات العامة فكرياً وسياسياً من دون ان تكون لهم أغراض شخصية أو نفعية سوى البناء، وهؤلاء مختلفين عن التنفيذين الذي يسعون لتنفيذ الخطط المطروحة سواء التزاماً بخطة العمل الوزارية أو تحسين مواقعهم في دوائر السلطة!

الفجوة التي يتم تناولها اليوم باتت واضحة للعيان وهي الفجوة بين الخطاب النظري والتطبيق العملي أمناً وأماناً، بين المواطنة والمساواة بالحقوق وبين التمييز الطائفي وخطاب الكراهية المتفشي وهذه ملفات شائكة يتم نقاشها من موقعة الاستقرار والاعتدال في السياسة وتبدو لليوم مساراتها طويلة ستأخذ سنوات، بينما الفجوة التي تبدو أنها تفصيلية بين حنايا هذه المفاصل هي تلك المتعلقة بحال السوري في معاشه اليومي، وهو الصابر والمكابر، والذي يخاطب نفسه يومياً: المهم البلد أولاً، فلازال حمولاته كبيرة وضخمة بحكم سنوات الاستبداد السابقة! لكنه يرى بأم عينه أنه يحلم وصبره بلا طائل والفجوة تزداد اتساعاً، وأمثالنا يسمون منظرون!

 تلفزيون سوريا

————————-

 من السعر المتغيّر إلى السعر المدوّن.. هل يغيّر القرار 767 سلوك السوق السوري؟/ عبد العظيم المغربل

2025.11.05

أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة في 12 تشرين الأول/أكتوبر 2025 القرار رقم 767 الذي يفرض إظهار السعر النهائي للمستهلك على كل سلعة باللغة العربية وبخط واضح وغير قابل للإزالة، ويحظر عرض أو تخزين أو توزيع أو بيع أي منتج بلا سعر ظاهر. ويمنح القرار باعة المفرّق مرونة البيع بأقل من السعر المدوّن، كما يمنح الأسواق والمنتجين مهلةً حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2025 لتصريف البضائع غير المعلَّمة، شرط إعلان الأسعار على واجهات المحال ومكان عرض السلعة، مع تطبيق العقوبات المنصوص عليها بحق المخالفين.

أثار القرار فور صدوره موجةً واسعة من ردود الأفعال؛ فالمستهلكون وجزء من التجار اعتبروه خطوة نحو ضبط الفوضى السعريّة وطمأنة الزبائن، في حين عبّر آخرون عن تخوّفهم من كلف الالتزام والتباس الحدود بين “تسعير مركزي” و”إلزام بالإعلان”.

وتدخّلت غرفة تجارة دمشق ببيان توضيحي أكدت فيه أنّ المقصود ليس فرض تسعير على المنتجين أو الصناعيين، بل إلزامٌ بالإعلان عن السعر عند نقطة البيع لحماية حق المستهلك في المعرفة وتعزيز الشفافية، مع الحفاظ على حق التاجر بالبيع بأقل من السعر المعلن. ودعت الغرفة إلى إصدار آلية تنفيذ رسمية تفصيلية تضمن تطبيق القرار من دون إرباك، وإلى التنسيق الهادئ بين الوزارة والقطاعين التجاري والصناعي لضمان استقرار السوق. بهذه الخلفية، يتحوّل القرار إلى اختبار عملي لتنظيم واجهات الأسعار وتقليص تشتّت القيم بين متجر وآخر.

ما الدوافع الاقتصادية والسلوكية؟ ولماذا القرار الآن؟

توقيت القرار ليس تقنياً فحسب؛ إنه استجابة لمزيج من الحوافز الاقتصادية والسلوكية تراكمت خلال الأعوام الأخيرة. أولاً، يسعى القرار إلى تقليص عدم تماثل المعلومات بين البائع والمستهلك عبر تحويل السعر من إشارة مرنة إلى معلومة مُعلَنة ومقارنة، ما يحدّ من مساحة المساومة غير المتكافئة ويعزّز ثقة الشراء.

ثانياً، يستهدف خفض تشتّت الأسعار بين محلات متجاورة للسلعة نفسها؛ فكلما اتّحدت طريقة الإعلان ووضحت المرجعية، قلت الفوارق غير المبرّرة وتحسّنت كفاءة السوق. ثالثاً، يُبسّط القرار عمل الرقابة عبر مرجعية سعر على العبوة، ما يجعل التفتيش قائماً على المطابقة والقياس بدل التقدير والانطباع، ويسرّع معالجة الشكاوى. رابعاً، يأتي في سياق موجة مخالفات واسعة رصدتها الجهات الرقابية هذا العام، وهو ما تُظهره الإنفوغرافيكات الرسمية المتداولة مؤخراً، ما يبرّر الانتقال إلى أداة تنظيمية تضيق بها فجوات التطبيق.

ما إيجابيات وسلبيات القرار؟

يهدف القرار إلى ترسيخ السعر كمعلومة ملزمة لا كإشارة قابلة للتلاعب، وهذا بحدّ ذاته أكبر مكاسبه. فالمستهلك يرى السعر قبل الشراء، ويتراجع مجال العبارة الضمنية “السعر غير ثابت”، وتتقلّص فجوة المعلومات بين الطرفين. ومع توحيد طريقة الإعلان تتقلّص تباينات غير مبرّرة بين محلات متجاورة، بينما يتحسّن عمل الرقابة لأن المرجعية باتت مكتوبة ومعلنة على العبوة أو الرف، ما يحوّل التفتيش إلى عملية مطابقة واضحة بدل التقدير.

يضاف إلى ذلك أن السماح لباعة المفرّق بالبيع بأقل من السعر المدوّن يخلق منافسة نازلة تضغط على المغالاة وتُعيد هندسة التسعير باتجاه الكلفة والكفاءة، لا باتجاه “مزاج السوق”. كما أنّ المهلة الممتدّة حتى نهاية 2025 تمنح المنتجين والمستوردين وقتاً مقبولاً لتصريف المخزون غير المعلّم. وفي ظل هدوء نسبي في تقلبات سعر الصرف خلال الأشهر الأخيرة، يصبح الالتزام أقلّ كلفة وأكثر قابلية للتخطيط، خصوصاً مع إدارة المخزون وفق قاعدة FIFO المحاسبية التي تسهّل تصريف البضائع القديمة عند ورود شحنات جديدة بكلف أعلى.

في هذا الإطار يقول الباحث الاقتصادي أدهم قضيماتي لموقع تلفزيون سوريا: “للقرار إيجابيات مهمة كوننا نمهد لاقتصاد جديد في سوريا، ففي جميع البلاد المتقدمة يُكتب السعر تحت المنتج، بل توجد نقاط بيع يدخل فيها المستهلك للشراء دون وجود بائع مع وجود سعر معلن، وهذا ما نفتقده في سوريا، أي غياب الإعلان الواضح عن السعر في أغلب المنتجات. وبرأيي سينعكس القرار إيجاباً على المواطن والأجانب القادمين إلى البلاد، بهدف عدم استغلال الأجانب أيضاً وتحسين السمعة”.

في المقابل، برزت سلبيات وإشكاليات تستحق التوضيح وقد تستحق المعالجة؛ أبرزها وجود ثابت للسعر على المنتج، فكل تغيّر في الكلفة أو الرسوم أو النقل يعني تعديل قوالب الطباعة أو إتلاف عبوات أو تأخير دفعات، وهو عبء يضغط أكثر على الورش والمتاجر الصغيرة وعلى السلع المستوردة متعدّدة الدفعات. لكن هذه المشكلة قابلة للتقليص بثلاثة مسارات واقعية، وهي اعتماد تسعير على مستوى الدفعة وليس اليوم بيومه، مع هوامش أمان معقولة تغطي تقلبات محدودة لسعر الصرف والتضخم.

إضافة إلى الاستفادة من حق البيع بأقل من السعر المدوّن لتصريف المخزون عندما تنخفض الكلف أو في العروض الترويجية (بما يحمي المستهلك بدل أن يثبّت السعر صعوداً)، واستخدام حلول تغليف تسمح بتبديل السعر بين الدفعات من دون إعادة تصميم شامل (أغلفة خارجية أو سليف، طباعة متغيّرة بالليزر)، مع بقاء السعر واضحاً وغير قابل للإزالة. وتساعد المهلة حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2025 على تنفيذ هذه التحويلات تدريجياً بدل “صدمة امتثال” فورية.

السلبية الثانية سلوكية، وهي الخشية من “التسعير الاستباقي”، حيث يطبع المنتجون أو المستوردون سعراً أعلى تحسّباً لتقلّبات مستقبلية. هذا التخوّف حقيقي في بيئات عالية من حالة عدم اليقين، لكنه محدود الأثر على المستهلك لأن إطار القرار يترك المنافسة تعمل نزولاً (البيع بأقل من المدوّن)، ويمكن ضبط المبالغات عبر مراجعات دورية لهوامش الربح وربط السعر المعلن بالفواتير والبيانات الكلفية عند التدقيق. كما أن التقارير المحلية تشير إلى أن هدوء تذبذبات الصرف في الأشهر الأخيرة يمنح مساحة لتسعير أقرب إلى الواقع من دون مبالغة وقائية كبيرة، بمعنى أن الخطر موجود لكنه قابل للاحتواء تنظيمياً ومحاسبياً.

السلبية الأخرى تنفيذية ورقابية؛ إذ إن حجم السوق وتعدّد السيناريوهات قد يحوّلان الالتزام إلى شكليات. وتفنيد هذه النقطة يكون بتغيير منهج التفتيش من الجولات العامة إلى رقابة مبنية على المخاطر عبر قطاعات وسلاسل توريد ذات شكاوى متكرّرة، مع ربط الإعلان عن السعر بإصدار فاتورة رسمية تجعل السعر قابلاً للتتبع، وتفعيل قنوات شكوى سريعة موثّقة بالصور والأوقات.

في هذا الإطار يقول قضيماتي: “لا أتصوّر وجود سلبيات كبيرة ناتجة عن القرار، لكن الالتزام الحقيقي يكون عندما يكون هناك ثبات في سعر الصرف، خصوصاً لكون أسعار المواد الأولية التي تُستخدم في التصنيع تتأثر بسعر الصرف، إضافة إلى وجود تكلفة طباعة الأسعار على المنتجات، وهذا ما قد يسبّب بعض الإرباك للتجار”.

هل يتعارض القرار مع اقتصاد السوق الحر؟

اقتصاد السوق الحر يقوم على حرية تحديد الأسعار بالمنافسة، لكنه يفترض أيضاً حدّاً أدنى من تماثل المعلومات بين البائع والمستهلك، فإلزام إظهار السعر النهائي – وبصورة غير قابلة للإزالة – هو تدخل تنظيمي خفيف من فئة حماية المستهلك يشبه قواعد بطاقة البيان والفاتورة، ولا يتعارض مع مبدأ تحرير الأسعار طالما أنه لا يفرض سقوفاً أو هوامش ربح إلزامية. جوهر الاختبار هنا في آليات التطبيق؛ إن بقيت الخصومات والعروض مسموحة، وعمل البائع بالبيع بأقل من السعر المطبوع، واعتُمد تسعير على مستوى الدفعات مع تحديثات دورية، يبقى القرار متسقاً مع السوق الحر ويحسّن شفافيته، أمّا إذا تحوّل عملياً إلى تثبيت جبري يمنع النزول عن السعر أو يقيّد تعديلاته لاحقاً في عمليات الشراء المستقبلية، فذلك يمسّ حرية التسعير ويقوّض المنافسة. بعبارة أخرى، الإفصاح الإلزامي يعزّز السوق.

يقول في هذا الإطار الباحث قضيماتي: “يعتمد السوق الحر على التسعير بحسب التكاليف مثل النقل وأسعار الصرف وأسعار المواد الأولية والخدمات واليد العاملة وغيرها، والقرار لا يتعارض مع مبدأ السوق الحر بل سيعزّز ثقة المستهلك بالمنتجات السورية”.

ما متطلبات نجاح التنفيذ؟

ينجح القرار عندما يتحوّل إلى إجراءات دقيقة وقابلة للقياس وسهلة التطبيق، فالمطلوب أولاً دليل تنفيذي موحّد ومصوّر يحدّد، بحسب القطاع، متى تُلزم الطباعة الثابتة على العبوة ومتى يكفي الإعلان على الرف، وكيف تُعالج الحالات الخاصة كالبيع بالوزن والسلع السائبة والمستورَدات متعدّدة الإصدارات. ثانياً، الرقابة المبنية على المخاطر ترتبط بفاتورة نظامية وتفسير موحّد بين المحافظات، مع نماذج ضبط موحّدة تقلّل الاجتهاد. وثالثاً، بنية تقنية مساندة عبر تحديد قالب ملصق موحّد يحمل رقم دفعة وتاريخاً، وإتاحة رمز QR اختياري يربط السعر المعلن بنقطة البيع.

إضافة إلى خفض كلف الامتثال، وبرامج تدريب سريعة للتجار والمفتّشين، وخطة انتقال مرحلية حتى نهاية 2025 مع احتمال تمديدها لاحقاً وفقاً للظروف والتطوّرات، إلى جانب تحديد مؤشرات أداء واضحة تتعلق بتراجع تشتّت الأسعار، وارتفاع نسب الالتزام، وزمن استجابة الشكاوى، مع مراجعات ربع سنوية لتعديل الآليات عند الحاجة.

يضيف قضيماتي في هذا الإطار: “من المهم أن تتباحث وزارة الاقتصاد والصناعة مع التجار والصناعيين حول آثار هذا القرار للوصول إلى أفضل أسلوب لتطبيقه، بحيث يتم تحديد هامش أسعار بنسبة 10% زيادة على الأسعار أو بحسب تغيّر أسعار الصرف، ريثما تستقر الأسواق إثر تطبيق القرار”.

بشكل عام، يضع القرار 767 السوق أمام اختبار بسيط في مضمونه، مشكل قليلاً في تنفيذه؛ حيث إن تحويل السعر من رقم مرن إلى معلومة مُلزِمة قابلة للتحقق يحتاج إلى وقت ليتأقلم السوق معه، وهذا ما يفسّر ظهور ردود الأفعال الإيجابية والسلبية بهذا الحد.

كما أن تضييق تشتّت الأسعار وقيام منافسة تصب في مصلحة المستهلك لن يتحوّل إلى واقع دائم ما لم تُغلَق ثغرات التطبيق عبر دليل تنفيذي واضح، ورقابة صارمة، وفاتورة نظامية تجعل السعر قابلاً للتتبّع. في المقابل، يمكن تحييد الاعتراضات المشروعة حول كلف الامتثال وجمود الطباعة بمرحلة انتقالية فعّالة، وتسعير على مستوى الدفعات، والاستفادة من مرونة البيع بأقل من المدوّن، مع حلول تقنية بسيطة تخفّض الكلفة ولا تربك السلسلة التجارية.

وإذا اقترن القرار بتنسيق جدّي مع غرف التجارة والصناعة، وبمؤشرات قياس علنية، وارتفاع في نسب الالتزام، وتراجع في الشكاوى، فسينتقل من مجرد سعر على عبوة إلى بنية ثقة بين البائع والمستهلك. أمّا إن تُرك بلا آليات، فسيستبدل السوق فوضى بأخرى، والاختيار الآن بيد صانع السياسة وكيفية التنفيذ.

تلفزيون سوريا

———————————–

صدمة “الفاتورة” وقسوة “التقنين”: أين الحل لأزمة كهرباء سوريا؟/ مازن الشاهين

رفع أسعار فواتير الكهرباء يثير استياء السوريين

2025-11-05

“التسعيرة مجحفة وغير منطقية مقارنة بالدخل والرواتب، وستؤدي إلى رفع الأسعار وتكاليف الإنتاج، ما يُخرج المنتجين الصغار من السوق ويزيد البطالة”. هكذا عبّر أحد السوريين عن غضبه من قرار رفع أسعار الكهرباء الذي بدأ تطبيقه في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2025.

وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات محلية، موجة استياء واسعة، عبّر فيها السوريون عن خشيتهم من انعكاس القرار على تكاليف المعيشة التي باتت تفوق قدرتهم على التحمل، في بلد يعاني منذ سنوات الحرب من ضعف القدرة الشرائية وتضخم متسارع.

وقال أحدهم ساخراً: “لا تصرفوا كهربا… ولا تشغّلوا إلا الضروري في البيت”.

وأضاف ثالث: “المشكلة ليست في السعر، بل في الدخل؛ فالكهرباء رخيصة نسبياً لكنها تستنزف نسبة كبيرة من دخل المواطن مقارنة بالدول المجاورة”.

وعبّر آخرون لـ”963+” عن استياء واسع من ارتفاع الفواتير، التي قد تتجاوز نصف راتب الموظف، معتبرين القرار “كارثة اقتصادية” تزيد الفقر وتضع الأسر أمام خيارات صعبة.

وقال أحدهم: “الفاتورة الجديدة قد تتجاوز نصف الراتب… كيف يعيش الموظف من بقية دخله؟”

في المقابل، أشار البعض إلى أن القرار قد يشجع استخدام الطاقة الشمسية، بينما ربط بعضهم الأمر بضرورة التزام الحكومة بزيادة الرواتب لتعويض الارتفاع، وهو ما لم يتحقق بعد.

وتعكس هذه التعليقات شعور السوريين بأن رفع الأسعار جاء في وقت لا يتحسن فيه الواقع الكهربائي، مع استمرار ساعات التقنين الطويلة واعتمادهم الكبير على مولدات “الأمبير” باهظة الكلفة لتغطية احتياجاتهم الأساسية.

قرار الحكومة وتبريراته

قررت الحكومة السورية الانتقالية رفع تعرفة الكهرباء ضمن خطة “إصلاح القطاع”، معتبرة أن هذه الخطوة ضرورية لمواجهة الخسائر السنوية الكبيرة التي تُقدّر بمليار دولار، وتحسين استقرار الكهرباء وتطوير البنية التحتية، إضافة إلى تشجيع الاستثمار في القطاع.

وأكد مدير الاتصال الحكومي في وزارة الطاقة، أحمد سليمان، أن القرار يشمل المؤسسات الحكومية التي تستهلك نحو 30% من الإنتاج الكهربائي لتدفع من ميزانياتها الخاصة، فيما ستُستخدم زيادة الإيرادات لتحسين شبكات النقل والتوزيع وتأمين الوقود اللازم للتوليد.

وغرد وزير الطاقة محمد البشير على منصة “إكس”: “يُعد تعديل التعرفة خطوة أولى وأساسية في مسار إصلاح منظومة الكهرباء في سوريا، لتحسين كفاءة القطاع واستدامتها”، مشيراً إلى إجراءات مستقبلية تشمل تركيب العدادات الذكية وزيادة القدرة الإنتاجية وتقليل الفاقد الفني والتجاري.

من جهته، صرّح وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار بأن الهدف من الرفع هو “تصحيح سياسات قديمة” وبناء قطاع طاقة مستدام، مؤكداً أن الدولة بدأت برفع الأجور في القطاع العام، وتعمل على زيادة رواتب القطاع الخاص لمساعدة الأسر على التكيّف مع الأسعار الجديدة.

الارتفاع الكبير في الأسعار

تُظهر المقارنة بين الأسعار القديمة والجديدة مدى القفزة الكبيرة التي شهدها القطاع الكهربائي: “قبل الحرب: سعر الكيلوواط الساعي ضمن شريحة (0–600 ك.و.س) كان 10 ليرات سورية فقط. عام 2023: ارتفع إلى 150 ليرة سورية. الآن في 20.25: بلغ السعر 600 ليرة سورية”.

أما الشريحة الثانية (601–1000 ك.و.س)، فارتفع سعر الكيلوواط من 25 ليرة قبل الحرب إلى 450 ليرة عام 2023، ثم إلى 1400 ليرة وفق التعرفة الجديدة، ما يعني تضاعف السعر في الشريحة الأولى المدعومة بنحو 60 مرة مقارنة بالسعر القديم.

وأعادت الحكومة هيكلة الشرائح لتقتصر على شريحتين أساسيتين فقط، مع بقاء دعم بنسبة 60% للاستهلاك المنزلي حتى 300 ك.و.س، فيما تتراوح أسعار الكهرباء الصناعية والتجارية بين 1700 و1800 ليرة سورية للكيلوواط الساعي.

تعرفة الكهرباء الجديدة

أعلنت وزارة الطاقة أن التعرفة الجديدة جاءت ضمن خطة “إصلاح القطاع”، وتوزعت كالآتي: “الشريحة الأولى (ذوو الدخل المحدود): أقل من 300 ك.و.س بسعر 600 ل.س للكيلوواط. الشريحة الثانية (الدخل المتوسط): بسعر 1400 ل.س للكيلوواط. الشريحة الثالثة (المؤسسات الحكومية والشركات): بسعر 1700 ل.س للكيلوواط. الشريحة الرابعة: (المعامل): بسعر 1800 ل.س للكيلوواط”.

الواقع الكهربائي بالأرقام

تقدّر حاجة سوريا من الكهرباء بنحو 7 آلاف ميغاواط، فيما يبلغ الإنتاج الفعلي نحو 2200 ميغاواط فقط بسبب نقص الوقود والغاز اللازم للتوليد. وتنتج البلاد حوالي 6 ملايين متر مكعب من الغاز يومياً، وهي كمية غير كافية لتشغيل المحطات بكامل طاقتها.

وتعاني المحافظات من تهالك شبكات النقل والمحولات، وتحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة. وتعمل الحكومة على مشروع تركيب 6.5 مليون عداد ذكي مسبق الدفع، وتأهيل محطات التوليد المدمرة، إضافة إلى استجرار الغاز من أذربيجان عبر تركيا ضمن منحة من صندوق قطر للتنمية.

ويقول الخبير الاقتصادي محمد العلوش لـ”963+” إن الزيادة الأخيرة أثارت مخاوف واسعة لانعكاسها على تكاليف السلع والخدمات، خصوصًا في بلد يعاني ضعف القدرة الشرائية وتضخم متسارع.

ويضيف أن الكهرباء عنصر أساسي في كل حلقات الإنتاج، وأي زيادة في سعرها تؤثر مباشرة على الأسعار النهائية للسلع. وأكد أن الاستياء الشعبي مبرر، لأن الزيادة لم تُقابل بتحسين ملموس في الخدمة، ولا تزال ساعات التغذية محدودة، كما انتقد غياب الشفافية حول حجم الدعم الحقيقي والخسائر.

ويشير العلوش إلى حلول مقترحة تشمل إعادة هيكلة التعرفة بشفافية وعدالة، دعم مباشر للأسر منخفضة الدخل، مراقبة أداء القطاع ونشر بيانات دورية، تشجيع استخدام الأجهزة الموفّرة للطاقة والطاقة المتجددة، وإشراك القطاع الخاص في الاستثمار في مشاريع الطاقة الشمسية والريحية.

عدالة الفاتورة وعدالة التكلفة

يرى الأكاديمي خالد البعاج في تصريحات لـ”963+” أن المعضلة تكمن في إيجاد توازن بين “عدالة الفاتورة على المواطن” و”عدالة التكلفة على الدولة”.

ويؤكد على أن الحل لا يقتصر على الجباية فقط، بل يتطلب مقاربة شاملة تشمل تحسين الخدمة وربط رفع الأسعار بخطة واضحة لزيادة ساعات التغذية تدريجياً، خفض الفاقد الفني والتجاري، وتفعيل الشفافية بنشر تقارير دورية عن الأداء والإنتاج. وأشار إلى أهمية تسهيل الاستثمار في الطاقة المتجددة للأفراد والمؤسسات لتخفيف العبء على المواطنين مستقبلاً.

ويبقى السوريون أمام مواجهة معقدة بين حقه في الكهرباء كخدمة أساسية وبين عبء الفاتورة المرتفعة التي تثقل ميزانية الأسرة.

ويرى مراقبون أن الرسالة واضحة: :”لن يقتنع السوريون بضرورة رفع الأسعار ما لم يلمسوا تحسناً حقيقياً في الخدمة، والإصلاح الحقيقي يبدأ بمعالجة جذور الأزمة: البنية التحتية، ونقص الوقود، والهدر الكبير”.

ويحتاج إصلاح قطاع الكهرباء في سوريا إلى استراتيجية طويلة الأمد تشمل الاستثمار في البنية التحتية، توفير الوقود، الحد من الهدر، وتحفيز الطاقة المتجددة، وربط الأسعار بجودة التغذية، بعيداً عن رفع الأسعار المفاجئ الذي يفاقم معاناة الأسر.

+963

———————————-

بضائع مجهولة تجتاح السوق السورية دون رقابة/ مارينا مرهج

مدير “المواصفات والمقاييس” يشرح المعايير والتحديات

تُعرض الكثير من المنتجات الغذائية والاستهلاكية على أرصفة الشوارع وداخل الأسواق الشعبية، دون بطاقات مواصفات أو بيانات منشأ أو أرقام تسجيل تجاري، بعضها يبدو مهربًا أو مصنعًا في ورشات محلية غير مرخصة، وبعضها يحمل بطاقات لا يمكن التحقق من صحتها.

عنب بلدي لاحظت، خلال جولة على عدد من الأسواق داخل دمشق وريفها، انتشار منتجات غذائية كالمعلبات الأجنبية، وأطعمة الأطفال، والحلويات والمكسرات المغلفة، دون تدوين معلومات حول المحتويات والترخيص أو تاريخ الصنع، مع ذكر اسم المنشأة فقط.

عشرات المستهلكين يوميًا معرضون للخطر الصحي، مقابل الأسعار الزهيدة التي تباع بها هذه المنتجات غير الخاضعة للرقابة الصحية أو الحفظ بالشروط المناسبة.

عنب بلدي التقت مدير عام هيئة المواصفات والمقاييس العربية السورية، ياسر عليوي، وواجهته بانتشار هذه الظاهرة، وسألته عن دور الهيئة في ردعها ومسؤوليتها تجاه ما يباع داخل الأسواق سواء المنتجات المحلية أو المستوردة.

دور تشريعي وليس رقابيًا

يتجمع المواطنون حول قطعة من القماش عليها أنواع من منتجات الأغذية المعلبة على أحد أرصفة منطقة البرامكة وسط دمشق، يقول البائع، لعنب بلدي، “جميع هذه المنتجات دخلت عقب سقوط النظام السابق، أشتري ما أحتاجه بأسعار رخيصة من تجار الجملة، وأعيد بيعها بعد إضافة الربح عليها، وحتى الآن لم يأتِ إليّ أحد يشتكي من سوء ما أبيعه”.

وعلى طرف آخر، طاولة خشبية متحركة، تعرض عدة أنواع من المكسرات مغلفة بأكياس شفافة، وبداخلها ورقة طُبع عليها اسم المنتج فقط، يبدأ سعرها من عشرة آلاف ليرة سورية، ولا تتجاوز بعض الأنواع 35 ألف ليرة سورية.

وفي عدة أماكن أخرى، انتشرت مأكولات الأطفال، “ثلاث قطع بعشرة آلاف ليرة”، هكذا يصيح البائع، ورغم وجود المعلومات على الغلاف، يبقى سعرها مثيرًا للشكوك بشأن إذا ما كانت هذه المنتجات خاضعة للشروط الصحية عند الإنتاج أو في أثناء الحفظ والتخزين.

مدير عام هيئة المواصفات والمقاييس العربية السورية، ياسر عليوي، بيّن، لعنب بلدي، أن مسؤولية الهيئة تقتصر فقط على وضع الشروط والمعايير الواجب اتباعها، وفحص المنتجات، أما رقابة المنتجات داخل الأسواق فهو خارج اختصاصاتها، بل من مسؤولية الجهات الرقابية سواء كانت غذائية وصحية أو دوائية.

وفي حال حصول أي شكوى تجاه منتج ما، ترسل الجهات الرقابية عيّنة من المواد إلى هيئة المواصفات لتقوم بفحصها وكتابة التقارير الخاصة بها.

وحول دور الهيئة في مراقبة المواد الواردة إلى سوريا، أوضح عليوي أن مسؤولية مراقبة المستوردات توزع بين جهات عدة، الهيئة من جهة وضع المتطلبات والمواصفات والفحوص المرجعية، والتجارة الداخلية، والجمارك، والصحة، والجهات الرقابية على الحدود والأسواق.

ويتضمن عمل الهيئة إصدار المواصفات والمتطلبات الفنية ومعايير الفحص للسلع المستوردة، وتنسق إجراءات الفحص وإتاحة قوائم السلع الخاضعة للرقابة الفنية، بحسب عليوي، لافتًا إلى وجود آليات لأخذ عينات وفحوص مشتركة بين الجهات المعنية لضمان سلامة المواد الواردة ومنع دخول غير المطابق منها.

ضمان نزاهة الفحوص وحماية المستهلك

فيما يخص الشائعات حول إمكانية تجاوز إجراءات الفحص بطرق غير شرعية، شدد عليوي على أن الفحص في النظام الرسمي ليس إجراء شكليًا، بل يخضع لإجراءات عمل قياسية تشمل أخذ العينات وفق طرق معتمدة، وإجراء الاختبارات في مختبرات معتمدة، وتوثيق السجلات بدقة، كما تراقب الهيئة نزاهة المختبرات بالتعاون مع جهات الاعتماد والتدقيق.

وفي حال اكتشاف منتجات غير مطابقة، يتم اتباع سلسلة إجراءات قانونية وتنظيمية، تبدأ بإعلام المنشأة وسحب عينات إضافية للتحقق، مرورًا بإنذارات أو قرارات سحب ومنع تداول، وصولًا إلى إحالة الحالات الجسيمة إلى الجهات القضائية المختصة.

وأكد عليوي أن الهدف من هذه الإجراءات هو حماية المستهلك وضمان السلامة والصحة العامة، مع الحفاظ على حق المنتج في الاعتراض واستئناف القرار عبر الإجراءات القانونية، وفق القوانين الناظمة للهيئة.

وتنظم الهيئة حملات إعلامية وورشات عمل وندوات للمستهلكين، بالإضافة إلى نشر أدلة مبسطة للمواصفات الخاصة بالسلع اليومية، كما تشارك منظمات المجتمع المدني وجمعيات حماية المستهلك في بعض اللجان الاستشارية داخل الهيئة، لتضمين وجهة نظر المستخدم النهائي في إعداد المواصفات.

وقال إن الهيئة تتيح قنوات لتلقي شكاوى الجمهور حول المنتجات المشتبه بها، لخلق حلقة تغذية راجعة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.

المواصفات الدولية واحتياجات السوق

تعتمد هيئة المواصفات والمقاييس في سوريا على مبدأ “التوافق الذكي”، وتتخذ المواصفات الدولية (مثل ISO، IEC، OIML) مرجعية أساسية، مع إدخال تعديلات وطنية عند الحاجة، لتتلاءم مع خصوصية السلسلة الإنتاجية أو الظروف البيئية والاقتصادية المحلية، وفقًا لمديرها ياسر عليوي.

ويتم العمل من خلال لجان فنية تضم خبراء من مختلف القطاعات: الصناعة، الأكاديميين، الجهات الرقابية، الجمارك، المستهلكين، بحيث تراجع المسودات الدولية وتكيف بنودها (من المواد إلى حدود المطلوبات وطرق الاختبار)، بما يتناسب مع قدرات المصنعين ومتطلبات السلامة العامة دون الإخلال بمستوى الجودة المقبول.

وأضاف عليوي أن هذه الآلية تنسجم مع قانون إنشاء الهيئة وأهدافها في بناء نظام وطني للمقاييس يتوافق مع الممارسات الدولية المعتمدة.

أدوات المطابقة والمعايير الدولية

حول قدرة سوريا على مطابقة معايير الجودة الدولية، أوضح عليوي أن لدى الهيئة إطار عمل متكاملًا، يشمل لجانًا تقنية وشبكة مختبرات وطنية تجري الاختبارات والمعايرات، إلى جانب متابعة الاعتمادات والممارسات الدولية في مجالات القياس والمطابقة.

ونوه إلى أن مستويات البنية التحتية (المختبرات، الاعتماد الدولي لبعض المختبرات، معدات المعايرة المتقدمة) تختلف حسب القطاع، إذ إن بعض القطاعات مجهزة جيدًا، وبعضها يحتاج إلى تحديث أو اعتماد أوسع، ويتم العمل على تطوير هذا النظام تدريجيًا.

كما تمثل الهيئة سوريا في منظمات دولية وإقليمية متخصصة، ما يتيح لها الوصول إلى المراجع الفنية المعتمدة، مشيرًا إلى عدم وجود تصنيف عالمي موحد يحدد ترتيب الدول في هذا المجال، لأن القدرات تختلف بحسب معايير متعددة مثل عدد المختبرات المعتمدة، ووجود هيئة اعتماد وطنية معترف بها دوليًا، والمشاركة الفعالة في لجان “ISO/IEC”، وقدرة التصدير، لافتًا إلى أن الهيئة تركز على مؤشرات أداء قابلة للقياس، مثل زيادة المختبرات المعتمدة ورفع كفاءة الفحوص، والحصول على اعترافات إقليمية ودولية، بدلًا من الاكتفاء بالبحث عن تصنيفات رقمية مجردة.

تحديات المصانع الصغيرة وآليات الدعم

تعتبر تكاليف الامتثال أحد التحديات التي تواجهها المصانع الصغيرة والمتوسطة في الالتزام بالمواصفات، وتشكل عبئًا أوليًا على هذه المنشآت، خاصة فيما يتعلق بالتجهيزات والاختبارات، وفق ما قاله مدير عام هيئة المواصفات والمقاييس، ياسر عليوي.

وأضاف أن ضعف الوعي الفني ونقص المعرفة بمتطلبات المواصفة وطرق الاختبار يمثلان تحديًا آخر، إلى جانب غياب البنية التحتية للاختبار والمعايرة في بعض المحافظات.

وللتعامل مع هذه التحديات، تعتمد الهيئة سياسات تيسيرية، مثل تبسيط متطلبات الاعتماد في المراحل الأولى، وتنظيم برامج دعم فني وتدريب من خلال ورشات عمل ونشرات متخصصة، إضافة إلى إنشاء مراكز اختبار إقليمية مشتركة.

وأشار عليوي إلى أن الهيئة تعتمد مبدأ “التدرج في الامتثال”، بما يمنح المنتجين فرصة للتحسين تدريجيًا للوصول إلى الامتثال الكامل، دون إغلاق السوق أمامهم، بهدف تحقيق التوازن بين حماية المستهلك وضمان جودة المنتج مع عدم خنق الاقتصاد المحلي.

وتتدرج متطلبات الامتثال بحيث تمنح المصانع فرصة للانتقال تدريجيًا نحو الامتثال الكامل دون إغلاق السوق أمامها، بهدف حماية المستهلك وضمان جودة المنتج مع عدم خنق الاقتصاد المحلي.

تعزيز تنافسية المنتجات ومراقبة المستوردات

لخص مدير عام هيئة المواصفات والمقاييس العربية السورية، خلال حديثه لعنب بلدي، خطوات الهيئة لتعزيز التنافسية والتصدير بعدد من الجوانب هي:

    المواصفة الوطنية المتوافقة مع المعايير الدولية، لتقليل حاجز الدخول للأسواق الخارجية، وطمأنة المشترين والمستوردين إلى أن المنتج يلتزم بمواصفات مقبولة عالميًا.

    إتاحة تطبيقات القياس والمعايرة (مثل قياس الأداء، دقة الأدوات) وتقليل الهدر وتحسين الكفاءة، ما يخفض التكاليف ويزيد جودة المنتج وبالتالي قابليته للتصدير.

    شهادات المطابقة والاختبارات المعتمدة التي تساعد في فتح أسواق جديدة وتسهيل إجراءات التخليص.

واختتم مدير عام هئية المواصفات والمقاييس العربية السورية، ياسر عليوي، بالتأكيد على أن الهيئة تعمل على مواءمة النظام الوطني للمواصفات معالمعايير الدولية  مع الحفاظ على خصوصية السوق المحلية، وتسعى لتطوير قدرات الفحص والاعتماد لحماية المستهلك ودعم تنافسية المنتج السوري.

وتعتبر الهيئة الجهة الوطنية المسؤولة عن المواصفات والمقاييس، وتغطي قطاعات واسعة تشمل الأغذية، والمنتجات الصناعية والكهربائية والإلكترونية، ومواد البناء، والسلع الاستهلاكية، والمعدات الطبية، وتدخل ضمن صلاحياتها منظومة المواصفات الغذائية المرتبطة بـ”Codex” فيما يتعلق بسلامة الأغذية.

ورغم التحديات المرتبطة بالبنية التحتية وزيادة الوعي الفني، فإن الهيئة تواصل تنفيذ خارطة طريق لتطوير منظومة الاعتماد المختبري، وتوسيع برامج الدعم الفني، وتفعيل الرقابة على الأسواق، بما يعزز ثقة المستهلك محليًا ويهيئ الطريق أمام انفتاح المنتج السوري على الأسواق العالمية.

عنب بلدي

—————————–

 سوريا تتوسع في إصدار التراخيص الجديدة للمشروعات الصناعية

بدعم من إقرار نظام الاستثمار الجديد بالمدن الصناعية السورية

الرياض – العربية

نشر في: 04 نوفمبر ,2025

ارتفع عدد المشاريع الصناعية والحرفية المرخصة والمنفذة في المحافظات السورية إلى 3031 مشروعاً خلال أول تسعة أشهر من العام الحالي.

وأظهر تقرير مديرية الاستثمار الصناعي والحرفي في وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أن عدد المشاريع الصناعية المرخصة بلغ 2225 مشروعاً، تصدرها القطاع الكيميائي بواقع 643 مشروعاً، يليه القطاع الهندسي بـ 581 مشروعاً، ثم الغذائي بـ 536 مشروعاً، والنسيجي بـ 465 مشروعاً.

وفيما يتعلق بالمشاريع الصناعية التي دخلت مرحلة الإنتاج خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي تم تنفيذ 218 مشروعاً صناعياً، وكانت الحصة الأكبر للقطاع الكيميائي بواقع 98 منشأة، ثم الغذائي بـ 74 منشأة، والهندسي بـ 26 منشأة، وأخيراً القطاع النسيجي بـ 20 منشأة، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

ارتفاع قياسي لعدد الشركات الأجنبية في سوريا

اقتصاد اقتصاد سوريا ارتفاع قياسي لعدد الشركات الأجنبية في سوريا

وبلغ عدد المشاريع الحرفية المرخصة 532 مشروعاً، توزعت ما بين 190 مشروعاً هندسياً، و169 مشروعاً غذائياً، و122 كيميائياً، و51 نسيجياً.

ووصل عدد المشاريع الحرفية المنفذة إلى 56 مشروعاً، توزعت بواقع 39 مشروعاً في القطاع الغذائي، و12 مشروعاً في القطاع الهندسي، ومشروعين في القطاع النسيجي، و3 مشاريع في القطاع الكيميائي.

يذكر أن وزارة الاقتصاد والصناعة كانت قد أقرت في يونيو الماضي نظام الاستثمار الجديد بالمدن الصناعية في سوريا بهدف تعزيز البيئة الجاذبة للاستثمار الصناعي وتشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي ونقل وتوطين التكنولوجيا والمعرفة الصناعية.

—————————–

محافظة دمشق تصدر التعليمات التنفيذية لقرار فتح وإغلاق الأسواق والمحال التجارية

2025.11.05

أصدرت محافظة دمشق التعليمات التنفيذية الخاصة بالقرار رقم 620 لعام 2025، والمتعلق بتنظيم أوقات عمل الفعاليات التجارية والخدمية داخل المدينة، وذلك بهدف تحقيق التوازن بين النشاط الاقتصادي وراحة السكان.

ووفق نص التعليمات، التي وُقعت من محافظ دمشق، محمد مروان إدلبي، تحددت أوقات الفتح والإغلاق للمحال والأسواق التجارية من الثامنة صباحاً حتى العاشرة ليلاً، مع الالتزام بالعطلة الأسبوعية، في حين سمح لمحال المواد الغذائية بالعمل من السادسة صباحاً حتى الواحدة بعد منتصف الليل.

كما سمحت المحافظة لمحال الحلويات والبوظة بالعمل حتى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وللمطاعم والمقاهي والكافيتريات حتى الساعة ذاتها، مع تمديد العمل حتى الثانية بعد منتصف الليل أيام الخميس والجمعة والسبت.

وتشمل التعليمات أيضاً تحديد دوام المولات من السادسة صباحاً حتى الثانية بعد منتصف الليل، ومطاعم الربوة والمتنزهات حتى الثالثة بعد منتصف الليل، في حين تعمل النوادي الرياضية حتى الحادية عشرة ليلاً باستثناء صالات البلياردو التي يسمح لها حتى الواحدة بعد منتصف الليل.

أما صالات الأفراح فُسمح لها بالعمل حتى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل بشرط وجود عزل صوتي يمنع الإزعاج، بينما تعمل صالونات الحلاقة من السابعة صباحاً حتى العاشرة ليلاً، وتُستثنى من الإغلاق الأسبوعي بحسب المهنة.

ووفق القرار، تستمر الأكشاك ومحطات الوقود بالعمل على مدار الساعة، في حين سُمح لمحال الإنترنت بالعمل من التاسعة صباحاً حتى الثانية عشرة ليلاً بشرط عدم وجود ألعاب إلكترونية أو إزعاج للسكان.

شروط ومعايير

وأكدت المحافظة على منع رفع الصوت عبر المولدات أو الآلات ليلاً، أو تشغيل الإشغالات المرخصة بعد الواحدة بعد منتصف الليل، تحت طائلة المساءلة القانونية، في حين تبقى أوقات عمل الورش والمعامل الصناعية وأسواق الخضر واللحوم والبزورية في الزبلطاني وفق القرارات السابقة.

وأشار القرار إلى أنه يحق لأصحاب الفعاليات غير المشمولة التقدم بطلبات إلى مراكز خدمة المواطن لبحث أوضاعهم، بينما كلّفت المحافظة قسم شرطة مجلس دمشق بمتابعة تنفيذ القرار وتنظيم الضبوط بحق المخالفين.

ويأتي هذا الإجراء في إطار خطة المحافظة لتنظيم الحركة التجارية وضبط الأنشطة الليلية وتحسين بيئة المعيشة داخل العاصمة، بعد صدور نظام الاستثمار الجديد في المدن الصناعية وازدياد النشاط الاقتصادي في دمشق خلال العام الجاري.

انتعاش وفوضى

شهدت الأسواق السورية في المدن الكبرى، منذ سقوط النظام المخلوع أواخر عام 2024، حالة انتعاش ملحوظ تمثّلت بعودة الحركة التجارية تدريجياً، وافتتاح مئات المحال والمنشآت الصغيرة التي كانت مغلقة خلال السنوات السابقة، في حين أسهم تحسن الأمن النسبي وتدفق السلع في تنشيط الأسواق ورفع الطلب المحلي، خصوصاً في دمشق وحلب وحمص.

في المقابل، رافق هذا الانتعاش قدر من العشوائية في انتشار الأنشطة التجارية وعودة البسطات والإشغالات في الشوارع الرئيسية، إضافة إلى تفاوت واضح في ساعات العمل والتقيد بالضوابط البلدية بين منطقة وأخرى.

كما واجهت السلطات المحلية تحدياً في ضبط الإشغالات غير النظامية وعمليات البيع غير المرخصة، خاصة في الأسواق الشعبية.

وتحاول السلطات السورية حالياً إعادة تنظيم النشاط التجاري بما يوازن بين المرونة الاقتصادية والانضباط الإداري، في مرحلة ما تزال فيها البلاد تعيد بناء منظومتها الاقتصادية والإدارية بعد سنوات من الحرب.

تلفزيون سوريا

——————

 يتصدرها الكيميائي والهندسي والغذائي.. 3031 مشروعاً أنشئت في سوريا خلال 9 أشهر

2025.11.05

أعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة أن عدد المشاريع الصناعية والحرفية المرخصة والمنفذة في المحافظات السورية خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي بلغ 3031 مشروعاً، توزعت بين قطاعات كيميائية وهندسية وغذائية ونسيجية.

ووفق تقرير نشرته مديرية الاستثمار الصناعي والحرفي، بلغ عدد المشاريع الصناعية المرخصة 2225 مشروعاً منذ بداية العام وحتى نهاية أيلول الماضي، تصدّرها القطاع الكيميائي بـ643 مشروعاً، يليه القطاع الهندسي بـ581 مشروعاً، ثم الغذائي بـ536 مشروعاً، والنسيجي بـ465 مشروعاً.

مشاريع دخلت مرحلة الإنتاج

وذكر التقرير أنه خلال الفترة نفسها، دخل 218 مشروعاً صناعياً مرحلة الإنتاج، استحوذ القطاع الكيميائي على 98 منشأة منها، يليه القطاع الغذائي بـ74 منشأة، ثم الهندسي بـ26 منشأة، وأخيراً النسيجي بـ20 منشأة.

أما في الجانب الحرفي، فقد بلغ عدد المشاريع المرخصة 532 مشروعاً، توزعت بين 190 مشروعاً هندسياً، و169 غذائياً، و122 كيميائياً، و51 نسيجياً.

كما تم تنفيذ 56 مشروعاً حرفياً خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، منها 39 في القطاع الغذائي، و12 في الهندسي، و3 في الكيميائي، ومشروعان في القطاع النسيجي.

بيئة استثمارية جديدة

وأشارت الوزارة إلى أن هذا العدد يعكس تزايد الإقبال من المستثمرين ورجال الأعمال على تأسيس مشاريع صناعية في مختلف المحافظات، مدفوعاً بـ”التسهيلات الإجرائية” والقوانين الجديدة الخاصة بالمدن الصناعية.

يشار إلى أن وزارة الاقتصاد والصناعة أقرت، في 18 حزيران الماضي، نظام الاستثمار الجديد في المدن الصناعية، بهدف تعزيز البيئة الجاذبة للاستثمار الصناعي وتشجيع رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية، إضافة إلى نقل وتوطين التكنولوجيا والمعرفة الصناعية في سوريا.

———————-

مؤتمر في دمشق يدعو إلى ربط إعادة الإعمار بالعدالة وحقوق الإنسان/ عبد الله السعد

05 نوفمبر 2025

بينما تستعد الحكومة السورية لطرح مزيد من مشاريع إعادة الإعمار، تصاعدت في دمشق أصوات مدنية تحذّر من أن “الإعمار بلا عدالة” قد يعني ببساطة إعادة إنتاج النظام القديم بأشكال جديدة. ففي العاصمة التي ما زالت تحمل آثار الدمار، اجتمع حقوقيون واقتصاديون ومسؤولون سوريون على مدار يومين متتاليين في فندق الشام في مؤتمر بعنوان “من الأنقاض إلى المسؤولية: حقوق الإنسان والأعمال التجارية ومستقبل سورية”، لمناقشة العلاقة بين التنمية والحقوق، والدعوة إلى بناء اقتصاد يقوم على المساءلة واحترام الكرامة الإنسانية.

المؤتمر الذي بدأ الأحد، ونظمته ثلاث منظمات سورية، هي “البرنامج السوري للتطوير القانوني” و”جمعية الأعمال السورية العالمية” و”سيريا ريبورت”، جمع ممثلين عن الوزارات ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص، إضافة إلى ممثلين عن الأمم المتحدة والدول المانحة، في محاولة لصياغة رؤية مشتركة لمستقبل أكثر استدامة وإنصافاً.

العدالة في قلب التنمية

في السياق، قال سعد بارود، مدير إدارة المنظمات والمؤتمرات الدولية في وزارة الخارجية السورية، لـ”العربي الجديد”، إن “التنمية وحقوق الإنسان توءمان لا ينفصلان”، معتبراً أن الثورة السورية التي انطلقت عام 2011 “جعلت الكرامة الإنسانية في صلب النقاش العام، ما يجعل إعادة الإعمار جزءاً من العدالة الانتقالية لا مجرد عملية هندسية”.

وأوضح بارود أن ملف حقوق السكن والممتلكات “يمثل جوهر عملية إعادة الإعمار، باعتباره السبيل لتصحيح ما جرى من مصادرات وعمليات تهجير قسري”، مؤكداً أن “بناء الثقة بين الدولة والمواطن أصعب بكثير من بناء الأبنية المهدمة”. وأشار إلى أن الحكومة “تعمل على تطوير الأطر التشريعية والمؤسساتية التي تضمن مشاركة المجتمع المدني في صياغة سياسات الإعمار”، مضيفاً أن “أي عملية تنموية لن تكون ذات جدوى ما لم تُبنَ على أسس العدالة والمساءلة”.

الاقتصاد والمسؤولية

من جهتها، اعتبرت سنا كيخيا، المديرة التنفيذية للبرنامج السوري للتطوير القانوني، في حديث خاص مع “العربي الجديد”، أن الحرب في سورية كشفت عن تورط قطاعات اقتصادية واسعة في الانتهاكات، سواء عبر الاستيلاء على الأملاك أو دعم آلة القمع. وأضافت أن “بعض الشركات المحلية والأجنبية استفادت من مصادرة أملاك المهجرين والمعتقلين، وساهمت في بناء منظومة اقتصادية غير شرعية”.

وأكدت كيخيا أن “إعادة الإعمار المقبلة يجب أن تُبنى على قاعدة (لا ضرر ولا ضرار)، وأن أي نشاط تجاري استفاد من انتهاكات حقوق الإنسان لا يمكن اعتباره مشروعًا شرعيًّا في سورية الجديدة”. وشددت على أن المؤتمر يسعى إلى “الانتقال من منطق الإنقاذ إلى منطق المسؤولية، ومن اقتصاد الريع والولاء إلى اقتصاد قائم على الشفافية واحترام الإنسان”.

شراكة جديدة للقطاع الخاص

بدوره، قال ناصر يوسف، عضو مجلس إدارة جمعية الأعمال السورية العالمية، لـ”العربي الجديد”، إن إعادة الإعمار ليست مشروعًا سياسيًّا أو سكانيًّا فحسب، بل عملية اقتصادية كبرى تتطلب شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني. وأوضح أن “الشركات التي ستشارك في مشاريع الإعمار مطالبة بالالتزام بمعايير بيئية وإنسانية واضحة، لأن النمو الاقتصادي بلا عدالة يكرّس الانقسام ولا يداويه”.

أما رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها، أيمن المولوي، فاعتبر أن العدالة وحقوق الإنسان “قضية مقدسة”، مشيرًا إلى أن “التجار والمستثمرين تلقوا تنبيهات بضرورة التأكد من أن الأراضي والممتلكات المستخدمة في مشاريعهم ليست مغتصبة أو مصادرة”. وأكد أن الغرفة “مستعدة لتقديم أي بيانات تطلبها الجهات المعنية في إطار التحقيقات أو تطبيق قانون العدالة الانتقالية”.

تشريعات جديدة ومناطق مدمرة

وأشار المشاركون إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب مراجعة أكثر من 190 قانونًا لتلائم متطلبات التنمية، مؤكدين أن “غياب رؤية واضحة لقطاع السكن ما زال أحد أبرز عوائق جذب الاستثمار إلى هذا المجال الحيوي”. كما لفتوا إلى وجود سبع مناطق مدمرة بالكامل نتيجة التهجير والتدمير الممنهج، ما يستدعي “إعمارًا عادلاً وشفافًا يضمن حقوق السكان الأصليين ويمنع نشوء نزاعات جديدة”. واختتم المؤتمر أعماله بالدعوة إلى تحويل الجهود من الإغاثة إلى المسؤولية، ومن الإعمار المادي إلى الإعمار الحقوقي، مشددين على أن “مستقبل سورية لا يمكن أن يُبنى فقط على الإسمنت والحديد، بل على العدالة والكرامة، باعتبارهما أساس أي استقرار دائم”.

————————-

 الرياض ودمشق: كابل بيانات يمهّد لعودة سوريا الاقتصادية

الأربعاء 2025/11/05

تجري السعودية وسوريا محادثات لمد كابلات بيانات تربط المملكة بأوروبا، وهي خطوة تُعد جزءاً أساسياً من خطة الرياض لتصبح مركزاً عالمياً للذكاء الاصطناعي. وتعتزم سوريا منح المشروع هذا الشهر، بحسب تقارير إعلامية متطابقة، من بينها تقرير نشره موقع “Semafor”، ما فتح الباب لتحليل دلالات هذا التعاون التقني غير المسبوق بين البلدين منذ استئناف العلاقات الدبلوماسية.

مشروع تقني بطابع استراتيجي

وقالت وكالة “رويترز”، إن عدداً من شركات الاتصالات الخليجية، من بينها شركة الاتصالات السعودية “STC”، وشركة زين الكويتية، واتصالات الإماراتية، وأوريدو، دخلت في محادثات مع الحكومة السورية بهدف المنافسة على تنفيذ مشروع كابل بيانات يعرف باسم “ستار لينك”، مشيرة إلى أن قيمة المشروع تُقدر بنحو 300 مليون دولار. ووفق رويترز، امتنعت” STC” عن التعليق المباشر على مشاركتها في المناقصة، بينما تتعامل دمشق مع عروض متعددة قبل اتخاذ قرار الترسية.

في المقابل، نقل موقع “AGBI ” الاقتصادي تقديرات أعلى تتراوح بين 400 و500 مليون دولار، موضحاً أن المشروع قد يمتد على مسار بري يصل طوله إلى نحو 4500 كيلومتر، ويربط الخليج بالأردن ثم سوريا وصولاً إلى تركيا وأوروبا، مع قدرات نقل بيانات ضخمة تتماشى مع احتياجات عصر الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.

لماذا سوريا… ولماذا الآن؟

وتدرك دمشق أن موقعها الجغرافي، الذي كان لعقود جزءاً من طرق التجارة التقليدية بين الشرق والغرب، يمكن أن يتحول اليوم إلى ممر رقمي بالغ الأهمية، يربط آسيا بأوروبا عبر مسار بري مختصر مقارنة بالكابلات البحرية الطويلة المعرّضة للأعطال. وفي تصريحات سابقة لوزارة الاتصالات السورية، أكدت أن مشروع “ستار لينك” جزء من خطة لإعادة بناء العمود الفقري للإنترنت محلياً، وإعادة سوريا إلى الخريطة الرقمية الإقليمية بعد سنوات من العزلة.

بالنسبة لدمشق، لا يمثل المشروع صفقة بنية تحتية فحسب، بل “فرصة عودة اقتصادية” عبر باب منخفض الحساسية سياسياً، إذ يمكن أن يوفر عائدات مالية من رسوم العبور وتشغيل الخطوط، ويخلق شبكة مصالح إقليمية طويلة الأمد مع دول الخليج.

 ذكاء اصطناعي وقوة رقمية

وترى الرياض في المشروع جزءًا من خريطة التحول نحو اقتصاد المعرفة. فوفق تقرير “Semafor”، تسعى المملكة إلى تنويع مسارات نقل البيانات، بما يتناسب مع خطتها لتصبح مركزاً عالمياً للذكاء الاصطناعي، خصوصاً مع التوجه إلى استضافة مراكز بيانات عملاقة، وتطوير بنى تحتية تتجاوز الاعتماد التقليدي على الكابلات البحرية.

وتعد النقلة هنا ذات دلالة واضحة: من اقتصاد نفطي قائم على تصدير المواد الخام، إلى اقتصاد رقمي قائم على تصدير البيانات والخدمات الرقمية. فكلما تنوّعت شبكات الربط، زادت قدرة المملكة على جذب الشركات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي التي تبحث عن استقرار تدفق البيانات وسرعة الوصول إلى أوروبا وآسيا في آن واحد.

إعادة رسم خريطة النفوذ الرقمي

وأصبحت ممرات البيانات اليوم أشبه بـ”ممرات نفوذ جيوسياسي”، حيث تعكس الدول قوتها من خلال سيطرتها على مسارات الإنترنت وتدفق المعلومات. وقد برزت أهمية المسارات البديلة بعد الأعطال المتكررة في كابلات البحر الأحمر خلال العامين الماضيين، والتي أدت في بعض الحالات إلى تعطل الإنترنت في الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

وبناءً على ذلك، فإن وجود مسار بري يمر عبر الأردن وسوريا يتيح للسعودية خياراً استراتيجياً إضافياً، إلى جانب المسارات البحرية والاتصالات عبر دول أخرى. كما يمنحها قدرة على تقليل اعتمادها على مسارات تمر عبر نقاط سياسية حساسة، الأمر الذي يعزز أمنها الرقمي واستقلاليتها التقنية.

تقارب اقتصادي قبل السياسة

ويشير هذا المشروع، إن أُنجز، إلى صيغة جديدة من التقارب السعودي–السوري عبر الاقتصاد قبل السياسة. فالتعاون في مجال البنية التحتية الرقمية يعد باباً منخفض الحساسية، لا يثير الجدل السياسي نفسه الذي قد تثيره أشكال تعاون أخرى. ومع ذلك، فإنه يخلق مع الوقت تشابك مصالح يصعب التراجع عنه، ويفتح المجال أمام مشاريع تقنية أخرى مثل مراكز البيانات المشتركة، وربط الشبكات السحابية، وخدمات العبور الرقمي بين آسيا وأوروبا.

تاريخياً، بدأت دول عدة في المنطقة إعادة بناء علاقاتها المتوترة عبر الاقتصاد، ومن ثم انتقلت إلى الملفات السياسية، وهذا النموذج قد يتكرر هنا، ولكن بمسار “رقمي” هذه المرة.

تحديات ومخاطر

ورغم الآفاق الواسعة، يواجه المشروع عدة تحديات، أبرزها البيئة السياسية والعقوبات المفروضة على سوريا، إضافة إلى المخاطر الأمنية المحتملة لمسار بري يمر بمناطق حساسة أمنياً. كما أن تنفيذ مشروع بهذا الحجم يتطلب ضمانات تشغيل، وتمويلاً واستقراراً طويل الأمد.

من جهة أخرى، قد تثير أي شراكة تقنية سعودية–سورية تساؤلات دولية، خصوصاً من القوى المرتبطة بسوق التكنولوجيا وحركة البيانات عالمياً، إلا أن اختيار قطاع الاتصالات كبداية قد يقلل من حساسية ردود الفعل.

ويعكس مشروع “ستار لينك” تحولاً لافتاً في مقاربة العلاقات بين دمشق والرياض، إذ لا يعتمد على اختراق سياسي مفاجئ، بل على بناء “مصالح رقمية” قد تُمهد تدريجياً لعودة سوريا إلى الاقتصاد الإقليمي من بوابة التكنولوجيا. وبينما تمضي المحادثات، يبقى السؤال: هل سيشكل هذا الكابل أول خيط في شبكة مصالح جديدة تعيد رسم خريطة الربط الرقمي في الشرق الأوسط؟.

———————-

خطّاب يعمّم بعدم توقيف المطلوبين جنائياً قبل 2025

الأربعاء 2025/11/05

أصدر وزير الداخلية السورية أنس خطّاب قراراً يقضي بعدم توقيف المطلوبين لإدارة المباحث الجنائية قبل عام 2025، بهدف تخفيف الأعباء عن المواطنين وتقليل الضغط على الأجهزة الأمنية.

استثناء الجرائم الخطيرة

وقال المتحدث الرسمي باسم الوزارة نورالدين البابا، إن القرار يأتي بعد تصنيف نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد ملايين السوريين كمطلوبين أمنياً، ونسب إليهم تهماً جنائية لا أساس لها، ما أعاق حصولهم على أوراقهم الرسمية.

وأوضح البابا في تغريدة على منصة “إكس”، أن القرار يستثني المشتبه بارتكابهم جرائم خطيرة، فيما يُكتفى بمراجعة اعتيادية لبقية المواطنين لمعالجة أوضاعهم القانونية.

وأظهر تعميم منسوب لوزارة الداخلية السورية، أن القرار يهدف إلى ألغاء الإجراءات التعسفية المقيدة للحرية ورفع المظالم التي طالت السوريين في عهد النظام المخلوع، ولتجنب كل ما شأنه المساس “لكرامة وحرية المواطن”.

وبموجب التعميم، شدد خطّاب على قادة الوحدات عدم توقيف أي شخص لصالح إدارة المباحث الجنائية ما قبل العام 2025، والاكتفاء بتكليفهم بالمراجعة من أجل تسوية أوضاعهم لدى الإدارة.

ويستثنى من القرار، المتهمون بارتكاب جرائم القتل، والشروع بالقتل، الخطف، الابتزاز، فيما يتم سوق المطلوبين بعد مطلع العام 2025، إلى الجهات الطالبة في حال تم القبض عليهم.

وفي آذار/مارس الماضي، ألغت وزارة الداخلية السورية أكثر من 5 ملايين بلاغ منع سفر أصدرتها جهات رسمية بحق مواطنين سوريين في عهد النظام المخلوع.

وأكدت الوزارة في بيان حينها، إلغاء جميع البلاغات المتضمنة “طلبات توقيف ومراجعة وإعلام وتخلف عن الخدمتين الإلزامية والاحتياطية الصادرة بحق المواطنين السوريين زمن النظام البائد”.

وكان نظام الأسد المخلوع قد وضع نحو 8 ملايين سوري، أي ثًلث سكان سوريا، على قوائم المطلوبين لأسباب أمنية، إلا أن خطاب أكد إزالة معظم قوائم المطلوبين أمنياً، فيما أبقت فقط على المطلوبين لأسباب قضائية أو جنائية.

إلغاء ملاحقات قضائية

وفي تشرين الأول/أكتوبر، أصدرت وزارة العدل السورية قراراً بإلغاء ملاحقات قضائية تشمل أكثر من 287 ألف قضية، على عهد نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.

وتضمن القرار إلغاء النشرات الشرطية ومذكرات البحث الصادرة عن القضاء العسكري في عهد النظام البائد، وبالتالي إيقاف الملاحقات القضائية وإجراءات منع السفر المرتبطة بها.

وشملت القضايا التي تم إلغاؤها، جرائم مثل التظاهر، ومزاولة مهنة الصرافة، وتسهيل الفرار، وحيازة سلاح، والاتجار بالسلع المدعومة، لكن القرار استثنى القضايا التي تشكل جنايات خطيرة والمتعلقة بحقوق شخصية والتي ستخضع للدراسة وفق الأصول القانونية المعتمدة.

————————-

========================

تحديث 04 تشرين الثاني 2025

——————————–

الاقتصاد السياسي للفساد في «سوريا الجديدة»: عن المنظومة الريعية ما بعد النزاع/ مسلم عبد طالاس

04-11-2025

        في علم الاقتصاد السياسي لا يُنظر إلى الفساد على أنه انحراف أخلاقي أو سلوك شخصي، بل يُعدُّ بنية وظيفية في نوع محدد من أنظمة الحكم الهشّة التي تتركز في غالبيتها الساحقة في الدول النامية. تناول عدد من منظري الاقتصاد السياسي موضوع الفساد من خلال فكرة الدولة الريعيّة، أي الدولة التي تُعيد توزيع الريوع على شبكات الموالين للحاكم. ومن بين أبرز من تناولوا هذا الموضوع هناك حازم الببلاوي وجيانفرانكو لوتشياني في نظرية الدولة الريعية، ومشتاق خان في دراساته عن «الفساد الوظيفي»، ودوغلاس نورث في تنظيره لمفهوم «نظام الوصول المحدود». اعتبر هؤلاء أن الفساد يمكن أن يتحول إلى آلية حكم لا إلى مجرد خلل فيها.

        في الدول التي تعجز عن تحصيل الإيرادات أو بناء مؤسسات مستقرة، يُصبح الريع السياسي هو العملة الحقيقية التي تُشتَرى بها الولاءات، ويتحول الفساد إلى وسيلة لضبط التوازنات بين القوى المتنافسة. في مثل هذه السياقات، لا يُكافَح الفسادُ إلا في الخطاب، بينما في الممارسة يُعاد تنظيمه ليُصبح أكثر فاعلية في خدمة السلطة.

        من هذا المنظور، يُمكن قراءة التجربة السورية الراهنة بوصفها مثالاً مكثفاً على هذا المنطق. فمنذ تشكل السلطة السياسية الجديدة، حاولت أن تقدم نفسها كبديل مدني يسعى إلى تأسيس دولة جديدة قادرة على تجاوز الفوضى والانقسام. غير أن هذا التحول من سلطة فصائلية إلى سلطة مدنية شكليّة لم يغيّر البنية التي تستند إليها السلطة في جوهرها. فبين مرحلة الحكم التي استندت إلى الخطاب العقائدي ومرحلة الخطاب المدني، لم يتبدل سوى القاموس، بينما ظلَّ الاقتصاد السياسي نفسه: اقتصاد الحرب، والريع، والفساد بوصفه لغة الحكم الوحيدة الممكنة، ومنذ استلام السلطة الجديدة للحكم في دمشق بدأ يتداول مصطلح «إدلبنة الاقتصاد»، وهو مصطلح يُعبّر عن كيفية إعادة هندسة الفساد وتدويره في مرحلة ما بعد النزاع لا القضاء عليه.

        تسعى النخبة الحاكمة الجديدة إلى إظهار قطيعة رمزية مع المرحلة الجهادية السابقة تترافق مع خطاب معادٍ للفساد، لكن الواقع يضعها في مفارقة لا يمكن الخروج منها بسهولة. فالنظام الذي يرفع شعار مكافحة الفساد يعيش عملياً على الاقتصاد الموازي القائم على الولاءات والمنافع، وبالتالي صار الفساد شرطاً ضرورياً لبقائه لا خللاً يمكن إصلاحه. وتُشكّل الإيديولوجيا قيداً إضافياً يُكبِّل التحول نحو المدنيّة ويُعزز الفساد بل يجعله ضرورة. وقد عكست مؤخراً بعض التغطيات الإعلامية ذات المصداقية المقبولة ملامح هذه العملية.

        في تحقيق نشرته وكالة رويترز في تموز (يوليو) 2025 بعنوان «سوريا تُعيد تشكيل اقتصادها سراً، وشقيق الرئيس هو المسؤول» سُلِطَ الضوء على لجنة اقتصادية سريّة يرأسها حازم الشرع، شقيق الرئيس. تُفاوض هذه اللجنة رجال أعمال من عهد الأسد على تسويات مالية مقابل «تطهير» أموالهم، وقد ضمت شخصية أسترالية تُعرف باسم «أبو مريم الأسترالي». في جوهرها، لم تكن هذه لجنة إصلاح اقتصادي بل آلية لإعادة توزيع الريع تحت إشراف العائلة الحاكمة. والنتيجة كانت ولادة اقتصاد موازٍ يربط رجال الأعمال الجدد بالرئاسة عبر شبكة من المصالح والصفقات، في نموذج كلاسيكي لما يسميه الاقتصاديون «إعادة هيكلة الفساد» لا مكافحته.

        وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2025 نشر موقع  The Syria Report تقريراً بعنوان «إدلبنة الاقتصاد: نموذج هيئة تحرير الشام يتمدد على نطاق وطني» كشف ميدانياً عن التحول الجاري. يُبين التقرير أن السلطات الجديدة نقلت فعلياً نموذج هيئة تحرير الشام في إدارة اقتصاد إدلب إلى باقي مناطق سوريا. فقد مُنحَت شركات واجهة مثل طيبة بتروليوم احتكار توزيع الوقود دون مناقصات عامة، واستحوذت شركة زاجل للنقل على خطوط حكومية سابقة، بينما تولت شركة شام كاش الرقمية إدارة نظام الرواتب عبر تطبيقات مرتبطة بمصرف خاص يملكه رجال أعمال مقربون من الشرع. هذه الحالات تكشف كيف تم تحويل «اقتصاد الحرب» الذي أدارتهُ الفصائل في الشمال إلى اقتصاد ريعي منظم تحت سلطة مركزية جديدة، في عملية تُوصف بدقة بأنها «علمنة شكليّة» لاقتصاد هيئة تحرير الشام، لا قطيعة معه.

        بعد ذلك ببضعة أيام نشرت وكالة رويترز تقريراً آخر بعنوان «لا غنائم حرب: الحاكم الجديد لسوريا يضع حداً لمظاهر الثراء بين الموالين». ظهر فيه الرئيس المؤقت غاضباً من مسؤوليه الذين حضروا بسيارات فارهة إلى اجتماع عقده في إدلب، فأغلق مكاتب عدد منهم، بما في ذلك مكتب شقيقه الأصغر. لكن التقرير ذاته يُوضح أن الرشاوى والمعاملات السريّة استمرت بلا انقطاع. ويُمكن أن نستنتج من التقرير أن «مكافحة الفساد» قد لا تكون سوى وسيلة لتجميع خيوط الاقتصاد المبعثر تحت سلطة الرئاسة. الفساد هنا لم يُمحَ، بل جرى تأميمه؛ أصبح منظماً وهرمياً، وجزءاً من جهاز الدولة بدل أن يكون ضدها.

        وفق منطق الدولة الريعية كما صاغه ببلاوي ولوتشياني، حين تضعف الدولة الإنتاجية، تُصبح السلطة السياسية قائمة على توزيع المنافع لا على إنتاجها. الولاء يُشترى بالمناصب والعقود، والسلطة تتحول إلى شركة ريعية تتقاسمها النخب.

        في سوريا اليوم، تتجسد هذه القاعدة بشكل صارخ: فقد دمّرت الحرب قاعدة الإنتاج، واستُبدلت الضرائب بالجبايات والرسوم غير الرسمية، وتحول النفوذ الديني والعسكري إلى مصدر مباشر للربح. «إدلبنة الاقتصاد» التي وثّقها تقرير The Syria Report ليست سوى التعبير الميداني عن هذا المنطق، إذ تحولت شبكات الريع من سلطة محلية جهادية إلى سلطة مركزية بيروقراطية، من دون أي تغيير في جوهر العلاقة بين السلطة والثروة.

        المعضلة الأعمق لدى السلطة الجديدة في سوريا ليست اقتصادية فقط، بل أيديولوجية أيضاً، والقوة التي تحميها هي نفسها التي قد تُسقطها. فهي محاطة بفصائل مسلحة متشددة ترى في المدنية خيانة دينية، ولأن هذه السلطة لا تستطيع مواجهتها بالسلاح ولا بالإصلاح، يبدو أن اللجوء إلى «الإفساد الممنهج» هو وسيلة الترويض الأجدى، وربما الوحيدة. لذلك منحت قادة الفصائل مواقع قيادية وامتيازات اقتصادية، وحولت العقيدة إلى مصلحة، فتحول الجهادي إلى بيروقراطي، والشيخ إلى رجل أعمال.

        يؤدي الفساد هنا وظيفة مزدوجة: يُسكِن الأصولية ويُكرِّس الولاء في آن واحد. إنها عملية «علمنة ناعمة» تتم عبر الإغراء لا الصدام، حيث تتبدل اللغة لكن يبقى المنطق ذاته: السلطة مقابل الولاء.

        هذه الاستراتيجية ليست سوريّة الصنع رغم وجود خصوصية سورية. ففي العراق بعد عام 2003، تحوّل نظام «المحاصصة الطائفية» إلى وسيلة لتوزيع الريع السياسي بين الأحزاب، فصار الفساد هو ما يحفظ التوازن الهش لا ما يُهدده. وفي السودان بعد الثورة، استخدم المكون العسكري الفساد لإعادة دمج الإسلاميين السابقين في الاقتصاد، فأُعيد إنتاج المنظومة القديمة بأسماء جديدة.

        أمّا في أفغانستان، فقد اعتمدت الحكومات المتعاقبة على شبكات أمراء الحرب الذين حولوا المساعدات الخارجية إلى موارد خاصة، وحين انقطع الريع انهارت الدولة سريعاً.

        تتشابه هذه النماذج جميعها في جوهرها؛ فالأنظمة الخارجة من النزاعات لا تميل إلى بناء شرعيتها على المشاركة أو الكفاءة، بل على توزيع الريع والفساد كبديل عن المؤسسات. ولا يمكن كسر هذه الحلقة المفرغة إلا عبر تسويات سياسية شاملة، وآليات مشاركة فعلية، ونظم حوكمة رشيدة تُعيد تعريف العلاقة بين السلطة والثروة على أسس قانونية ومؤسسية مستدامة.

        في هذا الإطار، يُمكن القول إن سوريا ما بعد الحرب تُمثّلُ نموذجاً صافياً لما يمكن تسميته «المنظومة الريعية ما بعد النزاع»، حيث لا تستطيع السلطة أن تحكم بلا فساد، ولا أن تُصلِح دون أن تهتز بنيتها. فالفساد أصبح الآلية التي تُمول بها السلطة وتدار بها التحالفات، لا الخطر الذي يهددها. قد ينجح هذا التوازن مؤقتاً، لكنه لا يصنع دولة. فالفساد يمكن أن يشتري الوقت، لكنه لا يبني مؤسسات. وما لم تتغير البنية السياسية–الاقتصادية التي تجعل منه شرطاً لبقاء النظام، ستظل سوريا دولة مؤجلة، يحكمها من يدرك أن الفساد هو آخر ما يملك.

موقع الجمهورية

———————————-

الاستثمارات الخليجية والتركية في سوريا بين الوهم الاقتصادي والاستثمار السياسي/ عدي عبدالله

الثلاثاء 4 نوفمبر 2025

في مشهد يختلط فيه الاقتصادي بالسياسي، أُعلن في سوريا أخيراً عن حزم استثمارات محلية ودولية كانت الاستثمارات الخليجية أبرزها. أرقام ضخمة ومشاريع وُصفت بـ”الإستراتيجية” قُدّمت كعلامة على بداية مرحلة إعادة الإعمار. بدا الأمر وكأن الاقتصاد السوري المنهك يقف على أعتاب نهضة عمرانية وتنموية، تنتقل به من سنوات الحرب إلى أفق جديد. لكن، وسط هذه الضجة، يبرز سؤال أساسي: هل نحن فعلاً أمام مشاريع تنموية حقيقية، أم مجرّد أدوات نفوذ سياسي مغلّفة بخطاب “التنمية والازدهار”؟

هذا السؤال يزداد إلحاحاً عند النظر إلى السلطة الجديدة في سوريا التي ورثت أنقاض النظام السابق. فبينما تحتاج البلاد إلى إعادة نهوض اقتصادي وقانوني شامل، يجري تسويق هذه الاستثمارات كطوق نجاة. لكن، عند التمحيص، يتضح أن كثيراً منها أقرب إلى عروض استعراضية أو صفقات نفوذ، منها إلى استثمارات منتجة.

بين الاستثمار والواجهة

الاستثمار الحقيقي، بمفهومه الاقتصادي والقانوني، يعني ضخ رأسمال منتج، تأمين فرص عمل، ضمان عائد طويل الأجل، والاعتماد على بيئة قانونية وقضائية واضحة تكفل حقوق المستثمرين والمجتمع المحلي على حد سواء. إنه فعل تنموي يُبنى على قواعد مؤسساتية، ويُقاس بنتائجه على الأرض: مصانع قائمة، وظائف جديدة، وبنى تحتية تخدم الاقتصاد الوطني.

لكن النسخة السورية المعلنة مختلفة تماماً. الأرقام الرسمية تكشف أن عدد المشاريع الاستثمارية المرخّصة والمنفّذة في سوريا خلال النصف الأول من العام الجاري، بلغ 1336 مشروعاً، برأسمال معلن يقارب 157 مليون دولار فقط وذلك بحسب وزارة الاقتصاد والصناعة السورية. أما المشاريع المنفّذة منها، فأقل بكثير من 1%.

تتكشّف هذه الهوّة الواسعة بين مرحلة “الترخيص” ومرحلة “الإنتاج الفعلي”، ويظهر أن العائق الأكبر لا يكمن في الإعلان أو التوقيع بل في القدرة على تحويل ما هو على الأوراق إلى نشاط اقتصادي ملموس. فالمستثمر يواجه في الواقع بيئة مثقلة بالتعقيدات البيروقراطية، وغياب البنية التحتية، وانعدام الضمانات القانونية. لذلك، تبقى الكثير من المشاريع المعلنة، بما فيها مذكرات تفاهم، وبروتوكولات تعاون، واتفاقيات أولية تصلح للترويج الإعلامي، وقف التنفيذ أكثر مما تصلح لتأسيس دورة اقتصادية منتجة.

لعل المثال الأبرز على هذا التناقض هو شركة UBAKO الإيطالية، التي وقّعت عقداً ضخماً بقيمة 2 ملياري دولار لإنشاء “أبراج دمشق”. عند البحث في السجلات الرسمية الإيطالية، تبيّن أن الشركة تأسّست في حزيران/ يونيو 2022 برأسمال لا يتجاوز 16 ألف يورو، بل وسجّلت في عامها الأول خسائر تشغيلية قدرها 3300 يورو بينما بلغت إيراداتها السنوية عام 2023 نحو 209 آلاف يورو فقط، وفق تقارير إعلامية متطابقة. الأدهى أن الشركة لا تضم سوى موظف واحد في تقارير عام 2025، ولا يُعرف عن مالكيها أو مجلس إدارتها سوى اسمين، حتى رابط فيسبوك على موقعها الرسمي يقود إلى صفحة شخص يُدعى بسام السبع.

هكذا، تُسوَّق شركة لنفسها كمنفِّذة لمشروع ملياري، فيما تبدو -وفق ما تُعلن- تفتقر إلى أي مؤهلات مالية أو تشغيلية. إذ إن إدخالها على أنها شريك إستراتيجي لا يعكس جدية اقتصادية بقدر ما قد يعكس “مسرحة للاستثمار” بهدف الدعاية.

في غضون ذلك، نشر الصحافي السوري نضال معروف وثائق مسرّبة مفادها أن بسام السبع، الذي ظهر خلال احتفالية الاستثمار الأخيرة وهو يوقّع عقد “أبراج دمشق” في حضور الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، شخصية مثيرة للجدل إذ تبيّن سجلات مصرفية وقضائية أنه متورِّط في قضايا نصب واحتيال، وملاحق بمبالغ مالية ضخمة من عدد من المصارف. هذا يضع علامة استفهام إضافية على طبيعة هذه المشاريع، وعلى جدوى تقديم شخصيات كهذه كواجهة لشراكات استراتيجية يُفترض أنها ستحمل الاقتصاد السوري نحو مرحلة “إعمار” مرتقبة.

واجهات هشّة وأرقام مضلِّلة

إذا كان مثال “أبراج دمشق” وما ارتبط به من أسماء مثيرة للجدل يكشف هشاشة بعض الواجهات الاستثمارية، فإن النظرة الأعمق إلى خريطة المشاريع المعلنة تفضح بدورها فراغ هذه الطفرة الموعودة. فالتوزيع القطاعي للاستثمارات لا يوحي بوجود تحوّل اقتصادي نوعي، بل يكشف استمرار الاعتماد على أنشطة تقليدية ذات قيمة مضافة محدودة. ويتصدّر القطاع الكيميائي قائمة المشاريع المرخّصة بـ305 مشاريع مرخصة، غير أن الغالبية الساحقة منها ليست سوى خطوط تجميع بسيطة، بعيدة كل البعد من الصناعات الكيميائية المتقدمة التي يتطلّبها أي اقتصاد يسعى لنهضة حقيقية.

ويمكن القياس على قطاع الطاقة بوصفه المثال الأكثر إلحاحاً، فبينما تُسوّق الحكومة السورية الانتقالية مشاريع طاقة بمليارات الدولارات، يعيش السوريون يومياً بين 12 و16 ساعة من انقطاع الكهرباء. هذه الفجوة بين التصريحات والواقع لا تعني فقط أن وعود “حل أزمة الطاقة” لا تزال مؤجلة لسنوات، بل إنها أيضاً تعوق أي مشروع استثماري جاد يحتاج إلى بنية تحتية مستقرة للعمل.

يزداد هذا المشهد تعقيداً حين يُضاف إليه العامل الأمني. فأحداث العنف الطائفي التي شهدتها السويداء أخيراً، ومن قبلها مجازر الساحل السوري، وما رافقهما من اضطراب أمني، تجعلان الكثير من المستثمرين المحتملين يطرحون سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن أن تُدار مشاريع اقتصادية بمليارات الدولارات في بيئة لم تستطع الحكومة فيها بعد فرض استقرار سياسي واجتماعي مقنع؟

البعد السياسي

وراء هذه الواجهات المضلِّلة، تبرز السياسة بعداً أعمق. فالاستثمارات الخليجية في سوريا اليوم، في معظمها، لا يمكن النظر إليها خارج سياق السياسة الإقليمية. فهي لا تقوم فقط على حسابات الجدوى والعائد المادي، بل تُستخدم كأدوات نفوذ لترسيخ حضور قوى معينة داخل سوريا الجديدة. مذكرات التفاهم الموقّعة مع شركات إماراتية وقطرية وسعودية تُظهر هذا الطابع بوضوح: أغلبها يطال قطاعات حساسة كالطاقة والمرافئ والمطارات والعقارات الكبرى، وهي مجالات يختلط فيها الاقتصادي بالسيادي، وتتحوّل فيها لغة الاستثمار إلى لغة اصطفافات وتحالفات. لكن المشهد لا يقتصر على الخليج. فالمثال التركي يكشف الوجه الآخر للمعادلة، حيث يصبح الاستثمار بوابةً لتثبيت أوراق سياسية في يد أنقرة.

وقد أُعلن أخيراً عن توقيع مذكرة تفاهم مع شركة تركية قيل إنها ستتولى إدارة مطار دمشق. غير أن التدقيق في شركة أخرى تُدعى Polidef كشف معلومات مقلقة: موقع إلكتروني مسجّل في تموز/ يوليو 2024، وغياب كامل عن منصات الأعمال الاحترافية مثل “لينكد إن” والسجلات التجارية، عنوان في إسطنبول لا يظهر فيه أي أثر للشركة، ورقم هاتف مدرج تبيّن أنه مستخدم من شركة أخرى حديثة التأسيس تُدعى Falk Mühendislik، بموقع إلكتروني مكرّر لا يوثّق أي إنجازات حقيقية.

هذا التشابه، وهذه المعطيات المتكررة، يوحيان بأننا أمام شركات واجهة (shell companies) لا أكثر، أُنشئت لتمرير صفقات سياسية أو لإخفاء هوية اللاعبين الفعليين. ما يدفع إلى التساؤل: كيف يمكن لدولة تعاني انهياراً اقتصادياً عميقاً أن تضع أحد أهم مطاراتها الوطنية بيد كيان غير موثوق به؟ أعتقد أن الجواب يكمن في السياسة لا في الاقتصاد، لا أستبعد أن نكون أمام ورقة مقايضة مع أنقرة، ورسالة طمأنة إقليمية، أكثر مما هي خطة تنمية أو مشروع استثماري فعلي.

بين الاستثمار والمجازفة

لكن هذه الحسابات السياسية لا تنفصل عن كلفة عالية يدركها المستثمرون أنفسهم. فخلف التصريحات المتفائلة وصور المؤتمرات، هناك واقع أكثر هشاشة، يؤكد أن أي استثمار في سوريا اليوم أشبه برهان محفوف بالمخاطر. شركات التأمين العالمية تضع البلاد في خانة الخطر العالي.

يزيد تعقيد المشهد أن معظم العقود لا تُوقَّع إلا بشرط وجود ضمانات سيادية أو حتى دولية، الأمر الذي قد يُحمّل الدولة السورية أعباءً مالية ضخمة إذا ما فشلت تلك المشاريع أو توقفت. الأهم أن الاستقرار السياسي والأمني يبقى الشرط الضمني لكل هذه الاستثمارات، وهو شرط لم يتحقّق بعد. أحداث السويداء الأخيرة، بما حملته من دماء وفوضى، كشفت بوضوح أن هشاشة الداخل قادرة على نسف أي التزامات على الورق، وأن المشاريع المعلنة قد تتبخر سريعاً بمجرد اهتزاز ميزان القوى على الأرض.

دروس من التجربة اللبنانية

هنا تستحضر الذاكرة تجربة لبنان بعد الحرب الأهلية، وبخاصة مشروع “سوليدير”، وهي شركة تأسّست بدفع من رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري في تسعينيات القرن العشرين لإعادة إعمار وسط بيروت. رُوّج له حينها كمشروع إعادة إعمار وتنمية، لكنه في الواقع شكّل أداة لإعادة ترتيب التوازنات السياسية والمالية بعد الحرب. انتُزعت أراضي الناس في وسط العاصمة، وحُوّلت إلى ملكيات جديدة مرتبطة بالنخب السياسية والمالية، بينما ظلّت غالبية اللبنانيين خارج معادلة “الاستفادة”.

ورغم أن الشركة نجحت من الناحية المادية، وساهمت في إعادة بناء قلب العاصمة، إلا أنها أثارت انتقادات كثيرة: إذ يرى النقاد أنها حولت وسط بيروت إلى “ملك مغلق” للنخبة السياسية والمالية، دون تحقيق التنمية الحقيقية للمجتمع الأوسع، ولا معالجة الفجوة الطبقية التي عمّقتها.

الوضع في سوريا اليوم يشبه ذلك إلى حد كبير. الاستثمارات المعلنة ليست موجهة لإعادة بناء اقتصاد وطني مستدام، بل لإعادة تشكيل السلطة وتوزيع المكاسب بين الأطراف الإقليميين والمحليين. تماماً كما تحولت “سوليدير” إلى رمز لإعادة إنتاج نظام ما بعد الحرب اللبنانية، تتحوّل “أبراج دمشق” و”مطار دمشق” -على سبيل المثال لا الحصر- إلى رمزين لتثبيت السلطة السورية الجديدة عبر عقود استثمار مشبوهة.

الدولة الريعية والقوة الناعمة

يمكن قراءة هذا الوضع أيضاً من خلال إطار نظرية الدولة الريعية. ففي غياب اقتصاد إنتاجي حقيقي، تعتمد السلطة على الريع الخارجي (الاستثمارات، والمساعدات، والتحويلات) لتثبيت سلطتها. وهكذا تصبح العقود الاستثمارية أداة سياسية، تمنح ولاءات للنخب المحلية، وتوزّع عوائد رمزية على المجتمع عبر خطاب التنمية.

فضلاً عن ذلك، تُستخدم هذه الاستثمارات كأداة من أدوات القوة الاقتصادية الناعمة. فالسعودية والإمارات وقطر، كل منها يسعى إلى ترسيخ نفوذه عبر واجهات اقتصادية، بما في ذلك مشاريع عمرانية، ومرافئ، ومطارات، وعقارات فاخرة. لكن، خلف هذا الخطاب الناعم، يبقى الهدف سياسياً بالدرجة الأولى، وهو بناء شبكة نفوذ طويلة الأمد في “سوريا الجديدة”، وربطها اقتصادياً وأمنياً بهذه العواصم.

إرث الوعود المؤجلة

وإذا كانت الدولة الريعية قد اعتادت أن تستخدم خطاب القوة الناعمة عبر الاستثمارات المعلنة، فإن التجربة السورية تُظهر فجوة واسعة بين ما يُقال وما يتحقّق على الأرض. صحيح أن بعض المشاريع، مثل مصنع فيحاء للإسمنت الأبيض في عدرا الصناعية (20 مليون دولار) وبرج الجوهرة التجاري في قلب دمشق (100 مليون دولار)، قد تحوّلت بالفعل إلى واقع ملموس، لكنها تبقى استثناءات وسط عشرات الوعود غير المنجزة.

فملتقى الاستثمار الخليجي في دمشق عام 2009، الذي رُوّج له بوصفه انطلاقة لعصر جديد من الشراكات الكبرى، حضره وزراء ورجال أعمال بارزون، لكنه انتهى إلى سلسلة من المذكرات بلا أثر. هذا النمط لم يكن جديداً بحيث إن الحكومات السورية المتعاقبة اعتادت أن تُكثر من الإعلانات، وتملأ الصحف بالتصريحات، لكنها نادراً ما تملك القدرة أو الإرادة لتحويل هذه الخطط إلى مشاريع منتجة.

يدفع ما سبق إلى التساؤل: من بين كل هذه الاتفاقيات المليارية التي تُعلن في احتفاليات رسمية كبيرة، كم عدد المشاريع والاستثمارات التي قد تصل فعلاً إلى مرحلة التنفيذ؟ وكم منها قد يبقى مجرّد واجهة إعلامية تُستخدم لصرف الأنظار عن الأزمة الاقتصادية العميقة؟

المواطن بين الإقصاء وإعادة التدوير

من خلفية طويلة من الوعود المؤجلة والمشاريع غير المكتملة، يصل الأثر المباشر إلى المجتمع السوري، الذي يظلّ الخاسر الأكبر في هذه المعادلة. فحتى المشاريع التي ترى النور لا تنعكس على حياة الغالبية إذ تتركّز في أبراج فاخرة أو مجمّعات ومطارات لا تخلق فرص عمل واسعة، ولا تمسّ القطاعات التي يحتاجها الناس فعلاً، كالزراعة أو الصناعة أو الخدمات الأساسية.

الأدهى أن المنطق الذي يُدار به الاقتصاد في “سوريا الجديدة” لا يختلف كثيراً عن سابقه، من حيث المحسوبيات، وإعادة تدوير شبكات النفوذ، والاعتماد على واجهات اقتصادية مشبوهة. كما أن كثيراً من الشركات المحلية المنخرطة في هذه الاستثمارات لها صلات سابقة بـ”هيئة تحرير الشام”، وغالباً ما يقود تتبّعها إلى طرق مسدودة، ما يعني أن اقتصاد الحرب يجري إعادة إنتاجه بلبوس “إعادة الإعمار”.

وقد سلّط تحقيق حديث لوكالة رويترز الضوء على هذا الوضع، كاشفاً عن دور شقيق الرئيس الانتقالي، حازم الشرع، في هندسة النظام الاقتصادي الجديد عبر صندوق سيادي غامض، تُبرم من خلاله تسويات باهظة مع رجال أعمال من عهد النظام السابق، مقابل إعادة دمجهم في المنظومة. وتشير الوكالة إلى شخصيات نافذة قادمة من إدلب ارتبطت سابقاً بـ”هيئة تحرير الشام”، مثل مصطفى قديد الملقب بـ”حاكم الظل”، وإبراهيم سكرية الملاحق دولياً.

بهذا، يجد السوريون أنفسهم مرة أخرى أمام حلقة مغلقة: اقتصاد موجّه يخدم نخبة ضيقة، يعيد إنتاج نفس آليات السيطرة، ويقصي المجتمع من أي فرصة حقيقية للتنمية أو العدالة.

هكذا يجد السوري نفسه مرة أخرى خارج اللعبة، ينظر إلى بلده وهو يُدار كـ”ملف”، أو “سوق”، أو حتى “صفقة”، لا وطن يُعاد إعماره لاحتضان جميع مكوّناته. وكأن الكارثة لم تكن كافية لتفتح الطريق نحو ولادة جديدة، بل صارت ذريعة لإعادة إنتاج الماضي بأقنعة مختلفة.

رصيف 22

——————————–

أسئلة إعادة الإعمار… فرصة متاحة لإعادة الثقة بين الإنسان والمكان/ فاتح كلثوم

04 نوفمبر 2025

في سورية، حيث تتوالد من العناوين الرئيسة لإعادة الإعمار سطور تتجاوز جملها الإيحائية والواقعية ما تهدم من جدران لتطاول الأحلام والنفوس والروابط الاجتماعية التي تصدّعت بفعل الحرب، فالركام الذي يمتد على مدار المكان والزمان السوري ليس مجرّد مشهد بصري يخدش عيون الرأي وضميره، بل ذاكرة باكية، وحنين جفّ دمعه نتبادله مع البيوت التي غاب عنها سمر الشتاء وقمر الصيف وشغب أقلام الأولاد على حيطانها البيضاء، فهل إعادة الإعمار يمكن اختصارها فقط بطلب النجدة من الإسمنت ليؤوينا فوق أرض مثقلة ذاكرتها بالألم؟ أم أنه فرصة للبحث عن بدايات جديدة، عن نماذج تنظيمية حديثة تبعدنا عن إعادة استنساخ العشوائيات وسلبياتها البيئية والبصرية والحياتية، لنعيد الثقة إلى التوازن بين الإنسان والمكان، بين المدينة والريف، بين الماضي والمستقبل؟ أم أن الأولوية، في ظل ما يحيط بنا مِن ركام، تطالبنا بتجاوز جميع تلك الشروط لتأمين سقف ضمن المتاح إلى من خانهم انتظار العودة الآمنة إلى أحيائهم من اللاجئين والمهجرين وسكان المخيمات؟

يبدو تحديد الأولويات غير متاح في ظل الواقع الراهن، لترابطها بخيط سري جامع مع صعوبة إجراء مسح وطني كامل فوق أرض تعاني من تمزق مكوناتها الاجتماعية تحت يافطات “عرقية – طائفية – دينية” تحرسها مليشيات مسلحة تعيق الانتماء إلى سلطة الدولة الأم، المكلفة حصرياً بالإشراف على مشاريع إعادة الإعمار وتحديد الأولويات بناء على دراسات دقيقة يحدد من خلالها التكلفة المادية الحالية والمستقبلية وطريقة الحصول عليها، وتوزيعها على مناطق الاستثمارات التنموية والعقارية بعدالة تضمن الحقوق والواجبات بين مؤسسات الدولة والمنظمات الدولية المانحة والمستثمرين المحليين والشركات القادمة من الخارج لهذه الغاية، إضافة إلى إحصائيات  شهرية تحدد عدد الوافدين إلى كلّ تجمع سكني وأصحاب الحاجة الماسة للإقامة فيها، وعدد الأبنية السكنية الشاغرة، في كلّ مدينة ومدى جاهزيتها من الناحية الإنشائية والمعمارية والخدمية، ومع غياب تلك الدراسات والإحصائيات الرسمية فإن القرارات المتخذة بهذا الشأن من قبل أجهزة الدولة المعنية تبدو غير منسجمة مع الواقع في أكثر الأحيان، إلاّ أن الحلول ما زالت متاحة لتلافي الحد الأدنى من السلبيات النامية وسط هذا الفراغ، من خلال إعادة النظر بالتقارير الرسمية السابقة، والتقارير الصادرة عن الجهات غير الرسمية المهتمة بهذا الأمر، وحوكمتها بالاعتماد على وجهات نظر المجتمع الأهلي والقاطنين في تلك الأحياء والقرى وإعطاء مجالس المدن والبلديات صلاحيات تتيح لها المشاركة الفعالة في إعادة الإعمار، فهناك تقارير غير رسمية ومشاهدات عينية تشير إلى أن هناك في داخل المدن (دمشق، حلب، حمص، اللاذقية) أبنية شبه مكتملة، وكثيرا من هذه الأبنية غير مأهول بسبب هجرة سكانها، أو بسبب أضرارٍ وقعت عليها  جرّاء  الحرب والكوارث الطبيعية على مدار السنوات السابقة، كما هناك على أطراف المدن الكبيرة، خصوصاً في مناطق التوسع السكني، مشاريع سكنية تحتوي بطوابق أبنيتها المتعدّدة على آلاف الشقق شبه الجاهزة، وقياساً مع تكلفة بناء ضواح وأبنية جديدة، والمدة غير القصيرة اللازمة لإنجاز مثل هذه الضواحي، تبدو الجدوى من إعادة استثمار تلك البيوت والمشاريع السابقة من الأهمية بمكان، إذ لا يحتاج معظمها سوى لبعض التشطيبات الداخلية وبتكلفة مادية بسيطة، يمكن تأمينها عن طريق تشجيع الأفراد على إعادة استثمارها من خلال تقديم التسهيلات الإدارية واللوجستية، وتقديم القروض الحسنة لصغار المستثمرين المحليين وأصحاب المسكن، إضافة إلى واجبات الدولة في مجال تأمين خدمات البنية التحية الضرورية (كهرباء، ماء، اتصالات، خدمات صحية، مدارس، طرقات) أو إعادة ترميمها وإصلاحها في حال توفّرها سابقاً، كما يمكن الاعتماد على جزءٍ من تأمين تلك الخدمات على المنح المقدمة من المؤسّسات الدولية غير الربحية العاملة في سورية، ولا بد من  تيسير الإجراءات الإدارية الخاصة بضمان الملكية، لتصبح، في فترة وجيزة، قادرة على استقبال طالب الحاجة، وإن لن تتجاوز مثل هذه الحلول والإجراءات طابعها الإسعافي في الوقت الراهن، إلّا أنها تساهم، ولو بشكل بسيط، بردم الفجوة السكنية في البلاد، والتي تبدو قاعدتها الأساسية موغلة في قدمها إلى ما قبل هذا التاريخ، فقد أشارت تقارير سابقة إلى أن نسبة النقص بحدود 1.5 مليون وحدة سكنية، مع حاجة سنوية لبناء حوالي 87 ألف وحدة سكنية على الأقل للحفاظ على هذه الفجوة فقط. وهذا يضيف إلى محاولات تجاوز الأزمة السكانية تحدّيات  تبدو خارج السيطرة على المستوى القريب، إلّا أن إعادة الإعمار تتطلب من الجهات المسؤولة عدم المثول أمام اليأس صاغرة، وإنما السعي الدائم لوضع بداية تعتمد نقاطها على استراتيجية تتبنى سياساتها التخطيطية نهجاً عقلانياً يأخذ بعين الاعتبار الواقع القائم، إذا لا يمكن العمل على التوسع الأفقي أو العمودي لبناء كتل سكنية جديدة دون تقييم فعلي للمخزون السكني السابق غير المستخدم، وتحديد قابليتها للتأهيل، مع تجميد العمل في الأبنية المدمرة بالكامل، وضع خطط وحلول لاستثمار مساحاتها في بناء حدائق حضرية، تساهم في تحسين البيئة المناخية المحلية، وتوفير مشهد بصري جدير بأن يكون فسحة مستدامة يحتاجها أهالي الحي للتنفس، وخصوصاً في المدن الكبيرة.

أما بخصوص القرى والبلدات الصغيرة، فإن استراتيجية إعادة الإعمار مُطالبة بالإسراع بوضع مخططات تنظيمية تمنع من خلالها قضم العمران للمساحات الزراعية بشكل عشوائي، وتحافظ بذات الوقت على الطابع المعماري المحلي لأهميته في الحفاظ على الخصوصية الثقافية  لكل قرية. ولا بد من أن يُؤخذ بالحسبان إشراك الأهالي في التخطيط وتحديد الأولويات لإعادة الإعمار في القرية، لما لهذا الدور مِن أهمية في إعادة الروابط المجتمعية، والتي لا بد منها في أي مجتمع ريفي لتبادل الخبرات والأوجاع والأفراح وتحفيز الجانب الأمني بين السكان لقدرته على المساهمة في عملية الاستقرار اللازمة  للارتقاء بالخط البياني للعملية الإنتاجية بشقيها الحيواني والزراعي، إلى مستوى التنمية المستدامة التي تتجاوز في أهدافها حدود تلك الحواضر، لتصل إلى المساهمة الفعالة في الأمن الغذائي للمدن المجاورة، وقد يتجاوز هدفها الأخير الحدود السورية في المستقبل، ليكون ريعها شريكاً مالكاً في إعادة الإعمار والحد من هجرة الشباب من الريف إلى المدينة على المستوى البعيد.  تحقيق هذا لا يبدو من المستحيل، لا بل إنه يمكن أن يكون من ضمن أسباب النجاة قريبة المنال، إلّا أن نجاحه مرهون بتقديم الدعم اللازم لهذه الحواضر وللقطاع الزراعي بشكل خاص، هذا القطاع الذي عانى في العقود السابقة من الإهمال، ما دفع جزءاً كبيراً من العاملين به إلى الالتحاق بإحياء المدن العشوائية طلباً للقمة العيش. لذا فإن تنمية الريف والسماح ببناء قرى زراعية جديدة في البادية السورية مع وضع خطّة لاستصلاح أراضيها ضمن مشروع إعادة الإعمار الأمر الذي سيعيد للمدن السورية توازنها السكاني والبيئي والاقتصادي. فالريف ليس هامشاً بل شريك في الإنتاج والثقافة والهوية، وإعادة الإعمار ليست دراسات هندسية وجدران قائمة وأسقف من الإسمنت المسلح فقط، بل فرصة للتأمل بالمعنى العميق للتنمية، للإنسان، للحياة، وبما وقع علينا جرّاء الحرب من وجع، والأخذ بتلك الثلاثية حافزاً للتغلب على تحديات التكلفة المادية، وفرص العمل والعيش المشترك، هي بحث عن حلول لصدمة الأجيال التي تفتح وعيها على ثقافة الفرقة وأصوات البنادق وصرخات الموت.

في سورية، تتجاوز إعادة الإعمار المتطلبات اللوجستية المتعارف عليها في المدن العامرة فقط، هي فعل سياسي، تربوي، تعاوني، وحوار وطني شامل، لإعادة الثقة بالمستقبل، بالذاكرة، بالروابط التي جمعتنا في الماضي أمة لها تاريخها وثقافتها ومستقبلها، وتسخيرها لرسم بدايات جديدة، بدايات لمن يملك الجرأة على استعادة الحلم من  تحت الأنقاض، وفرصة تشاركية للإصغاء إلى صوت الإنسان فينا.

العربي الجديد

———————————-

ودائع الضحايا المعلّقة… نظام الأسد حجز أموالهم في أثناء الاعتقال/ حبيب شحادة

04 نوفمبر 2025

أين ذهبت ودائع المعتقلين؟ سيبقى هذا السؤال معلّقاً، مثل الودائع نفسها. واسمها ودائع، لأنها ليست مصادرات، ولا مفقودات، بل هي أموال وذهب وممتلكات عينية كانت مع أشخاص حين اعتقلهم النظام، إما في سياراتهم التي اعتقلوا فيها، أو بيوتهم التي أخذوا منها. وحين وجهنا هذا السؤال للمركزي السوري، رفض الرد وأبقى الجواب والأموال معلّقة.

عندما سقطت جدران النظام السوري السابق، بقيت أموال نبيل عالقة في ذلك الحساب البنكي التابع لفرع فلسطين في البنك المركزي السوري. أربعون ألف دولار لم تُسترد حتى الآن وسط غموض مسار استردادها جراء عدم امتلاك نبيل لما يثبت استيلاء الفرع على ذاك المبلغ.

وكان نبيل الذي يعمل في الإكساءات العمرانية، قد اعتقل في عام 2021 بتهمة تمويل تنظيم إرهابي (التهمة التي وجهها النظام المخلوع لمئات آلاف السوريين)، وكُتب في الضبط الذي نظمه فرع فلسطين “قبض وبحوزته 40 ألف دولار وشحنة سلاح”، ومن ثم جرى تحويله إلى فرع الخطيب وبينما كُتب في ضبط فرع فلسطين قيمة المبلغ، لم يذكر ضبط فرع الخطيب المبلغ الذي كان بحوزته وفق ما قال لـ “سوريا الجديدة”.

“المصاري في البنك المركزي وديعة”، أجاب ضابط التحقيق بفرع فلسطين عن سؤال نبيل حول المبلغ الذي كان يحمله حينذاك.

وتثير قضية الودائع المالية لأشخاص اعتقلوا خلال فترة حكم النظام السوري السابق مع عدم قدرتهم على استعادتها مشاكل تتعلق بالحقوق المالية والعدالة، ومدى إمكانية وصول هؤلاء المتضررين إلى مواردهم المالية وسط تحديات قانونية وإجرائية تعيق استعادة تلك الودائع. وبعد سقوط النظام السوري السابق أواخر 2024، برزت مشكلة جديدة تتعلق بأموال تجار وأشخاص عاديين تعرضوا للاعتقال وخرجوا بعد السقوط ليجدوا أموالهم وودائعهم ما تزال محجوزة لدى البنك المركزي الذي رفض التعليق على تلك القضية.

لا وثائق تثبت الودائع

خرج نبيل يوم سقوط النظام، لكنه لا يملك أية ورقة أو وثيقة تثبت احتجاز فرع فلسطين ذاك لمبلغ الذي كان بحوزته. “لجأت إلى محامي كي استرد وديعتي”، كما قال، معبراً بحزن وألم في حديثه عن أن محاميه لم يتمكن من القيام بأية إجراءات قانونية لعدم وجود أية وثيقة تثبت احتجاز المبلغ ومكان وجوده.

حاول محامي نبيل مساعدته من خلال التواصل مع موظف في البنك المركزي، لكنه لم يتمكن من الوصول إلى أية معلومات تساعد نبيل في استرداد وديعته، “حل المشكلة يبدأ في البنك المركزي عبر الكشف عن الودائع المالية سواء كانت بمبالغ كبيرة أو صغيرة، وفق ما قال محامي نبيل.

وفي محاولة منها لمعرفة كيفية استعادة تلك الودائع، تواصلت “سورية الجديدة” مع المسؤول عن المكتب الإعلامي في البنك المركزي السوري علي المحمود، لكنه امتنع عن الإجابة على أسئلة التقرير بعد وصولها إليه ومنحه الوقت الكافي للرد.

ودائع على لوائح العقوبات

بينما تعرض سوريون كثيرون لخسارة أموالهم وممتلكاتهم واحتجزها القضاء السوري قبل سقوط النظام السابق يبقى لديهم أمل في استعادتها بعد صدور مرسوم بإلغاء جميع قرارات الحجز الاحتياطي الصادرة بين عامي 2012 و2024، وطالت ممتلكات آلاف السوريين. أصدره الرئيس أحمد الشرع ويحمل الرقم 16 لعام 2025.

تعليقاً على ذلك، أوضح الخبير المصرفي علي محمّد أن هناك أيضاً ودائع بنكية لأشخاص ما تزال على لوائح العقوبات الأميركية والأوروبية. وهو ما يمنع إزالة ودائعهم من الحجز، كما قال لـ “سورية الجديدة”. ولكن لا أمل لدى نبيل في استعادة وديعته لعدم وجود ما يثبت احتجازها قانونياً. وهو ليس حالة فريدة، إذ كان سوريون كثر يعملون في مهنة الصرافة بلا ترخيص خلال حكم النظام السابق، ومنهم فهد الذي اعتقل وبحوزته عشرة آلاف دولار من قبل فرع المخابرات الجوية عام 2020.

يقول في حديثه لـ “سورية الجديدة”: “بقيت معتقلاً بتهمة تمويل الإرهاب خمس سنوات”، خرج بسقوط النظام السابق، ولا يعلم  إن كان قادراً على استعادة ما خسره من أموال.

حسابات بنكية أمنية

توضح مصادر عدلية بدمشق أن أغلب أفرع الأمن السابقة كان لديها حسابات بنكية يجري إيداع أموال من يعتقل في حساب الفرع لدى البنك المركزي، “يجري إيداعها لصالح الشخص المعتقل في حساب الفرع”. وعندما يخرج يسترد أمانته ومنها المبلغ ولكن ذلك لم يحصل في الواقع.

ويعاني كثيرون من المعتقلين سابقاً من عدم قدرتهم على استرداد أموالهم بحجة أنه لا دليل لديهم على حجز أموالهم، “لا دليل على وجود تلك الإيداعات من قبل أفرع الأمن بعد سقوط النظام”، كما قالت المصادر العدلية لـ “سورية الجديدة”، والتي أفادت بأن الحل يكمن في العودة إلى ضبوط الأفرع الأمنية لمعرفة مصير تلك الودائع البنكية، موضحةً أن من خرج قبل سقوط النظام ولديه وديعة بنكية ولم يتمكن من استعادتها يمكنه الرجوع إلى أمانات الشرطة المدنية التي تُحوّل لها “ورقة الأمانات” لكل معتقل خرج من دون حصوله على أماناته، وخصوصاً في حال كانت تلك الأمانات مبالغ كبيرة.

عاش نبيل فرحة خروجه من الاعتقال، لكنه في المقابل يريد استعادة أمواله التي ما تزال “محتجزة في البنك المركزي”، وفق تعبيره، يقول: “معقول انحبس أربع سنين واخسر مبلغ كبير أكثر من نصفه يعود لأشخاص آخرين كانوا يعملون معي”.

أعيد أخيراً مصاغ ذهبي لسيدة معتقلة سابقة ومبلغ لشخص آخر، وانتشر خبر على وسائل التواصل الاجتماعي عن إعادة الأموال لثلاثة أشخاص، لكن الحل الكامل والعادل الذي يعيد حقوق الناس يتطلب إجراءً قانونياً يشمل كل حالات الحجز في أثناء الاعتقال.

العربي الجديد

——————————————

مباحثات سورية – أميركية بشأن الاستثمارات في مجال الطاقة

وزارة الطاقة الأميركية أبدت استعدادها لدعم قطاع الطاقة في سوريا

2025-11-04

دمشق

بحث وزير الطاقة في الحكومة السورية الانتقالية محمد البشير اليوم الثلاثاء، مع جيمس دانلي نائب وزير الطاقة الأميركي، الاستثمارات في مجال الطاقة بسوريا.

وناقش الجانبان على هامش معرض ومؤتمر “أديبك 2025” بالعاصمة الإماراتية أبوظبي، واقع قطاع الطاقة في سوريا، والفرص المتاحة للاستثمارات المستقبلية في مجالات الكهرباء والنفط والغاز والطاقة المتجددة.

وأكد نائب وزير الطاقة الأميركي، على “رغبة الولايات المتحدة بتقديم الدعم الفني واللوجستي لقطاع الطاقة في سوريا، بما يسهم في تعزيز جهود إعادة الإعمار”، بحسب ما أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).

يشار، إلى أن معرض ومؤتمر “أديبك 2025” الذي يستمر حتى السادس من تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، يعد من أبرز المؤتمرات العالمية التي تناقش تطوير قطاع الطاقة حول العالم.

وكانت وزارة الطاقة في الحكومة السورية الانتقالية، قد أعلنت أمس الإثنين عن مناقصة لشراء سبعة ملايين برميل من النفط الخام.

وقالت الوزارة، إن النفط الخام الذي سيورد ضمن المناقصة سيكون لصالح مصفاة بانياس الساحلية بريف محافظة طرطوس غربي سوريا.

ونشرت وزارة الطاقة على صفحتها الرسمية بمنصة “فايسبوك”، تفاصيل وشروط المناقصة، مع تحديد مواصفات النفط الخام الذي ترغب بشرائه.

وذكرت، أن النفط الذي سيورد بموجب المناقصة سيكون على ثلاث دفعات بدءاً من مطلع كانون الأول/ ديسمبر المقبل حتى منتصف آذار/ مارس 2026.

وفي أيار/ مايو الماضي، بحث وزير الطاقة في الحكومة الانتقالية محمد البشير، مع وفد من شركة أميركية خاصة الفرص المتاحة في مجال استثمار الغاز الطبيعي في سوريا.

وأكد البشير حينها، أن “سوريا تسعى لجذب الاستثمارات الأجنبية ودفعها للدخول في السوق السورية، وخاصة في مشاريع الطاقة والبنية التحتية”.

——————————–

التطهير الوظيفي في المرحلة الانتقالية.. ماذا يعني استبعاد “المتورطين” من الدوائر الحكومية؟/ محمد كساح

4 نوفمبر 2025

وجهت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” دعوة إلى السلطات في سوريا لاستبعاد مجرمي الحرب والمتورطين في الانتهاكات الجسيمة من مؤسسات الدولة. وأكدت الشبكة أن هذا الإجراء لا يعد قرارًا سياسيًا أو انتقاميًا، بل ضرورة قانونية وأخلاقية لضمان عدم تكرار الجرائم واستعادة ثقة السوريين بمؤسساتهم.

منطلقات وتوصيات

ينطلق التقرير من المرحلة المفصلية التي تمر بها سوريا عقب سقوط النظام في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 وتشكيل حكومة انتقالية. ويؤكد أن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تتحقق في بيئة تُبقي على البُنى والشخصيات التي رسخت الاستبداد وشاركت في الانتهاكات.

كما يوضح أنَّ أي محاولة لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، دون مساءلة وتطهير حقيقي، ستظل شكلية وعرضة للانهيار، مما يُنذر بدوامة جديدة من الإفلات من العقاب والانتقام.

ويشدّد التقرير على أنَّ الإقصاء الإداري للمتورطين لا يُعد انتقامًا، بل هو تجسيد لمبدأ “ضمان عدم التكرار” المنصوص عليه في القانون الدولي لحقوق الإنسان. ويؤكد أنَّ التغاضي عن مطلب تطهير مؤسسات الدولة من المتورطين في الانتهاكات الجسيمة من شأنه أن يُضعف مسار الانتقال، ويُتيح للإفلات من العقاب أن يتغلغل في مؤسسات الدولة المستقبلية.

ويُبرز التقرير أن الانتهاكات التي جرت بحق آلاف السوريين لم تكن نتاج قرارات فردية معزولة، بل ثمرة تواطؤ منظّم داخل أجهزة الدولة، شمل عناصر من الأجهزة الأمنية والميليشيات، وقضاة ومحامين ومشرعين، وموظفين مدنيين ومسؤولين إداريين. إضافة لشخصيات اقتصادية وثقافية وفنية قدمت الغطاء الإعلامي والاجتماعي للنظام. وقالت الشبكة إنها وثقت تورط 16,200 شخصًا في هذه الانتهاكات، من بينهم قادة أمنيون.

ويوصي تقرير الشبكة بإقرار قانون خاص بالتطهير والتدقيق الوظيفي ينظم عملية استبعاد المتورطين في الانتهاكات، بالتوازي مع إشراك المجتمع المدني ومجموعات الضحايا في صياغة القانون وتنفيذه، وإطلاق استشارة وطنية عامة حول مشروع القانون.

ويلفت إلى إمكانية الاستفادة من قاعدة بيانات الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان التي تمتلك قاعدة بيانات موثَّقة حول آلاف المتورطين في الانتهاكات داخل نظام الأسد، ما يُمكّن من استخدامها في تقييم الملفات الوظيفية واتخاذ قرارات مدروسة بشأن الاستبعاد أو الإدماج المشروط.

أهمية التأطير القانوني

من جانبه، يوضح مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، خلال حديث لـ”ألترا سوريا”، أن الدعوة التي وجهتها الشبكة لاستبعاد المتورطين مع النظام السابق من المؤسسات الحكومية، لا تعني عشوائية تحقيق هذا المطلب أو دخوله الفضاء الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي قد يقود إلى تحول المستبعدين إلى مجرمين نتيجة الضغوط الشعبية وحملات الفضح العلني.

ويؤكد أن الملف يحتاج إلى تأطير قانوني حتى لا يتم تسييسه، وحتى نضمن ألا يحدث بطرق انتقامية، لكن بنفس الوقت يعد هذا الاستبعاد ضروريًا. فهي إذن عملية مركبة، تتم من خلال الاستبعاد الذي ينبغي أن يحدث وفق طرق قانونية بعيدة عن روح الانتقام أو التجيير السياسي.

ويتابع بأن التأطير القانوني لهذا الملف لن يتم دون الرجوع إلى المجلس التشريعي ثم تشكيل لجنة على مستوى البلاد لضمان تمثيل مختلف أطياف الشعب السوري وتحقيق مبدأ استقلالية القرارات، وفق إطار قانوني منظِّم لعملها.

يلفت عبد الغني إلى أنه من غير الطبيعي بقاء المتورطين في الوظائف الحكومية، وما يحاول التقرير توضيحه هو تحديد الأطر والمستويات الناظمة لعملية التطهير الوظيفي، والتي يمكن أن تشمل كلًا من الاستبعاد الدائم والمؤقت.

ويشير إلى وجود حملات شعبية على مواقع التواصل الاجتماعي ضد مؤيدي النظام السابق، لكنها قد تقود إلى الفوضى وبث الهلع، الأمر الذي يقضي باعتماد قرارات مدروسة تؤطر هذه العملية التي تعد إحدى أدوات المحاسبة المتميزة بكونها أسرع من عمل المحاكم، وهذه العملية توجه رسالة إلى الضحايا بوجود عمليات محاسبة لكن الأهم أن تكون ضمن القانون.

هل السلطة جادة في تحقيق العدالة؟

وتعليقًا على تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، يرى مدير آليات التحقيق برابطة الحقوقيين السوريين الأحرار، ياسر الشلاتي، أن إصلاح المؤسسات الحكومية هو أحد أهم ركائز العدالة الانتقالية. يتفق الشلاتي تمامًا مع جاء في تقرير الشبكة، بحسب ما يؤكد لـ”ألترا سوريا”، لكنه يشير إلى وجود مشكلة تتمثل بصعوبة تطبيق التوصيات، خصوصًا في ظل ما يمكن لمسه من عدم توفر رغبة جادة من جهة السلطة السورية في العمل على هذا الملف.

وبناء على معطيات قام برصدها، كما يؤكد، يرى الشلاتي أن الحكومة لا تسعى الى تطبيق حتى هذا المحور فقد وضعت حججًا على المحور القضائي الحقوقي،  كما أجرت العديد من التسويات السياسية التي يبدو أنها تعلو عندها على مبدأ العدالة الانتقالية.

ومن المعطيات التي يوردها والتي تؤشر إلى غياب الإرادة الحكومية بتطهير الدولة من المتورطين، ما أسماه “إعادة تدوير رجالات النظام السابق”، ويشير إلى تقديم قادة عسكريين ومجرمين مدانين على أنهم جزء من بناء سوريا كما حصل مع فادي صقر قائد اللجان الشعبية في دمشق وريفها فقد تم تعيينه كعضو في لجنة السلم الأهلي وكأن السلم يجب أن يكون بين الضحية والقاتل وليس بين المجتمعات، ومثلما جرى مع المرسومي الذي كان قائدًا لإحدى الميليشيات المقاتلة، وأيضًا اللقاء الذي جمع قادة لواء الباقر مع معاون رئيس الجمهورية أبو أحمد زكور، وغيرهم من شخصيات النظام السابق كـ حمشو والخطيب والمنفوش.

ويحذر الشلاتي من أن استمرار مثل هذه العمليات، سيؤدي إلى تجميد ملف العدالة بكافة محاوره القضائية وغير القضائية، بغض النظر عن قصد الحكومة السير في هذا الاتجاه أو كونها لا تقصد تمييع الملف. وفقًا لتعبيره.

———————————

 الرئيس الشرع يترأس اجتماع مجلس التنمية الأعلى لبحث الاستثمارات في سوريا

2025.11.04

ترأس الرئيس أحمد الشرع، أمس الإثنين، اجتماعاً لمجلس التنمية الأعلى خُصص لبحث واقع الاستثمارات الحالية والمشاريع الخدمية في البلاد، إضافةً إلى مناقشة نتائج مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار الذي عُقد في المملكة العربية السعودية.

وبحسب بيان رئاسة الجمهورية العربية السورية، تناول الاجتماع متابعة تنفيذ الاتفاقات التي تم التوصل إليها خلال المؤتمر.

إصلاحات اقتصادية وهيكلية جديدة

أصدر الرئيس أحمد الشرع في حزيران الفائت المرسومين رقم (114) و(115) لعام 2025، حيث نصّ المرسوم الأول على إحداث مؤسسة ذات طابع اقتصادي تُسمّى “صندوق التنمية” وترتبط برئاسة الجمهورية.

ويهدف الصندوق إلى المساهمة في إعادة الإعمار، وترميم وتطوير البنية التحتية والخدمات والمرافق، وتمويل المشاريع المتعددة من خلال القرض الحسن.

أما المرسوم الثاني فقد قضى بتشكيل المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، الذي يهدف إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي في سوريا وتنشيطه وتطويره، والإشراف على الهيئات والمنظمات والمؤسسات الاقتصادية العاملة ضمن الخطة الاقتصادية للدولة، ووضع خارطة اقتصادية شاملة تغطي كامل الجغرافيا السورية، وإقرار الاستراتيجيات والخطط العامة المتعلقة بالاستثمار.

—————————–

دعم قطري لبناء مدينة جامعية بإدلب ومشفى قلب بدمشق

“التعليم العالي”: امتحان واحد للتخرج والتفاضل في “الطب البشري”

أصدر مجلس التعليم العالي في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في سوريا، مجموعة من القرارات، بينها افتتاح كليات وعدد من الأقسام والاختصاصات، واعتماد امتحان واحد للتخرج والتفاضل في كلية الطب البشري.

وشملت القرارات التي تبناها المجلس خلال جلسته الثالثة، وفق ما نشرته الوزارة عبر “فيسبوك“، اليوم الثلاثاء 4 تشرين الثاني:

    اعتماد امتحان واحد للتخرج والتفاضل لطلاب الطب البشري، بديلًا عن التقدم لامتحاني الوطني والإجازة.

    الدعم من الجانب القطري لبناء مدينة جامعية في إدلب، ومشفى القلب الجامعي في دمشق، واستكمال مشفى حماة الجامعي.

    اعتماد نموذج موحد لمصدقات التخرج والشهادات الجامعية في الجامعات الحكومية السورية.

    تغيير اسم جامعة الشام الخاصة في إعزاز إلى جامعة الشام العالمية الخاصة.

    إحداث كليتي الحقوق والهندسة المدنية في جامعة طرطوس، بالإضافة إلى عدد من الأقسام والاختصاصات الجديدة في الجامعات السورية.

وذكر وزير التعليم العالي، مروان الحلبي، خلال الجلسة الثالثة للمجلس، أن المرحلة القادمة هي مرحلة المهارات، وليست فقط الشهادات.

ونوه إلى ضرورة تطوير المناهج وربطها بسوق العمل، وإشراك الطلاب فعليًا في ميادين العمل، مشيرًا إلى أن الاستثمار في التعليم العالي يشكل “محورًا مهمًا في تطوير المنظومة الجامعية”.

كما أكد الحلبي على ضرورة رفع رواتب المدرسين والإداريين دعمًا لهم.

وكانت وزارة التعليم العالي، أصدرت سلسلة من القرارات الهادفة إلى إصلاح بنية التعليم الجامعي وتحديث سياساته، وذلك خلال أول اجتماع لها ضمن مجلس الوزراء الجديد.

وتضمنت القرارات التي نقلتها قناة “الإخبارية السورية”، في 22 من حزيران الماضي، بحضور وزير التعليم العالي الدكتور، مروان الحلبي.

    إلغاء الامتحان الوطني والسنة التحضيرية للكليات الطبية.

    التنسيق مع وزارة الصحة لتوحيد مفاضلة القبول في التخصصات الطبية.

    عقد اختبارات موحدة للدكتوراة للكليات الطبية فقط خلال عام 2025، تحت إشراف هيئة ضمان الجودة.

    الاعتراف بالتعليم المفتوح ودمج الجامعات.

     تسهيلات لنقل الطلاب وتسوية الشهادات.

    تصديق الشهادات المحتجزة.

افتتاح عدد من الكليات والأقسام

وافق مجلس التعليم العالي في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي السورية، على افتتاح عدد من الكليات والأقسام، وإيقاف القبول في بعض منها في الجامعات الحكومية والخاصة للعام الدراسي 2025- 2026.

وتضمن القرار رقم “361”، الذي نشرته الوزارة عبر “فيسبوك”، في 12 من تشرين الأول الماضي، الموافقة على افتتاح بعض الكليات والأقسام في الجامعات الحكومية، وهي:

    قسم اللغة التركية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، في جامعة “حلب”.

    قسم علم النفس في كلية التربية في فرع “القنيطرة”.

    كلية العلوم الصحية بجامعة “حلب”.

    كلية الاقتصاد الثانية في “اعزاز”.

    كلية الحقوق الثانية في “اعزاز”.

    كلية التربية الثانية، أقسام معلم صف، ارشاد نفسي، التربية الخاصة في “اعزاز”.

    كلية الآداب والعلوم الإنسانية الثانية، أقسام اللغة العربية، اللغة الإنجليزية، تاريخ، جغرافيا، علم الاجتماع، في “اعزاز”.

كما وافق المجلس على على إيقاف القبول في بعض الكليات والأقسام بالجامعات الحكومية والخاصة للعام الدراسي 2025- 2026 وهي:

    كليات جامعة الفرات في فرع “الحسكة”.

    كليات جامعة “حمص” في تدمر (العلوم، الرياضيات، كيمياء صناعات كيميائية ،التربية، ومعلم صف).

    مدرسة التمريض جامعة “اللاذقية”.

    كلية العلاقات الدولية والدبلوماسية بجامعة “الشام الخاصة”.

    كلية العلوم السياسية بجامعة “الشام الخاصة” (حلب – اعزاز).

    كلية “آفاق” الالكترونية بجامعة “بلاد الشام” للعلوم الشرعية.

    كلية العلوم السياسية بجامعة “باشاك شهير” الخاصة.

    كلية الإعلام والاتصال في جامعة “الرواد” الخاصة للعلوم والتقانة.

    المعهد التقاني للصحافة والإعلام في جامعة “باشاك شهير” الخاصة.

ونص القرار على إحداث وافتتاح قسم اللغة التركية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة دمشق بدءًا من العام الدراسي 2025- 2026.

إضافة إلى عدم الموافقة على افتتاح قسم التربية الخاصة في كلية التربية في فرع “السويداء”.

—————————-

 سوريا تعلن عن إجراء جديد لدعم القطاع العقاري

لتشجيع المواطنين والمستثمرين والمصنعين على استكمال ترخيص مشاريعهم

الرياض – العربية

04 نوفمبر ,2025

أصدر نقيب المهندسين السوريين مالك حاج علي قراراً يقضي بتأجيل تطبيق زيادة تكلفة المتر المربع الطابقي لمدة شهر كامل، بعد أن كان مقرراً بدء العمل بها مطلع الشهر الحالي.

وقال علي إن القرار جاء تشجيعاً للمواطنين والمستثمرين والمصنعين وأصحاب العقارات للإسراع باستكمال إجراءات الترخيص لمشاريعهم ومنشآتهم بعد انتهاء الدراسات الهندسية الخاصة بها، وتمكينهم من إعداد ملفات الوضع الراهن وتقارير السلامة الإنشائية اللازمة لتسوية المخالفات القابلة للتسوية.

وأضاف أن القرار يخفف الأعباء المالية عن المواطنين ويمنحهم وقتاً إضافياً خلال الشهر الحالي لاستكمال إجراءات الترخيص، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

سوريا تحدد مواعيد جديدة لإغلاق المحال التجارية

اقتصاد اقتصاد سوريا سوريا تحدد مواعيد جديدة لإغلاق المحال التجارية

وأشار علي إلى أن قرار نقابة المهندسين يأتي ضمن خطتها لدعم حركة البناء وإعادة الإعمار في سوريا.

يذكر أن نقابة المهندسين أصدرت الشهر الماضي قراراً بزيادة تكلفة المتر المربع الطابقي لكل المنشآت وذلك في إطار الإجراءات التنظيمية التي اتخذتها خلال الأشهر الأخيرة بهدف ضبط جودة الدراسات الهندسية ورفع كفاءة تنفيذ المشاريع الإنشائية، حيث تم تعديل بعض رسوم الخدمات الفنية وتكلفة المتر الطابقي.

————————–

سوريا تطرح مناقصة لشراء 7 ملايين برميل نفط خام لتخفيف أزمة الكهرباء

أعلنت وزارة الطاقة السورية، الاثنين، عن مناقصة لشراء 7 ملايين برميل من النفط الخام الخفيف، في محاولة لتغطية النقص الحاد في الوقود اللازم لتشغيل محطات توليد الكهرباء، بحسب ما أوردته وكالة رويترز.

وذكرت الوكالة أن سوريا لا تزال تعاني من تدهور كبير في قطاع الكهرباء بعد 14 عاما من الحرب، إذ لا يتجاوز إنتاجها الحالي 1.6 غيغاواط مقارنة بـ 9.5 غيغاواطات قبل عام 2011، وهو ما أدى إلى انقطاعات يومية طويلة في التيار الكهربائي في معظم المحافظات.

وأضافت رويترز أن الإمدادات النفطية من إيران، التي كانت تشكل المصدر الرئيس لتوليد الطاقة، توقفت منذ الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول، ما أجبر الحكومة على البحث عن بدائل عاجلة.

وتابعت أن قطر بدأت منذ مارس/آذار الماضي بتزويد محطة الكهرباء الرئيسية في دمشق بالغاز الطبيعي المسال في إجراء مؤقت لتجنب انهيار المنظومة الكهربائية، في انتظار التوصل إلى اتفاقات توريد مستقرة.

وبحسب محللين نقلت عنهم رويترز، فإن المناقصة الجديدة تعكس “محاولة إنقاذ عاجلة لمنع تفاقم العجز الطاقوي”، في ظل ضغوط اقتصادية خانقة وعقوبات تعيق قدرة دمشق على استيراد الوقود بانتظام.

المصدر: رويترز

————————–

========================

تحديث 03 تشرين الثاني 2025

——————————–

سورية تحتاج إلى خطة لإعادة الإعمار/ يزيد صايغ

ما لم تبلور البلاد إطارًا اقتصاديًا واضحًا، قد تعود أنماط المحسوبية التي كانت سائدة في عهد الأسد إلى المشهد مجدّدًا.

 نشرت في 31 أكتوبر 2025

تقدّم مدوّنة “ديوان” الصادرة عن مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط وبرنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي تحليلات معمّقة حول منطقة الشرق الأوسط، تسندها إلى تجارب كوكبةٍ من خبراء كارنيغي في بيروت وواشنطن. وسوف تنقل المدوّنة أيضاً ردود فعل الخبراء تجاه الأخبار العاجلة والأحداث الآنيّة، وتشكّل منبراً لبثّ مقابلات تُجرى مع شخصيّات عامّة وسياسية، كما ستسمح بمواكبة الأبحاث الصادرة عن كارنيغي.

للمزيد من المعلومات

تحتاج سورية إلى إقرار برنامجٍ لإعادة بناء اقتصادها. لا بل هي في أمسّ الحاجة إليه. ومع ذلك، بعد مرور ما يقارب العام على سقوط الدكتاتور بشار الأسد، ما من حديثٍ عن إعداد خطة شاملة لإعادة بناء الاقتصاد، لا في دمشق ولا في أوساط القوى الدولية المعنية. ومن دون بلورة رؤى واضحة حول الإطار الاقتصادي الجديد للبلاد أو إجراء مشاورات واسعة في هذا الصدد، قد تشهد سورية عودة مظاهر المحسوبية التي طبعت النهج الاقتصادي خلال عهد الأسد، ما من شأنه تقويض مبدأ العدالة الاجتماعية وإثارة الاستياء السياسي؛ وقد تشهد كذلك خطر تجدّد العنف باعتباره “آلية مركزية لإعادة توزيع السلطة والثروة بين القوى المتنافسة”، كما جرى خلال سنوات الحرب الأهلية الطويلة.

أعلنت السلطات السورية الجديدة عن توقيع مذكّرات تفاهم تصل قيمتها الإجمالية إلى 14 مليار دولار، إضافةً إلى إبرام عقودٍ مع هيئات تجارية وحكومية أجنبية بقيمة مليارات أخرى من الدولارات. لكن هذا الواقع يسلّط الضوء على غياب مقاربةٍ متكاملة وشاملة لإعادة بناء الاقتصاد، تسعى إلى التوفيق بين التركيز الحالي على تحقيق إيرادات سريعة من خلال إطلاق المشاريع العقارية وتأجير مرافق البنية التحتية الكبرى لمستثمرين أجانب من جهة، وبين الاستثمار في قطاعات إنتاجية، مثل الصناعة والزراعة والخدمات، لاستحداث فرص العمل وتعزيز التكامل الاقتصادي من جهة أخرى. يُضاف إلى ذلك أن غياب الشفافية بشأن تفاصيل العقود، والتسويات الاقتصادية المُقامة خلف الكواليس مع رجال أعمال محسوبين على النظام السابق، وتصفية أصول حزب البعث، وصندوق الثروة السيادي الجديد الذي أنشأته الحكومة، يعيق المساءلة ويهدّد جدوى المشاريع الاستثمارية المُقترحة. كذلك، تتبنّى البلاد رسميًا اقتصاد السوق الحرّة من دون ضوابط تنظّمه، ومن دون التشاور مع الجهات الفاعلة الاقتصادية والاجتماعية المعنية في هذه العملية.

إن غياب خطةٍ شاملة لإعادة بناء الاقتصاد السوري يحمل مفارقة. فقد كان واضحًا خلال سنوات الحرب الطويلة والدامية أن البلاد ستحتاج إلى إعادة بناء اقتصادها على نطاق واسع. وفي العام 2012، أنشأت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) برنامج الأجندة الوطنية لمستقبل سورية، الذي شكّل أول مبادرة كبرى للتحضير لعملية إعادة إعمار البلاد، وأتاح “منبرًا يلتقي حوله الخبراء السوريون، من مختلف الخلفيات، لإجراء حوارٍ فني” ومناقشة “العوامل الاجتماعية والاقتصادية وتلك المتعلّقة بالحوكمة” في “سورية ما بعد الصراع”. وبعد عامٍ، مهّد تجمّع “أصدقاء الشعب السوري”، وهو تحالف دبلوماسي دولي لحلّ الأزمة في سورية، الطريق أمام مرحلة إعادة الإعمار عبر إنشاء صندوق الائتمان لإعادة إعمار سورية، وهو صندوق ائتماني متعدّد المانحين يهدف إلى “الحدّ من معاناة الشعب السوري” من خلال تمويل الخدمات الأساسية.

وفي العام 2015، أعلن الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، التي تشكّل مجتمعةً أكبر جهةٍ مانحةٍ للمساعدات الإنسانية وغيرها من الإمدادات إلى اللاجئين السوريين والنازحين داخليًا، وكذلك إلى البلدان المجاورة المتضرّرة من الصراع، أن التمويل الذي يقدّمه يمكن “إعادة تخصيصه لتلبية حاجات إعادة الإعمار في سورية في سيناريو ما بعد الصراع مستقبلًا”. ظلّت إعادة الإعمار محورًا أساسيًا في سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه سورية لغاية العام 2019 على الأقل. لكن بعض الدول الأعضاء التي سئمت من عبء هذه الأزمة، حاولت لاحقًا تنفيذ “إعادة إعمار انتقائية”، من خلال إشراك نظام الأسد وفق نهج “خطوة مقابل خطوة”، الذي تَمثَّل في توفير الدعم لتحقيق التعافي وإعادة الإعمار وتطبيع العلاقات السياسية مع النظام، مقابل تطبيقه “إصلاحاتٍ هيكلية”. ومنذ سقوط الأسد، لم يعد الاتحاد الأوروبي يتحدّث عن إعادة الإعمار، مفضّلًا الحديث عن “التعافي” الاجتماعي والاقتصادي.

لكن هذه المبادرات بعيدةٌ كل البعد عن تلبية حاجات سورية الراهنة. فتكاليف إصلاح البنية التحتية المادّية للبلاد، بما في ذلك معظم أنظمة الرعاية الصحية والتعليم والمياه والنقل والطاقة، إضافةً إلى القطاعات الإنتاجية، قُدّرت في العام 2019 بما يتراوح بين 250 و400 مليار دولار. وفي أيار/مايو 2025، قال وزير الاقتصاد والصناعة السوري، محمد نضال الشعار، إن بلاده بحاجة إلى “تريليون دولار على الأقل لإعادة إعمار وبناء سورية الجديدة”، بينما كان البنك الدولي في آب/أغسطس أكثر تحفُّظًا في تقديراته، إذ توقّع أن تتراوح تكاليف إعادة الإعمار بين 141 و343 مليار دولار، موضحًا أن “أفضل تقدير” يبلغ 216 مليار دولار. علاوةً على ذلك، لا بدّ من توفير تمويلٍ إضافي ضخم من أجل إعادة اللاجئين والنازحين داخليًا إلى مناطقهم وتأمين مساكن لهم، ولا سيما أنهم يشكّلون معًا أكثر من نصف سكان البلاد؛ فضلًا عن مساعدة السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر، وتبلغ نسبتهم 90 في المئة من السكان، على الخروج من هذا الوضع. ووفقًا لرئيس هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية، مع أن الاستثمارات السورية في الخارج بلغت أكثر من 100 مليار دولار مع بداية العام 2024، ظلّ تدفّق رؤوس الأموال إلى البلاد محدودًا للغاية وسط المخاوف الأمنية المستمرّة وغموض السياسات الاقتصادية.

لم يطرأ تغييرٌ يُذكر على هذا الواقع منذ سقوط الأسد وتشكيل حكومة انتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع. في حزيران/يونيو 2025، أعلن الاتحاد الأوروبي رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سورية، وأعاد تخصيص مبلغ 175 مليون يورو (ما يعادل تقريبًا 200 مليون دولار) من المساعدات التي سبق أن تعهّد بتقديمها، لـ”دعم المؤسسات العامة، وتنشيط الاقتصادات الريفية والحضرية، وتعزيز العدالة الانتقالية والمساءلة”. لكن بيان السياسة العامة المؤلّف من ثماني عشرة نقطة الذي صدر عن الاتحاد الأوروبي بعد أسابيع قليلة، أبقى مفهوم إعادة الإعمار هدفًا فضفاضًا يغلب عليه طابع التطلّع. فقد غابت عنه بشكلٍ لافت أيّ خطوات ملموسة لتخطيط وتنفيذ برنامج فعلي، أو مقترحات لوضع آليةٍ تنسيق، سواء داخل المفوضية الأوروبية، أو بالتعاون مع جهاتٍ معنية أخرى والحكومة السورية.

هذا وأعلنت الأمم المتحدة أنها في صدد تحديث إطار مقاربة “سورية بأكملها” وتحويله إلى “هيكل أكثر شمولًا وتماسكًا”، بهدف دعم البلاد في “الانتقال من المساعدات الإنسانية الفورية إلى التنمية المستدامة الطويلة الأمد وإعادة الإعمار”. لكن كما في الحالة السابقة، يعتمد التركيز العملي بشكلٍ كبير على استراتيجية التعافي المبكر التي أطلقتها الأمم المتحدة في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وركّزت على أربعة مجالات ذات أولوية هي الصحة والتغذية، وجودة التعليم، وخدمات المياه، والصرف الصحي والنظافة، إلّا أنها لم تقدّم أيّ رؤية شاملة أو آلية محدّدة لإعادة الإعمار. وبالمثل، تعهّدت مؤسسات التمويل الإنمائي العربية والخليجية المتعدّدة الأطراف، على غرار صندوق “أوبك” للتنمية الدولية وبرنامج الخليج العربي للتنمية، بدعم قطاعات محدّدة، إلّا أنها لم تدعُ إلى تبنّي خطةٍ شاملة لإعادة بناء الاقتصاد، ناهيك عن قيادتها.

صحيحٌ أن الشعور بالريبة من التعامل مع سلطات يرأسها جهاديون سابقون كانوا عناصر من تنظيم محظور، قد يُعيق اتّخاذ خطوات جريئة أو وضع برامج طموحة. لكن التقليص الحادّ للمساعدات الإنمائية الخارجية من الحكومات الغربية (والخليجية) هو عاملٌ أكثر أهمية. فالإطار المؤسّسي الليبرالي الذي كان يُدرِج إعادة الإعمار كمجال من مجالات السياسات الإنمائية وممارساتها يواجه تدهورًا شديدًا، إن لم يكن قد وصل إلى مرحلة الانهيار التام. فقد مرّ أكثر من عقدٍ من الزمن منذ أن نجح اتفاق سلام شامل بوساطة دولية في إنهاء حربٍ ما، ومرّت فترة أطول من ذلك منذ أن وُضعَت خطة إعادة إعمار مُتَّفَق عليها. في الواقع، لم يُفضِ نموذج إعادة الإعمار التقليدي إلى أيّ نتائج مبهرة حتى قبل هذا التراجع، إذ كانت حصيلته متفاوتة إلى حدٍّ كبير في تحقيق “عائدات السلام” الاقتصادية، وإرساء الأمن (أو منع تجدّد النزاعات المسلحة)، وتوفير فرص العمل، وبناء أُسُس نمو اقتصادي حقيقي وعادل ومستدام. كذلك، لم يحقّق هذا النموذج نجاحات تُذكَر مقارنةً بالإخفاقات، لا بل إن هذه الإخفاقات تركت المجتمعات الخارجة من النزاعات في أوضاعٍ أسوأ ممّا كانت عليه سابقًا، اجتماعيًا واقتصاديًا.

لذا، قد يكون من المفيد التخلّي عن النهج القائم على المانحين وما يستتبعه من حلول تقنية خالية من أيّ بُعد سياسي. ومع ذلك، ينبغي على السلطات السورية أن تسترشد بثلاث خلاصات أساسية من نموذج إعادة الإعمار، كي تنجح في تجاوز التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد.

أولًا، إصلاح الإطار المؤسّسي: تشكّل إعادة تكوين الدولة المركزية وتعزيزها استجابة نمطية لمرحلة ما بعد النزاع، بهدف تحقيق النتائج المرجوّة بسرعة وكفاءة. لكن هذه الخطوة غالبًا ما تمثّل خيارًا غير صائب لتقليص التكاليف. فاللامركزية وتفويض الصلاحيات هما من المكمِّلات الضرورية لاستعادة فاعلية الحكومة المركزية، سواء في تصميم البرامج، أو تحديد الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، أو تخصيص الموارد. علاوةً على ذلك، تُعدّ اللامركزية وتفويض الصلاحيات أكثر قدرةً على تلبية احتياجات الفئات الهشّة أو المهمّشة، مثل اللاجئين والنازحين داخليًا والأُسر التي تعيلها نساء، وعلى تعزيز التأييد المجتمعي لعملية التعافي بشكلٍ عام.

ثانيًا، وضع برنامج اقتصادي شامل للجميع: تحظى الجهة التي تتولّى صياغة البرنامج الاقتصادي بأهمية بالغة. فالجماعات الاجتماعية تختلف في افتراضاتها وتفضيلاتها وتوقّعاتها المتعلقة بالاقتصاد، والأهم في فرصها الاقتصادية ومستوى وصولها إليها. ومن المُحتَّم أن تؤثّر القوى النافذة في النتائج بطريقة تميل في الغالب إلى تقويض العدالة الاجتماعية والاستقرار السياسي. وتبدو الخلافات حول دور الدولة في تقديم الخدمات والرعاية الاجتماعية والاستثمار وإنفاذ حقوق الملكية واضحةً للعيان في سورية، سواء عبر الفجوة بين المناطق الحضرية والريفية، أو داخل المجتمعات الحضرية والريفية نفسها، وبين طبقة رجال الأعمال والسلطات الحكومية، وداخل طبقة رجال الأعمال نفسها، وكذلك بين المستفيدين القدامى والجدد من وظائف القطاع العام، وبين مختلف مكوّنات المجتمع المدني.

ثالثًا، الحوكمة: تبقى عملية إعادة الإعمار الاقتصادي عرضةً للوقوع تحت هيمنة الجهات السياسية القوية، محلّيةً كانت أم خارجية. وقد تتعرّض الفئات الهشّة – ولا سيما اللاجئين والنازحين داخليًا والنساء، فضلًا عن الأقليات الطائفية والإثنية – إلى مزيدٍ من التهميش والإقصاء. وفي حين أن تفويض صلاحيات الحُكم يمكن أن يعزّز الشرعية والمساءلة ويُخفّف من حدّة الانقسامات المجتمعية، فإن تجويف الإطار المؤسّسي للدولة، وسعي السلطات الجديدة إلى تعزيز الطابع المركزي للسلطة السياسية والسيطرة على المجتمع، يسيران في الاتّجاه المعاكس.

مع ذلك، لم تبذل دمشق أيّ مجهودٍ لوضع برنامج لإعادة الإعمار، ناهيك عن تمويله، كما لم تُجرِ مشاورات مع الجهات المعنية الأساسية، سواء كانت محلية أم خارجية. وفي ظلّ غياب مبادرة منسّقة على المستويَين الوطني والدولي، لجأت الحكومة السورية إلى مزيجٍ غير متجانس من المراسيم المتعلقة بالسياسات الاقتصادية ومشاريع الاستثمار. وتتجلّى هذه التناقضات بوضوح: فبعض الأصول المملوكة للدولة آيلة إلى الخصخصة بطريقة تبدو عشوائية، من دون شفافية تُذكر بشأن المستفيدين وشروط البيع، ما يجعل العملية عرضةً لعودة المحسوبيات. في المقابل، تُجرى إصلاحات في شركات الدولة، وهي تُظهِر “ديناميكية متجدّدة” وفقًا للنشرة الاقتصادية المرموقة Syria Report. وتذكر النشرة أيضًا أن مشروع قانون الضرائب المطروح حاليًا يقلّل بشكلٍ كبير من الضرائب المفروضة على الأفراد والشركات بحجّة تشجيع بيئة الأعمال، لكنه في المقابل يُقيّد بشكلٍ أكبر قدرة الدولة، التي تعاني من شحّ السيولة، على الاستثمار في إعادة تأهيل البنية التحتية وتطويرها، واستعادة القوى العاملة الماهرة، وتحفيز القطاعات الإنتاجية وقطاع التصدير. لا بل أعلنت الحكومة أنها لا تنوي الاقتراض أو زيادة الإيرادات العامة، ما يعني عمليًا أنها ستعتمد على المنح، وهو ما لا يمكن اعتباره سياسة اقتصادية.

لقد أثار الرفع الجزئي للعقوبات الأميركية وغيرها، والمساعدات المالية المتواضعة من دول الخليج، والمحادثات الأولية مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، قدرًا من التفاؤل في البداية. وكذلك فعلت الاتفاقيات المبرمة مع شركات سعودية وقطرية وإماراتية لتنفيذ مشاريع كبرى في مجالَي البنية التحتية والطاقة، والتي تعهّد البنك الدولي بتقديم منحة بقيمة 146 مليون دولار لتمويلها. كما قطع حاكم مصرف سورية المركزي عبد القادر الحصرية وعددٌ من الوزراء التزامات علنية بتنفيذ إصلاحات لتحرير السوق، بهدف جذب الاستثمارات الأجنبية، وإزالة العوائق أمام التجارة، وتحقيق استقرار العملة، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي. لكنْ من غير الواضح كيف تختلف هذه التوجهات عن سياسة التحرير الاقتصادي التي اتّبعها نظام الأسد، وما طبيعة السياسات الضريبية والاستثمارية وسياسات الدعم التي تتضمّنها. وبشكلٍ أعمّ، لا تزال الوعود أكثر من الإنجازات الملموسة، فيما تبقى السيولة شحيحة بالرغم من إعادة ربط النظام المصرفي السوري بنظام “سويفت” الدولي للتحويلات المالية، وهي خطوة مرحّب بها.

تجد السلطات نفسها في مأزقٍ صعب: فلم يعد بالإمكان التحجّج بالعقوبات الدولية الخانقة لتبرير المعاناة المستمرة، في حين أن الفوائد الناتجة عن الاستثمارات في البنية التحتية والطاقة لن تظهر إلا بعد وقتٍ طويل. وفي الأثناء، يبرز التطوير العقاري كحلٍّ سريع – كما حدث في السنوات الأخيرة من حكم الأسد – علمًا أنه لا يفيد سوى قلّةٍ قليلة من السوريّين القادرين على تحمّل تكاليف العقارات وسط الارتفاع الجنوني في أسعار الأراضي وأزمة إسكان خانقة للفئات ذات الدخل المنخفض. وما يسلّط الضوء أكثر على الحاجة إلى اعتماد مقاربة وطنية شاملة، هو أن التعافي الاقتصادي يعتمد بدرجةٍ كبيرة على التوصّل إلى تسويات سياسية توافقية وعلى ترتيباتٍ أمنية موثوقة تتيح إعادة دمج مناطق الإدارة الذاتية الكردية الغنية بالموارد في شمال شرق البلاد ومحافظة السويداء الجنوبية دمجًا كاملًا تحت مظّلة الدولة الموحّدة.

من الواضح أن السلطات في دمشق تواجه خياراتٍ صعبة متعلّقة بكيفية ضخّ الأموال في الأسواق المحلية، وتجديد موارد الدولة المُستنزَفة، وإعادة إحياء الاقتصاد الرسمي. وفي حال أخفقت في تحقيق هذه المهمة، لن تتمكّن على الأرجح من توطيد أركان حكمها. لكن اندفاع السلطات الجديدة نحو تحقيق تدفّقات نقدية سريعة، وفكّ القيود التنظيمية الموروثة من حقبة الأسد، واستعادة سيطرة الحكومة المركزية، كلّها عوامل تترك المنتجين المحليّين عرضةً لنقص السيولة والائتمان، ولتدفّق الواردات الرخيصة. وقد أدّى ذلك إلى تركُّز 80 في المئة من الشركات الجديدة في العاصمة، ما فاقم أوضاع الأُسر التي تعتمد على دعم الغذاء والوقود، وزاد من أوجه التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، وسمح للفصائل الموالية للحكومة وحلفائها من العشائر بالاستيلاء على أراضٍ، ما يرسّخ العدوانية المسلّحة كنهجٍ اقتصادي. وحتى لو ترافق ذلك مع تدفّق الاستثمارات إلى البلاد، لا يمكن للنجاحات الدبلوماسية التي حقّقها الشرع أن تعوّض عن مكامن الضعف البنيوية في الاقتصاد المحلي الشديد الاختلال.

مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط

————————————

قصفه الأسد بالكيمياوي ووعد الشرع بإعماره.. جديد عن حي جوبر

محافظة دمشق تتهيأ لإعادة إعمار أحد أكثر ملفات العاصمة تعقيداً

الرياض – العربية.نت

نشر في: 03 نوفمبر ,2025

قبل أسابيع، أجرى الرئيس السوري أحمد الشرع مقابلة مع شبكة Cbs الأميركية في حي جوبر الدمشقي أحد أكثر أحياء العاصمة دماراً، واعداً بإعادة إعماره. واليوم، أعلنت محافظة دمشق توضيح الملامح الأساسية للخطة.

البنك الدولي يقدر كلفة إعادة الإعمار في سوريا بـ216 مليار دولار

اقتصاد اقتصاد سوريا البنك الدولي يقدر كلفة إعادة الإعمار في سوريا بـ216 مليار دولار

أحد أكثر الملفات تعقيداً

فقد عقد محافظ دمشق، ماهر مروان إدلبي، الأحد، جلسة مع عدد من أهالي حي جوبر، لبحث إعادة إعمار الحي الذي يعد أحد أكثر الملفات تعقيداً في العاصمة.

وقالت المحافظة في منشور على حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي، إن اللقاء جاء بحضور فريق متكامل من المهندسين والمختصين في مجال التخطيط الحضري وإعادة الإعمار، وممثلين عن أهالي حي جوبر من الاختصاصيين الذين كانوا يتابعون الملف مع لجنة إعادة الإعمار في المراحل السابقة، في إطار المتابعة الميدانية لمشاريع إعمار الأحياء المدمرة.

بدوره، أكد المحافظ خلال اللقاء أن المحافظة أنجزت بالفعل بنية إدارية وفنية متكاملة لجميع الأحياء المتضررة، وذلك ضمن برنامج “دمشق تستعد”.

وشرح أن عملية إعمار حي جوبر ستتم عبر سلسلة متكاملة من الخطوات، تبدأ بإزالة مخلفات الحرب والألغام بالتعاون مع وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، تليها مرحلة حاسمة تتمثل في توثيق الملكيات وحصر المساحات، لينتهي المطاف بإعداد المخطط التنظيمي النهائي للحي.

مراسلة cbs فلي حي جوبر

كما شدد على أن الأولوية القصوى هي لسلامة الأهالي، مؤكداً أن أعمال الإزالة ستتم بالكامل وبمصادقة الجهات المختصة.

وأوضح أن الهدف النهائي هو وضع مخطط عمراني جديد يراعي خصوصية الحي ويحافظ على هويته التاريخية العريقة، وفقاً لـ”الإخبارية السورية”.

وأعلن أن العمليات الميدانية ستبدأ فوراً بعملية توثيق الملكيات والمساحات، وذلك بالتوازي مع استكمال أعمال وزارة الطوارئ، تمهيداً لإعداد المخطط النهائي.

جاء هذا بعدما وعد الشرع في مقابلته مع Cbs من حي ذاته، بإعادة الإعمار.

رمزية كبيرة

يذكر أن لحي جوبر رمزية كبيرة في دمشق، إذ قصفه النظام السابق بغازات سامة عام 2014.

كما زاره الرئيس السوري السابق بشار الأسد واجتمع بأفراد الجيش ليلة رأس السنة الميلادية 2015 بعد أن أعاد فرض سيطرته عليه.

وسبق أن بحث محافظ دمشق الحالي في حزيران/يونيو الماضي، مع عدد من وجهاء وأعيان الحي الدمشقي إعادة إعمار الحي الذي دُمّر بفعل النظام البائد.

العربية

——————————

هيئة المعادن الثمينة: سوريا تتجه لإعادة إحياء صناعة الذهب

جهات دولية وإقليمية أبدت رغبتها بالتنقيب عن الذهب في سوريا

2025-11-03

قال مدير الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة في سوريا مصعب الأسود، اليوم الاثنين، إن بلاده تتجه نحو إعادة إحياء صناعة الذهب كإحدى الركائز الإنتاجية القادرة على استعادة الثقة في الاقتصاد المحلي وجذب الاستثمارات.

وأشار الأسود، إلى أن الجهود تتركز حالياً على إعادة هيكلة السوق وتحديث القوانين وإنشاء مدن صناعية متخصصة في محافظتي دمشق وحلب، إلى جانب استقطاب المستثمرين المحليين والأجانب.

وذكر أن هذه الخطوات تأتي في وقت تبحث فيه البلاد عن مسارات جديدة لدعم النمو الاقتصادي بعد سنوات من التراجع، إذ بدأت دمشق تنفيذ خطة شاملة تهدف إلى تنظيم السوق، وتحرير نظام الاستيراد والتصدير، وترخيص المصافي، وتتبع الذهب إلكترونياً، ضمن مساعٍ لتعزيز موارد الدولة وتحديث الصناعة.

ولفت الأسود إلى أن التوجه الحالي يقوم على تحديث القوانين وتجاوز البيروقراطية السابقة في التعامل بين الحكومة والقطاع الخاص، موضحاً أنه تم الاتفاق مع المصرف المركزي على تشكيل لجنة لدراسة التعديلات التشريعية اللازمة لتنظيم عمليات الاستيراد والتصدير للذهب وترخيص المسكوكات الذهبية.

وأوضح أن العمل جارٍ لإنشاء مدينتين متخصصتين بصناعة الذهب في دمشق وحلب، باعتبارهما المركزين الرئيسيين للإنتاج في البلاد، وستضم هاتان المدينتان ورشات ومصانع ومحال تجارية متخصصة، بهدف رفع الطاقة الإنتاجية وتعزيز الرقابة على عمليات التصنيع والتداول، مع تسهيل حركة العمل والنقل.

وبيّن أن جودة المشغولات السورية تراجعت خلال السنوات الماضية وفقدت مكانتها الرفيعة التي كانت تحظى بها في الأسواق العالمية، مشيراً إلى بدء عودة الصناعيين والصاغة من الخارج بفضل تحسن بيئة العمل وتوفير تسهيلات جديدة، وفق ما أفادت به صحيفة “الشرق“.

كما نوه مدير الهيئة العامة للمعادن الثمينة، إلى اهتمام مستثمرين من الخارج، بينهم سوريون مغتربون وأطراف من دول مجاورة، بالدخول في نشاط تصفية الذهب وإنشاء مصافٍ وفق معايير عالمية، في خطوة تُعد الأولى من نوعها في البلاد.

ووفقاً لبيانات الهيئة العامة للمعادن الثمينة، يبلغ الإنتاج الحالي نحو 40 كيلوغراماً يومياً من المشغولات الذهبية موزعة بالتساوي بين دمشق وحلب، مع توقعات بزيادة الإنتاج مع دخول مصانع جديدة الخدمة قريباً.

وقالت الهيئة العامة للمعادن الثمينة، إن الحكومة تعمل على تنظيم عمليات إدخال الذهب الخام برسوم منخفضة لتشجيع التصنيع المحلي، مقابل فرض رسوم على المشغولات المستوردة لحماية الصناعة الوطنية من الإغراق.

وأكدت أن الحكومة تعمل أيضاً على مكافحة ظاهرة التنقيب غير المرخص عن الذهب، في ظل غياب خرائط جيولوجية دقيقة لأماكن وجود المعدن الأصفر، مشيرةً إلى أن العمل يجري على إعادة حصر المناطق الغنية بالذهب بالتعاون مع جهات محلية ودولية، في وقت أبدت فيه دول مثل أذربيجان اهتماماً بالمشاركة في عمليات التنقيب.

وفي العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، كشف مصرف سورية المركزي عن خطة شاملة لإعادة هيكلة قطاع الذهب والمعادن الثمينة في البلاد، تشمل ترخيص مصافي الذهب الوطنية وتحرير نظام الاستيراد والتصدير.

وأعلن المصرف عن مراجعة القانون رقم 34 لعام 2023، الذي ينظم إدخال الذهب الخام إلى سوريا، بالتعاون مع هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والجهات الرسمية المعنية.

وتتضمن الخطة إنشاء سجل وطني إلكتروني لتتبع الذهب، وتطوير آليات ترخيص المصافي العاملة في البلاد، بما يضمن الحد من التهريب وتحقيق الشفافية.

من جهته، أكد عبد القادر الحصرية، حاكم مصرف سورية المركزي، في مقابلة سابقة مع “الشرق”، أن احتياطي الذهب لدى المصرف مستقر ولم يُمس منذ بداية الحرب، مشيراً إلى أن المصرف يتطلع إلى زيادته وبناء مزيد من الأصول والاحتياطيات النقدية.

وبيّنت صحيفة “الشرق”، أن صناعة الذهب في سوريا شهدت تراجعاً كبيراً خلال العقد الماضي، إذ انخفض عدد الورش في دمشق وحلب من نحو ألف ورشة إلى قرابة 200 فقط، نتيجة الظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة وهجرة عدد كبير من الحرفيين المهرة.

——————————–

أردوغان يعلن إطلاق برنامج دعم لسوريا تحت مظلة “كومسيك

إسطنبول تستضيف اجتماعات لمنظمة التعاون الاقتصادي والتجاري بمنظمة التعاون الإسلامي “كومسيك”

2025-11-03

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اليوم الإثنين، عن إطلاق برنامج دعم خاص لسوريا من قبل اللجنة الدائمة للتعاون الاقتصادي والتجاري في منظمة التعاون الإسلامي (كومسيك).

وقال أردوغان في كلمة خلال الاجتماع الـ41 للجنة “كومسيك” في إسطنبول: “سنطلق اليوم برنامجاً خاصاً لدعم سوريا تحت مظلة لجنة التعاون الاقتصادي والتجاري لمنظمة التعاون الإسلامي”.

وأضاف، أن “العقوبات التي تعوق التنمية الاقتصادية في سوريا، يتم رفعها بشكل تدريجي بفضل جهود تركيا ومساهماتها”، بحسب ما نقلت وكالة “الأناضول” التركية.

وفي السياق، قال سفير تركيا لدى سوريا نوح يلماز اليوم الإثنين، إن “سوريا تمثل القضية الاستراتيجية الأولى بالنسبة لتركيا”.

وأشار يلماز خلال مقابلة مع قناة “تي آر تي” التركية، إلى أن “الملفات الأساسية بالنسبة لتركيا بشأن سوريا هي قضايا الهجرة والمخدرات والاستقرار، إضافةً للمسائل العسكرية والاستخباراتية”.

واعتبر أنه “إذا تحقق السلام في سوريا، فسيعم الاستقرار في المنطقة بأكملها، أما إذا اشتعلت الحرب فيها مجدداً، فإنها ستمتد إلى محيطها”.

وأواخر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، صوت البرلمان التركي لصالح قرار تمديد مهمة القوات التركية في سوريا والعراق ولبنان، بعد تقديمه من قبل أردوغان.

وقبل يومين كشفت وزارة الداخلية التركية، عن أعداد اللاجئين السوريين العائدين إلى بلادهم منذ سقوط النظام في كانون الأول/ ديسمبر الماضي.

وقال وزير الداخلية التركي علي يرلي قايا، إن أكثر 550 ألف لاجئ سوري كانوا يقيمون في تركيا قد عادوا إلى بلادهم منذ ديسمبر الماضي.

وذكرت الداخلية التركية، أنه لا يزال نحو 2,4 مليون سوري يقيمون في تركيا، مشيرةً إلى أن عددهم تجاوز 3,5 ملايين في ذروة الحرب التي شهدتها سوريا، وفق ما أفادت به وسائل إعلام تركية.

————————–

الحوكمة ومكافحة الفساد معركة الشرع لبناء سوريا المنهكة

صندوق الثروة السيادية والمحسوبية: معضلة الاقتصاد السوري الجديد.

الطريق معقد

الاثنين 2025/11/03

بعد سقوط نظام بشار الأسد، يقف الرئيس السوري أحمد الشرع أمام تحدٍ مزدوج: بناء دولة قائمة على الحوكمة والشفافية، ومواجهة إرث الفساد والمحسوبية التي خلفها النظام السابق. وبين وعود الإصلاح ومخاطر إعادة إنتاج القديم، تبدو تجربة الشرع اختبارًا لشرعية جديدة في سوريا المنهكة.

دمشق- في سوريا الخارجة من واحدة من أكثر الحروب تدميراً في تاريخها الحديث، يقف الرئيس أحمد الشرع أمام معركة من نوع مختلف؛ معركة لا تُخاض بالسلاح، بل بمفاهيم الحكم الرشيد والحوكمة، في مواجهة إرث ثقيل من الفساد والمحسوبية الذي تركه نظام بشار الأسد، وتورّطت فيه لاحقاً بعض القوى التي شاركت في إسقاطه.

وبين وعود الإصلاح ومخاوف إعادة إنتاج النظام السابق، تتبلور ملامح صراع جديد داخل السلطة السورية الوليدة، عنوانه الموازنة بين الولاء والكفاءة.

وفي أحد الاجتماعات التي جمعته بأكثر من مئة من أنصاره السابقين في قاعدته القديمة التي كانت يوماً مركزاً للمعارضة المسلحة (إدلب)، أبدى الشرع استغرابه من ارتفاع رواتب المسؤولين الحكوميين ومن مظاهر الثراء التي تحيط بهم.

وقد تساءل أمام الحاضرين، وهو يشير إلى السيارات الفاخرة المصطفة في الخارج، إن كان المسؤولون قد نسوا جذورهم الثورية. ولم يطل الوقت حتى تحولت كلماته إلى أوامر مباشرة، إذ طالب الموظفين الذين يمتلكون سيارات فخمة بتسليم مفاتيحها أو مواجهة التحقيق بتهم الفساد.

بين وعود الإصلاح ومخاوف إعادة إنتاج النظام السابق، تتبلور ملامح صراع جديد داخل السلطة عنوانه الموازنة بين الولاء والكفاءة

ورغم أن وزارة الإعلام حاولت لاحقاً التخفيف من حدة المشهد ووصفت اللقاء بأنه «غير رسمي»، مؤكدة أن أحداً لم يسلّم مفاتيحه فعلاً، إلا أن الواقعة كشفت عن توتر حقيقي في العلاقة بين الرئيس الجديد وبيئته الموالية.

ويجد الشرع، القادم من خلفية فصائلية تعتمد على الولاء والهيمنة، نفسه اليوم مطالباً ببناء مؤسسات قائمة على الانضباط الإداري والمساءلة، وهي ثقافة لم تعرفها سوريا منذ عقود.

ومنذ إسقاط نظام الأسد في ربيع 2024، واجهت سوريا فراغاً مؤسسياً خانقاً. فشبكات الولاء والاقتصاد الموازي التي كانت تديرها الأجهزة الأمنية والنخب التجارية ظلت فاعلة في الظل، حتى بعد سقوط النظام.

ومع وصول أحمد الشرع إلى السلطة، بفضل تحالف هش بين فصائل عسكرية سابقة وتكنوقراط منشقين، بدأ التحدي الحقيقي: كيف تُبنى دولة على أنقاض دولة منهارة، دون الوقوع في فخّ إعادة إنتاج أدوات القمع ذاتها التي أطاحت بها الثورة.

واكتسب الشرع، الذي صعد من صفوف المعارضة المسلحة، شعبيته من خطابه الثوري الرافض للفساد، لكنه يواجه اليوم انتقادات متزايدة من أطياف داخلية ترى أن حكومته لم تنجح بعد في تحقيق القطيعة المطلوبة مع منظومة الامتيازات القديمة. فالكثير من رجال الأعمال الذين عادوا إلى دمشق بعد سقوط الأسد احتفظوا بمواقعهم الاقتصادية، وإن بواجهة جديدة، وهو ما يثير الشكوك حول مدى عمق عملية التغيير.

وتواجه سوريا الجديدة واقعا شديد الصعوبة. فالبنية التحتية مدمّرة، والاستثمار الخارجي شبه غائب، والعملة المحلية تواصل الانهيار رغم محاولات البنك المركزي وقف النزيف.

وقدّر خبراء اقتصاديون خسائر البلاد منذ اندلاع الحرب بأكثر من 500 مليار دولار، فيما يعيش أكثر من 80 في المئة من السكان تحت خط الفقر. وفي ظل هذا المشهد، تصبح أي حملة لمكافحة الفساد محكومة مسبقاً بحدود الواقع المالي المنهك ومصالح النخب النافذة.

تراهن موسكو وطهران – اللتان ساهمتا في رسم خريطة ما بعد الأسد – على بقاء نظام مستقر ولو على حساب الإصلاح الحقيقي، خشية أن يؤدي أي تفكك جديد إلى فراغ يعيد الفوضى إلى البلاد

وواجهت محاولات الشرع لإرساء نموذج جديد من الحوكمة أيضاً تحديات سياسية داخلية. فالمؤسسات الأمنية، التي لم تُحل بالكامل بعد، لا تزال تتصرف بعقلية ما قبل الثورة، وتتعامل مع ملف الفساد أحياناً كأداة لتصفية الخصوم السياسيين لا كإصلاح إداري حقيقي.

كما أن الصراعات داخل المعسكر الحاكم، بين جناح إصلاحي يسعى إلى بناء دولة مؤسسات وجناح مصلحي متمسك بمكتسبات النفوذ، تجعل مسار الشرع محفوفاً بالمخاطر.

ورغم رفعه شعار «محاربة الفساد»، إلا أن خطوات الشرع أثارت أيضاً شبهات بالمحاباة العائلية. فحكومته تضم عدداً من أقاربه في مواقع اقتصادية حساسة، خصوصاً أشقاءه الذين يديرون قطاعات الاستثمار والأعمال.

وقد تعرض أحدهم، جمال الشرع، للتحقيق وإغلاق مكتبه بعد اتهامات باستغلال نفوذه لتحقيق مكاسب شخصية. لكن السلطات لم تُعلن توجيه أي تهم رسمية له، مكتفية بالتأكيد على أنه لا يشغل أي منصب حكومي، ما فتح باب التكهنات حول مدى جدّية الرئيس في كبح الفساد داخل دائرته المقربة.

ويقول محللون إن الرئيس الشاب يحاول أن يوازن بين الحاجة إلى الثقة في إدارة الملفات الحساسة، والخشية من تغوّل المحسوبية التي أسقطت سلفه.

ويدرك الشرع أن تجربة الأسد تحولت إلى نموذج تحذيري لأي زعيم في المنطقة: سلطة عائلية مطلقة، بلا شفافية، أدت في النهاية إلى انفجار شعبي دمّر البلاد. لكن، في المقابل، يواجه ضغوطاً من داخل معسكره الثوري الذي يخشى أن يؤدي تطهير جذري وسريع إلى انهيار التحالفات التي يستند إليها الحكم.

ودفعت شكاوى المواطنين من البذخ الذي يعيشه بعض المسؤولين الجدد الشرع إلى إصدار أوامر تلزم جميع كبار الموظفين بالكشف عن ممتلكاتهم وأنشطتهم الاستثمارية، ومنعهم من الانخراط في أي أعمال تجارية خاصة. غير أن تلك التوجيهات لم تغيّر كثيراً في الواقع، إذ تستمر التقارير التي تتحدث عن الرشاوى والوساطات، خصوصاً في ملفات الإفراج عن المعتقلين واسترجاع الممتلكات المصادرة من النظام السابق.

في بلد أنهكته الحرب والانقسامات، لا يبدو الطريق نحو “سوريا الجديدة” مفروشاً بشعارات الإصلاح وحدها، بل بمعارك صامتة داخل أروقة السلطة، حيث يتقاطع الطموح بالتغيير مع شهوة النفوذ

وتشير شهادات عدد من رجال الأعمال إلى استمرار دفع رشى بمبالغ كبيرة لضمان استمرار أنشطتهم أو للإفراج عن موظفين محتجزين، في حين تنفي الحكومة هذه الممارسات وتؤكد أن كل الحالات المشتبه بها تخضع للتحقيق.

ومع ذلك، تبقى صورة الدولة الجديدة متأرجحة بين خطاب النزاهة وإرث الفساد المتجذر، في ظل مؤسسات ما زالت تتشكل ومجتمع أنهكته سنوات الحرب والعقوبات.

وتزداد الصورة تعقيداً مع الجدل حول «صندوق الثروة السيادية» الذي أُنشئ لإدارة أصول النظام السابق. فبينما تُقدّمه الحكومة كآلية لاستعادة الأموال المنهوبة وإعادة توزيعها، يرى منتقدون أنه قد يتحول إلى أداة جديدة لترسيخ النفوذ الاقتصادي للنخبة المقربة من الحكم، خاصة بعد اعتقال محامين ومسؤولين في لجنة مكافحة الكسب غير المشروع بتهم فساد.

ويقول خبراء اقتصاديون إن الصندوق، الذي يُفترض أن يدير مئات العقارات والشركات التي كانت مملوكة لعائلة الأسد، قد يكون مفصلاً أساسياً في بناء اقتصاد سوري جديد قائم على الشفافية، لكنه في الوقت ذاته قد يتحول إلى نسخة جديدة من “الإمبراطورية الاقتصادية العائلية” إذا لم تُخضع إدارته لمعايير رقابة صارمة ومستقلة.

وخارجيًا، يسعى الشرع إلى استعادة موقع سوريا الإقليمي من خلال فتح قنوات مع دول الجوار العربي، خاصة العراق والأردن ولبنان، إضافة إلى محاولات حذرة للتقارب مع تركيا عبر وساطات روسية. غير أن استمرار العقوبات الغربية وتردد المستثمرين الأجانب في دخول السوق السورية بسبب ضعف الثقة في بيئة الأعمال، يجعل محاولات الإنعاش الاقتصادي بطيئة ومحدودة.

وفي المقابل، تراهن موسكو وطهران – اللتان ساهمتا في رسم خريطة ما بعد الأسد – على بقاء نظام مستقر ولو على حساب الإصلاح الحقيقي، خشية أن يؤدي أي تفكك جديد إلى فراغ يعيد الفوضى إلى البلاد.

ويضع هذا التناقض بين أجندة الحلفاء ومطالب الإصلاح الداخلي الشرع أمام معادلة صعبة: كيف يرضي داعميه دون أن يفقد مصداقيته أمام السوريين الذين أوصلوه إلى السلطة؟

وفي بلد أنهكته الحرب والانقسامات، لا يبدو الطريق نحو “سوريا الجديدة” مفروشاً بشعارات الإصلاح وحدها، بل بمعارك صامتة داخل أروقة السلطة، حيث يتقاطع الطموح بالتغيير مع شهوة النفوذ، وتتنازع الذاكرة السورية بين الخوف من الماضي والأمل في مستقبل لم يتشكل بعد.

—————————–

 ودائع السوريين في لبنان.. تحالُف الفساد والتخبُّط المصرفي/ ناظم عيد

الاثنين 2025/11/03

يشهد الداخل السوري حالة ترقب لحظية من “النخب الرأسمالية”، لأحدث تفاصيل تطورات أزمة الإيداعات في البنوك اللبنانية. فقد حوّلت التصريحات الأخيرة لوزير المال اللبناني انتباه هؤلاء عن مجمل الجدل حول القضايا “المصيرية” التي تعتري الشأن السوري، لأنهم “متورطين” بقيم إيداعات كبيرة في مكان كانوا اعتبروه ملاذاً آمناً من لائحة مخاطر كبيرة تحدق بأموالهم في سوريا، سواء لجهة هشاشة المنظومة المصرفية السورية ودخول الإيداعات في لعبة الأسواق المفتوحة وأدوات السياسة النقدية المرتبكة، أو لجهة تتبّع موجودات كبار المتمولين ووقوع أصحابها تحت خطر مراصد السلطة.

رائحة فساد وارتباك

لطالما كانت البنوك اللبنانية وجهة تقليدية للمودعين السوريين الكبار، وهؤلاء من ثلاث شرائح:

الشريحة الأولى: تاجر وصناعي ومستثمر يدخر ناتج وعلاوات نشاطه الاقتصادي في سوق مصرفية حرّة ببلد اكتسب لقب “سويسرا الشرق الأوسط”، وكانوا يبحثون عن السرية المصرفية المفقودة في بلدهم. “فالبنوك السورية تتبع لشخص وزير المالية. ووزارة المالية في سوريا كانت شهيرة ببراعتها في إصدار قرارات الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة إزاء أي خلل بسيط في تنفيذ صفقة أو عقد”.

والشريحة الثانية: موظفون حكوميون كبار فضّلوا إيداع ما يجنونه من أموال الفساد في البنوك اللبنانية هرباً من الانكشاف ومن ثم المساءلة، على الرغم من أن لبنان لم يكن في منأىً عن أعين المخابرات السورية في زمن سطوتها قبل العام 2005. وهناك حوادث عن افتضاح أمر وزراء هرّبوا أموالهم إلى لبنان واضطروا إلى إعادتها بطلب من السلطة.

الشريحة الثالثة: تتعلق بالبنوك الخاصة السورية التي تعود بمساهماتها التأسيسية إلى بنوك لبنانية، إذا لجأت هذه البنوك إلى تحويل قيم دولارية كبيرة إلى “البنك الأم” في بيروت تحت عناوين ملتبسة ابتدعتها إداراتها بمحاباة واضحة من السلطة النقدية السورية “البنك المركزي والحاكم الشهير آنذاك” كتحويل نفقات الإدارة المُبالغ فيها، خلال سنوات التأسيس الأولى.

ومع اندلاع الأحداث والحرب في سوريا لجأت هذه البنوك إلى تحويل موجوداتها بالعملة السورية إلى دولار، مستثمرة قرارات سماح المركزي المتكررة بطرح شرائح بالدولار للشراء أمام البنوك تحت مزاعم زيادة المعروض الدولاري لتخفيف أزمة الليرة.

كما سمح مصرف سوريا المركزي للبنوك الخاصة خلال الحرب بتمويل اعتمادات مستنديّة للمستوردات بنسبة 10 في المئة من موجوداتها من دون ضوابط وتدقيق.

سباق نحو الهاوية

كل ما سبق راكم كتلة موجودات سورية كبيرة في البنوك اللبنانية. لكن البوابة الأكبر كانت في العام 2019 بعد قرار من مصرف لبنان قضي بالسماح للبنوك اللبنانية باستقبال إيداعات بفوائد غير مسبوقة وصلت إلى 10 في المئة. وتحصل هذه البنوك على علاوات مجزية وفق شرائح محددة لكل بنك..”مصرف لبنان تعهّد بالعلاوات”.

وخلال تلك الفترة شهدت مخابئ الاكتناز السورية “نزحاً رشيقاً” للأموال نحو السوق اللبنانية طمعاً بالعائدات المجزية التي تفوق أي عائد على الاستثمار.

ونذكر أن مسؤولين حكوميين سوريين كباراً اتهموا مصرف لبنان في اجتماعات مغلقة حينها بالتواطؤ مع ما أسموه “مؤامرة خارجية” هدفها تجفيف السيولة من بنية الاقتصاد السوري، ولكن من دون أن يسألوا أنفسهم عن الإجراءات التي اتخذتها سوريا للحفاظ على السيولة والموجودات الدولارية، والتسهيلات المفترضة لتشجيع الإيداعات بالقطع الأجنبي في البنوك السورية… طبعاً لم يفعلوا شيئاً، بل ربما كل الإجراءات كانت تفضي إلى نتائج عكسيّة.

تراشق أرقام

حرّكت تصريحات وزير المال اللبناني ياسين جابر “الملف الراكد” بمتوالية تصريحات أيقظت أحلام المودعين السوريين باستعادة ماتبقى من أموالهم، على الرغم من عدم ورود أية إشارة خاصة بهم.

ونتحدث عن “ما تبقى” لأن الكثير من المودعين لجأوا إلى تسويات خاصة مع البنوك وتنازلوا عن جزء من أمواله مقابل الحصول على الباقي. تسويات بعثرت المعطيات والأرقام الخاصة بالملف، فبعد أن وصلت تقديرات قيمة الأموال السورية المودعة في لبنان إلى 50 مليار دولار “وفق تصريحات سابقة منسوبة إلى جمعية الصرافين اللبنانيين”، وتقديرات تالية تمحورت حول الرقم 42 مليار دولار “تصريح لبشار الأسد في إحدى المناسبات”، لم يتبنَ أحد رقماً بهذا الشأن، وبالفعل اعترى الملف تكتم وحذر شديدان حتى من قبل أصحاب الأموال أنفسهم، وهو ما زاد من تعقيد الأمر وصعوبة إجراء أيّة مداخلة حكومية رسمية عليه.

تسويف بقرار غير مُعلن

نذكر أنه في إحدى اجتماعات رئيس مجلس الوزراء السوري الأسبق حسين عرنوس مع تجار وصناعيي دمشق، طالبه هؤلاء بالتدخل لدى الحكومة اللبنانية لأجل استرداد إيداعاتهم، فكان رده على شكل غمزة ليست بريئة “وافونا بقائمة تتضمن أسماء المودعين وقيم إيداعات كل منكم أولاً.. لكن لم يبد أحد منهم استعداداً لذلك”.

لكن بالفعل ما كان لافتاً في مجمل الأمر، هو رغبة المسؤولين السياسيين السوريين بتقليل تقديراتهم لأرقام الموجودات السورية في بنوك لبنان، “أحدهم أصرّ في حديث معنا على أن الرقم لا يتجاوز 7 مليار دولار”، ربما كان ذلك طمعاً في عدم تسخين الملف ورفعه إلى المستوى الرسمي، المحفوف باحتمال فرض إجراءات رفع السريّة المصرفية كمقتضى حتمي للمعالجة، وما سيلي ذلك من “فضائح مدوية”.

خارج الحسابات الراهنة

لا يرجح الكثير من المراقبين أن تكون الإيداعات السورية واردة في حسابات الوزير جابر الذي أشار صراحة إلى المودعين اللبنانيين، أي خصّص ولم يُعمم. بالتالي لا يبدو أن الموضوع يحتاج إلى برنامج آخر مختلف يجري تنفيذه في سياق توافقات على مستوى الدولتين، بدلاً من ترك التسويات تسير من تحت الطاولة مع ما يعتريها من تنازلات “مسامحة” وفق ما تشي به الكثير من الحالات.

فالطبيعي أن الكتلة غير القليلة التي جرى إعلانها في بدايات ظهور أزمة الإيداعات على السطح، تفرض حراكاً رسمياً على مستوى الدولتين، لأن عشوائية التصريحات رفعت الرقم إلى ما يفوق الاحتياطي المركزي السوري من القطع، وهذه النقطة لا بد من حسمها قبل الشروع بأي حل.. ويبقى السؤال: كيف يمكن حلحلة التعقيدات الكثيرة في هذا الملف؟

ضبابية وتشتت

يلفت الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي في تصريح لـِ “المدن” إلى ضبابية المشهد وعدم وضوح تفاصيل هامة كثيرة في هذا الملف، أبرزها أن تقديرات الإيداعات الدولارية السورية في المصارف اللبنانية تتراوح بين 3 و45 مليار دولار، وفق مصادر متعددة، وهو ما يجعلها ملفاً اقتصادياً وسيادياً بالغ الحساسية يتطلب تسوية مدروسة وتنسيقاً نقدياً بين دمشق وبيروت.

وهذا يفضي إلى عنوان عريض يجب الوقوف عنده وهو “حجم الإيداعات السورية بين الواقع والتضخيم”. فالتقديرات الرسمية السورية السابقة تحدثت عن أرقام تتراوح بين 20 و42 مليار دولار. في المقابل مصادر مصرفية لبنانية حديثة تشير إلى أن الرقم الحقيقي أقرب إلى 3–4 مليارات دولار.

هذا التفاوت برأي قوشجي، يعكس غياب التدقيق المشترك، ويؤكد الحاجة إلى لجنة فنية مشتركة لتحديد الحجم الفعلي للإيداعات.

تسوية عقلانية

بعيداً عن الجدل البيزنطي الذي لا طائل منه، يرى الخبير المالي أن الطريقة المثلى لتسوية هذا الملف يجب أن تراعي ثلاثة اعتبارات:

الأول: حماية حقوق المودعين السوريين من دون الإضرار بالاستقرار المالي اللبناني.

والثاني: تجنب التسييس أو الابتزاز المتبادل، خاصة في ظل تعقيدات الملفات العالقة بين البلدين.

والثالث: إيجاد آلية تدريجية لإعادة الأموال أو تدويرها بما يخدم الطرفين.

ويلفت إلى أن غياب التنسيق النقدي الرسمي بين مصرف لبنان ومصرف سوريا المركزي هو أحد أسباب تعثر الحل.

بالتالي، المطلوب تشكيل لجنة نقدية مشتركة بإشراف المصرفين المركزيين، تتولى تدقيق حجم الإيداعات ثم تصنيفها وفق نوع المودع (فرد، شركة، جهة حكومية) وبعدها اقتراح آليات السداد أو التدوير.

برنامج حلحلة

ويقترح الخبير قوشجي برنامج تسوية تدريجي من ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى هي التحقق والتصنيف، وتشمل تدقيق الحسابات عبر لجنة مشتركة. ثم تصنيف الإيداعات حسب الأولوية (أفراد، شركات حيوية، جهات حكومية).

والمرحلة الثانية مرحلة التدوير المالي وتتضمن تحويل جزء من الإيداعات السورية إلى سندات سيادية لبنانية بالدولار لمدة 3–5 سنوات. واستخدام هذه السندات لدعم مشاريع استثمارية سورية أو ضمانات مقابل التمويل للبنك الدولي.

أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة إعادة السداد التدريجي، وتتضمن الاتفاق على جدول زمني لإعادة الأموال عبر دفعات سنوية، وربط السداد بتحسن الوضع المالي اللبناني وتدفقات الدولار.

وفق هذا السيناريو السلس، يؤكد قوشجي أن عدة فوائد سوف تتحقق. بالنسبة إلى لبنان، تخفيف الضغط النقدي من دون خسارة السيولة دفعة واحدة أو مشاكل قضائية وضغوط سياسية.

أما بالنسبة إلى سوريا، فاستعادة جزء من الأموال وتوظيفها في دعم التعافي الاقتصادي. وبما يخص المودعين، ضمان حقوقهم ضمن إطار قانوني وسيادي مشترك.

أولى المقاربات الجريئة

مقابل متوالية التصريحات التي صدرت عن وزير المال اللبناني، كان أول إفصاح رسمي مباشر صدر عن السلطة النقدية في سوريا منذ بدء الأخذ والرد واللغط حول الموضوع، هو توجيه عبد القادر الحصرية حاكم مصرف سوريا المركزي للبنوك التجارية بتكوين مخصص مقابل خسائر انخفاض القيمة المرتبطة بالانهيار المالي في لبنان، وتقديم خطط موثوقة لإعادة الهيكلة خلال 6 أشهر، في خطوة من شأنها إعادة تشكيل القطاع المصرفي المتعثر في البلاد.

وقال الحصرية في تصريح منسوب لرويترز: سيتعين على البنوك تزويدنا بخطة موثوقة لإعادة الهيكلة، بدأ العد التنازلي الآن. وأضاف: إنها قادرة على إيجاد سبل مختلفة للقيام بذلك، بطرق تشمل البنوك الشقيقة في لبنان أو عبر الشراكة مع مؤسسات دولية أخرى.. مع الإشارة إلى أن انكشاف المصارف التجارية السورية على لبنان كبير ويزيد عن 1.6 مليار دولار.

مثل هذه المقاربات المباشرة للملف القديم الجديد والمتجدد، تشي بأن ثمة نيات جادة وجريئة تتعبأ في اتجاه الحل، ربما في سياق الكثير من القضايا المزمنة المؤجلة والعالقة. فالانتظار لم يعد مضيعة للوقت على ما يبدو.

—————————

 سوريا وقطر تبحثان فرص الاستثمار والاستكشاف النفطي

الاثنين 2025/11/03

بحث وزير الطاقة السوري محمد البشير مع وزير الدولة لشؤون الطاقة القطري سعد بن شريدة الكعبي، أوجه التعاون الثنائي بين البلدين في المجالات المختلفة للطاقة.

وخلال اجتماع الوزيرين، ضمن فعاليات معرض ومؤتمر أبوظبي الدولي للبترول “أديبك 2025″، في الإمارات، تم التركيز بشكل خاص على فرص الاستثمار المشتركة في مجال استكشاف وإنتاج النفط البحري، وفق ما ذكرت “وكالة الأنباء السورية” (سانا).

وأكد الجانبان أهمية تنمية الشراكة الاستراتيجية في قطاع الطاقة، والعمل على تهيئة البيئة الاستثمارية، وتنفيذ المشاريع التي تساهم في استثمار احتياطات النفط البحري، وتعزيز القدرات الإنتاجية، “بما يخدم مصالح الشعبين في البلدين الشقيقين”.

يُذكر، أن سوريا تُشارك في فعاليات معرض ومؤتمر أبوظبي الدولي للبترول “أديبك 2025” الذي انطلقت أعماله في الإمارات اليوم تحت شعار “طاقة ذكية لتقدم متسارع”.

——————————-

الدعم القطري يعزّز قدرة الكهرباء في سورية على الصمود

03 نوفمبر 2025

أكد مدير عام المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء في سورية، خالد أبو دي، أن الدعم الذي قدمته دولة قطر عبر صندوق قطر للتنمية شكّل إحدى أبرز ركائز تعزيز قدرة القطاع الكهربائي في سورية خلال السنوات الماضية. وأشار إلى أن التعاون مع دولة قطر لم يقتصر على المنح المقدمة في مجال الغاز فحسب، بل امتد ليشمل برامج مستمرة تهدف إلى رفع الكفاءة التشغيلية للشبكة الوطنية.

وأوضح مدير عام المؤسّسة، في تصريحات لوكالة الأنباء القطرية (قنا)، أن المرحلة الأولى من الدعم القطري تضمنت توفير مليون متر مكعب من الغاز يومياً لمدة شهر عبر خطوط الغاز الممتدة مع الأردن، وقد استُخدم هذا الغاز مباشرة في محطة دير علي للطاقة الكهربائية جنوب دمشق، ما ساهم في تحسين تغذية الكهرباء في مختلف المحافظات السورية.

وأضاف أن المرحلة الثانية من الدعم القطري شملت تزويد سورية بـ3.4 ملايين متر مكعب يومياً من الغاز عبر خطوط الربط مع تركيا، موضحاً أن هذه الكمية مقدمة من أذربيجان بتمويل من صندوق قطر للتنمية، وقادرة على توليد نحو 500 ميغاواط. وبيّن أن هذا الإنتاج يشكّل نحو 30 بالمئة من إجمالي القدرة الإنتاجية الحالية للقطاع، التي تبلغ حوالى 2200 ميغاواط، مشيراً إلى أن هذا الدعم ساهم في رفع ساعات التغذية الكهربائية اليومية من 4-5 ساعات إلى نحو 7-8 ساعات، مع تفاوت بسيط بين المحافظات.

وأشار إلى أن التعاون في قطاع الكهرباء لا يقتصر على المساعدات الفورية، بل يمتد إلى مجالات متعدّدة تشمل برامج التدريب وتبادل الخبرات الفنية والاستشارية، وتسخير الإمكانات البشرية والتقنية، مؤكداً أن الدعم القطري مستمر ويتطور وفق تغيرات الطلب على الكهرباء واحتياجات الشبكة.

وحول التعرفة الجديدة للكهرباء، أوضح أن الحكومة السورية ما زالت تقدم دعماً واسعاً للمواطنين، مشيراً إلى أن أي تطوير في خدمات الكهرباء أو تحسين في مستوى التغذية يتطلب آلية لاسترداد جزئي للتكاليف التشغيلية. وأوضح أن الشريحة الأولى حتى 300 كيلوواط ساعي شهرياً مدعومة بنسبة نحو 60%، ويستفيد منها جميع المواطنين السوريين، بينما يُحتسب الاستهلاك الزائد عن 300 كيلوواط بسعر 1400 ليرة سورية لكل كيلوواط. وذكر أن هذه الآلية جرى اعتمادها بعد دراسة شاملة للواقع الاقتصادي والمعيشي ومستوى دخل الأسر، لضمان عدالة توزيع الدعم واستدامته.

وفي السياق ذاته، أوضح أبو دي أن شبكة التوزيع قادرة على استيعاب كامل الكميات المنتجة وتوزيعها، كما أن شبكة النقل وخطوط المحولات تستطيع نقل نحو 7000 ميغاواط. وأشار إلى أن القدرة الإنتاجية لمحطات التوليد تتراوح بين 3500 و5000 ميغاواط، إلّا أن الاستقرار التشغيلي يتحقق عند نحو 3500 ميغاواط، في حين يبلغ الإنتاج الفعلي حالياً نحو 2200-2300 ميغاواط نتيجة محدودية الغاز والوقود المتاحين.

وبيّن أنّ الغاز المتوفر ينقسم إلى إنتاج الحقول السورية بنحو 6 ملايين متر مكعب يومياً، بالإضافة إلى الغاز الأذربيجاني المقدم من صندوق قطر للتنمية بكمية 3.4 ملايين متر مكعب، ما يجعل إجمالي الغاز المتاح 9.5 ملايين متر مكعب، قادراً على توليد نحو 1500 ميغاواط. أما بالنسبة للوقود، فهناك إنتاج محلي وكميات مستوردة بأسعار مرتفعة، لكن القدرة التشغيلية لمحطات الوقود محدودة، إذ تحتاج يومياً إلى نحو 5000 طن لتوليد 700-1000 ميغاواط إضافية.

وأكد أن توفير غاز إضافي ضروري لرفع الإنتاج إلى مستوى الطلب الوطني البالغ نحو 6500 ميغاواط، ما يتطلب تمويلاً مناسباً نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار الغاز عالمياً. وفي سياق المشاريع التطويرية، كشف خالد أبو دي عن مشروع وطني كبير لاستبدال العدادات التقليدية بعدادات إلكترونية مسبقة الدفع وذكية، بهدف تطوير منظومة القياس والمراقبة ومواكبة أحدث التقنيات العالمية. وأوضح أن هذا المشروع يأتي أيضاً لمواجهة التحديات الفنية في شبكات التوزيع والتلاعب في العدادات القديمة، فضلاً عن تحسين قدرة الشبكة على ضبط الفاقد وزيادة الشفافية في الاستهلاك والفوترة.

وأشار إلى أن تنفيذ المشروع سيجري على مراحل خلال ثلاث سنوات للانتهاء من توريد العدادات، مع خطة لاستبدال جميع العدادات خلال هذه الفترة، مؤكداً أن المشروع يتطلب استثمارات مالية كبيرة، وأن الخطوة الأولى الضرورية هي تأمين الدفعات الأولى من العدادات الذكية. وأضاف أن المشروع سيبدأ في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية لتقييم الأداء الفني قبل التوسع إلى باقي المحافظات، مع تجهيز مراكز البيانات وأنظمة القراءة الآلية التي تتيح مراقبة الاستهلاك وضبط الفواتير لحظياً.

كما لفت إلى أن المشروع سيترافق مع تأهيل الكوادر الفنية السورية لتشغيل وصيانة العدادات الجديدة، بما يضمن إدارة وطنية مستقلة للمنظومة الذكية، مشيراً إلى أن المشروع يعكس رؤية الوزارة لتحديث الشبكة الكهربائية ورفع كفاءة الخدمات المقدمة بما يتوافق مع التطورات التقنية العالمية ويضمن استدامة القطاع في المستقبل.

وفي ختام تصريحاته، أكد خالد أبو دي أن منح دولة قطر ودعم الدول العربية الشقيقة لعبت دوراً محورياً في تعزيز قدرة الشبكة الوطنية في سورية على مواجهة التحديات، مشيراً إلى أن هذا التعاون المستمر يعكس أهمية التكامل العربي في دعم البنى التحتية الحيوية وتحسين مستوى الخدمات للمواطنين السوريين، كما يسهم في رفع كفاءة تشغيل المحطات وزيادة ساعات التغذية على نحوٍ ملموس.

يظهر من مجمل التصريحات أن التعاون القطري السوري في مجال الكهرباء لا يقتصر على المساعدات الوقتيّة، بل يمثل شراكة استراتيجية تهدف إلى دعم استقرار الشبكة وتحسين الخدمات للمواطنين. كما يؤكد هذا التعاون أهمية الدور العربي المشترك في إعادة بناء البنى التحتية الحيوية في سورية، بما يسهم في تعزيز التنمية واستدامة الطاقة في المستقبل.

(قنا، العربي الجديد)

———————————-

مكافحة الفساد في سوريا: نية صادقة لا تخلو من تقية سياسية/ طارق علي

حققت حكومة نجاحات خارجية نسبية فيما سقطت مراراً في وحل الداخل

السبت 1 نوفمبر 2025 15:32

بدا للمراقبين مشهد الرئيس مع عائلته وخلال لقاء إدلب أقرب لإعلان حقبة جديدة في البلاد يمكن لمس مؤشراتها ولو كان بصورة رمزية تقود نحو فرض الانضباط بعيداً من ثقافة الفساد والشبهات والكسب غير المشروع وغنائم الحرب واستباحة الأموال العامة والخاصة.

أقدم الرئيس السوري أحمد الشرع، على عقد اجتماع عائلي أخيراً، بحضور والده حسين الشرع، وإخوته ماهر الذي يشغل منصب أمين عام رئاسة الجمهورية، وحازم رئيس هيئة الاستثمار، وجمال الذي يعمل في التجارة وآخرين، محذراً من استخدام اسم العائلة أو استغلالها في أي كسب غير مشروع أو استغلال نفوذ سياسي يعود بتبعات اقتصادية.

وبناء على الاجتماع العائلي، أمر الرئيس الشرع بإغلاق مكتب شركة أخيه جمال الشرع في دمشق، الذي كان يزاول أعمالاً تتعلق بالتجارة والسياحة وغيرهما، بل وجرى ختم المكتب بالشمع الأحمر والإغلاق الرسمي بحسب شهود عيان، وشخصيات مقربة من جمال نفسه، التي أكدت لـ”اندبندنت عربية” وقوع الحادثة.

المصادر قالت، إن قراراً رئاسياً إضافياً وجه المؤسسات الحكومية بعدم التعامل مع جمال الشرع، بسبب اتهامات باستخدام اسم عائلته لتسهيل تجارته، وبما يرتبط بمكافحة الفساد الناجم عن ذلك، كما أنه كان يتنقل بسيارة نوع “مرسيدس” من الطراز الفاخر من دون أن تحمل لوحات مرورية. وزارة الإعلام السورية لم توضح التهم الموجهة لجمال صراحة، لكنها اكتفت بالإشارة إلى أنه “لم يكن مخولاً له ممارسة أي نشاط اقتصادي أو تجاري”.

بين الإصلاح الحقيقي والتقية السياسية

في خضم ذلك كان الرئيس الشرع زار محافظة إدلب، شمال غربي سوريا، في وقت سابق، ليلتقي هناك رفاقاً وقادة سابقين ومسؤولين ورجال أعمال حاليين بصورة ودية بعيداً من أجواء اللقاءات الرسمية، وتنقل وكالة “رويترز” أن الرئيس فوجئ بمظاهر البذخ من خلال سيارات الحضور الذين قاربوا الـ100 شخص، مما دفعه لتوبيخهم علانية، ثم استداك ممازحاً “لم أكن أعلم أن رواتب الحكومة مرتفعة إلى هذا الحد؟!”، وذلك على خلفية استخدام معظم الحاضرين سيارات باهظة الثمن على شاكلة “كاديلاك اسكاليد وشيفروليه تاهو ورينغ روفر وغيرها”.

الشرع سأل الحاضرين، “ألستم أبناء الثورة؟ هل أغرتكم الدنيا بهذه السرعة؟”، موجهاً إياهم بتسليم مفاتيح سياراتهم لمصلحة الدولة قبل مغادرتهم، وإلا سيخضعون لمساءلة قانونية حول الكسب غير المشروع، وعلى رغم ذلك لم يسلم سوى عدد قليل مفاتيح سياراتهم في النهاية، بحسب “رويترز”.

بدا للمراقبين مشهد الرئيس مع عائلته وخلال لقاء إدلب أقرب لإعلان حقبة جديدة في البلاد يمكن لمس مؤشراتها ولو كان بصورة رمزية تقود نحو فرض الانضباط بعيداً من ثقافة الفساد والشبهات والكسب غير المشروع وغنائم الحرب واستباحة الأموال العامة والخاصة.

سوريون كثر رحبوا بتلك الخطوات معتبرين أنها عقد جديد نحو امتصاص النفوذ المرتبط بالوظيفة والسلطة، فيما رأى آخرون أنها مجرد استعراضات لا طائل منها طالما أنها لم تدخل في بنية الدولة العميقة لتفكك جذور الفساد المترامية في الوزارات والمؤسسات والمديريات والاستثمارات والاحتكارات. ويذهب أصحاب هذا الرأي لتبسيط الأمور أكثر انطلاقاً من القاع نحو الهرم مطالبين بمنع مصادرة المنازل والممتلكات وتهجير الأهالي من أحياء وقرى بصورة تعسفية لمصلحة سطوة السلاح والفصائل.

وبين معجب بالإجراءات ومشكك بمفعاليها المباشرة تظل قراءات المشهد متناقضة وطارحة لسؤال جوهري، “هل كان ذلك بداية مشروع إصلاح سياسي واقتصادي واسع أم إنه مجرد ’تقية سياسية’ لتلميع صورة السلطة في الداخل والخارج خصوصاً مع كثافة تداول وضخ هذين الحدثين؟”.

فساد وحصار داخلي

بعد مرور نحو عام على سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024، انتظر السوريون كثيراً من الإصلاحات، وكثيراً من التغييرات الشاملة، لكن الوعود الفعلية بالعدالة الاجتماعية وتطهير مفاصل الدولة من الفساد والمحسوبيات لم يسر على أفضل ما يرام، بل إن كثيراً من الأمور زاد تدهورها في حياة السوريين، وزاد فقرهم لأسباب مركبة رغم أن حدود الرواتب ازدادت فعلياً للموظفين.

خلال اليومين الماضيين قررت الحكومة السورية رفع أسعار الوقود ومن ثم الكهرباء، وهي عصب البلاد بسكانها واقتصادها، والغائبة الفعلية منذ أعوام طويلة، إذ إن ساعات التغذية هي قليلة للغاية على مدار اليوم، أحياناً ساعتان فقط طوال النهار، وأحياناً ست ساعات، أكثر أو أقل، تبعاً للمنطقة مع وعود دائمة بالتحسن الكبير القادم، ومن أجله جرى إبرام عقود استجرار الغاز من أذربيجان قبل أشهر عبر تركيا وبدعم مالي قطري، وبعد سيل الأرقام المهولة التي دفعت اتضح أن الغاز غير مطابق لمحطات التشغيل السورية، وعلى رغم ذلك سارت الأمور كما هي، وظل الناس في الانتظار.

رفع تسعيرة الكهرباء الأخيرة كان 60 ضعفاً عما هي عليه، أو بعبارة أخرى ازدادت 5 آلاف في المئة، مما يعني أن الاستهلاك الذي كان يدفع شهرياً ببضعة دولارات سيدفع الآن بعشرات أو مئات الدولارات تبعاً للاستهلاك، وهو ما تعجز عنه أكثر من 90 في المئة من الأسر السورية بحسب سلم الرواتب الشحيح، وهو ما يفرض في سابقة مؤلمة بالنسبة إليهم أن يفكروا في ساعات تشغيل البراد والثلاجة والتدفئة والإنارة والتلفاز وغيرهم، فراح السوريون يحسبون كلفة التشغيل الساعي لكل جهاز كهربائي.

وبحسب وزير حماية المستهلك السابق عمرو سالم فإن الغاية المعلنة هي تخفيف الخسائر، ولكن التجربة أثبتت أن رفع الأسعار لا يصنع إصلاحاً، فتحميل الأسر الفقيرة هذا العبء، سيفاقم الأزمات بدل حلها، “فلا يجوز أن تنتقل خسائر الدولة إلى جيوب المواطنين، الحل واضح عبر سعر واحد للكلفة الحقيقية مع منحة شهرية للفئات الهشة، وجدولة ديون بلا فوائد، ومسار تظلم واضح يحسم خلال 10 أيام”.

مراهقة حكومية

بدوره يصر الصناعي السوري البارز عصام تيزيني على المبدأ الفرنسي الاقتصادي “دعه يعمل.. دعه يمر”، معتبراً أن أداء الحكومة السورية يحمل ملامح المراهقة، متسائلاً “لماذا يصر أعضاء الحكومة على استفزاز الفقراء وهم أكثر من 85 في المئة من الشعب، لماذا يريدون استرجاع آلام الدفع التي عولجت جزئياً مع بدء التحرير؟ تلك تصرفات غريبة وغير مفهومة، إن السوريين متعبون ولا يجوز العبث بقدرتهم على الحياة بعد الفرح الذي عاشوه إبان انتصار الثورة”.

وقال، “ثلاثة قرارات موجعة في أسبوع واحد! منع استيراد الخضراوات واللحوم والفروج الحي والبيض، رفع أسعار الكهرباء لدرجة لا يتحملها الأغنياء”، مضيفاً “كان يجب الابتعاد من جيوب السوريين المهترئة، والاعتماد على مصادر تمويل أخرى ريثما يجري الرفع بصورة تدريجية هادئ، أما القرار الثالث فهو السماح بتصدير خردة المعادن الناتجة من الدمار الذي خلفه النظام البائد، علماً أن سوريا تحتاج مئات ملايين الأطنان تلك لإعادة الإعمار، بدل إعادة استيرادها مستقبلاً”.

من الجبهات إلى المكاتب

قبيل سقوط النظام بأسابيع قليلة لم يكن يتخيل قادة الجبهات والمحاور على امتداد الخريطة، الذين تجمعوا في إدلب في نهاية المطاف أنهم سيظفرون بنصر كبير في النهاية ليقودهم من المغارات والكهوف والأنفاق والجبهات وساحات وميادين القتال إلى مكاتب قيادة البلد وإلى مقاعد السلطة، مديرين سياسة واقتصاداً وعسكراً وجيشاً من الموظفين المدنيين وملايين من السوريين في محافظات البلاد.

تلك النقلة السريعة والمفاجئة وغير المخطط لها عملياً من ثقافة السلاح إلى بيروقراطية الدولة أظهرت هشاشة البنية الإدارية التنظيمية والتنفيذية في إدارة الشأن العام من قبل السلطة الجديدة ومنذ أيامها الأولى، وقد يكون ذلك لا يعاب عليها، فالانتقال من حكم محافظة محاصرة، إلى بلاد كاملة يحتاج مرحلة زمنية واسعة للتأقلم، وعلى رغم ذلك حققت السلطة السورية الجديدة نجاحات خارجية نسبية، فيما سقطت مراراً في وحل الداخل.

يشير التدقيق في خلفيات مفاتيح السلطة العامة بدمشق ضمن المستويات الرئيسة والفرعية إلى أن غالبية أصحاب المناصب هم بصورة شبه قطعية قادمون من خلفيات عسكرية أو أمنية أو علمية بثوب شرعي، وهذا ما جعل كثراً حتى من خارج سوريا يطلقون عليها اسم “دولة الشيوخ”. وهؤلاء المقاتلون، الذين كانوا بمعظمهم يوماً جزءاً من تنظيمات مصنفة على اللوائح العالمية للإرهاب، يقودون اليوم وزارات وإدارات عسكرية وأمنية وقضائية ومدنية وتعليمية، ولم يكن هذا الأمر بطبيعة الحال غير متوقع.

في حين يرى سوريون أن رحلة عام كانت كافية لاندماجهم في المؤسسات، يرى آخرون أنهم لا يزالون في حاجة إلى مزيد من الوقت والتعلم للتمكن من تقديم أفضل صورة ممكنة في الأداء والعمل، وفي الإطار يبدو الشرع نفسه ووزير الخارجية أسعد الشيباني وآخرون بأنهم قطعوا أشواطاً كبرى في الاندماج والتعلم والتحول السريع، فيما يبقى الحمل كبيراً على من سبق غيره في التموضع والانصهار ضمن جسد الدولة لا الفصيل أن يلزم البقية مهما ارتفعت تسمياتهم الوظيفة بأن يخرجوا من دائرة غرفة العمليات الميدانية ليصير اتخاذ القرار مؤسساتياً وليس كمن ينفذ خطة اقتحام.

المتخصص في علم الاجتماع السياسي عبود ناصيف يقول إن “السلطة الحالية تقتل نفسها بالقرارات الفجائية، والاستمرار بنهج السلطة السابقة باعتماد الولاءات لا الكفاءات، وبتسريح عشرات آلاف الموظفين الحكوميين على أسس طائفية ومناطقية، واعتماد الأوامر الشفهية، وتحكيم الشيوخ بالقضاء والوزارات والمؤسسات والتعليم، وضرورة تفعيل مبدأ المساءلة والشفافية، والتوقف عن التخبط الإداري والميداني والأمني، ومصالحة المكونات لنتوقف عن مشاهدة تظاهرات تشتم طوائف ومكونات أخرى”.

مخاوف من تدوير السلطة السابقة

تمر سوريا اليوم بما يعرف سياسياً بـ”المرحلة الانتقالية” التي تقودها سلطة موقتة، وهي مرحلة حرجة للغاية، بخاصة إذا اتسمت بالغموض وانعدام الشفافية والارتجال والتخبط الإداري والمؤسساتي وهيمنة الفكر العسكري الشمولي والإقصائي على جوانبها، تحديداً أن الأشهر الماضية كانت مريرة للغاية، على رغم تذوق الناس طعم الحرية، لكن الأمر كان نسبياً للغاية، ففي أشهر ثمانية فقط بعد سقوط النظام السابق قتل 10 آلاف سوري، وارتكبت مجزرتان في السويداء والساحل، وفجرت كنيسة في دمشق، ولم تتوقف حتى اليوم حالات القتل اليومي.

الأكيد الآن أن تجربة الرئيس الشرع تسير على حافة دقيقة للغاية بين الواقعية السياسية المرتبطة بالإصلاح والاقتصاد ودمل الجراح وتفعيل مسار العدالتين الانتقالية والاجتماعية، وبين مغريات إعادة إنتاج السلطة السابقة، وحتى الآن تتركز المؤشرات بحسب متابعين سياسيين على أن سوريا تقبع في المنطقة الرمادية من تاريخها، وهي مرحلة معقدة تحتفظ بأشياء سيئة مما سبقها وتصنع بأيديها أشياء سيئة سترافقها وتحاول الاعتدال بينهما لتقديم صورة حكم جديد، مقبول محلياً وإقليمياً ودولياً.

ذلك يتطلب قبل كل شيء إعادة ترتيب حسابات البيت الداخل تحت أنظار المجتمع الدولي القلق من الانتهاكات وملفات مكافحة الإرهاب والمقاتلين الأجانب والعلاقات مع الجوار وضمناً إسرائيل، فبعض الدول ترى أن الشرع قدم إشارات إيجابية، فيما دول أخرى تراجع دعمها نسبياً، أما الأهم في كل ذلك فهو السوري نفسه، الذي يقارب حياته داخل البلاد باليوم والساعة والدقيقة والثانية تحت وطأة ظروف مختلفة تراوح ما بين الخوف والقتل والاختطاف والفقر وغياب الأفق المستقبلي، خلاف الدول المراقبة، التي تقرأ المشهد السوري بالأسابيع والأشهر والسنين ضمن حسابات جيوسياسية وجيو استراتيجية لا يكون فيها لوزن المواطن السوري بصورة فردية قيمة فعلية تذكر.ش

========================

تحديث 02 تشرين الثاني 2025

——————————–

سورية.. السياسة أم الاقتصاد أولاً؟/ فاطمة ياسين

02 نوفمبر 2025

بدا الرئيس السوري أحمد الشرع متفائلاً جداً في اللقاء الذي أجراه على هامش مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض، وأظهر سعادةً زائدة، وهو يقول إن اليوم كان عيد ميلاده، وربما من المصادفات الحسنة أنه ولد في الرياض تحديداً. ذكر الشرع أن وقائع مالية ظهرت على الأرض، وأكّد أن سورية استقطبت حوالى 28 مليار دولار، بينما لم تمضِ سنة على تسلّمه زمام الأمور في سورية. لا يبدو الرقم كبيراً في ميزان الاحتياجات السورية، فهناك نقص شديد في كل شيء تقريباً، وزادت الحكومة من سعر الكهرباء في الأيام الماضية، وهو مؤشّر ذو دلالة، ولكن التدفق الاستثماري الذي يأمل الشرع أن تستقطبه سورية قد بدأ، والمليارات التي تحدّث عنها تُعتبر البداية في مسيرة التعافي الاقتصادي. بملاحظة سلوكه، يبدو الاقتصاد دافع الرئيس الشرع الأساسي، فمعظم تحرّكاته تصبّ في هذا، بما في ذلك رحلته إلى السعودية، وحضوره فيها مؤتمراً استثمارياً، في مشهد يفصح عن النيات المأمولة لسورية التي يقودها.

تسهم تطلعات الشرع وتفاؤله في دعم نهجه الاقتصادي، واستمرار ظهوره بهذا الشكل يشجّع المبادرات الاستثمارية الدولية والفردية، ولكن يجب الاعتراف بأن الجبهة السورية تواجه استعصاءً سياسياً واسعاً في الجنوب والشرق، وهي بقع توتر تؤثر سلباً في الزخم الذي يطلقه خلال تحرّكه الاقتصادي، حيث تسيطر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على أكثر من ربع مساحة البلاد، ويدلي قادتها بتصريحاتٍ متضاربةٍ بشأن مسألة الانضمام إلى الحكومة المركزية في دمشق، وما زالت تُحكم قبضتها على ثلاث محافظات على درجة كبيرة من الأهمية، وكان الشرع قد تحدّث عن وفرة في الغاز والنفط في البلاد، ولكن “قسد” تسيطر حالياً على معظم هذه الثروة، وهي لا تستثمرها بالشكل الصحيح لدفع الاقتصاد المنهار. وحتى اللحظة، يبدو أفق التحركات “القسدية” غير واضح، وموعد تنفيذ الاتفاق معها في نهاية العام يقترب من دون أي بوادر تُحسب لصالح الحل النهائي، باستثناء تصريحات غائمة لا يُفهم منها الكثير. وكان الشرع قد اختار طريق التفاوض مع “قسد”، معتبراً هذا أسلوب حل واقعي، منحياً الاحتكام إلى السلاح، في خطوة يمكن أن تؤخّر الحل، ولكنها أضفت مناخاً هادئاً، وإن مؤقتاً، سهّلت استقطاب المليارات التي دخلت السوق السورية بالفعل.

بالإضافة إلى واقع شرق البلاد، هناك أيضاً عقدة السويداء في الجنوب. ورغم الرقعة الضيقة التي تحتلها هذه المحافظة، إلا أن حالتها السياسية تبدو أكثر تعقيداً من الحالة “القسدية”. فعلى مقربة منها تتموضع إسرائيل التي تتدخل بطريقة استفزازية، ناشرةً في الجو حالة من عدم الاستقرار، يستمد منها انفصاليون في السويداء قوةً تحريضيةً كبيرةً تشعل المنطقة. وهنا أيضاً اختار الشرع أسلوباً سلمياً بعد فترة قصيرة سادتها مواجهات دامية، وتبعتها تجاوزات خطرة من إسرائيل، ساد بعدها بعض الهدوء في المنطقة، واقتصر الأمر على حوادث معزولة هنا وهناك… لا بد أن الشرع يسعى لأن يستقر الأمر هناك، وينسحب على عموم القطر، تمهيداً لعملية ضخ استثمارية كبيرة تنعش السوق، وتساهم في حلحلة الاستعصاء السياسي المخيم.

يلجأ الشرع إلى محاولة إنعاش الاقتصاد وتطوير الحالة الاستثمارية في سورية من خلال المساهمة شخصياً في كل فعاليات المنطقة الاقتصادية، منطلقاً من الإقليم الذي تأتي منه الاستثمارات بشكل رئيسي، وهو منطقة الخليج، ليستطيع الانتقال إلى محاولة ترميم سياسية، باعتبار أن الرافعة الفعلية للسياسة هي الاقتصاد، وحوار سوري بوجود اقتصاد نشط ومتطوّر، ومؤشّرات تنمية إيجابية، يختلف عن محاورة في بلد يقبع تحت خط الفقر بعدة طوابق. سيسهم تحسين الموارد المالية في تخفيف التوتر في المنطقتين المستعصيتين، تمهيداً لحل نهائي ضمن الـ185 ألف كيلومتر مربع، مساحة سورية الفعلية، بعاصمة واحدة هي دمشق.

العربي الجديد

—————————-

 سوريا في “سباق الفئران التنافسي”/ إياد الجعفري

الأحد 2025/11/02

في مطلع تسعينات القرن الماضي، صاغ الأكاديمي المختص بالعلوم السياسية، فيليب سيرني، تعبير “الدولة التنافسية”، التي تحفزها على نحو أكبر الحاجة لجذب الاستثمار الأجنبي ضمن “سباق الفئران التنافسي في الاقتصاد العالمي المفتوح”. إذ، وخلافاً للحقبة التي تلت الحرب العالمية الثانية، والتي ركزت فيها معظم الدول (خصوصاً في العالم الصناعي المتقدم) على التزامات التوظيف الكامل لأبنائها، وإعادة توزيع الضرائب بهدف تحقيق عدالة اجتماعية أكبر، وتوفير الخدمات الأساسية -وحتى الرفاهية في دول الغرب- تغيّر دور الدولة بعد الحرب الباردة، وفق سيرني، وأكاديميين آخرين يتفقون معه في هذه القراءة. إذ باتت الدول تميل أكثر فأكثر نحو تبني سياسات ليبرالية جديدة، تقوم على تقليص النفقات العامة، وإعادة تنظيم سوق العمل عبر لجم حقوق النقابات العمالية –إن تمكنت في دول الغرب تحديداً- وتقليص معدلات الضرائب، خصوصاً لمشاريع الأعمال.

المفارقة أن رأس النظام المخلوع، بشار الأسد، حاول تبني هذا الاتجاه، منذ منتصف العشرية الأولى من حكمه. وتبلور ذلك بشكل جلّي عبر قرارات غير شعبية، كرفع الدعم تدريجياً، وتقليص النفقات العامة، وفتح السوق، وتقليص حماية الإنتاج المحلي. ويرى الكثير من المختصين أن تلك التحولات الاقتصادية- الاجتماعية في دور الدولة بسوريا، كانت إحدى أبرز الأسباب العميقة لانفجار العام 2011. وكانت أولى الإجراءات التي قام بها النظام المخلوع، بعيد الثورة، هو وقف إجراءات رفع الدعم وتحرير السوق. لكن المفارقة التالية، أن بشار الأسد عاد مجدداً لانتهاج النهج ذاته، بعيد العام 2018، حينما ظن أن نظامه تجاوز التهديد الوجودي. وتسارعت وتيرة الحد من الدعم الاجتماعي بعيد العام 2020، وسط تحذيرات مختصين محليين من انعكاسات ذلك على الاستقرار الاجتماعي الهش. ويُعتقد أن ذلك كان أحد الأسباب العميقة لانفكاك قاعدته الاجتماعية عنه، وعدم انخراطها في القتال بجدّية، عشية انهيار نظامه، خريف العام 2024.

أما المفارقة الثالثة على هذا الصعيد، أن سوريا في “العهد الجديد”، تتجه بالاتجاه نفسه. وكأنها حتمية، لا مفر منها. فالقوانين الضريبية المزمع تطبيقها قريباً، تحابِي بالفعل قطاع الأعمال، بصورة خاصة. كذلك هناك اتجاه جلّي نحو خفض سريع وفق مبدأ “الصدمة” للنفقات العامة والتزامات الدولة تجاه مواطنيها، في الخدمات الأساسية. من ذلك قرار رفع أسعار الكهرباء أخيراً. ناهيك عن الحديث الملتبس من مسؤولي “العهد الجديد”، عن طبيعة “الخصخصة” المزمعة لكيانات خاسرة في القطاع العام.

وتزخر أدبيات العلوم السياسية، منذ مطلع تسعينات القرن الماضي، بالجدل حول حتمية أو عدم حتمية الاتجاه نحو “الدولة التنافسية”، بالمعنى الذي صاغه فيليب سيرني. تلك الدولة المهووسة بجذب الاستثمارات الخارجية نحوها، بأي ثمن. لأن ذلك هو السبيل الأمثل لنهوضها، اقتصادياً.

الاتجاه الأول، ما يُعرف بأنصار “العولمة الكبرى” أو “عولمة الأعمال”، ويضم اقتصاديين ورجال أعمال وساسة، يعتقدون منذ عقود أن العالم يتجه، حتماً، ورغماً عن إرادة مختلف الدول، نحو اقتصاد السوق العالمي، الذي تشكّل الشركات متعددة الجنسيات، قوته الدافعة. وأن من يتخلف عن هذا الركب، سينعزل ويصبح خارج العالم، بالمعنى السلبي للتوصيف. ويمكن أن نجد آراء مؤيدة لهذا الاتجاه في أوساط “العهد الجديد” بسوريا، من مسؤولين أو اقتصاديين مقرّبين من السلطة، يرددون توصيفات تتفق مع هذا الرأي. واتضح ذلك بشكل مباشر، حينما انفجر الجدل بخصوص رفع أسعار الكهرباء في اليومين الماضيين. فإعادة إعمار قطاع الكهرباء، يتطلب استثماراً في البنية التحتية المدمّرة. وهذا الاستثمار لا تملك سوريا موارده المالية، لذا فهي مضطرة لأحد خيارين. إما خيار القروض من صندوق النقد والبنك الدوليين، وهو ما يتطلب تحرير أسعار الكهرباء وفق الاشتراطات المعتادة لهذه الجهات الدولية التي تركز على قدرة الدول على سداد القروض. أو خيار جذب الاستثمار الأجنبي نحو هذا القطاع المُغري، وذلك يتطلب أيضاً، تحرير أسعار الكهرباء، كي يصبح الاستثمار الأجنبي ممكناً. سوى ذلك، هو إعادة هيكلة وتأجيل للتشوّه المزمن في قطاع الكهرباء، جراء دعم خدمة لا غنى عنها للسوريين، لكن الدولة لا تملك القدرة على توفيرها، بمواردها الذاتية.

مقابل أصحاب هذا المنطق، هناك في الأدبيات العالمية –وانعكاساتها المحلية السورية- اتجاهات أخرى، تأخذ مسافة من مبدأ “الحتمية” ذاك. لكنها تقرّ بضرورة تكيّف الدولة وفق مبدأ “التنافسية”، المشار إليه أعلاه. وعلى يسار هذا الرأي، نجد اتجاهاً عريضاً لعدد كبير من النظريات والتفسيرات التي تفنّد مبدأ “الحتمية” ذاك، وترفضه. ويتحدث هؤلاء عن رأسمالية جديدة صاعدة، عابرة للحدود، تمثّل “تحالفاً” بين رؤوس الأموال، خصوصاً في الدول الغنية. ويحاول هذا “التحالف” تطويع الأفكار والقناعات لدى مختلف شعوب العالم، كي تتقبّل مبدأ “حتمية” الاتجاه نحو تحرير الأسواق وفتحها لصالح هذا “التحالف” بالذات. ونجد تجليات مصالح هذا “التحالف”، متمثلة في مؤسسات ومنظمات اقتصادية دولية، مثل منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد والبنك الدوليين. ناهيك عن “محافل” سنوية تلتقي فيها نخبة هذا “التحالف”، من رؤوس أموال ومدراء تنفيذين، إلى جانب ساسة، لصياغة تفاهماتهم. من ذلك، المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يُعقد سنوياً في دافوس السويسرية، ونسخته الشرق أوسطية، “مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار” –دافوس الصحراء- في السعودية، والذي حضر الرئيس أحمد الشرع، وكبار مسؤولي حكومته الاقتصاديين، نسخته التاسعة، قبل أيام. وهو المحفل الذي حضره مدراء تنفيذيون لصناديق استثمارية تتجاوز أصولها الـ100 تريليون دولار، وفق صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية. وبغض النظر عن مدى دقّة هذا الرقم الهائل، يمكن لنا أن نقرأ حضور سوريا الرسمي، لأول مرة، في هذا المحفل، على أنه انخراط في “سباق الفئران التنافسي”، وقبولاً لقواعد اللعبة، بموجبه. من أولى تلك القواعد، رفع الدعم، وتحرير الأسواق والأسعار.

ولتحرير الأسواق بالذات، استثناءات مقبولة وفق قواعد اللعبة في هذا “السباق”. وهي وجهة النظر الوسطية، في هذا الجدل، والتي تقول بضرورة بقاء درجة من الحمائية والدعم لبعض أصناف الإنتاج المحلي. لكن يبقى أن الخط العام للمنخرطين في هذا “السباق”، نحو جذب الاستثمار الأجنبي، هو تحرير الأسعار، بصورة تجعل السوق المحلية المستهدفة، جذّابة للمستثمر الأجنبي.

ولا يفيد الجدل الأيديولوجي على هذا الصعيد بين يسار ويمين وخلافه. إذ لكل رأي نقيضه المدعوم بالكثير من الحجج. كذلك لا يفيد كثيراً ذاك الجدل حول أيهما الأفضل، إعمار سوريا بالديون، أم بالاستثمار؟ فلكلا المنهجين، سلبياتهما الكثيرة. في حالتنا السورية، يبقى الجدل المفيد هو محاولة الإجابة على هذين السؤالين: أيهما الأنسب، مبدأ “الصدمة” أم التدرج في التحرير؟ وهل يتحمل المجتمع السوري ذاك التحول، أم سنكون أمام انفجار جديد؟ وهما سؤالان، تبدو الإجابة عليهما قيد التجربة الخطِرة الجارية الآن في سوريا.

المدن

—————————–

 اقتصاد سوريا من العزلة إلى الامتثال: اختبار الانفتاح الدولي/ أيهم الشيخ

الأحد 2025/11/02

تتضح تدريجياً مفاعيل الزيارة التي أجراها الوفد السوري مؤخراً إلى واشنطن، إذ فتحت الباب أمام مقاربة اقتصادية جديدة تسعى إلى إعادة إدماج سوريا في المنظومة المالية العالمية بعد أكثر من عقد من العزلة.

فالنقاشات التي دارت بين الجانبين لم تقتصر على الملفات التقنية، بل لامست جوهر التحوّل من اقتصاد محاصر إلى اقتصاد إصلاحي يسعى لبناء الثقة واستعادة المصداقية.

هذا التحوّل يعكس – بحسب خبراء – انتقال الملف السوري في واشنطن من زاوية العقوبات إلى مسار الإصلاح والامتثال، مع التركيز على إعادة تفعيل القنوات المصرفية المشروعة، وتسهيل انخراط القطاع الخاص السوري في بيئة استثمارية أكثر انفتاحاً، بما يتيح تدفقات نقدية واستثمارات جديدة قادرة على تحريك عجلة الاقتصاد واستقرار سعر الصرف.

وفيما لا يُتوقع أن تكون النتائج آنية، يرى المراقبون أن مجرد استئناف الحوار المالي مع المؤسسات الأميركية والدولية يمهّد لمسار تدريجي نحو التعافي الاقتصادي، ويؤشر إلى بداية تراجع الدور العقابي للعقوبات لحساب مقاربة قائمة على الشفافية والإصلاح المؤسسي.

تحوّل من العقوبات إلى الامتثال

وبالعودة إلى زيارة الوفد السوري، الذي ضم وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، ووزير المالية محمد يسر برنية، وحاكم المصرف المركزي عبد القادر الحصرية، إلى واشنطن مؤخراً فقد قدّم خلال اللقاءات رؤية اقتصادية جديدة تهدف إلى تحقيق الاستقرار النقدي وإعادة بناء المصداقية المؤسسية، وتسهيل انخراط القطاع الخاص السوري في بيئة استثمارية عالمية أكثر انفتاحًا. كما تم بحث إعادة فتح القنوات المصرفية المشروعة، وتفعيل حسابات المراسلة الدولية، وتشجيع الاستثمارات الأميركية في القطاعات الإنتاجية السورية، وإعادة تقييم التعريفات الجمركية الأميركية على الصادرات السورية، إلى جانب التعاون في المجال التكنولوجي والرقمي.

ويشير العضو الاستشاري في التحالف السوري الأميركي للسلام والازدهار (SAAPP) خالد الصعيدي، في حديث لـ”المدن” إلى أن “زيارة الوفد السوري إلى واشنطن تمثل تحولًا نوعيًا من الحضور البروتوكولي إلى الحوار المؤسسي الفعلي، إذ انتقل الملف السوري في واشنطن من كونه ملف عقوبات إلى كونه ملف إصلاح وامتثال.”

وأضاف الصعيدي: “نجاح المباحثات لا يُقاس بالنتائج الفورية، بل بعودة لغة التواصل التقني بين المؤسسات المالية السورية والأميركية، وفتح باب النقاش حول إدماج سوريا في النظام المالي العالمي بعد أكثر من عقد من العزلة الاقتصادية. الأثر الإيجابي سيظهر تدريجيًا عبر استقرار الليرة، وزيادة القدرة على تمويل الاستيراد، وتحفيز الاستثمار الخاص بتكلفة أقل بنسبة 30 في المئة مقارنة باقتصاد الظل.”

الجدوى الاقتصادية لإعادة الإدماج المالي

ويُقدّر الخبير الاقتصادي أسامة العبد الله أن إعادة تفعيل حسابات المراسلة واستعادة الوصول إلى نظام SWIFT يمكن أن يوفر تدفقات نقدية فورية تصل إلى 2–3 مليارات دولار سنويًا من التحويلات المشروعة والصادرات، مقارنة بـ500 مليون دولار حاليًا عبر قنوات غير رسمية.

وأضاف في حديث لـ”المدن” كما تتوقع منحًا محتملة من البنك الدولي بقيمة مليار دولار لدعم التنمية، مع إمكانية جذب استثمارات خاصة في الطاقة المتجددة والزراعة الذكية بقيمة 500 مليون دولار خلال العامين المقبلين، بشرط رفع العوائق القانونية”.

ووفقًا لتقديرات البنك الدولي، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي السوري حاليًا 20 في المئة فقط من مستواه قبل 2011 (حوالي 12 مليار دولار مقابل 60 مليارًا)، مع تضخم يتجاوز 100 في المئة وبطالة شبابية تفوق 50 في المئة. إعادة الإدماج المالي قد تحقق نموًا بنسبة 1–3 في المئة في 2026، مع استقرار سعر صرف الليرة عند نحو 11 ألف ليرة سورية للدولار، وخفض تكاليف الاستيراد بنسبة 15–20 في المئة عبر القنوات الرسمية.

تأثير قانون قيصر على الاقتصاد السوري

وكان قانون قيصر (Caesar Act) قد فرض في حزيران 2020 عقوبات ثانوية على أي كيان يتعامل مع الحكومة السورية السابقة بقيادة الرئيس المخلوع بشار الأسد أو مصرفها المركزي، مما أدى إلى تداعيات اقتصادية واسعة تمثلت في:

انهيار القنوات المصرفية: توقف 90 في المئة من حسابات المراسلة الدولية، وارتفاع تكاليف التحويلات إلى 20–30 في المئة مقابل 1–2 في المئة عالميًا.

تقلص الصادرات: انخفاض بنسبة 85 في المئة (من 12 مليار دولار في 2010 إلى 1.8 مليار في 2024)، مع فقدان أسواق أوروبية وخليجية.

ارتفاع التضخم: مساهمة بنسبة 40 في المئة في التضخم المزمن عبر نقص السيولة الأجنبية.

نمو اقتصاد الظل: وصول السوق السوداء إلى 70 في المئة من المعاملات المالية، بخسائر ضريبية تقدّر بـ1.5 مليار دولار سنويًا.

بدوره، يوضح الخبير الاقتصادي علي شغلة في حديث لـ”المدن” أن “قانون قيصر حوّل العقوبات من أداة ضغط سياسي إلى عائق هيكلي أمام الإصلاح الاقتصادي. ورفع العقوبات فورًا ضروري لخفض تكاليف المعاملات بنسبة 25 في المئة، واستعادة 1 إلى 2 مليار دولار من التحويلات السنوية، وتمكين القطاع الخاص من الوصول إلى تمويل دولي بفائدة 5–7 في المئة بدلًا من 20 في المئة في السوق المحلية. بدون ذلك، تبقى أي إصلاحات داخلية محدودة التأثير.”

دور الشفافية وبناء الثقة

ويؤكد الصعيدي أن “إعادة بناء الاقتصاد السوري تتطلب شفافية مصرفية ومساءلة مؤسسية حقيقية. فالتحالف السوري الأميركي يعمل كجسر عملي بين المؤسسات السورية والدولية، ينقل المعرفة التقنية ويشرح معايير الامتثال، بما يضمن أن يكون رفع العقوبات مستدامًا ومثمرًا للطرفين.”

ويضيف: “المنظمات غير الحكومية السورية والأميركية ستؤدي دورًا جوهريًا في المرحلة المقبلة من خلال مراقبة تنفيذ البرامج، وبناء القدرات المحلية، وتعزيز الثقة المؤسسية عبر مبادرات مشتركة مع البنك الدولي ومؤسسات التنمية.”

من جانبه، يرى الخبير شغلة أن “الإصلاحات الداخلية في مكافحة غسيل الأموال، وبناء احتياطي نقدي مستهدف بقيمة 3 مليارات دولار خلال ثلاث سنوات، تمثل الضمان لتحويل الملف المالي من عقابي إلى إصلاحي، تمهيدًا لنمو مستدام بنسبة 4–5 في المئة بحلول عام 2028، شريطة الالتزام السريع بالمعايير الدولية ومواصلة الحوار مع المؤسسات الأميركية والدولية

المدن

————————-

 “واو”.. كيف تحوّلت العلامة التجارية في سوريا إلى “غنيمة حرب”؟/ سعيد اليوسف

2025.11.02

لم تقتصر فداحة الخسائر التي خلّفتها حرب نظام المخلوع على السوريين طوال 14 عاماً، على الأرواح والمصانع والبنى التحتية فحسب، بل امتدت لتطال “الذاكرة التجارية”، إذ تحوّلت هويّة العلامات السورية المعروفة، والتي مثّلت رمزاً للصناعة عقوداً، إلى فريسة سهلة في خضمّ تلك الحرب.

ماركات غذائية مشهورة نشأت بجهد روّاد الصناعة المحليّة في سوريا، وجدت نفسها فجأة مسروقة ومسجّلة بأسماء منتحلين، استفادوا من الانقسام الإداري وتضارب القوانين بين مناطق السيطرة المختلفة.

وفي هذا التقرير، يفتح موقع تلفزيون سوريا ملف سرقة العلامات التجارية، متخذاً من شركتي “واو” للبوشار المعبّأ و”أوماي لايف” للزيوت النباتية، نموذجين صارخين لظاهرة تحوّل فيها الاسم التجاري إلى “غنيمة حرب” ولعنة قانونية تطارد أصحابها الأصليين.

“واو”.. من ريادة البوشار إلى سرقة موثقة

يُعدّ اسم “واو” واحداً من العلامات التجارية البارزة في ذاكرة المستهلك السوري، إذ ارتبط على مدار عقود بمنتج “البوشار” المُعبأ، كواحدة من أوائل الشركات المتخصصة في هذا المجال، منذ منتصف تسعينيات القرن الفائت.

بدأت القصة في حلب، عام 1996، حين أسّس (محمد كريم المدرّس) وشريك آخر، شركة “واو”، وسجّلاها رسمياً في مديرية حماية الملكية، وبفضل جودة المنتج وتغليفه المبتكر، آنذاك، حقّقت الشركة انتشاراً واسعاً، وجُدّد ترخيصها عام 2006، وفق النظام المتبع كل عشر سنوات.

بوشار واو

غير أنّ الحرب قلبت الموازين، فبعد استعادة النظام السيطرة على مدينة حلب، أواخر 2016، تعرّض معمل الشركة -الواقعة في منطقة أورم الكبرى بريف حلب الغربي- للنهب الكامل ودُمّرت خطوط الإنتاج، ما اضطر الشريكين إلى النزوح وإعادة التأسيس في مدينة اعزاز شمالي حلب، متمسكَين بالاسم ذاته للحفاظ على سمعة العلامة وهويتها.

“سرقة رسمية واستغلال ممنهج”

المفاجأة الصادمة جاءت، عام 2019، عندما استغلّ أحد الزبائن القدامى للشركة غياب المالكين الأصليين القسري، وعجزهم عن تجديد الترخيص المنتهي، عام 2016، وأقدم على تسجيل العلامة التجارية “واو” باسمه الشخصي في سجّلات مديرية حماية الملكية التابعة لـ نظام المخلوع، حينذاك.

ولم يتوقّف “المُنتحل” عند التسجيل فحسب، بل بدأ بإنتاج “بوشار” مطابق شكلاً ولوناً وتصميماً، مروّجاً لنفسه على أنّه المنتج الأصلي، مستفيداً من نفوذه داخل مؤسسات النظام.

محمد كريم المدرّس -مؤسس وصاحب شركة “واو”- يقول لـ موقع تلفزيون سوريا: “نحن من أسّسنا هذه العلامة منذ التسعينيات، ودفعنا سنوات من الجهد حتى أصبحت اسماً معروفاً، وما حدث هو سرقة موثقة لتاريخ وجهد استمر لعقود”.

وتابع: “نحن لا نبحث عن صراع، بل نطالب بإنصاف سريع وعادل، لأنّ انتظار المحاكم لسنوات يعني ضياع الحق بالكامل. نريد فقط أن يُعاد الحق إلى أصحابه، وأن تحمي الدولة تاريخ الصناعة السورية من الاستغلال والسرقة”.

“الفرق بين الأصلي والتقليد”

رغم التشابه الخارجي المخادع في التصميم والتغليف، يؤكّد مؤسّسو شركة “واو” أن المنتج المقلّد يختلف جذرياً عن المنتج الأصلي، ففي معملهم الجديد في اعزاز، يواصل فريق “واو” الحفاظ على معايير الجودة العالية والمكونات المختارة بعناية.

ويؤكد “المدرّس” أن: “المنتج المقلّد يفتقر إلى النكهة المميزة والجودة العالية التي اشتهرت بها (واو) منذ التسعينيات، حيث يَستخدم المنتحل غالباً مكونات رديئة وطرق تصنيع متدنية لتخفيض التكلفة وزيادة الربح السريع”.

ووفق “المدرّس”، فإنّ هذا التفاوت في الجودة شكّل ضربة مزدوجة، فـ”المُنتحل لا يسرق العلامة فحسب، بل يسيء إلى سمعة المنتج الأصلي لدى المستهلكين في ظل غياب الرقابة الفعالة”.

بوشار واو

وبحسب “المدرّس”، فإنّ فريق الشركة يعمل حالياً على إعداد ملف قانوني متكامل، مستنداً إلى وثائق التأسيس والترخيص الممتدة بين عامي 1996 و2006، بهدف إعادة تسجيل العلامة واسترداد حقوقهم التجارية.

“أوماي لايف”.. ابتزاز بـ”مليون دولار”

تشير قصة “أوماي لايف” المتخصّصة بإنتاج السمون والزيوت النباتية، إلى حالة مشابهة بدأت تداعياتها في الشمال السوري وامتدت إلى تركيا.

ويروي عبد المنعم العمر، صاحب الشركة، لـ موقع تلفزيون سوريا، أن شركته انطلقت، عام 2017، بعد ترخيصها رسمياً في تركيا تحت علامة “أوماي لايف”.

شركة أوماي لايف

وخلال عمله في الشمال السوري، كان “العمر” يتعامل مع أحد الزبائن/التجّار في مدينة سرمدا شمالي إدلب، لكن المفاجأة كانت عندما استغل هذا الزبون الفرصة، مستخدماً حرية حركته وتنقله في مناطق سيطرة النظام، وأقدم على تسجيل العلامة التجارية “أوماي لايف” باسمه الشخصي، عام 2019.

وفي أواخر عام 2024، بدأ الزبون بابتزاز “العمر” ومساومته على العلامة التجارية (أوماي لايف)، مطالباً بمبلغ خيالي وصل إلى مليون دولار أميركي مقابل التنازل عنها.

بحسب “العمر”، فإنّه يمتلك جميع الوثائق القانونية والمستندات التي تثبت ملكيته الأصلية، مطالباً الجهات المعنيّة بتشكيل لجنة خاصة للنظر في قضايا العلامات التجارية المسروقة، خلال فترة النظام السابق، واستعادتها لأصحابها الشرعيين، وضمان حمايتها القانونية مستقبلاً.

“انقسام إداري شرعن السرقة”

في سياق متصل، أوضح أحد المحامين المختصين بالقانون التجاري، لـ موقع تلفزيون سوريا، الإطار القانوني لهذا النوع من الانتهاكات.

وقال المحامي إنّه بحسب (قانون حماية العلامات التجارية رقم 8 لعام 2007

)، تثبت ملكية العلامة بالتسجيل الرسمي، لكنّها تسقط في حال التسجيل بـ”سوء نية” أو “في حال وجود مالك أصلي معروف بالاستعمال السابق”.

القانون رقم 8

وتابع: “الانقسام الإداري في سوريا، خلال سنوات الحرب، سمح بتسجيلات مزدوجة ومتناقضة في مناطق سوريّة تسيطر عليها قوى مختلفة، ما أدّى إلى تضارب في الملكيات التجارية”.

كذلك، أشار المحامي إلى أنّ قضيتي “واو” و”أوماي لايف” ليستا استثناء، بل هي “جزء من عشرات القضايا المشابهة، التي وقعت بسبب غياب آلية استثنائية لمعالجة الملفات التي توقفت بفعل الحرب”.

    “المرسوم التشريعي رقم 47 لعام 2009”

وفي خطوة قد تعيد الأمل لمالكي العلامات التجارية القدامى، سبق أن صدر “المرسوم التشريعي رقم 47 لعام 2009″، الذي عدّل “قانون حماية العلامات التجارية رقم 8”.

ويُعتبر هذا المرسوم إقراراً ضمنياً بحجم الضرر، حيث نص صراحةً على حماية العلامة المشهورة وإن لم تكن مسجّلة أيضاً، وامتدت الحماية لتشمل المنتجات غير المماثلة.

المرسوم رقم 47

كذلك، تنطبق أحكام المرسوم على أي إيداع سابق، وهو ما قد يفتح الباب أمام مراجعة قضايا التسجيلات التي تمت بـ”سوء نية” خلال سنوات الفوضى، ويمنح العلامات المسروقة مثل “واو” و”أوماي لايف”، فرصة استرداد حقوقها بناءً على الأسبقية والشهرة.

ظاهرة “سرقة العلامات التجارية” في سوريا

لا تُعد قضيتي “واو” و”أوماي لايف” من الحالات الفردية، بل هي جزء من ظاهرة واسعة انتشرت في سوريا، خلال سنوات الحرب، حيث استُغلّت الفوضى الإدارية وغياب الرقابة لتزوير وسرقة كثير من العلامات التجارية المشهورة.

وقد سبق أن تعرّضت علامات سوريّة مشهورة، خاصّةً في قطاعي الأغذية والألبسة، لحالات تقليد وانتحال وسرقة، وفقد كثيرون حقوق علاماتهم التجارية، رغم امتلاكهم وثائق التأسيس الأصلية، مثل ماركة بطاطا “ديربي” الشهيرة، التي قُلّدت في مناطق مختلفة، بما فيها تركيا، ما اضطر أصحابها للجوء إلى القضاء.

وتشير العديد من التقارير إلى أنّ الأسواق السورية، ومنذ اندلاع الثورة السوريّة وانتصارها لاحقاً، تعجّ بأصناف من الصناعات الوطنية التي تحمل علامات مقلّدة، وبكلفة قليلة، مشدّدين على أنّها تفتقر إلى أدنى معايير الجودة، مما يضر بسمعة الصناعة الوطنية وسلامة المستهلك.

حماية “العلامات التجارية” دولياً

لمواجهة التحديات التي يفرضها مبدأ إقليمية القوانين على حماية العلامات التجارية، خاصة مع التبادل الهائل للسلع والخدمات على المستوى الدولي، فقد سبق وأن انضمت سوريا إلى عدد من الاتفاقيات الدولية لتوفير شبكة حماية أوسع لعلاماتها التجارية، وتتمثل أبرز هذه المرتكزات في:

    اتفاقية باريس لحماية الملكية الصناعية (لعام 1883): انضمت إليها سوريا، منذ عام 1939، وعُدّلت الاتفاقية بموجب وثيقة استوكهولم لعام 1967، التي انضمت إليها سوريا بموجـب “المرسـوم التشريعي رقم 47 لعام 2002”.

    اتفاق مدريد (لعام 1891) وبروتوكول مدريد (لعام 1989): خاصان بالتسجيل الدولي للعلامات، انضمت إليهما سوريا بموجب “المرسوم رقم 92 لعام 2004”.

    اتفاق نيس (لعام 1957): متعلق بالتصنيف الدولي للسلع والخدمات لأغراض تسجيل العلامات، انضمت إليه سوريا بموجب “القانون رقم 37 لعام 2004”.

وتشكّل هذه الاتفاقيات والبروتوكولات، الإطار القانوني الذي يسمح لأصحاب العلامات السورية، باللجوء إلى القضاء الدولي أو في دول أُخرى (كما فعلت شركة “ديربي”)، وذلك اعتماداً على مبدأ الشهرة والتسجيل الدولي في محاولةٍ لاسترداد حقوقهم المسروقة.

“العلامة التجارية” و”الاسم التجاري”

يُخلط كثيراً في سوريا بين العلامة التجارية والاسم التجاري، رغم أن القانون يفرّق بوضوح بينهما، فـ”العلامة التجارية”: هي الشعار أو الاسم أو التصميم الذي يميّز منتجاً أو خدمة في السوق، مثل “واو” للبوشار أو “أوماي لايف” للزيوت، ويجري تسجيلها لدى مديرية حماية الملكية التجارية والصناعية، وتحظى بحماية مدتها عشر سنوات قابلة للتجديد.

أمّا “الاسم التجاري”: هو الاسم الرسمي للشركة أو التاجر، مثل “شركة المدرّس للصناعات الغذائية”، ويُسجّل في السجل التجاري لتمييز المنشأة عن غيرها، بمعنى آخر: (العلامة التجارية تميّز المنتج، والاسم التجاري يعرّف بصاحبه).

مع سعي سوريا للنهوض مجدّداً بعد سنوات من الحرب والدمار، يظل ملف الملكية التجارية قيداً ثقيلاً أيضاً إلى جانب العديد من الملفات، ففي ظل غياب تشريع موحّد وآليات قضائية سريعة، تتصاعد مناشدات المتضررين لمؤسسات حماية الملكية التجارية والصناعية، بتدخّل استثنائي وعاجل لوقف نزيف سرقة العلامات، وهو ما يُعد خطوة مهمّة نحو استعادة ثقة الصناعيين، والحفاظ على الذاكرة التجارية السورية وحمايتها من التزوير والاندثار.

————————————

========================

تحديث 31 تشرين الأول 2025

——————————–

التبغ السوري والسلطة: تشريح اقتصاد الاحتكار من الانتداب إلى التحرير/ أنمار صالح

30-10-2025

        «كروز الـ1970» على بسطة في حمص

        على «بَسطة» بالقرب من دوارٍ يحوي بقايا تمثال حافظ الأسد الذي حطمته حبال وأقدام الحماصنة قرب جامعة حمص، وقف، لأسابيع تَلَت السقوط، بائعٌ شاب يربط على رأسه وشاحاً ويصرخ: «الكروز بحق باكيت.. قرّب عالسبعين!».

        رحلة صادمة قد مرّ بها هذا «الكروز» من علب السجائر قبل أن يصل إلى طاولة الشاب، من حقول اللاذقية المنسيّة، أو من جنوب إفريقيا عبر شركات وأسماء صورية، باستخدام شاحناتٍ ومستودعات عسكرية أحياناً، إلى بسطة هذا الشاب الذي لم يتجاوز العشرين، والذي ربما لا يعلم أن هذه العلبة الصغيرة هي شاهدٌ على إعادة إنتاج نصف قرنٍ من الظلم، فـ«الكروز» الذي يبيعه اليوم بـ 20 ألف ليرة، كان يُباع قبل أشهر قليلة بثمانية أضعاف هذا الثمن، حين كان يُنتج ويُسوّق ويُهرَّب عبر سوقٍ وحدودٍ تسيطر عليها ميليشيات النظام البائد. تروي لنا هذه المقالة قصة التبغ السوري التي تشبه حكايات مناجم الذهب، كل من رآه أزاغ الطمع عيونه وقبضه بيديه معاً؛ وكيف تحولت زراعة وصناعة وتجارة التبغ في سوريا من مورد اقتصادي هام إلى أداة للسيطرة السياسية والاقتصادية، مع إمعان مستمر في إفقار واستغلال المزارعين والعمال، وحتى المستهلكين.

        الريجي وبدايات الهيمنة على قطاع التبغ

        يُعتبر قطاع التبغ من زراعة وصناعة وتسويق في سوريا من القطاعات النادرة التي لم تخرج من احتكار الدولة في عهود السلطات المتلاحقة منذ نشأته تقريباً، وقبل نشأة الجمهورية العربية السورية بعقود. يعود ظهور زراعة  التبغ في سوريا، وفق حساب المؤسسة العامة للتبغ إلى عهد السلطنة العثمانية عام 1590 رغم وجود مرويّات، دون سند تاريخي، في الساحل تقول أنها أقدم من ذلك بكثير وأن التبغ من الأوراق العطرية التي كانت تحرق لتعطير معابد الإله بعل. بدأت فرنسا استثماراتها في قطاع صناعة وتسويق التبغ في سوريا منذ العهد العثماني المتأخر، حيث حصلت الشركة الفرنسية لإدارة حصر التبغ (الريجي) على امتياز حصري لإدارة صناعة التبغ في المنطقة عام 1884 لمدة 30 عاماً قابلة للتجديد؛ الاسم الذي ما زال كثير من السوريين يحفظوه ويعون تماماً ارتباطه باحتكار التبغ، ليس لقربهم من اللغة الفرنسية وإنما لإدراكهم بممارسات الاحتكار القمعي لهذا الكيان الذي يحمل هذا الاسم؛ وقد استغلت فرنسا هذا الامتياز لبناء شبكة تجارية احتكارية سيطرت من خلالها على سلسلة إنتاج التبغ بالكامل من الزراعة إلى التصنيع والتوزيع.

        وفي عشرينيات القرن الماضي، عندما كانت فرنسا ترسم حدود سوريا الحديثة، لم تكن تبحث عن النفط والذهب فقط، بل كان هناك محصولٌ آخر تُدير عيونها عليه. فخلال فترة الانتداب الفرنسي (1920-1946)، عززت فرنسا سيطرتها على القطاع عبر إنشاء «الإدارة اللبنانية السورية المشتركة للتبغ والتنباك» عام 1935، والتي فرضت نظاماً صارماً لشراء المحاصيل من المزارعين بأسعار زهيدة لا تتجاوز 20 بالمئة من سعر السوق العالمي، بينما كانت تبيع المنتجات المُصنعة بربحية عالية، مما أدى إلى استنزاف موارد المزارعين وإثراء الشركة الفرنسية.

        تميزت سياسة فرنسا بالاحتكار الشامل حيث كانت تشتري المحصول كاملاً من المزارعين بأسعار محددة مسبقاً، وفرضت عقوبات قاسية على من يحاول بيع محصوله خارج القنوات الرسمية، بما في ذلك مصادرة المحاصيل وفرض غرامات باهظة تصل إلى 500 فرنك فرنسي عن كل كيلوغرام يتم بيعه خارج النظام، وهو ما يعادل ربع دخل المزارع السنوي في بعض الحالات. كما قامت بتحديد أنواع التبغ المسموح بزراعتها، وخصصت للمزارعين مساحات محددة لا تزيد عن 5 دونمات للعائلة الواحدة في معظم الأحيان، مما حدَّ من قدرة المزارعين على تطوير زراعتهم.

        واجهت هذه السياسات مقاومة شديدة من المزارعين السوريين، الذين لجأوا إلى أساليب مختلفة لتفادي الاحتكار الفرنسي، مثل التهريب والزراعة السريّة، حيث تُشير بعض التقارير إلى أن حوالي 30 بالمئة من محصول التبغ كان يُباع في السوق السوداء خلال ثلاثينيات القرن العشرين. كما ظهرت حركات احتجاجية منظمة في اللاذقية وحلب طالبت بإلغاء الاحتكار الفرنسي، لكن سلطات الانتداب واجهتها بقمع شديد شمل اعتقال المئات من المزارعين والعمال.

        استمرار احتكار الدولة وأزمة الستينيات: عبور الزمن إلى ما بعد الاستقلال

        بعد نيل سوريا استقلالها عام 1946، ورثت نظاماً مُعقداً لصناعة التبغ كان الفرنسيون قد رسخوه خلال فترة انتدابهم. محتكرةً كل مراحله من الزراعة إلى التصنيع والتوزيع. تحول قطاع التبغ إلى ساحة صراع بين عائلات تجارية وسياسية متنفذة، حيث تنافست هذه العائلات على تقاسم الأرباح، بينما ظل الفلاحون تحت وطأة الفقر والاستغلال. ولم تكن مهمة الحكومة السورية الجديدة سهلة في تفكيك هذا الإرث الاستعماري، حيث اضطرت في البداية إلى الحفاظ على الهيكل الإداري الفرنسي رغم تغيير الملاك. في عام 1951، اتخذت خطوة جريئة بتأميم الشركة الفرنسية وإنشاء المؤسسة العامة للتبغ، لكن ظل التبغ السوري يحمل بصمة الاحتكار القديم في طريقة إدارته وتنظيمه.

        ظلت زراعة التبغ متركّزة في المناطق التقليدية، خاصة محافظة اللاذقية، مركز هذه الزراعة، حيث شكّل صنف «أبو ريحة» اللاذقاني الشهير (تبغ مجفف ومعالج بأبخرة عطرية تكسبه رائحة مميزة) جزءاً كبيراً من الإنتاج الوطني لارتفاع سعره والطلب الكبير عليه خارجياً. كما انتشرت الزراعة في مناطق حلب وإدلب وجسر الشغور، حيث زُرعت أصناف مثل «شك البنت» و«الصاموس». شهدت الخمسينيات توسعاً ملحوظاً في المساحات المزروعة، لكن النظام الفرنسي القديم بقي يُخيّم على العلاقة بين المزارعين والدولة. استمرت المؤسسة العامة للتبغ تشتري المحاصيل بأسعار متدنية، بينما احتفظت بحق احتكار التصنيع والتوزيع، مما دفع العديد من المزارعين إلى اللجوء للسوق السوداء التي استوعبت جزءاً من المحصول خصوصاً بعد إلغاء نظام الوريدانية (عسس التبغ).

        لم تكن محاولات الإصلاح في الستينيات أقل تعقيداً، حيث واجه القطاع تحديات جسيمة تمثّلت في تفشي الأمراض النباتية، أبرزها وباء «العفن الأزرق» الذي أهلك 90 بالمئة من المحصول عام 1963. دفعت هذه الكارثة الحكومة إلى استيراد أصناف جديدة مقاومة للأمراض مثل «بريليت» و«أوتيليا» من يوغوسلافيا، كما حاولت تحسين أوضاع المزارعين عبر رفع أسعار الشراء بنسبة 60 بالمئة خلال الستينيات وفقاً لموقع المؤسسة العامة للتبغ قبل أن يتوقف عمل الموقع مؤخراً. لكن هذه الإجراءات لم تقضِ على المشكلات الهيكلية للقطاع، حيث استمرت سياسة تحديد المساحات المزروعة بحيث لا تتجاوز 5 دونمات للعائلة الواحدة، وهو عرف يعود إلى العهد الفرنسي. كما بقيت جودة المنتج المصنع محلياً دون المستوى المطلوب مقارنة بالماركات الأجنبية، مما دفع بالعديد من المستهلكين إلى تفضيل السجائر المستوردة.

        مع اقتراب نهاية الستينيات، كان قطاع التبغ السوري لا يزال يعاني من تناقضات عميقة. من ناحية، حقق بعض النجاحات الكمية في زيادة المساحات المزروعة والإنتاج، حيث قفزت كميات التبغ المصنعة من 4 آلاف طن سنوياً في الخمسينيات إلى نحو 8 آلاف طن في أواخر الستينيات وفقاً لما ورد سابقاً في موقع المؤسسة العامة للتبغ (المتوقف حالياً). ومن ناحية أخرى، ظلّ عالقاً في شبكة من القيود البيروقراطية والسياسات الاحتكارية التي كبّلت إمكانيات تطوره. بقيت المؤسسة العامة للتبغ، رغم أنها شركة حكومية، تعمل بالعقلية التجارية نفسها للشركات الفرنسية السابقة، حيث وضعت مصالحها المالية فوق مصالح المزارعين والمستهلكين على حد سواء. تعقيدات الوضع ترك هذا القطاع الزراعي عالي الربحية في سوريا عرضة للتقلبات السياسية والاقتصادية التي ستشهدها البلاد مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، حيث سيتعرض لتحولات جذرية جديدة ستغير وجهه إلى الأبد.

        من حافظ الأسد إلى بشار: تحولات احتكارية متسارعة واستغلال ممنهج

        مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970 وإعلان «ثورة التصحيح»، شهد قطاع التبغ تحولات جذرية باتجاه السيطرة السياسية والاقتصادية عليه من قبل النظام. عُيّن محمد مخلوف، شقيق زوجة الأسد ووالد رامي مخلوف، مديراً للمؤسسة العامة للتبغ، التي تحولت إلى إقطاعية عائلية بامتياز. اشترت المؤسسة المحصول من الفلاحين بأسعار زهيدة تقل عن السوق العالمية بنحو عشرين ضعفاً، وصدّرته إلى أوروبا عبر وسطاء مقربين، وأغلقت السوق أمام شركات التبغ الأجنبية للسجائر؛ والتي أصبح مخلوف وكيلها لاحقاً؛ لفرض احتكار السوق المحلي.

        في عام 1974، فرض النظام «نظام الحصص» على المزارعين، حيث كان عليهم تسليم 80 بالمئة من محصولهم للمؤسسة العامة للتبغ، مع حظر بيعه لأي جهة أخرى، مما أجبر الفلاحين على اللجوء إلى السوق السوداء رغم المخاطر الأمنية، إذ كان الخوف من الاعتقال أقل قسوة من جوع الأطفال. هذا النظام أدى إلى تفاقم معاناة المزارعين الذين كانوا أساساً يعانون من نقص في المدخلات الزراعية الأساسية كالأسمدة والبذور الجيدة بسبب الفساد والاختلاسات داخل المؤسسة.

        كما شهد القطاع تدهوراً في جودة السجائر المحلية وارتفاعاً جنونياً في أسعارها في الثمانينات نتيجة التوسع في مساحة الأراضي المزروعة على حساب الإنتاجية مما دفع العديد من المزارعين إلى التخلي عن هذه الزراعة واستبدالها بزراعات أخرى مجزية.

        في مطلع التسعينيات، هيّأ محمد مخلوف مكانه كمدير للمؤسسة العامة للتبغ، بأوامر من حافظ الأسد، لفيصل السماق؛ رئيس اتحاد شبيبة الثورة في السبعينيات والسفير السابق لسوريا في ألمانيا في الثمانينيات، والذي صدر أمر اعتقال بحقه من محاكم ألمانية لتورطه في تفجير المركز الثقافي الفرنسي في ألمانيا الغربية بعد اعتراف «كارلوس» بدوره في العملية، حيث رُفعت مذكرة الاعتقال لاحقاً مقابل معلومات حصرية قدمها النظام لحكومة ألمانيا الفيدرالية عن محمد حيدر زمار، زعيم القاعدة المتهم بالمشاركة في أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، والذي ظلّ معتقلاً عند النظام حتى ما بعد اندلاع الثورة عام 2011، حين أشارت تقارير عن خروجه ضمن صفقة تبادل؛ عيّن سماق مديراً للشركة العامة للتبغ في الـ 1991 وكان مديراً «ناجحاً» وصارماً بقي في منصبه حتى عام 2014 حوّل المؤسسة العامة للتبغ خلال فترة إدارته إلى شركة ترفد خزينة الدولة بمبالغ طائلة وآلية نَهْب ممنهج للعائلة الحاكمة، حيث كانت تشتري محصول التبغ من المزارعين بأسعار زهيدة، وتبيع محلياً بأكثر من ثلاثة أضعاف السعر، مع تحويل الفارق لجيوب كبار المسؤولين وأفراد النظام.

        مع تولي بشار الأسد السلطة عام 2000، سمح النظام رويداً بدخول شركات خاصة لتسويق وصناعة السجائر، لكنها كانت تؤدي تكاليف الدخول من رشاوي وشراكات مفروضة مع رامي مخلوف واجهة النظام الاقتصادية آنذاك والتي أحكمت احتكارها للقطاع تحت غطاء قانوني جديد.

        في 2008، افتتح فيصل السماق معمل «لوكي سترايك» في دمشق بتكلفة 80 مليون دولار، معمل مؤتمت بالكامل ويعمل فيه 7 عمال إيطاليين، قادر على إنتاج كرتونة سجائر خلال 59 ثانية، والتبغ مستورد من جنوب أفريقيا. كان هناك أيضاً معمل نصف آلي لـ «الجيتان» في اللاذقية.

        يقول أحد الموظفين الكبار، الذي فضل عدم ذكر اسمه، إن السوق السورية كانت خاسرة للمستثمرين الأجانب بسبب تكاليف التعامل مع الدولة، التي تتحكم ببيع تجار الجملة وتعد المورد الوحيد، حيث تُحمّل البضاعة الأجنبية على الوطني.

        في العقد الأول من الألفية، ارتفع سعر كيلو التبغ للمزارعين من 2000 إلى 3000 ليرة، بينما قفز سعر البيع للمستهلك من 6000 إلى 12000 ليرة، مع بقاء الفارق الضخم في يد وسطاء النظام. استمر الفلاحون يعانون من سياسات تعسفية، إذ أن مزارعي التبغ في اللاذقية كانوا مجبرين على تسليم محاصيلهم بأسعار أقل من السوق بنسبة 40 بالمئة، مع تهديدات بمصادرة الأراضي لمن يعترض.

        اقتصادياً، شكّل التبغ رافداً رئيسياً للنقد الأجنبي في سوريا قبل عام 2011، لكن هذه الأموال لم تُستثمر في تطوير القطاع أو تحسين أوضاع المزارعين، بل ذهبت إلى شراء الولاءات السياسية وإثراء النخبة الحاكمة. في المقابل، عانى عمال مصانع التبغ من فقر مدقع، حيث كان أجر العامل في مصنع اللاذقية لا يتجاوز 8000 ليرة شهرياً (أقل من 200 دولاراً)، بينما كان إنتاج المصنع يُباع بملايين الليرات.

        الثورة السورية وتخلخل السوق

        عشية الثورة السورية عام 2011، كان قطاع التبغ يعكس بؤس النظام بأكمله: إنتاج سنوي يبلغ حوالي 15 ألف طن، تُفرض على كل كرتونة تبغ «ضريبة» تسمى «حصة الرابعة» يجمعها جودت إسماعيل ويحولها إلى القرداحة كمصروف لمجد الأسد، بحسب ما أفاد به إداري سابق في شركة 1970 طلب عدم ذكر اسمه، ففي هذه الفترة وبعد إعفاء فيصل سماق من مهامه لم يفطن صقور النظام لسوق التبغ بشكل كبير إلا بعد وفاة مجد الأسد حيث انقضّ على القطاع محمد الجابر وخالد قدور ذراع ماهر الأسد الأيمن.

        بعد الثورة، دخلت من خطوط التهريب الكثيرة أصناف رخيصة ومنافسة نذكر منها صنف «مانشستر» الذي شاعت قناعة – وفقاً لما ذكره أحد التجار العاملين في القطاع، طلب عدم الكشف عن هويته – أنه يعود لجبهة النصرة، فتمت محاربة الصنف عبر نسخ تصميمه وإنتاجه محلياً بأسوأ أنواع التبغ، ما أخرجه من المنافسة في السوق خلال 30 يوماً فقط.

        استغل محمد الجابر علاقاته وبدأ شراء التبغ مباشرة من المعامل وإدخاله دون دفع جمارك، مكتفياً بدفع «حصة الفرقة الرابعة»، مما جعله مُربحاً جداً. أما خالد قدور، أعاد التعامل مع فيليب موريس الشركة التي كان محمد مخلوف وكيلها في المنطقة لفترة طويلة، ودخلت بضائعه تحت اسم الفرقة الرابعة. وحين تفجرت أزمة عام 2015 بين جابر وعائلة الأسد كانت أحد الإدانات بحقه تسجيل محمد الجابر 28 ألف كرتونة تبغ بينما كانت الكمية الحقيقية لديه 630 ألف كرتونة.

        كانت ضريبة الفرقة الرابعة على كل كرتونة دخان 5 دولارات ثم ارتفعت إلى 40 دولاراً، مما رفع أسعار السجائر إلى مستويات قياسية، خاصة تلك ذات الجودة العالية، رغم تسجيل 20 بالمئة فقط من الكميات الفعلية.

        شركة 1970: شركة عائلية خاصة عصب القطاع الجديد

        رغم سيطرة رجال ماهر الأسد على السوق، تم فتح شركة (1970) لزيادة الربحية وتقليل الفساد وضمان جودة ثابتة، متحررة من دعم المزارعين وفساد مؤسسات الدولة. اسم الشركة (1970) مستوحى من عام ميلاد ماهر الأسد، والهدف كان فتح معمل لإنتاج السجائر، رغم التوصيات بإعادة تفعيل معمل «لوكي سترايك» القديم الذي تم تفكيكه بسبب الثورة والعقوبات. بعد التخلص من منافسين مثل محمد الجابر، أصبحت (1970) تهيمن على السوق، وهددت من لا يتعامل معها.

        واستُخدمت أجهزة المكافحة والجمارك لفرض بيع منتجات (1970)، ففي حادثة حصلت في حمص حيث صادرت المكافحة أصناف الشركة (1970) بحجة عدم تنزيل الأسعار في نشرة المؤسسة العامة للتبغ، وبعد «تلفونات من الدكتور خالد قدور شخصياً» تم سجن وتغريم عناصر المكافحة الذين نفذوا المصادرات، وأُعيد توزيع المنتجات على التجار من قبلهم. وصلت سيطرة (1970) إلى 70 بالمئة من السوق.

        تنتج جميع سجائر (1970) في معمل الشركة في الإمارات بجبل علي، وقد نفى موظف كبير في الشركة استخدام معامل المؤسسة العامة للتبغ أو باخرات بحرية لإنتاج «الصنف»، موضحاً أن المعمل مسجل باسم تاجر دخان كبير غير سوري في الإمارات. تطورت الشركة واشترت سفناً للشحن لتقليل التكاليف، وتوريد بضائع متنوعة من الإمارات إلى سوريا.

        شهدت الشركة (1970) بعد الـ 2023 عدة اعتقالات لفرع الخطيب وتحصيل مبالغ مالية ضخمة من مدراء وموزعين، ومنهم ياسر سلمى، وكيل الشركة في الساحل الذي اعتُقل وعُذب وغُرم رغم تعويضه لاحقاً.

        هرب كبار مدراء الشركة إلى الخارج، وأُسس خط تصنيع ماركة «كينغ دوم» في هنغار شركة الـ 1970 نفسه تحت إدارة شاب غير معروف، بالتنسيق مع تاجر اسمه وائل خلوف «وكيل الكينغ دوم»، الذي تعرض للاعتقال والتغريم، ثم غادر الإمارات. لاحقاً عبر وائل خلوف أُدخلت دفعات جديدة من سجائر 1970 إلى السوق المحلي.

        تحرير سوق التبغ «نظرياً» قبيل سقوط النظام وتحرير سوريا

        يبدأ الفصل الأخير من قصة احتكار التبغ بإصدار رئيس النظام المخلوع قبيل سقوطه مرسوماً بتاريخ 5-5-2024 يُحرر سوق التبغ من الاستئثار الحكومي ويسمح للقطاع الخاص بالدخول وشراء التبغ وتصنيعه وتسويقه، لكن لم يكن هذا المرسوم إلا اعترافاً بخسارة «الدولة» أمام النظام الذي بدأت تنفصل مصالحه عن مصلحة «الدولة» بشكل عضوي وربما كان الفتات الذي تناله خزينة الدولة من هذا القطاع أو ربما فقداناً للسيطرة على جشع رجالات النظام الجدد، مُحدثي النعمة الذي يرغبون ببناء إمبراطورياتهم الجديدة من الصفر، وعلى كل حال لم يعطِ التاريخ الفرصة للتعليمات التنفيذية لهذا المرسوم بالخروج للنور.

        هرب بشار وماهر الأسد، وفي اليوم الأول للسقوط ورغم التحرك السريع للفصائل لحماية مؤسسات الدولة، الأمر الذي نجحت إلى حد كبير فيه، إلا أن مستودعات المؤسسة العامة للتبغ والـ(1970) فتحت للعامة، وكل من ذهب إلى المستودعات أخذ منها ما استطاع حمله، وغرقت البلاد فجأة بكميات مهولة من الدخان وبأسعار أقل عن ربع الأسعار ما قبل السقوط وخصوصاً الـ (1970) وباقي الأنواع المحلية.

        خاتمة: مشهد كلي للتبغ السوري

        مثّل قطاع التبغ في سوريا نموذجاً مميزاً لكيفية بناء وتحول الاقتصاد السياسي للنظام السوري على مدى عقود، فهو ليس مجرد قطاع زراعي أو صناعي، بل أداة استراتيجية محكمة للسيطرة السياسية ورسم علاقات القوة والنفوذ داخل الدولة والمجتمع. النظام استغل هذا القطاع الحيوي لتحويله من مورد اقتصادي هام إلى منفذ مباشر لتمويل شبكات الولاءات وترسيخ هيمنة النخبة الحاكمة. الفلاحون والمزارعون والعمال لم يكونوا سوى أدوات تُستنزف دون حقوق أو حماية، في حين ارتكز الاقتصاد القائم على الفساد إلى شبكات أمنية وعسكرية متشابكة مع رجال الأعمال المقربين من النظام.

        خلال حكم حافظ الأسد، أضحت المؤسسة العامة للتبغ إقطاعية عائلية، ثم توسع النفوذ مع ظهور «صقور ماهر الأسد» الذين استولوا على قطاع التبغ عبر شركات خاصة مثل (1970)، التي أصبحت رأس الحربة في احتكار السوق، واستغلال العوائد لإثراء قادة النظام ومحيطهم، مع تخلي الدولة عن أي رقابة واقعية.

        هذه الاستراتيجية الاقتصادية تكشف كيف يُعاد إنتاج الاستبداد عبر الاقتصاد، حيث تم ترسيخ آليات احتكار وتحكم صارمة موجهة لتثبيت السلطة السياسية، وجعل المزارع والعامل مسـتفيداً بأدنى قدر، والمستهلك رهينة لهذا النظام المحكم في توزيع الثروة. وأخيراً، مع سقوط النظام وتفكك مؤسساته، تجلت هشاشة هذا البناء السياسي الاقتصادي الذي قام على التبعية والفساد والاحتكار. فالانفلات وفتح السوق أمام التدفقات العشوائية من السجائر ليست فقط أزمة اقتصادية بل تعبير عن تفكك الدولة، وغياب انتظام السلطة، وتلكم هي حالة سوريا المُعمقة في انقساماتها وتناقضاتها.

        يظلُّ قطاع التبغ، بحركته المعقدة، نموذجاً يُوضح كيف يستخدم الاستبداد الأذرع الاقتصادية لتكوين شبكة معقدة من السيطرة، وكيف تتشابك السياسة والاقتصاد والفساد لتشكيل منظومة ضاغطة على المجتمع، مانعة فرص التنمية والعدالة الاجتماعية، ومكشكشة على أحلام شعب غارق في المعاناة والتهميش

                    موقع الجمهورية

———————————-

 المدن التي لم تنطفئ.. شمالي سوريا يحافظ على وهجه الاقتصادي رغم التغييرات/ خالد الخطيب

خالد الخطيب

2025.10.31

بخلاف ما كان متوقعاً بعد سقوط النظام المخلوع، لم تشهد المدن الحدودية شمالي سوريا انكماشاً اقتصادياً أو ركوداً تجارياً، بل على العكس تماماً، ازدهرت الحياة الاقتصادية فيها، وبرزت أسواقها كمراكز حيوية جديدة للتجارة والبيع بالتجزئة والجملة، متفوقة على كثير من أسواق الداخل السوري التي كانت تاريخياً مراكز النشاط التجاري.

ففي حين توقع كثير من السوريين أن تضعف الحركة التجارية في مدن مثل اعزاز وسرمدا والدانا وإدلب بعد التحول السياسي الكبير، جاءت النتائج مغايرة. إذ تحولت هذه المدن إلى نقاط جذب اقتصادي تعجّ بالمتسوقين والتجار والمستثمرين الصغار، ما أثار تساؤلات حول مستقبل هذه المدن وقدرتها على الحفاظ على هذا الزخم التجاري في المدى القريب والبعيد.

أسعار منافسة وخيارات أوسع

شهدت الحركة التجارية في أسواق مدن الدانا واعزاز وسرمدا وريفي إدلب وحلب الشمالي نشاطاً ملحوظاً بعد سقوط النظام المخلوع، بعكس الاعتقاد الذي كان سائداً بأن هذه المناطق ستتراجع اقتصادياً بعدما أصبح الطرق سالكة نحو المدن السورية الكبرى، ويعزو تجار محليون في اعزاز التقاهم موقع تلفزيون سوريا، هذا النشاط إلى الأسعار المنافسة والخدمات المتنوعة التي تقدمها هذه المدن، مقارنة بأسواق الداخل التي تعاني من ارتفاع الأسعار وضعف المعروض.

وأوضح الباحث والمحلل الاقتصادي يحيى السيد عمر لموقع تلفزيون سوريا أن البيئة الاقتصادية الحرة التي تشهدها المنطقة، إلى جانب قلة القيود الرسمية والإدارية، أسهمت بشكل مباشر في تشجيع روح الابتكار التجاري، ودفعت نحو توسع أنشطة مثل التجارة الإلكترونية والخدمات اللوجستية عبر الحدود. كما شجعت هذه البيئة على تنوع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، التي باتت اليوم المحرّك الأساسي للنشاط الاقتصادي المحلي في المدن الحدودية.

وأشار السيد عمر إلى أن هذا الانفتاح الاقتصادي انعكس إيجاباً على مستويات المعيشة، إذ تزايدت فرص العمل بشكل ملحوظ، وارتفعت قدرة الشباب على دخول سوق التجارة والأعمال، فضلاً عن اتساع نطاق الخدمات المقدَّمة للمواطنين. وشمل ذلك ازدهار قطاع المطاعم ومحالّ التجزئة والمراكز التعليمية الصغيرة، التي تعمل جميعها على تلبية احتياجات المجتمع المحلي المتنامي وتدعم استقراره الاقتصادي والاجتماعي.

ماذا يقول السوريون؟

يقول محمد الأحمد، وهو أحد سكان مدينة حلب، لموقع تلفزيون سوريا: “أزور اعزاز مرة كل شهر تقريباً للتسوق، أسعار الملابس والأدوات المنزلية هنا أرخص بكثير مما هي عليه في حلب، كما أن جودة البضائع أفضل وتتوفر خيارات متعددة بين المستورد والمحلي”. وتنتشر في هذه المدن مراكز تسوق حديثة ومجمعات تجارية تعرض بضائع تركية ومحلية، فضلاً عن انتشار المطاعم والمقاهي الحديثة التي تقدم خدمات بأسعار مناسبة.

وقال أبو وسيم (وهو صاحب محل لبيع المواد الغذائية بالجملة في مدينة اعزاز) لموقع تلفزيون سوريا إن “سرّ نجاح السوق هنا هو المنافسة، كل تاجر يحاول أن يقدم سعر أفضل من غيره وجودة أعلى، والزبون لديه خيارات واسعة، لم تعد هناك سوق واحدة تتحكم بالأسعار كما كان الحال في السابق”

وبفضل قربها من المعابر الحدودية مع تركيا، تتمتع هذه المدن بسهولة الاستيراد والتوريد، ما يمنحها مرونة في التسعير ويزيد من تنوع السلع، وهو ما جعلها الوجهة المفضلة ليس فقط لأهالي الشمال بل أيضاً للقادمين من مناطق الداخل.

كثافة سكانية تحافظ على الطلب

يشير خبراء اقتصاد التقاهم موقع تلفزيون سوريا إلى أن أحد أهم أسباب استمرار النشاط التجاري في مدن الشمال هو الكثافة السكانية العالية التي بقيت مستقرة فيها رغم مرور أكثر من عشرة أشهر على سقوط النظام، وبات مألوفاً مشاهدة قوافل من السوريين القادمين من مدينة حلب ومدن أخرى للتسوق في اعزاز أو سرمدا والدانا، وشراء الملبوسات أو الأدوات المنزلية والمواد الغذائية والأجهزة الكهربائية، ثم قضاء يوم كامل في المطاعم والمقاهي المنتشرة هناك.

يرى الباحث والمحلل الاقتصادي يحيى السيد عمر أن الحركة التجارية في المدن الحدودية شمالي سوريا، مثل اعزاز وسرمدا والدانا، واصلت ازدهارها بعد سقوط النظام البائد، وشهدت تطوراً ملحوظاً على المستويات كلها، ويرجع السيد عمر هذا النشاط إلى استمرار وجود أعداد كبيرة من النازحين داخلياً الذين شكّلوا بدورهم سوقاً استهلاكية واسعة أسهمت في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي.

ويضيف في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن الطلب في تلك المدن لم يعد يقتصر على السلع الأساسية، بل امتد ليشمل الخدمات التعليمية والصحية وغيرها من الاحتياجات المجتمعية، ما فتح الباب أمام نمو مشاريع صغيرة ومتوسطة استجابت لهذه المتطلبات المتزايدة، كما أن الطبيعة الحدودية لهذه المدن منحتها ميزة استراتيجية عبر فتح قنوات تجارية نشطة مع تركيا، واستثمار المعابر لتوريد البضائع بأسعار تنافسية، الأمر الذي وفر للأسواق المحلية أفضلية واضحة على الأسواق الداخلية التقليدية، وعزّز في الوقت ذاته قدرة التجار المحليين على المنافسة بشكل غير مسبوق.

يقول أبو خليل (موظف حكومي متقاعد من حلب): “أقضي يومي في اعزاز مع العائلة كل خمس أوست أسابيع مرة، الغداء في أحد المطاعم هنا أرخص بمرتين على الأقل من مطاعم حلب، وحتى أسعار الملابس والأحذية أرخص بنسبة 30 إلى 40 بالمئة”.

ويرجع استمرار الكثافة السكانية في الشمال إلى عدم عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية لأسباب متعددة، منها دمار منازلهم، وغياب الخدمات في الداخل، في حين تتوفر في المدن الحدودية خدمات أفضل نسبياً من كهرباء ومياه ونقل وتعليم.

كما أن الاستقرار الأمني النسبي وتوفر فرص العمل في قطاعات التجارة والخدمات والمطاعم شجع السكان على البقاء، هذا الواقع أسهم في إبقاء الطلب مرتفعاً على مختلف السلع والمواد، ما أعطى للأسواق التجارية نبضاً مستمراً وبيئة أعمال ديناميكية.

نماذج مدن ناجحة

من جانبه، يرى الباحث والمحلل الاقتصادي خالد التركاوي أن مدن الشمال مثل اعزاز وسرمدا والدانا وإدلب تشكل اليوم نماذج إدارية وتجارية ناجحة مقارنة بمدن الداخل التي تعاني من تراجع الخدمات والبيروقراطية.

وقال التركاوي لموقع تلفزيون سوريا: “هذه المدن استطاعت أن تنجح لأنها تمتعت بخدمات أفضل، وسوق مفتوح، وحركة بناء وصناعة نشطة، كما نشأت فيها مناطق صناعية جديدة جذبت استثمارات صغيرة ومتوسطة”

ويضيف أن “نخبة جديدة من التجار الصغار والمتوسطين ظهرت بعد أن كانت هذه المناطق مهمشة لعقود. ومع انفتاح السوق وحرية الحركة، أصبحت هناك طبقة تجارية حيوية تدير عجلة الاقتصاد المحلي بفاعلية”.

ويشير التركاوي إلى أن قرب هذه المدن من تركيا، أحد أكبر الاقتصادات الإقليمية، لعب دوراً كبيراً في ازدهارها، قائلاً: “نحن نتحدث عن مناطق تجاور اقتصاداً حراً وقوياً مثل الاقتصاد التركي، وهذا القرب انعكس على طبيعة الأسواق، فدخلت البضائع والخبرات وأنماط الإدارة الحديثة إلى هذه المدن، ما جعلها أكثر حيوية وانفتاحاً من أي وقت مضى”

تجارة جديدة ومراكز ثقل متبدلة

وحول إمكانية محافظة هذه المدن على نشاطها خلال الفترة المقبلة، يوضح التركاوي أن ذلك مرتبط ببقاء طبقة التجار المحليين القادرين على المنافسة من حيث الأسعار وتنوع السلع والخدمات، ويقول: “اليوم لم يعد هناك طبقة واحدة تتحكم بالسوق كما في السابق، دخلت مناطق جديدة إلى خارطة التجارة السورية، وتغيرت مراكز الثقل الاقتصادي، نحن أمام مشهد تجاري جديد كلياً”

ويرى التركاوي أن أسواق الداخل السوري ستكون مضطرة في نهاية المطاف إلى الاندماج مجدداً في السوق السورية المفتوحة، بعد أن تحولت مدن الشمال إلى محور رئيسي للحركة التجارية واللوجستية في البلاد، مضيفاً أن هذا التحول “يؤشر إلى ولادة توازن اقتصادي جديد بين المركز والأطراف”.

تنوع اقتصادي وقطاعات جديدة

يقول الباحث والمحلل الاقتصادي يحيى السيد عمر إن بعض المدن الحدودية شمالي سوريا شهدت في السنوات الأخيرة نشوء قطاعات اقتصادية جديدة لم تكن موجودة سابقًا، مثل مراكز الشحن والخدمات اللوجستية الصغيرة، ومكاتب الاستيراد والتصدير، وشركات الخدمات المالية. وأسهمت هذه القطاعات في تعزيز الاقتصاد المحلي وتخفيف الاعتماد على الأسواق الداخلية، عبر خلق منظومة اقتصادية أكثر استقلالية وتنوّعًا.

ويضيف السيد عمر أن هذا التنوع الاقتصادي منح المدن الحدودية قدرة أكبر على التكيّف مع الصدمات المفاجئة، وسمح لها بتأسيس شبكة دعم اجتماعي واقتصادي أكثر مرونة تقوم على التبادل التجاري وتكامل الخدمات، ما جعلها أكثر استقرارًا مقارنة بمناطق أخرى.

ويرى السيد عمر أنه وبالنظر إلى العوامل الحالية، فإن هذه المدن تبدو قادرة على الحفاظ على نشاطها التجاري وقوتها الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة، لكنها في المقابل لن تتفوق بالكامل على الأسواق التقليدية في الداخل السوري.

هل تحل أسواق الشمال مكان الأسواق الداخلية؟

وأوضح أن الأسواق الحدودية تستفيد من قربها من المعابر التجارية مع تركيا، ومن الكثافة السكانية للنازحين، فضلًا عن الحرية النسبية في إدارة النشاط التجاري، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية واضحة في قطاعات السلع الاستهلاكية والخدمات. ومع ذلك، فإن استدامة هذا النشاط تبقى مرهونة بتطوير البنية التحتية وتحسين السياسات المالية، في حين قد تحافظ الأسواق الداخلية على حضورها في بعض القطاعات إذا تم تعزيز قدرتها الشرائية وتحديث سلاسل التوريد.

ويخلص السيد عمر إلى أنه من المرجح أن تستمر المدن الحدودية كمراكز اقتصادية نشطة ومنافسة جزئيًا للأسواق الداخلية، من دون أن تحلّ محلها بالكامل، لكنه يرى في الوقت نفسه أنه إذا استمرت الظروف الاقتصادية والسياسية مستقرة، فقد تتحول هذه المدن إلى مراكز لوجستية واستثمارية قوية قادرة على جذب رؤوس الأموال المحلية والإقليمية، بما يجعلها عناصر فاعلة في إعادة رسم المشهد الاقتصادي السوري.

ويشير بالقول إلى أن هذه التجربة تعكس قدرة المدن الحدودية على الصمود والنمو رغم تعقيدات الواقع، وتحولها من مناطق نزوح مؤقتة إلى محركات اقتصادية مؤثرة، تفتح الباب أمام نماذج تنموية جديدة يمكن للمدن السورية الأخرى الاقتداء بها لبناء اقتصاد أكثر مرونة واستدامة.

وفي حين تتبدل الخارطة الاقتصادية في سوريا بعد التغييرات السياسية الكبرى، تبدو المدن الحدودية في الشمال نموذجاً مصغراً للتحول الاقتصادي والاجتماعي، حيث تتقاطع الفرص والتحديات في بيئة تسعى إلى تجاوز قيود الماضي، ومع استمرار النشاط التجاري واتساع طبقة التجار الجدد وتنوع مصادر الدخل، يبدو أن اعزاز وسرمدا والدانا وإدلب لم تعد مجرد مدن حدودية، بل نواة اقتصادية جديدة قد ترسم ملامح مرحلة مختلفة من الاقتصاد السوري في مرحلة ما بعد النظام المخلوع.

تلفزيون سوريا

——————————–

 قمامة أم موارد.. كيف تتعامل ألمانيا مع النفايات ولماذا تتخبط دمشق؟/ منهل عروب

2025.10.31

لم تعد النفايات مجرّد بقايا تُدفن أو تُحرَق، بل أصبحت جزءاً من منظومة الاقتصاد الدائري الذي يحوّل ما يُعتبَر «زائداً» إلى موردٍ جديد. فإدارة النفايات لم تعد مسألة نظافة فقط، بل قضية تتعلّق بالاقتصاد والاستدامة. غير أنّ ما يجري اليوم في دمشق يعكس عقلية مختلفة تماماً؛ فقرار بلدية دمشق الأخير بنقل مكبّ النفايات باتجاه الغوطة الشرقية يكشف عن ذهنية إدارية عاجزة عن إدراك القيمة الاقتصادية والبيئية، وحتى الرمزية لهذه المنطقة التي كانت وما زالت تُعدّ «رئة المدينة».

هذا القرار ليس مجرد خطأ تقني في اختيار موقعٍ جديد، بل مرآة تعكس الفارق بين منظومتين فكريتين: واحدة ترى في النفايات مورداً قابلاً لإعادة التوظيف، وأخرى تراها عبئاً، والطريقة الوحيدة للتخلّص منه هي دفنه أو حرقه. وبين هاتين الرؤيتين تكمن الفجوة بين دولٍ تتقدّم في طريق الاستدامة ودولٍ تُغرق نفسها في نفاياتها حرفياً ومعنوياً.

في ألمانيا، على سبيل المثال، تُدار النفايات ضمن منظومة متكاملة تبدأ من المنزل وتنتهي في المصانع. القانون الألماني يُلزِم المواطن بفرز النفايات عند المصدر: الورق في حاوية زرقاء، الزجاج في خضراء، المواد البلاستيكية والمعدنية في صفراء، وبقايا الطعام في حاوية بنية. هذه البساطة الظاهرية تُخفي وراءها بنية تشريعية وتقنية معقّدة تنظّم أدقّ تفاصيل دورة تدوير النفايات.

فـ«قانون التغليف» (Verpackungsgesetz) مثلاً، يُلزم الشركات بتسجيل كل عبوة تُطرَح في السوق، ويُحمّلها جزءاً من مسؤولية تدويرها. أما نظام الرهن (Pfandsystem) فيحوّل الزجاجات والعبوات البلاستيكية إلى عملةٍ صغيرة يمكن استرداد قيمتها عند إعادتها، ما يجعل إعادة التدوير سلوكاً اقتصادياً أيضاً يحفّز المواطن على الالتزام به، لأنه يستفيد مالياً.

لا شكّ أنّ شبكة تدوير النفايات هذه لا تسير بتلك المثالية، لكنها تحقّق نتائج جيدة. ودائماً ما تتضمّن برامج الأحزاب خططاً جديدة لتطوير تلك الصناعة. فقد بلغت نسبة إعادة تدوير النفايات البلدية في ألمانيا أكثر من 67%، بحسب بيانات المكتب الاتحادي للبيئة لعام 2023، وهي من أعلى المعدلات في العالم. هذا النجاح لم يأتِ مصادفة، بل نتيجة استثمارٍ طويل في البنى التحتية والوعي المجتمعي، وتضمين ذلك في المناهج التعليمية، إضافة إلى التكييف القانوني وتطوير منظومة رقابة دقيقة لضمان التزام المواطنين. كما أنه، في الشرح والتصنيف القانوني المدون في الخطط الحكومية، تُعامَل النفايات بوصفها «مورداً خاماً ثانوياً» (Sekundärrohstoff) يُعاد استخدامه لتقليل استيراد المواد الأولية وتوفير الطاقة وتقليل انبعاثات الكربون. فكل كيلوغرام يُعاد تدويره هو استثمار في البيئة والاقتصاد معاً.

إلى جانب البعد البيئي، ثمة بُعد اقتصادي قوي وفاعل؛ إذ توظّف صناعة التدوير في ألمانيا عشرات الآلاف من العمّال والمهندسين المختصين وتنتج عائدات بمليارات اليوروهات سنوياً (16 ملياراً في عام 2023). فالمواطن الذي يُلقي زجاجته في الحاوية المناسبة لا يقوم بعملٍ أخلاقي فقط، بل يشارك في سلسلة إنتاج جديدة تبدأ من النفايات وتنتهي بمنتَجٍ جديد. إنها فلسفة تقوم على تحويل العبء إلى قيمة، والمشكلة إلى فرصة.

النفايات كعبء: المشهد السوري

في سوريا، تبدو الصورة على النقيض تماماً. النفايات ليست مورداً يُستثمَر، بل عبئاً يُرمى ثم يُدفَن أو يُحرَق بأكثر الأساليب بدائية. فبحسب تقارير محلية تقديرية، تنتج دمشق وريفها يومياً نحو 1500 طن متري من النفايات الصلبة، يُنقل معظمها إلى مكبّات مفتوحة تُحرَق في العراء، مسبّبة تلوثاً في الهواء والتربة والمياه. وفي تقرير لموقع «عنب بلدي» عام 2025، أُشير إلى عجز البلديات عن جمع النفايات بانتظام بسبب نقص العمالة وتداعي الآليات، في حين تغيب أي منظومة لفصل النفايات أو إعادة تدويرها، باستثناء محاولات محدودة في بعض الورش الخاصة التي تعمل ـ وللمفارقة ـ بشكلٍ غير قانوني.

قرار بلدية دمشق الأخير بنقل المكبّ إلى منطقة باتجاه الغوطة الشرقية لا يعبّر فقط عن سوء تخطيط إداري، بل عن جهل بيئي خطير. فالغوطة ليست مجرد أراضٍ زراعية، بل نظام بيئي حيوي يمدّ العاصمة بالأوكسجين ويضبط مناخها المحلي، وهي المتنفس لسكان دمشق وريفها. كما أنها تنتج محاصيل زراعية ضخمة وتُرفد المدينة بصناعات غذائية ذات مردود اقتصادي كبير مثل الكونسروة وقمر الدين وغيرها. وتحويلها إلى مكبّ نفايات يعني حرفياً خنق رئة دمشق وريفها معاً.

يُذكّرنا القرار بالعقلية الإدارية والسياسية لدولة الأسد البائدة، إذ يُعيد إنتاج منطق المركز الذي يُلقي بأعبائه على الأطراف. فبدلاً من أن تُوزَّع الخدمات بعدالة بيئية، يُحمَّل الريف عبءَ المدينة، ويُعامَل المكان بمنطق التضحية: حماية المركز (واجهة البلد السياسية والاقتصادية والسياحية) على حساب الهامش.

يكمن الفارق بين النموذجين الألماني والسوري لا في الإمكانات فقط، بل في الذهنية. فالنظام الألماني قائم على المشاركة: المواطن، والبلدية، والشركات جميعهم مسؤولون ضمن منظومة قانونية متكاملة تضمن المحاسبة والتوعية والتكامل بين الأدوار. بينما في سوريا، يغيب القانون الفعّال، وتغيب الرقابة، ويتحوّل العمل البلدي إلى سلسلة قرارات رأسية وارتجالية من المركز نحو الأطراف تُتَّخذ دون دراسات بيئية أو اقتصادية محكمة، ويغيب قانون المحاسبة الذي يكفل الأداء الصحيح للمسؤولين.

المثال الأكثر وضوحاً يتجلّى في نسخ التجربة التركية في دفن النفايات في حُفر أرضية محكمة الإغلاق تجنباً للرائحة والعفونة وتجمع الحشرات، والذي عده كثير من السوريين خطوةً نحو الأمام. وهذا يعكس النظرة العامة للنفايات كـ«قمامة» يجب التخلص منها، بينما وجدت ألمانيا حلولاً خدمية أبسط وأقل تكلفة، وهي فصل النفايات وتفعيل الخدمة العامة لنقلها إلى أماكن متخصصة للاستفادة منها.

طبعاً، لا يمكن المقارنة بين بلدٍ يخصّص مليارات الدولارات للبنية التحتية الخاصة بصناعة تدوير النفايات ويطوّرها منذ عشرات السنين، وبلدٍ تعرّض للإهمال والتخريب على مدار خمسين عاماً، وقد خرج تواً من حرب مدمرة. ومن البديهي أن الحكومة الحالية لا تحمل وزر النظام البائد بأي شكل، لكن البدء بتغيير العقلية ووضع حجر الأساس لوعيٍ بيئي بأبعاده الاقتصادية والتعليمية والإدارية، مثل تضمين المناهج الدراسية معلومات تربط بين النفايات والصحة العامة والاقتصاد، وتضمين الدستور واجب الدولة في إيجاد الحلول والتمويل المناسب، هو مسؤولية الحكومة الجديدة في المقام الأول والأخير. كما أن وضع دراسة دقيقة عن مستوى التلوث الحالي ومؤشرات تدهور الأراضي الزراعية ومدى تسمم التربة، ثم وضع مؤشر إنجازٍ سنوي لمحاسبة المسؤولين على أعمالهم، هو مسؤولية الحكومة الحالية، ولا يمكن إلقاء اللوم فيه على عهد النظام البائد.

إدارة النفايات ليست رفاهية غربية، بل ضرورة وجودية في بلدٍ يواجه تحديات بيئية متراكمة وتراجعاً في الزراعة والمياه وتلوث الهواء والاقتصاد أيضاً. لا يمكن لسوريا أن تواجه مستقبلها بهذه الذهنية القائمة على الرمي والحرق والتجاهل. المطلوب ليس فقط بنية تحتية جديدة، بل تحوّل في التفكير: أن نرى في النفايات فرصةً اقتصادية، ومصدراً للعمل، وطريقاً نحو بيئةٍ أنظف.

فالغوطة ليست مكبّاً، بل ذاكرة وتاريخ. وكل قرارٍ يسيء إليها هو خطوة أخرى نحو خنق ما تبقّى من روح دمشق ورئتها وهوائها. ومن يريد إنقاذ دمشق لا ينقل نفاياتها إلى رئتها، بل يتعلّم كيف يجعلها تتنفّس من جديد: عبر التخطيط، والوعي، والاستثمار في ما كنا نراه من قبل مجرد «قمامة».

تلفزيون سوريا

—————————-

 “إعمار 2025″… سوريا تفتح أبوابها لشراكات خارجية

دمشق – يوسف الحيدر

السبت 2025/11/01

يتعدى إعمار ما تدمر في سوريا بسبب الحرب ما يحتاجه من زمان وموارد مالية ضخمة، إلى الحاجة لخبرات كبيرة في مجال إعادة الإعمار تقدمها بلدان صاحبة تجربة وشركات وأفراد ساهموا ونجحوا في ذلك.

من هنا جاءت الحاجة إلى تنظيم المعرض الدولي لإعادة إعمار سوريا “إعمار 2025″، الذي يقام على أرض مدينة المعارض في دمشق برعاية وزارات الاقتصاد والصناعة، والطاقة، والأشغال العامة والإسكان، بهدف تسليط الضوء على أحدث المشاريع والخطط المتعلقة بمرحلة إعادة الإعمار.

معرض إعمار سوريا 2025 (المدن)

تأكيد رسمي

ما يؤكد هذه الحاجة هو مدى الدمار الكبير الذي طال محافظات بأسرها مثل ريف دمشق وإدلب والرقة وقطاعات معينة مثل الخدمات والبنى التحتية، ويتطلب انفتاحاً أكبر أمام المشاريع الاستثمارية الكبيرة والمبتكرة كما أكد وزير الأشغال والإسكان في سوريا مصطفى عبد الرزاق، الذي أشار إلى أنّ هذا المعرض ليس مناسبةً احتفاليةً أو فعاليةً اقتصاديةً؛ بل رسالة بأنّ سوريا بدأت مرحلة جديدة من الشراكة والانفتاح.

هدف المعرض

تكتمل الرؤية الحكومية مع الشركة المنظمة للمعرض، من حيث أهمية المشاركات الخارجية في معرض إعادة إعمار سوريا -23 دولة مشاركة-، حيث يبيّن باسل السيد مدير الشركة المنظمة للمعرض أنّ المشاركات الخارجية ستدخل خبرات وتقنيات وتخصصات مختلفة سوريا في حاجة إليها، لاسيما بعد انقطاعها عن التطورات العالمية في هذا المجال لسنوات طويلة وحاجتها الكبيرة في مرحلة إعادة الإعمار. ويوضح أنّ من أهم أهداف المعرض أن يكون منصةً للشراكات بين المستثمرين العرب والأجانب، والقطاعين العام والخاص في سوريا.

دول خبيرة

تظهر في هذه المرحلة جليةً أهمية مشاركة الدول التي تعرضت لدمار ولديها تجربة في إعادة بناء الإعمار، مثل الزلزال الذي ضرب تركيا وأدى إلى دمار 11 مدينة. وفي هذا الإطار، يشير لـِ “المدن” غزوان المصري نائب رئيس منتدى الأعمال الدولي في تركيا إلى أن من أهم القضايا التي يجب أن يطرحها المعرض إعادة الناس من المهجر والمخيمات إلى منازلهم وأعمالهم. وهذا يحتاج إلى مشاركة دول خبيرة وشركات صاحبة خبرة في الإعمار.

وأشار المصري إلى التجربة التركية التي استطاعت خلال سنتين ونيف أن تعيد إعمار معظم ما دُمّر بسبب الزلزال، مؤكداً أنّ الشركات التركية المشاركة تتميز بأنّها من أهم الدول المجاورة لسوريا، التي تكتمل فيها جميع جوانب الصناعة، وتنتج أهم المواد اللازمة لإعادة الإعمار.

شركات أوروبية وعربية

ويوضح المهندس السوري سامر عياش، وهو المدير الإقليمي لشركة إسبانية مشاركة في المعرض ضمن ائتلاف شركات محلية مساهمة (سايبكس)، أنَّ حضور شركته في المعرض يقدم حلولاً متكاملة لكل ما يتعلق بالبناء، إضافة إلى المنتجات المتطورة. وتهدف الشركة بهذا الحضور إلى نقل المعرفة والمساهمة في تشكيل رؤية سوريا المكتملة لإعادة الإعمار.

وترى شركات عربية أن سوريا أرض خصبة للاستثمار، وفيها فرص كبيرة، وفق تعبير المهندس محمد فتحي من شركة سعودية تقدم خدمات في الأنظمة التقنية. ويبينً أن الشركة ستسخر جهودها وخبرتها منذ العام 2014 للمشاركة في نهضة سوريا، وستكون من المشاركين في مشاريعها

————————-

 وزارة الطاقة: الرئيس الشرع والقصر الجمهوري والوزراء مُلزمون بدفع فواتير الكهرباء

2025.10.31

قال مدير مديرية الاتصال الحكومي في وزارة الطاقة السورية، أحمد سليمان، إن جميع مؤسسات الدولة، بما في ذلك القصر الجمهوري إضافة إلى الرئيس أحمد الشرع والوزراء، مُلزَمون بدفع فواتير الكهرباء بشكل كامل ومن دون أي استثناء.

وأوضح سليمان، في لقاء مع قناة “الإخبارية السورية”، أن المؤسسات الحكومية كانت في السابق تحصل على الكهرباء عبر خطوط معفاة من التقنين خلال فترة النظام السابق، من دون أن تسدد أي مبالغ مقابل استهلاكها، مشيراً إلى أن القرار الجديد يُلزم جميع المؤسسات بدفع مستحقاتها من موازناتها الخاصة.

وبيّن أن الخطة الجديدة تشمل جميع الجهات الرسمية من أصغر مؤسسة إلى أكبرها، مضيفاً أن الخطوط المعفاة من التقنين ستخضع أيضاً لتعرفة محددة، وأن الدفع سيتم بشكل مسبق من خلال عدادات إلكترونية حديثة، ما يسهل عملية الجباية ويمنع تراكم الديون.

وأشار سليمان إلى أن المرحلة الإصلاحية الجديدة تهدف إلى ضبط الاستهلاك وترشيد الإنفاق، مؤكداً أنه “لن يُستثنى أحد من الدفع، لا مؤسسات الدولة ولا المسؤولون، حتى القصر الجمهوري والرئيس نفسه سيدفع فاتورة الكهرباء”.

وأوضح أن العدادات المسبقة الدفع ستفصل التيار تلقائياً في حال عدم شراء شرائح الكهرباء، لافتاً إلى أن هذه الخطوة تُعد جزءاً من إصلاح شامل يشمل جميع الشرائح، سواء كانوا مواطنين أو صناعيين أو مؤسسات حكومية.

وختم سليمان بالقول إن مؤسسات الدولة تستهلك ما يقارب 30% من إنتاج الكهرباء في سوريا، وإن تطبيق القرار الجديد سيضع حداً للهدر.

تطبيق التعرفة الجديدة

وفي وقت سابق، أعلنت وزارة الطاقة بدء تطبيق تعرفة كهربائية جديدة، موزعة على أربع شرائح تراعي الفئات الاجتماعية ومستويات الاستهلاك المختلفة، وذلك ضمن خطة إصلاح قطاع الكهرباء وتحسين الخدمة.

كما أكدت الوزارة أن الحكومة تستعد لإطلاق خطة شاملة تشمل تعديل تعرفة الاستهلاك المنزلي وفق نظام الشرائح، مع إضافة شريحة خاصة بالمؤسسات الحكومية.

ووفق مصادر حكومية، فإن تعديل التعرفة يعتمد على نظام شرائح يهدف إلى دعم الفئات ذات الدخل المحدود، كما يلي:

    الشريحة الأولى (ذوو الدخل المحدود): حتى 300 كيلواط شهرياً بسعر مدعوم، تتحمل الحكومة 60% من الكلفة، موجهة للأسر الفقيرة واحتياجاتها الأساسية، بسعر 600 ليرة سورية للكيلوواط.

    الشريحة الثانية (أصحاب الدخل المتوسط والمشاريع الصغيرة): أكثر من 300 كيلواط، بسعر 1400 ليرة للكيلوواط.

    الشريحة الثالثة (المعفيون من التقنين): وتشمل المؤسسات الحكومية والشركات والمصانع التي تحتاج الكهرباء على مدار الساعة، بسعر 1.700 ليرة سورية للكيلو واط.

    الشريحة الرابعة (المعامل ذات الاستهلاك العالي): مثل معامل الصهر، بسعر 1.800 ليرة سورية للكيلو واط.

———————————

 بنسخة جديدة ومطورة.. وزارة الاتصالات تتحضر لإطلاق معرض “سيريا هايتك” للتكنولوجيا

2025.10.30

أطلقت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات اليوم الخميس، الهوية البصرية والرؤية الرقمية الجديدة للدورة الحادية عشرة من معرض “سيريا هايتك” لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، خلال مؤتمر صحفي عُقد في دمشق بحضور وزير الاتصالات عبد السلام هيكل، وعدد من ممثلي القطاعين العام والخاص.

منصة وطنية للتحول الرقمي

أكد الوزير هيكل وفق ما نقلت معرفات الوزارة الرسمية أنّ “سيريا هايتك” يشكّل منصة استراتيجية لدعم التحول الرقمي في سوريا، مشدداً على أهمية التنسيق بين القطاعين العام والخاص بوصفه شرطاً أساسياً لنجاح المسيرة الرقمية. وأوضح أن الوزارة تعمل على تطوير البنية التحتية للاتصالات وجذب الشركات التقنية العالمية بهدف تمكين الصناعة الوطنية وتعزيز قدرتها التنافسية.

وبيّن هيكل أن المعرض يوفّر فرصة لربط المزودين العالميين بالشركات الناشئة والمشغلين المحليين، وفتح آفاق جديدة أمام الشراكات التقنية والاستثمارية التي تسهم في إطلاق الاقتصاد الرقمي السوري، مؤكداً أنّ الفعاليات المرافقة ستسهم في تعزيز التواصل المباشر بين المنتجين وسوق الطلب المحلي والإقليمي.

مشاركة عربية ودولية واسعة

ينظَّم المعرض من قبل المجموعة العربية للمعارض والمؤتمرات بالتعاون مع شركة “المبدعون”، برعاية وزير الاتصالات، على أرض مدينة المعارض بدمشق بين 20 و24 تشرين الثاني المقبل، من الساعة الثانية ظهراً حتى الثامنة مساءً يومياً.

وتُعد هذه الدورة أول نسخة مطوّرة من المعرض بعد سقوط نظام الأسد، بمشاركة 223 شركة من عشر دول هي: سوريا، لبنان، الأردن، قطر، السعودية، الصين، بريطانيا، تركيا، الإمارات، وسلطنة عمان. كما يُتوقّع حضور شخصيات رسمية ووزارية من دول الجوار لبحث فرص الاستثمار والتعاون التقني، إضافة إلى ممثلين عن منظمات دولية معنية بالتحول الرقمي.

هوية جديدة ورؤية مستقبلية

اعتمد المنظمون هوية بصرية جديدة تعبّر عن انطلاقة محلية بأفق دولي، في إطار رؤية تسعى لجعل “سيريا هايتك” منصة سنوية دائمة لتبادل الخبرات ونقل التكنولوجيا وبناء شراكات استراتيجية.

وفي ختام المؤتمر، أكد القائمون على الحدث أن الدورة الجديدة ستكون محطة مفصلية لإعادة ربط السوق السورية بمحيطها التجاري والتقني، مجددين التزام الوزارة والقطاع الخاص بتحويل المبادرات التقنية إلى أدوات عملية تسهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

————————-

 سوريا تبحث مع الصندوق السعودي للتنمية تمويلات ميسّرة بقيمة 1.5 مليار دولار

2025.10.30

بحث وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، مع الرئيس التنفيذي للصندوق السعودي للتنمية سلطان المرشد، التسهيلات التمويلية الي يقدمها الصندوق لدعم مشاريع استراتيجية في سوريا، بقيمة قد تصل إلى نحو 1.5 مليار دولار.

ووأوضح برنية، عبر حسابه في “لينكد إن” أنه جرى خلال الاجتماع بحث التسهيلات التمويلية الميسّرة التي يعتزم الصندوق تقديمها لدعم مشاريع استراتيجية ذات أولوية للتنمية في سوريا، في قطاعات الصحة والتعليم والطاقة والإسكان والطيران، بالإضافة إلى المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

وأكد الوزير أن حجم هذه التسهيلات التمويلية قد يصل إلى نحو 1.5 مليار دولار، معربًا عن تقدير دمشق للدعم  الذي تقدمه السلطات السعودية، ومرحّبًا ببعثة فنية من الصندوق السعودي المتوقع وصولها إلى سوريا خلال الأسابيع المقبلة.

صناديق استثمار لنقل رؤوس الأموال إلى سوريا

وفي وقت سابق، كشف وزير الاستثمار السعودي، خالد الفالح، عن توجه المملكة نحو التمكين من إنشاء مجموعة من الصناديق الاستثمارية المتخصصة لتكون منصات فاعلة لنقل استثمارات المنطقة والعالم إلى السوق السورية، مؤكداً حرص السعودية على أن تكون شريكاً أساسياً في مستقبل سوريا الاقتصادي والتنموي.

جاءت تصريحات الفالح خلال اجتماع الطاولة المستديرة السعودي – السوري، الذي عُقد في الرياض، بمشاركة مسؤولين وممثلين عن القطاع الخاص من البلدين، ضمن فعاليات مؤتمر “مبادرة مستقبل الاستثمار”.

وأوضح الفالح أن توقيع اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة بين السعودية وسوريا “يشكل خطوة تاريخية في مسار التعاون الاقتصادي، إذ وفّرت الاتفاقية إطاراً قانونياً متكاملاً يضمن الحماية والمعاملة العادلة للمستثمرين، ويؤسس لبيئة استثمارية مستقرة وجاذبة لكلا الطرفين”.

وأكد أن الاتفاقية تمثل نقطة انطلاق جديدة نحو إعادة بناء الثقة الاقتصادية، وتهيئة بيئة تمكّن المستثمرين السعوديين والإقليميين من دخول السوق السورية في مشاريع نوعية ذات بعد استراتيجي وتنموي.

————————–

سورية تطلق “مصفوفة النزاهة” لتعزيز الشفافية في مؤسسات الدولة/ عبد الله السعد

31 أكتوبر 2025

أطلقت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، في دمشق مشروعاً جديداً تحت اسم مصفوفة النزاهة والشفافية، يهدف إلى وضع معايير واضحة لتقويم الأداء في المؤسسات الحكومية وترسيخ ثقافة قائمة على المساءلة والمسؤولية، في خطوة وُصفت بأنها تمهيد لمرحلة جديدة من الإصلاح الإداري في البلاد. وجاء الإعلان خلال ورشة عمل تخصصية عقدت مساء أمس الخميس في فندق الشام، بمشاركة عدد من الوزراء وممثلي الجهات العامة.

وشدّد رئيس الهيئة، عامر العلي في كلمة له، على أن النزاهة لم تعد مجرد قيم أخلاقية أو شعارات، بل “الأساس الذي يُبنى عليه أي نجاح مؤسسي حقيقي، مضيفاً أن الورشة تشكل محطة مهمة في مسار طويل نحو تعزيز الشفافية والمساءلة داخل الجهاز الحكومي”. وأوضح العلي أن “المشروع يهدف إلى تحويل مبادئ النزاهة إلى ممارسات عملية داخل المؤسسات، عبر تطوير سياسات وأطر عمل تستند إلى معايير موحدة، بما يضمن الاستخدام الأمثل للموارد العامة وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين”.

من جهته، رأى وزير المالية محمد يسر برنية في كلمته خلال الورشة أن مكافحة الفساد تبدأ بإصلاح المنظومة الإدارية والمالية، مشيراً إلى أن تحسين القوانين وتبسيط الإجراءات وتطبيق التقنيات الحديثة تمثل ركائز أساسية في هذا المسار، وأضاف أن “إصلاح منظومة الأجور والرواتب هو حجر الزاوية في حماية الموظف وتأمين حياة كريمة له”.

 أما وزير التنمية الإدارية محمد حسان السكاف، فاعتبر أن ترسيخ ثقافة النزاهة والشفافية يشكّل ركيزة في عملية التحول المؤسسي، موضحاً أن تطوير الإدارة العامة يتطلب أنظمة عمل واضحة ومعايير موضوعية في التوظيف والتدريب وتقييم الأداء، لتتحول الرقابة من مجرد محاسبة إلى عملية بناء مستمرة.

وفي سياق متصل، قال مدير مكتب التعاون الدولي في الهيئة محمد العطوي لـ “العربي الجديد”، إن المصفوفة تسعى إلى وضع إطار موحد لمعايير الشفافية في مؤسسات الدولة، يضمن استقطاب الكفاءات وفق أسس موضوعية، ويحدد معايير دقيقة للترقية والمكافآت وتقديم الخدمات للمواطنين. بدوره، أشار مدير الاتصال الحكومي في الهيئة مؤيد حمادة لـ “العربي الجديد” إلى أن المصفوفة لا تزال في مرحلتها الأولية، وسيُعمل على تطويرها بعد دراسة ملاحظات الوزارات والمؤسسات المشاركة، لتتحول في نسختها النهائية إلى أداة قياس معتمدة لمدى التزام الجهات العامة بمبادئ النزاهة والشفافية.

————————–

 اسثمارات سعودية بمليارات الدولارات في سوريا خلال 5 سنوات

الجمعة 2025/10/31

أكّد الرئيس التنفيذي لمجلس الأعمال السعودي السوري عبد الله ماندو أنّ “شركات سعودية كبرى تعتزم تنفيذ استثمارات بمليارات الدولارات في سوريا خلال السنوات الخمس المقبلة، في إطار نهج المملكة الموجّه نحو الأعمال من أجل تعافي البلاد”.

وأشار في حديث إلى وكالة رويترز، إلى أنّ “من بين الشركات التي تتطلّع إلى دخول السوق، شركة أكوا باور السعودية، عملاق الطاقة المتجددة، وشركة الاتصالات السعودية (إس.تي.سي)”. وأوضح أنّ “الخطة تهدف إلى البدء بأساسيات الاقتصاد السوري الذي مزّقته الحرب، من خلال إعادة بناء البنية التحتية للطاقة وقطاعي المال والاتصالات”.

وفي مقابل هذا المسعى “تشكّل العقوبات الأميركية وتفكّك أجهزة الدولة السورية عقبتين هائلتين”، وبحسب ماندو، فإنّ قانون قيصر هو “آخر قيد يخنق الاقتصاد السوري”.

——————–

 شركات سعودية تستعد لاستثمار مليارات الدولارات في سوريا رغم العقوبات الأميركية

رئيس مجلس الأعمال السعودي السوري أكد أن قانون “عقوبات قيصر” هو آخر قيد يخنق الاقتصاد السوري

الرياض – العربية

31 أكتوبر ,2025

تعتزم شركات سعودية كبرى تنفيذ استثمارات بمليارات الدولارات في سوريا، في إطار نهج المملكة الموجه نحو الأعمال من أجل تعافي البلاد، لكن العقوبات الأميركية وتفكك أجهزة الدولة السورية يشكلان عقبتين مهولتين.

وقال الرئيس التنفيذي لـ “مجلس الأعمال السعودي السوري” عبد الله ماندو إن من بين الشركات التي تتطلع إلى دخول السوق السورية شركة “أكوا باور” السعودية، عملاق الطاقة المتجددة، وشركة الاتصالات السعودية “إس تي سي”.

وزير الاستثمار السعودي: تفعيل 8 اتفاقيات مع سوريا حتى الآن بـ 8 مليارات ريال

وأضاف أن الخطة تهدف إلى البدء بأساسيات الاقتصاد السوري الذي مزقته الحرب، من خلال إعادة بناء البنية التحتية للطاقة وقطاعي المال والاتصالات، وفقًا لـ “رويترز”.

ومضى قائلًا لـ “رويترز” في الرياض هذا الأسبوع، خلال مؤتمر “مبادرة مستقبل الاستثمار” الذي يجمع قادة سياسيين ورجال أعمال عالميين، “الهدف هو جذب… مليارات الدولارات من رأس المال الفعلي إلى سوريا خلال السنوات الخمس المقبلة”.

ولم ترد “أكوا باور” ولا “شركة الاتصالات السعودية” على طلبات للتعليق.

عقوبات شديدة لا تزال مفروضة

تعد الرياض محركًا رئيسيًا لإعادة التواصل العالمي مع سوريا منذ أن أطاحت المعارضة المسلحة بالرئيس السابق بشار الأسد العام الماضي، مما يُخرج دمشق من فلك إيران ويُعيد تشكيل الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط.

وفي مايو/أيار، استضافت المملكة اجتماعًا تاريخيًا بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، حيث أعلن ترامب أنه سيرفع جميع العقوبات المفروضة على سوريا.

لكن على الرغم من الإعفاءات واسعة النطاق، فإن الإجراءات الأشد صرامة، المعروفة باسم “عقوبات قيصر”، يتعين إلغاؤها عبر “الكونغرس الأميركي” حيث لا يزال المشرعون منقسمين بشأن هذه المسألة، ولكن من المتوقع أن يتخذوا قرارًا قبل نهاية العام.

وقال ماندو إن قانون “عقوبات (قيصر)” هو “آخر قيد يخنق الاقتصاد السوري”.

ولم يرد “البيت الأبيض” ولا “وزارة الخارجية الأميركية” بعد على طلبات التعليق، وكذلك “وزارة الإعلام السورية”.

صفقات بمليارات الدولارات

قدّر “البنك الدولي” تكاليف إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، بعد حرب أهلية استمرت قرابة 14 عامًا وخلفت دمارًا واسعًا في البلاد.

وأعلنت السعودية في يوليو/تموز عن استثمارات تزيد قيمتها على 6 مليارات دولار في سوريا، منها 2.93 مليار دولار لمشروعات العقارات والبنية التحتية ونحو 1.07 مليار دولار لقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

وعقدت “شركة الدرعية”، وهي مشروع سعودي ضخم يركز على تطوير موقع تاريخي في الرياض كوجهة عقارية وسياحية، مناقشات هذا الأسبوع مع مسؤولين سوريين حول دور محتمل لها في إعادة إعمار مواقع تاريخية في سوريا.

وقال رجال أعمال سعوديون وسوريون إن الأموال السعودية قد تتدفق قريبًا أيضًا إلى قطاعات الطيران المدني والتعليم والطب في سوريا، كما تجري الرياض محادثات مع دمشق لإنشاء خط سكة حديد عبر الأردن.

ووقعت سوريا مذكرات تفاهم مع شركات قطرية وإماراتية، من بين جهات أخرى، لمشاريع في قطاعي الطاقة والبنية التحتية لكن المسؤولين السوريين يقولون إن الأموال الفعلية التي تسنى جمعها ضئيلة بسبب العقوبات وتعثر القطاع المالي في البلاد.

ويقول المسؤولون السعوديون والسوريون إنهم واثقون من إلغاء “عقوبات قيصر”، ويستعدون لهذا.

وقال ماندو، وهو أحد أعضاء “مجلس الأعمال السعودي السوري” الذي يضم 60 رجل أعمال سعوديًا، كثيرون منهم من أصول سورية “هناك (رأس مال) متاح كبير، وأعتقد أن حجم الإنفاق معدوم”.

رؤية 2030

يقول محللون إن رهان الرياض على سوريا مرتبط بالأوضاع الجيوسياسية، ولكنه يتماشى أيضًا مع رؤية ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (“رؤية 2030”) لتنويع اقتصاد المملكة بعيدًا عن الاعتماد على النفط.

وقال عادل حمايزية، العضو المنتدب بشركة هايبريدج أدفيزوري :”يتماشى هذا النهج تمامًا مع الهدف الأوسع لرؤية 2030، والذي لا يقتصر على التحول المحلي فحسب، بل يشمل تحويل المملكة إلى مركز للتواصل الإقليمي والعالمي”.

وأضاف “إنه اعتراف بأن ازدهار المملكة وطموحاتها في تنويع اقتصادها لا ينفصلان عن استقرار جيرانها واستعادة التكامل بينهم”.

وبحضور كبار صانعي المال ومديري الاستثمارات في العالم، منح ولي العهد السعودي للشرع، المولود في الرياض، فرصة التحدث من على منصة مؤتمر “مبادرة مستقبل الاستثمار” يوم الأربعاء.

وقال الشرع للحضور إن سوريا اختارت طريق إعادة الإعمار من خلال الاستثمارات وليس تلقي المساعدات.

———————-

الاتحاد الدولي للنقل البري: سوريا سيرت أول شحنة “ترانزيت” عبر نظام “TIR”

عبور أول رحلة بنظام “TIR” من سوريا إلى الخليج عبر العراق

2025-10-31

ذكر الاتحاد الدولي للنقل البري (IRU)، اليوم الجمعة، أن سوريا بدأت بتسيير أول حركة نقل عبور (ترانزيت) عبر نظام “النقل الدولي للبضائع TIR” مروراً بالأراضي العراقية.

ووصف الاتحاد الذي يتخذ من مدينة جنيف السويسرية مركزاً رئيسياً له، الخطوة بأنها نقطة تحول مهمة في مسار التجارة الإقليمية ومرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي في الشرق الأوسط.

وأوضح في بيان نشر على موقعه الرسمي، أن إطلاق أولى عمليات النقل السورية ضمن نظام “TIR” يفتح باباً جديداً أمام حركة التجارة البرية بين بلاد الشام ودول مجلس التعاون الخليجي.

وأشار البيان إلى أن الشحنات الافتتاحية، التي تضمنت نقل حيوانات حية، عبرت الأراضي العراقية بأمان قبل وصولها إلى وجهاتها النهائية في الكويت وقطر.

وأكد الاتحاد الدولي للنقل البري أن هذه الخطوة تمثل إنجازاً لوجستياً بارزاً في المنطقة، حيث تسهم في فتح ممر جديد أكثر كفاءة وأماناً للنقل البري العابر للحدود.

وجاءت العمليات السورية الجديدة عقب قرار العراق الاستراتيجي باعتماد نظام “TIR” بوصفه النظام الوحيد للنقل الدولي العابر للأراضي العراقية، في إطار سياسة تهدف إلى تبسيط الإجراءات الجمركية، وتقليص التأخير على الحدود، وتعزيز تنافسية التجارة الإقليمية، وفق ما ذكره بيان الاتحاد الدولي للنقل البري.

وقال رئيس غرفة التجارة الدولية في سوريا وعضو الاتحاد الدولي للنقل البري، نجيب شعوي، “إن غرفة التجارة الدولية في سوريا تفتخر بالمساهمة في تمكين حركة الشاحنات والتجارة السورية إلى العراق ضمن نظام TIR، بما يتوافق مع المعايير الدولية للنقل، وبالتنسيق الوثيق مع الجهات المختصة في البلدين، لضمان سلامة وأمن البضائع وكفاءة العمليات عبر الحدود”.

من جانبه، وصف رامي كاروت، المستشار الإقليمي الأول للاتحاد الدولي للنقل البري في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، هذه الخطوة بأنها محطة مهمة في مسيرة نظام “TIR” وبداية مرحلة جديدة من التكامل الإقليمي في الشرق الأوسط، مؤكداً أن اعتماد العراق الكامل للنظام يُعد خطوة استراتيجية تسهّل التجارة وتجعلها أسرع وأكثر أماناً.

وأضاف كاروت أن النظام “يمثل وسيلة موثوقة ومنسقة تدعم سوريا في الاستفادة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي بوصفها بوابة الوصل بين المشرق العربي ومنطقة الخليج”.

وأشار الاتحاد الدولي للنقل البري أن نظام “TIR” هو نظام عبور جمركي عالمي يسمح بشحن البضائع من بلد المنشأ إلى بلد المقصد ضمن حاويات مختومة تخضع لإشراف الجمارك بموجب اتفاقية متعددة الأطراف ومعترف بها دوليًا.

ولفت إلى أن النظام يعد الطريقة الأسهل والأكثر أماناً وموثوقية لنقل البضائع عبر الحدود الدولية، بما يضمن توفير الوقت والمال لشركات النقل والسلطات الجمركية على حد سواء.

وأكد الاتحاد أن هذه الخطوة السورية – العراقية الجديدة تجسد رؤية متقدمة لربط الشرق الأوسط عبر ممرات تجارية حديثة وآمنة، مشيراً إلى أن دولاً عدة في المنطقة بدأت بالفعل بتوسيع نطاق تطبيق نظام “TIR” لتسهيل التجارة البرية الإقليمية والعابرة للقارات.

ويوم الثلاثاء الماضي، بحث وفد من البنك الدولي مع الحكومة السورية الانتقالية في العاصمة دمشق تطوير النقل البري والبنية التحتية في البلاد.

وترأس وفد البنك الدولي مدير قطاع النقل لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إبراهيم الدجاني، والذي أجرى مباحثات مع وزير النقل في الحكومة السورية الانتقالية يعرب بدر.

وأوضح الدجاني، أن البنك الدولي يسعى إلى بلورة رؤية شاملة لقطاع النقل في سوريا، تقوم على التحول الرقمي والتكامل المؤسسي، بما يعزز التنمية المستدامة ويواكب المعايير الدولية في مجالات السلامة والكفاءة والابتكار.

وأشار الدجاني إلى أن البنك الدولي يتطلع إلى التعاون المستمر مع وزارة النقل السورية وسائر المؤسسات المعنية، في إطار الخطة الخمسية لإعادة البناء في سوريا، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).

وأكد، أن البنك الدولي يسعى لتقديم حلول نقل فعّالة وآمنة ومستدامة تخدم المواطنين والمؤسسات على حد سواء، وتسهم في دفع عجلة التنمية وإعادة تأهيل البنية التحتية الوطنية.

——————————-

 مباحثات سورية مع أجهزة رقابية: التعاون في التدقيق المالي

السبت 2025/11/01

بحث الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا مع أجهزة رقابية عربية ودولية مجالات التعاون في التدقيق المالي، والرقابة الإدارية، وبناء القدرات، وذلك ضمن فعاليات المؤتمر الـ25 للمنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة (الإنتوساي 25) المنعقد في مصر.

وفي هذا الصدد، عقد الجهاز المركزي للرقابة المالية جلسة عمل رفيعة المستوى مع جهاز الرقابة المالية والإدارية في سلطنة عُمان، ترأسها عن الجانب السوري نائب رئيس الجهاز وسيم المنصور، وعن الجانب العُماني الشيخ غصن بن هلال العلوي رئيس الجهاز، وذلك في إطار تعزيز أواصر التعاون وتبادل الخبرات بين الجهازين، وفق ما ذكرت “وكالة الأنباء السورية” (سانا).

وناقش الجانبان التطورات في مجالات التدقيق المالي، والرقابة الإدارية، وبناء القدرات، وتحديث الأدوات الرقابية، إلى جانب استعراض سبل تطوير العلاقات المهنية بين الجانبين وتبادل الخبرات بما يسهم في رفع كفاءة الأداء المؤسسي ودعم الجهود الرامية إلى ترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية في إدارة المال العام.

وأكدا أهمية المؤتمر بوصفه منصة عالمية تجمع الأجهزة العليا للرقابة من مختلف الدول، وتتيح تبادل الرؤى حول قضايا الرقابة الحديثة والتحديات الاقتصادية المشتركة، وتعزز التواصل والتكامل بين الأجهزة الأعضاء في المنظمة الدولية للإنتوساي.

وفي السياق، عقد أيضاً وفد الجهاز السوري اجتماعات ثنائية مع جهاز الرقابة المالية والإدارية الفلسطيني، وديوان المحاسبة الهولندي، جرى خلالها بحث سبل التعاون الفني وتبادل التجارب الرقابية الناجحة، ولا سيما في مجالات الرقابة على الأداء وتطبيق المعايير الدولية، واستخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في أعمال المراجعة والتدقيق

—————————

المفصولون بعد الثورة.. العدالة المؤجلة تُقلق الشارع السوري/ نايف البيوش

ما مصير المفصولين بعد الثورة؟

رغم مرور أكثر من عشرة أشهر على تسلم الحكومة الانتقالية للسلطة في سوريا، إلا أن ملف الموظفين المفصولين بسبب مشاركتهم في الثورة السورية لا يزال أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد الجديد.

وينتظر آلاف المعلمين والموظفين المفصولين قراراً رسمياً يعيدهم إلى وظائفهم وينصفهم مادياً ومعنوياً، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على تأخر حكومي مستمر في معالجة الملف.

هذا التأخير المتكرر بات يثير استياءً متصاعداً في الشارع السوري وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث تتحول المطالب إلى موجة ضغط شعبية تطالب الحكومة بخطوات ملموسة تعيد الثقة بوعود العدالة والإنصاف.

وتشير بيانات وزارة التربية والتعليم وحدها إلى أن عدد المفصولين بلغ 25,907 موظف، فيما استكمل 20,300 منهم بياناتهم لدى المديريات تمهيدا لإعادتهم إلى العمل، في حين لا تزال آلاف الأسماء خارج القوائم، دون مبررات واضحة أو جدول زمني محدد.

اقرأ أيضاً: وقفة احتجاجية للمطالبة بمحاسبة الفاسدين وبقايا النظام بجامعة دمشق – 963+

معاناة المفصولين

قصة المعلم أحمد الحسون (44عاماً) من ريف إدلب الجنوبي، تختصر جانباً مؤلماً من معاناة آلاف المفصولين الذين حرمتهم الحرب من أدنى حقوقهم المهنية والمعيشية.

يقول أحمد لـ”963+” إنه فُصل من عمله عام 2012 بعد مشاركته في تظاهرة سلمية تطالب بالحرية والكرامة ورفع القبضة الأمنية عن مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية.

ويضيف بنبرة تعبّر عن خليط من الإحباط والمرارة: “اتهموني بالتحريض، رغم أني لم أحمل سلاحاً ولم أنتمِ لأي جهة سياسية، كانت التهمة جاهزة لكل من عبّر عن رأيه”.

ويشير إلى أن قرار فصله لم يكن مجرد عقوبة مهنية، بل كان حكماً بالإقصاء الاجتماعي والاقتصادي، إذ حُرم من راتبه ومن كامل سنوات الخدمة التي تجاوزت عشر سنوات، وفقد معها استحقاقه التقاعدي.

ويوضح أنه اضطر إلى العمل في الدروس الخصوصية بشكل متقطع لتأمين احتياجات أسرته، في ظل ظروف معيشية صعبة، معتبراً أن “الفصل لم يوقف حياتي المهنية فحسب، بل قطع خيط الأمان لعائلتي بأكملها”.

وبعد سقوط النظام، بادر الحسون لتقديم أوراقه للجان المختصة في مديرية التربية على أمل العودة إلى عمله، لكنه لم يتلقَّ أي رد رسمي حتى اليوم، لافتاً إلى أن العديد من زملائه يعيشون الوضع ذاته، وأن حالة الإحباط تتزايد بينهم مع غياب الوضوح من الجهات الحكومية.

ويضيف: “كل يوم نسمع وعوداً جديدة، لكن لا قرارات على الأرض، البعض فقد الأمل، والبعض الآخر يواصل المراجعة أملاً بفرج قريب، لكن الصمت الرسمي يضاعف القلق”.

 وفي إشارة منه إلى أن القضية بالنسبة له لم تعد مسألة وظيفة فقط، بل قضية كرامة وعدالة، يقول: “نحن لم نرتكب جرماً، بل مارسنا حقنا في التعبير، إذ أن إنصافنا اليوم ليس منّة من أحد، بل استحقاق يجب أن يتحقق حتى تستعيد الدولة ثقة مواطنيها”.

وفي آب/أغسطس الماضي، أعلنت رئاسة مجلس الوزراء في الحكومة الانتقالية تشكيل لجنة مركزية لدراسة أوضاع المفصولين من عام 2011 حتى نهاية 2024، تضم ممثلين عن وزارات التربية والتنمية الإدارية والعدل.

لكن، وبعد مرور أكثر من شهرين، لم يصدر أي جدول زمني واضح، ولم تُحدَّد مراحل التنفيذ أو أولويات القطاعات، حيث اكتفت التصريحات بالتأكيد على أن “الملف قيد الدراسة النهائية”، وهو تعبير بات متكرراً في التصريحات الحكومية دون ترجمة عملية.

سعاد توفيق (46عاماً) وهي معلمة لغة عربية من إدلب، فُصلت عام 2013 عقب مشاركتها في إضراب مدرسي طالب بوقف التدخلات الأمنية داخل المدارس.

اعتُبر الإضراب آنذاك فعلاً “معاديًا للدولة”، فصدر قرار فصلها دون تحقيق أو إنذار، لتجد نفسها خارج المهنة التي كرّست لها أكثر من عشر سنوات من حياتها.

تقول سعاد لـ”963+” إن القرار لم يكن إجراءً إدارياً فحسب، بل نقطة تحوّل قاسية في حياتها المهنية والشخصية، إذ خسرت مصدر دخلها الوحيد واضطرت لإعالة والديها المسنين من أعمال متفرقة لا تليق بخبرتها الأكاديمية.

وتضيف أن الحرب زادت من حجم معاناتها، فقد اضطرت للنزوح أكثر من مرة، وفقدت معظم وثائقها الرسمية، ما جعل مسار استعادة حقوقها أكثر تعقيدا، وعلى الرغم من ذلك، أعادت تقديم أوراقها للجان المختصة بعد سقوط النظام، لكنها لم تتلق أي رد حتى اليوم، شأنها شأن مئات المعلمين الذين ينتظرون وعودا مؤجلة بلا نتائج ملموسة.

وما يضاعف شعور المفصولين بالغبن، بحسب سعاد، هو المفارقة في المعاملة، إذ عاد العديد ممن خدموا النظام السابق إلى وظائفهم، بينما بقي من عارضه خارج المؤسسات، إذ أن هذا التفاوت في الإنصاف أعاد إنتاج شعور عام بانعدام العدالة، وكرّس قناعة لدى كثيرين بأن المحسوبيات لا تزال تتحكم في القرارات الإدارية.

وتوضح سعاد أن مطلبها لا يتعلق بإعادة التوظيف فقط، بل باسترداد الكرامة المعنوية والاعتراف بالظلم الذي لحق بفئة واسعة من الكوادر التربوية، إذ أن إنصاف المفصولين يمثل اختباراً حقيقياً لجدّية الدولة في بناء مرحلة جديدة قوامها العدالة والمصالحة، لا التمييز والإقصاء.

اقرأ أيضاً: وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تجري تقييماً للموظفين قبل إعادة تعيينهم – 963+

تمويل وآليات تنفيذ

مصدر في وزارة التنمية الإدارية يقول لـ”963+” إن اللجنة “أنهت المرحلة الإحصائية من عملها”، مضيفاً أن “الإشكال المتبقي هو في التمويل وآليات التنفيذ”، دون تحديد موعد لإصدار القرار النهائي.

وشهدت مدن مثل إدلب وحلب ودمشق وقفات احتجاجية متكررة خلال الأشهر الماضية، حيث نفذ مئات المعلمين تجمعات سلمية للمطالبة بإعادتهم إلى وظائفهم وصرف تعويضاتهم عن سنوات الفصل.

من جهته، يقول الناشط الحقوقي وخبير الشؤون الإدارية محمد الأصفر (35عاماً) إن استمرار التأخير في البتّ بملف المفصولين يهدد بتحول الغضب الشعبي إلى احتجاجات واسعة ومنسقة، قد تتجاوز الوقفات الرمزية التي شهدتها بعض المدن خلال الأشهر الماضية.

ويضيف أن طول الانتظار وفقدان الثقة بالوعود الحكومية يزيد من احتمالات التصعيد، ما قد يؤدي إلى توتر اجتماعي واسع، خاصة في المناطق التي تعاني أوضاعا اقتصادية متدهورة وضغوطا معيشية متصاعدة.

ويوضح الأصفر أن خطورة الملف لا تقتصر على بعده الاجتماعي، بل تمتد إلى تآكل الثقة بالحكومة الانتقالية، معتبرا أن عجزها عن معالجة قضية المفصولين، الذين يمثلون شريحة من “الشرعية الثورية”، يعيد إنتاج شعور بالظلم التاريخي الذي خرج السوريون لإنهائه.

ويشير إلى أن جذور المشكلة ليست تقنية أو إدارية بقدر ما هي سياسية بامتياز، لافتا إلى أن اللجان الحكومية اكتفت بجمع البيانات والأرقام دون قرارات تنفيذية واضحة، ما جعل القضية تراوح مكانها منذ شهور.

ويعتبر أن الحل يبدأ بإعلان جدول زمني محدد يوضح مراحل إعادة الموظفين وصرف حقوقهم المالية، لتجنب تراكم الإحباط وفقدان الثقة بالمؤسسات.

وتتطلب معالجة الملف، بحسب الأصفر، ثلاث خطوات عاجلة، تبدأ بإصدار تصريح رسمي يحدد إطاراً زمنياً واضحاً للتنفيذ، وصرف دفعات مالية مرحلية للمفصولين الذين استكملت ملفاتهم، بالإضافة لتشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين عن المفصولين لمراقبة التنفيذ وضمان الشفافية.

كما دعا إلى إطلاق منصة إلكترونية موحدة تتيح متابعة الملفات بشكل مباشر، للحد من البيروقراطية وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن.

ويقول المعلم مروان العلي (47عاماً) وهو أحد المفصولين من محافظة حماة، إن النقاش الدائر حول ملف المفصولين جاء في وقت حساس تزامن مع زيادات كبيرة في رواتب الموظفين التي تجاوزت في بعض الحالات ألف دولار شهريًا، في حين وصل راتب الموظف العادي إلى 500 دولار.

ويشير إلى أن هذا التباين في الرواتب يعمّق الإحساس بالظلم لدى آلاف المفصولين الذين يعيشون بلا مصدر دخل منذ أكثر من عقد.

ويضيف العلي أن الزيادات الأخيرة لم تقتصر على المناصب العليا، بل شملت قطاعات العدل والدفاع والصحة، وهو ما أثار موجة استياء واسعة في أوساط المفصولين الذين يرون أن الحكومة تملك القدرة المالية على تمويل الزيادات لكنها تتجاهل المطالب المتعلقة بإنصافهم وإعادتهم إلى وظائفهم.

ويوضح أن كثيراً من المفصولين يعتبرون هذه القرارات مؤشّرًا على غياب الأولويات في إدارة المرحلة الانتقالية، إذ يتم تحسين أوضاع المراكز العليا بينما تُترك الفئات المتضررة دون أي تعويض أو دعم.

ويشير العلي إلى أن استمرار هذا النهج قد يفتح الباب أمام فقدان الثقة بالجهات الرسمية، مؤكداً أن العدالة لا تتحقق بزيادة رواتب النخبة، بل بإعادة الحقوق إلى من دفعوا ثمن مواقفهم وشاركوا في التغيير الذي أفرز الواقع الجديد.

+963

——————-

========================

تحديث 30 تشرين الأول 2025

——————————–

 خط الحجاز يعود: الربط البري بين السعودية وسوريا ينطلق/ رهام علي

الخميس 2025/10/30

في خطوة تاريخية من شأنها إعادة رسم خريطة النقل والتجارة في المنطقة، أعلنت المملكة العربية السعودية عن تنفيذ الربط البري بين العاصمة الرياض ودمشق.

المسار يذكّر بمشروع خط الحجاز الشهير، الذي كان يوماً شرياناً حيوياً للحركة الاقتصادية والثقافية بين الجزيرة العربية وبلاد الشام، ويأتي الإعلان في توقيت حساس يعكس الطموحات الاقتصادية السعودية لتعزيز التكامل الإقليمي وفتح آفاق جديدة أمام التجارة والاستثمار، كما يظهر رؤية استراتيجية تهدف إلى تعزيز الروابط التجارية والبنية التحتية بين الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

رحلة خط الحجاز لم تعد مجرد ذكرى تاريخية، بل تتحول اليوم إلى فرصة اقتصادية مستقبلية تحمل إمكانات ضخمة للنقل البري والتجارة العابرة للحدود.

خط الحجاز.. جسر التجارة البري

ويشير الباحث الاقتصادي أدهم قضيماتي في حديثه مع “المدن”، إلى أن مشروع الربط البري بين الرياض ودمشق ليس فكرة جديدة، إذ سبق أن طُرح من قبل الجانب التركي والطرف السوري بهدف إنشاء شبكة خطوط برية تربط تركيا شمالاً بالأردن والدول الخليجية، وليس السعودية وحدها. ويعتبر قضيماتي أن للمشروع بعداً اقتصادياً ضخماً، بالنظر إلى الإمكانات الهائلة التي يوفرها في نقل البضائع وتعزيز التجارة البينية.

ويضيف أن نجاح المشروع يتطلب دراسات دقيقة وخطط لوجستية متكاملة لضمان أن تكون الطرقات الدولية المخدمة عالية الكفاءة، ما يستلزم تمويلاً ضخماً، تنفيذًا دقيقًا، وتجهيز الممرات والمناطق التي سيمر منها الخط. وبحسب توقعاته، من المرجح أن يبدأ الخط عملياً خلال فترة تتراوح بين سنتين إلى أربع سنوات.

كذلك، يوضح الباحث الاقتصادي أن تنفيذ المشروع سيكون مقسماً على مراحل، بحيث تغطي كل مرحلة الدول التي يربطها الخط (تركيا، الأردن، سوريا، ودول الخليج)، مع احتمالية توسعة المشروع مستقبلاً ليصل إلى ربط دول أوروبا بالخليج. مؤكداً أن هذا الخط قد يتحول إلى بديل استراتيجي في أوقات الأزمات البحرية، مستذكراً أزمة كورونا حين تعطل جزء كبير من النقل البحري والحاويات.

بالتوازي يلفت قضيماتي إلى أنه لو كان خط الحجاز مجهزاً آنذاك، لخفف الضغط على الناقلات البحرية وتخزين الحاويات، وساهم في استمرار حركة التجارة بين الدول بسلاسة أكبر.

الأثر الاقتصادي لمشروع الربط البري

ويمثل مشروع الربط البري عبر خط الحجاز نقلة نوعية في تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي. ووفقًا لتقرير صادر عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، من المتوقع أن يؤدي تحسين البنية التحتية للنقل البري إلى خفض تكاليف التجارة بنسبة تتراوح بين 5.4 في المئة و17.2 في المئة، ما يسهم في زيادة حجم التجارة البينية بين الدول المرتبطة عبر الممر اللوجستي.

وتشير الدراسات إلى أن تطوير ممرات النقل الإقليمية يمكن أن يحسن التوازن التجاري، خصوصاً في الدول التي تعتمد بشكل كبير على النقل البري. من جهة أخرى، تُظهر البيانات أن السعودية استثمرت 6.4 مليار دولار في مشاريع إعادة الإعمار في سوريا، تشمل البنية التحتية والاتصالات، مما يعكس التزامًا قويًا بتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين.

أنقرة تدخل على خط الإحياء التاريخي

في السياق، أكد وزير التجارة التركي عمر بولات حرص بلاده على إحياء طريق الشرق الأوسط التاريخي الذي يمر عبر سوريا والأردن، بالتنسيق مع حكومة دمشق. وأوضح أن الممر سيسهم في تعزيز حركة التجارة بين أوروبا ودول الخليج عبر مسار بري متكامل يمتد من تركيا جنوباً حتى شبه الجزيرة العربية.

ويأتي هذا التنسيق في إطار التعاون الاقتصادي المتنامي بين أنقرة ودمشق، وضمن رؤية مشتركة تهدف إلى تحويل الطريق التاريخي إلى ممر تجاري عصري يعيد ربط الشرق بالغرب، ويختصر المسافات الزمنية والتكلفة اللوجستية لحركة البضائع. ويُنظر إلى المشروع كـمكمّل استراتيجي لخط الحجاز التاريخي ومحور رئيسي في شبكة النقل الإقليمي الجديدة التي تسعى دول المنطقة لتفعيلها.

شراكة تعيد سوريا إلى قلب التجارة الإقليمية

من جهته، يؤكد الباحث الاقتصادي في شركة كرم شعار للاستشارات ملهم الجزماتي أن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى المملكة تمثل منعطفاً استراتيجياً للاقتصاد السوري، إذ تُرسي أسس مرحلة جديدة من التعاون العربي القائم على المشاريع الاقتصادية القابلة للتنفيذ، لا على الخطابات السياسية.

فالزيارة، كما يقول الجزماتي، “لم تكن بروتوكولية بقدر ما جاءت تتويجاً لمسار متكامل من الانفتاح الإقليمي على سوريا بعد سنوات من العزلة الاقتصادية”، وهو ما تعكسه تصريحات كبار المسؤولين السعوديين، وعلى رأسهم وزير الاستثمار السعودي الذي أكد قرب تنفيذ مشروع الربط البري، في إشارة واضحة إلى جدية المملكة في التطبيق العملي.

ويرى الجزماتي في حديثه مع “المدن”، أن المشروع يُعد من أهم المشاريع الإقليمية ذات التأثير الاقتصادي المباشر، إذ سيشكّل ممرًا استراتيجيًا يربط الخليج ببلاد الشام وتركيا وأوروبا عبر الأراضي السورية. إعادة تفعيل هذا المسار تعني إعادة سوريا إلى موقعها الطبيعي كعقدة وصل تجارية بعد أن فقدت هذا الدور خلال سنوات الحرب.

وعلى المستوى اللوجستي، يوضح الجزماتي أن المشروع سيحدث تحولاً في حركة التجارة الإقليمية من خلال خفض تكاليف النقل وزمن الشحن مقارنة بالطرق البحرية عبر قناة السويس، ما سينعكس مباشرة على تنافسية الصادرات الخليجية. كما سيُنعش قطاع النقل البري والترانزيت السوري الذي كان يشكل قبل عام 2011 أحد أهم مصادر الدخل القومي، إذ سيساعد في إعادة تشغيل الشركات العاملة في النقل والخدمات اللوجستية ويوفر آلاف فرص العمل في مجالات الصيانة، الضيافة، والإمداد.

أما على الصعيد الإقليمي، يؤكد الجزماتي أن الربط سيخلق سلسلة إمداد تجارية جديدة بين الخليج وشرق المتوسط، ويمهّد لقيام منطقة عبور اقتصادية تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط، ما يجعل المشروع بديلاً فعّالاً للممرات البحرية المهددة بالتقلبات الجيوسياسية.

ويشير إلى أن العائدات السورية من رسوم العبور والضرائب الجمركية ستكون أحد أهم مصادر النقد الأجنبي المستدام، كما ستدفع نحو تأهيل البنية التحتية للنقل – من طرق وجسور ومرافئ برية – بالشراكة مع الشركات الخليجية، ما يفتح الباب أمام استثمارات كبيرة في مجالات البناء، التمويل، التأمين، والخدمات اللوجستية.

ويختم الجزماتي بالقول إن المشروع، إلى جانب كونه اقتصاديًا، يحمل أبعاداً سياسية متكاملة، إذ يشكل بوابة لإعادة دمج سوريا تدريجياً في النظام الاقتصادي العربي والدولي. فالشراكة مع السعودية، بما تمتلكه من ثقل مالي واستثماري إقليمي، ترسل إشارات طمأنة للأسواق الدولية بأن سوريا تدخل مرحلة من الاستقرار والانفتاح الاقتصادي، ما قد يفتح الباب مستقبلاً أمام تخفيف العقوبات وعودة البلاد إلى الخريطة الاستثمارية في الشرق الأوسط.

الجهود الثلاثية لإحياء خط الحجاز

سلطت “المدن” الضوء على الاتفاق الثلاثي بين سوريا وتركيا والأردن لإحياء خط الحجاز التاريخي في 20 تشرين الأول الجاري، ضمن تقرير بعنوان: “خط الحجاز التاريخي يتحرّك بجهود ثلاثية: انطلاق نحو المستقبل!”

أشار التقرير إلى تفاصيل اجتماع وزراء النقل في الدول الثلاث في عمّان، الذي انتهى بالاتفاق على استكمال 30 كيلومترًا من المسار داخل الأراضي السورية بدعم تركي مباشر، وتكليف الأردن بدراسة الإمكانيات الفنية لتشغيل وصيانة القاطرات الخاصة بها حتى دمشق.

كما تم بحث تعزيز الربط الإقليمي من خلال ممرات نقل جديدة تربط تركيا بالبحر الأحمر عبر ميناء العقبة، فيما تناول التقرير الجهود السورية لإعادة تأهيل البنية التحتية للخط، وإمكانية أن يصبح المشروع منافسًا لقناة السويس في بعض أنواع الشحن البري-البحري.

المدن

—————————–

ما تداعيات قرار «المركزي السوري» على المصارف اللبنانية؟/ ماهر سلامة

ماهر سلامة

الخميس 30 تشرين اول 2025

أصدر مصرف سوريا المركزي، الأسبوع الماضي، توجيهات تُلزم المصارف بتغطية كامل انكشافها على القطاع المالي اللبناني خلال ستة أشهر، أي ما قيمته 1.6 مليار دولار وفق تصريح حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية.

فُهم من هذا الإجراء والمدّة القصيرة الممنوحة للمصارف لتأمين هذا المبلغ، أنه بات على المصارف السورية، بما فيها خمسة مصارف ذات مساهمات لبنانية واسعة، أن تضخّ رساميل جديدة لتعويض خسائرها، سواء من أموالها الحرّة، أو من خلال مستثمرين جدد. توقيت القرار ومدّته وشكله من دون أي تنسيق مع مصرف لبنان، كل ذلك يثير الشكوك بأن الهدف إجبار المستثمرين اللبنانيين وحتى السوريين، على بيع كامل أو جزء من ملكياتهم في المصارف العاملة في سوريا. هوية المستثمرين الجدد لن تكون لغزاً.

الانكشاف على لبنان يعني أن المصارف السورية لديها مبالغ مودعة أو موظّفة في القطاع المالي في لبنان. وتغطية الانكشاف بشكل كامل تعني الاعتراف بأن هذه المبالغ تحوّلت من ودائع وتوظيفات إلى خسائر محقّقة تفرض على المصارف السورية تغطيتها بـ«مؤونات». وبما أن حجم الانكشاف وفق تصريح الحصري يبلغ 1.6 مليار دولار، فهذا يعني أنه يترتب على المصارف السورية تغطية المبلغ بنسبة 100%، وهذا رقم يمثّل ضغطاً كبيراً على المصارف العاملة هناك، ومن بينها المصارف المملوكة من مصارف لبنانية.

بحسب المعلومات المتوافرة، فإن حجم انكشاف المصارف السورية المملوكة بنسبة كبيرة من المصارف اللبنانية لا يتجاوز 500 مليون دولار، أي نحو 31% من مجمل الانكشاف، ومعظم هذا المبلغ يتركّز في مصرفين اثنين، وأن باقي المبلغ المطلوبة تغطيته هو خسائر مُنيت بها المصارف السورية الأخرى التي تترتّب عليها تغطيتها.

وفق مطّلعين على القطاع المالي السوري، فإن مصدر الانكشاف على القطاع المالي في لبنان، يعود إلى مسألتين أساسيتين؛ الأولى، أن الحصار على سوريا في العقود الماضية دفع هذه المصارف إلى التعامل مع مصارف لبنانية لتغطية عمليات استيراد وتحويلات مالية أخرى، إذ لم تكن لديها مصارف مراسلة في الخارج تتعامل معها، فضلاً عن الصعوبات التي كانت تواجهها في فتح حسابات لها في البلدان الأوروبية. ثم انفجرت الحرب في سوريا واشتدّ الحصار، ما دفع الكثيرين إلى اللجوء إلى المصارف اللبنانية لإيداع أموالهم فيها أو لاستعمالها كمحطة وسيطة للانطلاق نحو الخارج.

وكانت المصارف اللبنانية توسّعت إلى سوريا في السنوات التي سبقت انفجار الحرب الأهلية هناك، إذ صدر في عام 2001 القانون الرقم 28 الذي أتاح إنشاء مصارف خاصة، ثم جاءت خطّة «الانفتاح» تحت شعار «اقتصاد السوق الاجتماعي» الذي اعتُمد رسمياً في عام 2005، لتشكّل ترجمة واضحة لانتقال سوريا من «الاقتصاد الموجّه» إلى «اقتصاد السوق»، وهو ما استدعى فتح السوق المصرفية للقطاع الخاص بدلاً من الاعتماد على المصارف الحكومية فقط.

هكذا اندفعت المصارف اللبنانية إلى هناك على وقع إشباع السوق المحلية وتضخّم أصولها في لبنان إلى أكثر من 3 أضعاف الناتج المحلي، فجاء قرار توسّعها نحو الخارج ترجمة لهذه التطورات التي وجدت في حقائق التاريخ والجغرافيا بين البلدين منفذاً للتنفيس الورم. فالسوق السورية منظّمة بشكل عميق، وهي سوق واسعة فيها نفط وغاز بعدد سكان كان يبلغ 20 مليون شخص وعدد كبير من السياح، وتعاني من عطش مزمن إلى التمويل للمؤسسات وللأفراد.

بنتيجة هذا الوضع، أسّست 7 مصارف لبنانية مصارف تابعة لها في سوريا، منها ستة تصل ملكيتها إلى 49% وواحد يملك 29%. وأسماء هذه المصارف كانت تمزج بين الاسم التجاري المُتداول في لبنان والهوية السوقية الجديدة، وقبل انفجار الحرب في سوريا صدر قرار يسمح للمصارف بزيادة نسبة الملكية الخارجية إلى أكثر من 49%، لذا خطّطت المصارف لتجاوز النسب السابقة، وهو بالفعل ما حدث. فبحسب إفصاحات المصارف ذات المساهمات اللبنانية لسوق دمشق للأوراق المالية، فإن الملكيات صارت على النحو الآتي:

– بنك سوريا والمهجر: المملوك بنسبة 49% لبنك لبنان والمهجر.

– بنك بيمو السعودي الفرنسي: المملوك بنسبة 22% لبنك بيمو اللبناني ونحو 27% للبنك السعودي الفرنسي.

– شهبا بنك: الذي كان مملوكاً بنسبة 59% لبنك بيبلوس سنة 2023 ولكن أصبح مملوكاً بنسبة 35% لبنك بيمو السعودي الفرنسي وبنسبة 24% لبنك الائتمان الأهلي سنة 2024.

– فرنسبنك سوريا: المملوك بنسبة 55.6% لفرنسبنك اللبناني.

– بنك الشرق: المملوك بنسبة 49% للبنك اللبناني الفرنسي.

بضاف إلى ذلك، أن هناك مصرفاً لبنانياً واحداً يملك 7% من أحد المصارف السورية.

في الواقع، أدّى الترابط بين مصارف سوريا ومصارف لبنان، إلى لعب المصارف السورية ذات المساهمات اللبنانية، دور القناة التي وجّهت أموالاً سورية نحو القطاع المصرفي اللبناني. وبنتيجة ذلك، أصبحت أكثر تعرّضاً لخسائر انهيار المصارف اللبنانية، بحكم أن جزءاً كبيراً من أصولها موظّف هناك.

وبحسب التقديرات التي تشير إلى أنه يترتّب على المصارف اللبنانية أن تغطّي 500 مليون دولار من الانكشاف السوري أمام المصارف اللبنانية، فإن المصارف السورية التي فيها مساهمات لبنانية قد تكون في وضع صعب بعدما أصبح هذا المبلغ يساوي 11% من مجمل رساميل المصارف في لبنان المُصرّح عنها خلافاً لوقائع الإفلاس التي تفيد بأن غالبية المصارف في لبنان لديها رساميل سلبية.

ويقول كبير الاقتصاديين في بنك بيبلوس، نسيب غبريل، إن «تغطية هذا الانكشاف لا يجب أن تكون بالضرورة متناسبة مع حصّة المصارف اللبنانية في المصارف السورية المذكورة، فليس هناك ما يحدّد هذه الآلية».

كما يشير إلى أنه «في الوضع الحالي للقطاع المصرفي اللبناني، يُعتبر هذا الانكشاف الذي يجب تغطيته بنسبة 100% رقماً كبيراً».

بمعزل عن حجم الانكشاف، صغيراً كان أم كبيراً، إلا أن ما يثير الاهتمام هو القرار السوري القاضي بتغطية الخسائر خلال فترة ستة أشهر فقط. فهذا القرار يصدر على يد الحصري الذي كان يعمل لدى مكتب شركة «إرنست آند يونغ» في سوريا وهو شارك في بعض عمليات التدقيق التي أجرتها الشركة لعدد من المصارف اللبنانية.

وهو على علم أيضاً بأنه في أيام النظام السوري السابق صدر قرار عن مجلس النقد والتسليف يحاول التعامل مع هذه الخسائر بطريقة مختلفة وتدريجية لتنظيم ومعالجة التعرّضات الائتمانية للمصارف السورية لدى المصارف اللبنانية بعد الأزمة المالية في لبنان. ونصّ القرار على «تصنيف هذه التعرّضات كمتعثّرة اعتباراً من نهاية عام 2021، وإلزام المصارف السورية بتقدير خسائر انخفاض القيمة تدريجياً حتى نهاية عام 2022 بنسبة لا تقلّ عن 30%، وفقاً لمعايير المحاسبة الدولية والإسلامية».

كما يُلزم القرار المصارف بتزويد مفوّضية الحكومة بخطط تغطية الفجوة المالية، والامتناع عن توزيع الأرباح قبل تكوين المخصّصات المطلوبة، ويعفيها من العقوبات السابقة إذا التزمت بالتنفيذ، مشدّداً على أن المسؤولية الكاملة تقع على المصارف السورية عن تعرّضاتها في لبنان، مع ضرورة اتخاذ الإجراءات الوقائية لتقليل المخاطر المستقبلية.

في الواقع، هذه المقاربة جنّبت المصارف السورية اعترافاً فورياً بخسائر فادحة. وكانت قد عالجت جزءاً من المشكلة، إذ إن كل المصارف التزمت بها، ووضعت مؤونات بنسبة 30% من انكشافها على المصارف اللبنانية، حتى إن بعض المصارف ذهب لوضع مؤونات بنسبة 60% من الانكشاف.

أمّا اليوم، وبعد مرور ست سنوات تقريباً على انهيار المصارف اللبنانية، فقد ارتأت السلطات النقدية السورية تصنيف الأموال العالقة في لبنان كخسائر فعلية يجب تغطيتها بالكامل. وهذا القرار يأتي من دون أي تنسيق بين حاكم مصرف سوريا المركزي وحاكم مصرف لبنان، أي السلطتين المعنيّتين بالأمر في بلدين يعانيان من انهيار ضخم وهائل.

التجارة بين البلدين

تقلّبت العلاقة التجارية بين لبنان وسوريا في السنوات العشر الأخيرة، إذ مرّت بمراحل مختلفة. بشكل عام بقي لبنان بلداً مُصدّراً إلى سوريا إذا ما احتسبنا صافي الحركة التجارية.

انخفضت حركة التصدير إلى سوريا بعد إصدار قانون قيصر عام 2020، وهو الذي عرّض الاقتصاد السوري للعقوبات، وهو ما أسهم في انخفاض حركة التصدير من معدّل 210 ملايين دولار سنوياً، إلى نحو 107 ملايين دولار عام 2020 و91 مليون دولار عام 2021. إلا أن الدعم على المحروقات في لبنان، الذي تزامن مع شحّ بالمحروقات في سوريا في ذلك الوقت، أسهم في ارتفاع حجم التصدير من لبنان إلى سوريا إلى نحو 356 مليون دولار في 2022.

بعد ذلك عادت حركة التصدير إلى الانخفاض إلى ما دون الـ100 مليون دولار سنوياً، وذلك بسبب رفع الدعم في الجهة اللبنانية. لكن استمرت حركة التهريب إلى سوريا، خصوصاً مع هامش الفرق في الأسعار بين البلدين الذي بقي مرتفعاً نسبياً حتى بعد رفع الدعم في لبنان. ولم يقتصر التهريب على المحروقات، بل امتد إلى الكثير من السلع التي لم تكن سوريا تستطيع أن تستوردها بسبب العقوبات.

عام 2025، بعد سقوط النظام، ورفع العقوبات جزئياً، عاد التصدير من لبنان إلى سوريا للارتفاع، إذ بلغت قيمة الصادرات نحو 103 ملايين دولار في الأشهر الثمانية الأولى من السنة. في حين انخفض الاستيراد من سوريا إلى نحو 70 مليون دولار بعدما كان يبلغ نحو 133 مليون دولار في 2024، وهو ما يُشير إلى انخفاض الإنتاج السوري عقب تغيير النظام، بسبب الأوضاع الاقتصادية والأمنية.

تزامنت عودة الصادرات اللبنانية إلى سوريا أيضاً مع الانفتاح السوري على البضائع الأجنبية، التي كانت الدولة تضع قيوداً على استيرادها، لأسباب مختلفة، منها دعم البضائع المحلية.

21

هو عدد المصارف الإجمالي في سوريا، منها نحو 15 مصرفاً خاصاً، في حين أن عدد المصارف الإسلامية هناك هو 4، كما إن هناك 6 مصارف عامة تابعة للدولة

الاخبار

——————————

 سوق لبيع الأرصدة المجمدة في البنوك السورية.. أحدث تداعيات حبس السيولة/ محمد كساح

2025.10.29

يفرض مصرف سوريا المركزي قيوداً صارمة على عمليات السحب النقدي من البنوك حيث يسمح للعملاء بسحب 600 ألف ليرة لكل عملية سحب بينما قامت بعض المصارف برفع حد السحب إلى مليون ليرة.

ونَشّط هذا الرقم المحدود جداً مقارنة بحجم الودائع خاصة المتعلقة بالفاعلين الاقتصاديين سوق بيع الأرصدة المجمدة، حيث يلجأ قسم من المودعين إلى الاعتماد على عملاء آخرين يشترون الودائع المجمدة بأسعار أقل مقابل تسليمهم المبالغ التي يحتاجونها.

المركزي وضخ السيولة.. معضلة مزدوجة

ولا يعكس إصرار مصرف سوريا المركزي على ما يُعرف بسياسة حبس السيولة أو تجفيفها مجرد توجّه اقتصادي محسوب، بل هو نتيجة لأزمة نقدية حقيقية يعيشها الجهاز المصرفي. فالمركزي يقدّم هذا التوجه على أنه أداة لكبح التضخم والتحكم بسعر الصرف، من خلال تقليص كمية الليرة المتداولة والحدّ من الطلب على الدولار في السوق الموازية، بما يخلق استقرارًا شكليًا لسعر الصرف، وفقاً لحديث الباحث الاقتصادي في شركة “كرم شعار للاستشارات” ملهم جزماتي لموقع تلفزيون سوريا.

لكن في الواقع، لا يمتلك المركزي اليوم القدرة على ضخ سيولة، حتى لو أراد ذلك. ويوضح جزماتي أن جزءاً كبير من ودائع السوريين جرى استخدامه في السنوات الأخيرة لتمويل عجز الحكومة، وهذه الأموال لم تُستعد، مما خلق نقصًا فعليًا في الكتلة النقدية المتاحة. بالتالي، فإن تقييد السحب لم يعد خيارًا استراتيجيًا بقدر ما أصبح إجراءً اضطراريًا لإدارة العجز في السيولة أكثر من كونه سياسة نقدية واعية ومستدامة.

أما الباحث في الشأن الاقتصادي السوري إياد الجعفري فيوضح أن تقييد السيولة يشكل معضلة مزدوجة، وليس من السهل حلها. نظراً لأنه لو تم رفع القيود عن السحب من الحسابات المصرفية، فإننا قد نجد إقبالاً كبيراً من السوريين لسحب جانب كبير من أموالهم من المصارف، مما سيؤدي لانهيار كبير في سعر صرف الليرة مقابل الدولار. وهذه نتيجة سنوات من القيود على حرية السحب من المصارف، فرضها نظام الأسد المخلوع، وما تزال قائمة حتى الآن، بصورة ولّدت عدم ثقة بالقطاع المصرفي السوري.

ويضيف خلال حديث لموقع تلفزيون سوريا أن القضية تتسم بتداخل واضح بين السبب والنتيجة، فالسبب يؤدي إلى النتيجة، التي تدفع إلى السبب ذاته، الذي يعمّق النتيجة ذاتها، وهكذا دواليك. فالنظام المخلوع أدخل القطاع المصرفي السوري في دوامة، ليس من السهل الخروج منها، دفعة واحدة، بل بالتدريج.

تداعيات التقييد سلبية

يتفق كل من جزماتي والجعفري على أن سياسة حبس السيولة انعكست سلبًا على الاقتصاد والمجتمع السوري في آنٍ واحد. فقد تسببت أولاً في ركود حاد داخل الأسواق، إذ أصبح التجار وأصحاب المنشآت غير قادرين على تمويل عملياتهم اليومية أو شراء المواد الأولية أو دفع الأجور، مما أدى إلى توقف عدد من خطوط الإنتاج وإغلاق منشآت صناعية كاملة.

ويرى جزماتي أن هذه القيود أدت إلى تآكل الثقة بالنظام المصرفي، حيث فقد المواطنون الإحساس بقدرتهم على التصرف بأموالهم، فامتنعوا عن الإيداع وفضّلوا الاكتناز المنزلي أو تحويل مدخراتهم إلى عملات صعبة. وبذلك خرجت كتل نقدية ضخمة من الدورة الاقتصادية الرسمية، ما عمّق الانكماش الاقتصادي وأضعف قدرة الدولة على إدارة السياسة النقدية بفعالية.

أما النتيجة الأعمق، التي يلمسها جزماتي، فهي أن هذه السياسة دفعت السوريين إلى ابتكار قنوات موازية وغير رسمية للتعامل المالي، كان أبرزها سوق بيع الأرصدة المصرفية التي ظهرت كردّ فعل مباشر على تجميد الودائع.

من جانبه يرى الجعفري أن فرض قيود على السحب، بدايةً، كان هدفه الحد من المضاربة على الليرة في السوق السوداء، في عهد النظام البائد، والحد من السيولة من الليرة في الأسواق، بصورة تتيح ضبط سعر صرفها، وتحميها من انهيار دراماتيكي.

لكن النتيجة كانت فقدان الثقة بالقطاع المصرفي، بحيث من المتوقع إن رُفعت القيود أن يؤدي ذلك إلى موجة سحب جماعية للسيولة من المصارف، وهو ما سيؤدي إلى النتيجة ذاتها، التي فُرضت القيود، بدايةً، من أجل منع حدوثها، وهو ما يجعل المركزي، اليوم، عاجزاً عن معالجة هذه المعضلة، دفعةً واحدةً، فهو يحتاج إلى معالجة تدريجية، عبر تخفيف القيود تدريجياً، بالتوازي مع زيادة النشاط الاقتصادي الإنتاجي والخدمي، بصورة تدفع السيولة المسحوبة باتجاه تغذية هكذا نشاط، لا باتجاه الاتجار بالعملة، بوصفها أفضل القطاعات الربحية المتاحة في ظل الركود في النشاط الاقتصادي العام.

سوق موازية لبيع الأرصدة المجمدة

وفي ظل هذه الظروف المعقدة والمتشابكة، يُطرح السؤال التالي داخل السوق المالية السورية: ماذا يمكن للفاعلين الاقتصاديين أن يفعلوا لمواجهة هذه المعضلة؟

يرصد الباحث ملهم جزماتي أنه في ظل غياب السيولة وضعف النظام المصرفي، لجأ الفاعلون الاقتصاديون إلى ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد البقاء”، أي ابتكار وسائل مؤقتة للحفاظ على الحد الأدنى من النشاط التجاري، فزاد الاعتماد على الشيكات المؤجلة والتحويلات الإلكترونية كوسيلة دفع داخلية، رغم ما تحمله من مخاطر قانونية ومصرفية.

كما اتجه بعض التجار إلى تسعير السلع والخدمات بعملات أجنبية أكثر استقرارًا من الليرة، حتى وإن كان ذلك خارج الإطار القانوني، لتجنّب الخسائر الناتجة عن تقلبات سعر الصرف. واعتمد آخرون على العلاقات الشخصية وشبكات الثقة في إنجاز المعاملات التجارية بعيدًا عن النظام المصرفي، بينما لجأ البعض إلى سوق بيع الأرصدة للحصول على النقد اللازم لتسيير أعمالهم، رغم الخسارة الكبيرة التي يتكبدونها من جراء ذلك.

ويوضح أن ما يُعرف اليوم بـ”سوق بيع الأرصدة” أو “سوق الودائع المجمّدة” هو نتاج مباشر لأزمة السيولة.

ويشرح جزماتي الآلية المتبعة في هذه السوق بقيام المودع الذي لا يستطيع سحب أمواله بالتواصل مع تاجر أو سمسار في السوق الموازية يحتاج إلى إجراء تحويل مصرفي رسمي. يتم تحويل المبلغ من حساب المودع إلى حساب التاجر، مقابل أن يسلمه التاجر المبلغ نقدًا بعد خصم عمولة تتراوح بين عشرة إلى أربعين بالمئة من القيمة الأصلية، تبعًا لحجم المبلغ ومستوى المخاطرة.

ويتابع بأن هذه العملية أصبحت آلية غير رسمية لتدوير السيولة داخل السوق، لكنها تحمل انعكاسات سلبية عميقة. فهي أولاً تجبر المودعين على خسارة جزء كبير من مدخراتهم فقط ليتمكنوا من تحويلها إلى نقد. وثانيًا، تُعمّق فقدان الثقة بالنظام المصرفي الذي يبدو عاجزًا عن أداء وظائفه الطبيعية. كما تساهم في توسيع حجم الاقتصاد الموازي الذي لا يخضع لأي رقابة ضريبية أو مالية، ما يقلّص قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات. والأخطر من ذلك أنها تخلق أسعارًا متعددة للّيرة السورية وتشوّه القيمة الحقيقية للنقد المحلي، مما يجعل من الصعب على المصرف المركزي إدارة السياسة النقدية أو تحقيق استقرار نقدي حقيقي.

تنظيم القطاع المالي.. بطيء لكنه مستمر

من جانبه يلاحظ الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر وجود خطة مرحلية تهدف إلى إعادة تنظيم القطاع المصرفي بشكل تدريجي ومدروس، رغم محدودية التصريحات الرسمية، لكن الإجراءات الحالية تعكس توجُّهًا لتنظيم السيولة المتاحة، وتخفيف الضغوط على سعر الصرف؛ حيث منح المركزي البنوك مهلة ستة أشهر لتقديم خطط إعادة الهيكلة.

ويؤكد خلال حديث لموقع تلفزيون سوريا أن كثيرا من المواطنين باتوا ينظرون إلى أموالهم على أنها “محتجزة”، مما دفع بعضهم إلى سحب ما يستطيعونه فورًا، أو البحث عن بدائل خارج النظام المصرفي.

ويرى أن هذا المناخ يُؤثّر سلبًا على ثقافة الإيداع، ويُضْعِف قدرة المصارف على أداء دورها في تمويل السوق، خاصةً للمشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على السيولة المتاحة. كما أن تقييد السحب ينعكس على حركة الأسواق الاستهلاكية، ويقلّص الإنفاق، ما يزيد من تباطؤ النشاط الاقتصادي العام.

وفي ظل هذا الوضع، يلفت السيد عمر إلى أن النشاط غير الرسمي للسوق الموازية المتعلقة بشراء الأرصدة أو الودائع يعد مؤشراً على اختلال التوازن بين الحاجة إلى السيولة وقدرة النظام المصرفي على تلبيتها، مشيراً إلى أن هذه السوق، وإن بدت حلاً للبعض، لكنها تحمل مخاطر على الاستقرار المالي؛ إذ تُفقد المصارف قدرتها على تتبُّع حركة الأموال، وتخلق مسارات مالية موازية خارج الإطار القانوني والرقابي.

وفي هذا السياق، يلمِّح السيد عمر إلى أن حبس السيولة قد يُعالج الأعراض، لكنه لا يعالج جوهر الأزمة، ويوضح أنه من الممكن أن يطبق المركزي سياسات أكثر مرونة تأتي بنتائج أفضل، كأن يتم جذب السيولة عبر أدوات ادخارية بعوائد حقيقية، وتخفيف القيود تدريجيًّا ضمن خطة زمنية واضحة، ما يُعيد الثقة دون خلق ذُعر مالي. كذلك، فإن التمييز بين الحسابات الجارية والودائع طويلة الأجل قد يتيح مرونة أكبر دون التأثير على الاستقرار النقدي.

وأمام هذا الواقع، لا بد من التعامل بواقعية مع هذه المرحلة، من خلال تنويع الأدوات المالية وتخطيط السيولة بما يتناسب مع طبيعة القيود. كما أن التنسيق بين القطاع الخاص والمصرف المركزي يمكن أن يُساهم في تطوير حلول، تضمن الاستقرار من دون التضحية بالثقة المصرفية.

التحدي الأساسي لا يكمن فقط في إدارة النقد، بل في إدارة العلاقة بين المواطن والبنك، بين السوق والسياسة النقدية، بما يخلق توازنًا قابلًا للاستمرار. وفقاً للباحث يحيى السيد عمر.

—————————-

سوريا والبنك الدولي يبحثان مشاريع تطوير النقل البري والبنية التحتية

28/10/2025

بحث وزير النقل السوري يعرب بدر مع مدير قطاع النقل لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في البنك الدولي إبراهيم الدجاني والوفد المرافق، سبل دعم وتطوير البنية التحتية للنقل البري في سوريا.

2M0A7109 سوريا والبنك الدولي يبحثان مشاريع تطوير النقل البري والبنية التحتية

وأكد الوزير بدر خلال اللقاء الذي عقد في مبنى الوزارة بدمشق اليوم أهمية دعم مشاريع النقل البري، وتوفير التسهيلات والتمويل اللازم بها، بما يسهم في تحسين النقل الحضري في دمشق ومحيطها.

من جهته عرض مدير النقل البري في الوزارة علي أسبر عدداً من المشاريع الكبرى التي يمكن تنفيذها في سوريا، والتي تهدف إلى تحسين جودة النقل وتخفيف الازدحام المروري، وتوفير وسائل نقل آمنة ومستدامة للمواطنين.

من جانبه، أكد الدجاني أن البنك الدولي يسعى إلى بلورة رؤية شاملة، تعتمد على التحول الرقمي والتكامل في قطاع النقل، بما يعزز التنمية المستدامة في سوريا، مشيراً إلى أهمية التعاون المستمر مع وزارة النقل وبقية المؤسسات في إطار الخطة الخمسية لإعادة البناء في سوريا، وتقديم حلول نقل فعّالة وآمنة ومستدامة، تخدم المواطنين والمؤسسات على حد سواء.

شارك في الاجتماع معاون الوزير لشؤون النقل المستدام سنان الخير، ومستشارته للتحول الرقمي الدكتورة ريا عرفات، ومدير مكتب الوزير عبد العزيز مصطفى، ومدير التخطيط علي الخوالدي.

يشار إلى أن وزارة النقل السورية تستضيف ولأول مرة وفداً من البنك الدولي بهدف تعزيز التعاون لتطوير قطاع النقل.

————————–

خلال مقابلة مع CNN.. وزير الاقتصاد السوري يتوقع موعد رفع العقوبات الأمريكية

(CNN) —  توقع وزير الاقتصاد السوري محمد نضال الشعار، خلال مقابلة مع مراسلة شبكة CNN بيكي أندرسون، الأربعاء،  إلغاء العقوبات الأمريكية المفروضة على البلاد بنهاية العام، مما قد يُمهد الطريق للاستثمارات الواسعة اللازمة لإعادة الإعمار بعد أكثر من ١٣ عامًا من الصراع.

وقال الشعار، خلال مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار السنوي في السعودية، حيث كان جمع التبرعات لسوريا محورًا رئيسيًا: “أعتقد أن الرئيس (الأمريكي دونالد) ترامب مستعد”.

ورفع ترامب بعض العقوبات المفروضة على سوريا بموجب أمر تنفيذي في مايو/أيار، لكن الإلغاء الرسمي لعقوبات قانون “قيصر” – الذي سُمي على اسم المصور السوري الذي وثّق تعذيب المدنيين على يد نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد- يتطلب قرارًا من الكونغرس، وبينما أقرّ مجلس الشيوخ مشروع الإلغاء، إلا أنه لم يُناقش بعد في مجلس النواب.

قد يهمك أيضاً

“عرفنا المفتاح أين”.. تفاعل على ما قاله أحمد الشرع عن السعودية بحضور محمد بن سلمان

ويتضمن مشروع القانون شروطًا تتعلق بحماية الأقليات، في أعقاب موجات العنف الطائفي ضد العلويين والدروز.

وأقرّ الشعار بأنّ حكومته عليها القيام بجهدٍ كبيرٍ لإعادة بناء الثقة، وقال: “علينا القيام بواجبٍ كبير، علينا أن نُظهر للعالم أننا بلدٌ مختلفٌ تمامًا”.

وأضاف: “نتعهد ونعد بأن حقوق الأقليات لن تُحمى فحسب، بل سيتم الاحتفاء بها لأنها جزء أساسي من سوريا”.

وأكد على الشعور السائد بأنه في حال عدم الرفع الرسمي للعقوبات، سيتردد المستثمرون في ممارسة الأعمال التجارية في سوريا.

وقدر البنك الدولي مؤخرا تكاليف إعادة الإعمار بـ216 مليار دولار.

وعلى المنصة الرئيسية للمؤتمر، ألقى الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع كلمة رئيسية خاطب فيها المستثمرين الحاضرين.

وجلس في الصف الأمامي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي قاد حملةً استمرت قرابة عام لحشد الدعم العالمي لدمشق.

———————–

 تعرفة جديدة للكهرباء في سوريا

الخميس 2025/10/30

أعلنت وزارة الطاقة السورية عن تعرفة جديدة لبيع الكيلوواط الساعي للكهرباء تشمل مختلف المشتركين والقطاعات، على أن تدخل حيّز التنفيذ اعتباراً من مطلع تشرين الثاني المقبل.

وتهدف هذه الخطوة إلى إصلاح قطاع الكهرباء وتحقيق الاستدامة وتحسين الخدمات، من خلال تطبيق نظام تعرفة جديد موزّعة على أربع شرائح تراعي الفئات الاجتماعية ومستويات الاستهلاك المختلفة:

–  الشريحة الأولى: لأصحاب الدخل المحدود (حتى 300 كيلوواط خلال دورة شهرين) بسعر 600 ليرة سورية للكيلوواط، مع دعم حكومي بنسبة 60%.

–  الشريحة الثانية: لأصحاب الدخل المتوسط والمشاريع الصغيرة (أكثر من 300 كيلوواط) بسعر 1400 ليرة سورية للكيلوواط.

– الشريحة الثالثة: للمؤسسات الحكومية والشركات والمصانع المعفاة من التقنين بسعر 1700 ليرة سورية للكيلوواط.

–  الشريحة الرابعة: للمصانع ذات الاستهلاك الكهربائي العالي بسعر 1800 ليرة سورية للكيلوواط.

وأكدت الوزارة أن تطبيق هذه التعرفة الجديدة يأتي ضمن خطة شاملة تهدف إلى رفع قدرة المنظومة الكهربائية واستمراريتها، وتطوير البنية التحتية وتحسين كفاءة التوزيع، إضافة إلى جذب الاستثمارات في قطاع الطاقة.

في السياق، أكد مدير الاتصال الحكومي في وزارة الطاقة السورية أحمد السليمان أن قطاع الكهرباء في سوريا واجه تحديات كبيرة بعد التحرير، نتيجة التهالك الشديد في البنية التحتية للمنظومة الكهربائية، مبيناً أن الفرق الهندسية والفنية عملت على النهوض بواقع الكهرباء، ما أدى إلى تحسن نسبي في المرحلة الحالية.

ويُقدر حجم استهلاك الكهرباء في سوريا بحوالي 7000 ميغاواط، وبإمكانها إنتاج نحو 5000 ميغاواط، إلا أن التوليد الفعلي حالياً يبلغ 2200 ميغاواط بسبب نقص مواد التشغيل والحاجة إلى الغاز الطبيعي والفيول لتوليد الطاقة الكهربائية والوصول إلى ساعات تشغيل أكبر، وفق السليمان.

وأشار السليمان إلى أن سوريا تنتج محلياً نحو 6 ملايين متر مكعب من الغاز، ولا تزال هناك حاجة إلى كميات إضافية لضمان زيادة ساعات التشغيل

———————–

 موظفون مفصولون يحتجون في دمشق: رواتبنا معلقة ونريد حسم وضعنا/ دمشق – رهام علي

الخميس 2025/10/30

نفّذ عدد من الموظفين المدنيين في وزارة الدفاع السورية وقفة احتجاجية أمام مبنى محافظة دمشق، طالبوا خلالها بحقوقهم المعلّقة منذ أشهر بعد توقّف رواتبهم من دون صدور أي قرار رسمي بفصلهم أو إعادتهم إلى العمل. المحتجون أكدوا أنهم مدنيون خدموا في مؤسسات خدمية وإدارات إدارية لا علاقة لها بالعمل العسكري، لكنهم اليوم يجدون أنفسهم بلا مصدر دخل في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

المشاركون شددوا كذلك على أن قضيتهم ليست سياسية ولا أمنية؛ بل إدارية وإنسانية بحتة، مشيرين إلى أنهم طرقوا كل الأبواب الرسمية من دون أن يتلقوا أي رد حاسم، مطالبين بتسوية أوضاعهم إما بالتسريح الرسمي مع كامل الحقوق أو بإعادتهم إلى وظائفهم فوراً.

موظفون بلا رواتب منذ أشهر

باسل طلاس، أحد مؤسسي الوقفة الاحتجاجية، قال لـِ “المدن” إن الموظفين يعيشون منذ سقوط النظام البائد بلا رواتب ولا توجيه رسمي للعودة إلى العمل. وأكد أن مطالبهم واضحة: تصفية حقوقهم أو إعادتهم إلى وظائفهم أو نقلهم إلى وزارات أخرى، موضحاً أنهم لا يعارضون محاسبة أي شخص يثبت بحقه خلل أمني، لكن “السكوت عن وضعهم لم يعد مقبولاً بعد 11 شهراً بلا دخل”.

سومر مارينا، موظف مدني في إدارة المركبات التابعة لوزارة الدفاع، أوضح أن رواتبهم متوقفة منذ عشرة أشهر، وأنهم لا يعلمون إن كانوا مفصولين أم على رأس عملهم؛ إذ لم يصدر أي قرار رسمي يحدد مصيرهم. يقول: “نحن مدنيون نعمل في أقسام خدمية لا علاقة لها بالعمليات العسكرية، ومع ذلك تُركنا من دون دخل أو تسوية لوضعنا”.

أما محمد رائد حسون، الموظف في إدارة المركبات منذ عام 1999، فبيّن أنه وزملاءه راجعوا الجهات المعنية مراراً وطُلب منهم الانتظار في كل مرة.

كذلك أشار إلى أن وعود الحلّ بقيت حبراً على ورق، معبّراً عن أمله بأن تنظر الحكومة الجديدة بجدية في قضيتهم، فهم “موظفون مدنيون لم يحملوا السلاح يوماً”، كما قال.

من جهتها، تحدثت رابعة عبد الحميد المقداد، وهي موظفة في المؤسسة الاجتماعية العسكرية منذ العام 1995، عن معاناتها بعد توقّف راتبها ووقفها عن العمل من دون أي مبرر واضح. تقول: “لديّ ولدين في الجامعة، ولم أعد قادرة على تأمين مصاريفهما اليومية في ظل الارتفاع الحاد في الأسعار وتراجع القدرة المعيشية”.

أما مادلين أحمد شعار، فتعمل إدارية في شركة الغزل والنسيج التابعة لوزارة الصناعة منذ العام 2019، وتشير إلى أن عقدها السنوي أُلغي على نحوٍ مفاجئ في منتصف تشرين الأول، بناءً على اقتراح من معمل النايلون الذي تعمل فيه. وتوضح أن شاغرها الإداري أُشغل بعاملة إنتاج من فئة أدنى، بالرغم من أن القانون يضمن لها أولوية الإشغال، معتبرةً أن ما جرى “إجراء غير منطقي وغير منصف”.

نساء في وجه الأزمة ومعاناة أسرية متراكمة

عدد من الموظفات المشاركات في الوقفة الاحتجاجية تحدثن إلى “المدن” عن فصلهن من دون إعلام رسمي، وهذا ما تركهن في حالة من الغموض والإحباط. إحدى الموظفات التي تجاوزت خدمتها العشرين عاماً قالت إنها لا تعرف إذا كانت ما تزال موظفة أم لا، مطالبةً الدولة بالنظر إلى حالهن كأمهات مسؤولات عن أسر وطلاب جامعات لا يجدون حتى أجور المواصلات.

وأشارت موظفة أخرى، أمضت 33 عامًا في عملها الإداري والمحاسبي، إلى أنهن يعشن اليوم بلا أي مورد مالي، معتبرةً أن ما يتعرضن له من ظلم إداري يناقض وعود المرحلة الجديدة التي كان يُفترض أن تُنصف العاملين المدنيين.

قرارات غير منفذة ووضع معيشي يزداد قسوة

كانت “المدن” قد نشرت تحقيقاً استقصائياً بعنوان (موظفون حكوميون في إجازات قسرية: ما الذي يحدث في طرطوس؟) في ٢٢ ٱب الماضي، تناولت فيه ملف فصل الموظفين في عدد من المحافظات، خصوصاً في محافظة طرطوس؛ إذ صدر قرار بإعادة المفصولين إلى وظائفهم بعد ذلك. إلا أن القرار، وفق ما تبيّن، لم يُنفذ فعلياً؛ إذ بقي معظم الموظفين خارج عملهم بالرغم من مرور أشهر على صدوره.

ويأتي ذلك وسط تدهور غير مسبوق في مستوى المعيشة وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما يجعل آلاف الأسر المعلقة بين قرارات غير مطبقة وواقع اقتصادي خانق. وفي الوقت الذي يطالب فيه المحتجون بتسوية قانونية لوضعهم، لا يزال الصمت الرسمي سيد الموقف، في حين تزداد فيه التساؤلات حول مصيرهم ومستقبلهم المهني، وسط صمت رسمي يفاقم شعورهم بالظلم.

بيروقراطية متشابكة وأزمة ثقة متصاعدة

قضية الموظفين المدنيين في وزارة الدفاع تكشف عمق الخلل الإداري في مؤسسات الدولة، حيث تتداخل الصلاحيات وتتأخر القرارات، فيتحوّل الموظف إلى ضحية للروتين والضبابية القانونية. فبين القرارات التي لا تُنفّذ، والوعود التي تبقى من دون أثر، تتسع فجوة الثقة بين المواطنين والإدارة العامة، خصوصاً في ظل أزمة معيشية غير مسبوقة تدفع بالعائلات نحو حافة الفقر.

هذا المشهد لا يعبّر فقط عن معاناة عشرات الموظفين؛ بل يعكس أزمة إدارة وطنية أعمق، تحتاج إلى شفافية ومصارحة ومحاسبة حقيقية كي لا يبقى شعار “المرحلة الجديدة” مجرد عنوانٍ جميلٍ لواقعٍ مأزوم؛ بل بداية حقيقية لإصلاح إداري طال انتظاره.

المدن

—————

 ما الذي يعنيه وصول أول كابل بحري دولي إلى طرطوس لمستقبل الإنترنت في سوريا؟/ خالد الخطيب

2025.10.29

في خطوة توصف بأنها الأهم في تاريخ الاتصالات السورية الحديث، اتفقت وزارة الاتصالات والتقانة مع شركة “ميدوسا” الإسبانية لإنزال أول كابل بحري دولي إلى الأراضي السورية عبر ساحل مدينة طرطوس، في مشروع يُنتظر أن يضع البلاد على خريطة الاتصالات العالمية مجددًا بعد أكثر من عقد من العزلة التقنية، ومن المفترض أن يشكل المشروع تحولاً استراتيجياً في البنية التحتية الرقمية السورية، ويؤسس لمرحلة جديدة من الانفتاح التكنولوجي بعد سنوات من الحرب والعقوبات التي حدّت من قدرة البلاد على الوصول المباشر إلى شبكات الإنترنت الدولية.

ويمتد الكابل البحري الجديد عبر البحر الأبيض المتوسط ليصل سوريا بشبكة تربط أكثر من 12 دولة في شمال إفريقيا وجنوب أوروبا، ما يمنحها منفذاً رقمياً مباشراً إلى العالم الخارجي دون الحاجة إلى وسطاء إقليميين، ويتوقع أن ينعكس المشروع في السنوات المقبلة على تحسين سرعة الإنترنت واستقراره، إلى جانب خفض تكاليف الخدمة تدريجياً.

ويأتي هذا المشروع ضمن خطة وطنية لتحديث قطاع الاتصالات تشمل توسيع شبكات الألياف الضوئية وتطوير البنية الرقمية في المحافظات، بالتوازي مع مفاوضات تجريها دمشق مع شركات إقليمية كبرى مثل زين واتصالات وSTC لتنفيذ مشاريع تطويرية تُقدّر قيمتها بأكثر من 300 مليون دولار.

تحسينات متوقعة في الإنترنت اعتبارا من 2026

وبحسب مصادر في وزارة الاتصالات السورية، فإنه من المنتظر أن تبدأ التحسينات الملموسة في جودة وسرعة الإنترنت اعتباراً من عام 2026، في إطار استراتيجية وطنية لتعزيز السيادة التقنية وإعادة بناء البنية الرقمية المتهالكة،

أهداف المشروع

قال الباحث والمحلل الاقتصادي يحيى السيد عمر إن قطاع الاتصالات في سوريا يشهد مرحلة جديدة من التطوير مع إطلاق مشروع الكابل البحري الدولي الذي سيربط البلاد مباشرة بالشبكات العالمية.

ويُعد هذا المشروع، بحسب السيد عمر، خطوة استراتيجية لتعزيز البنية التحتية الرقمية وفتح آفاق واسعة لتحسين جودة الإنترنت، بما يمهّد لنموّ الخدمات الرقمية خلال السنوات المقبلة.

وأوضح السيد عمر في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن المشروع يستهدف رفع سرعات الإنترنت وتقليل زمن الاستجابة، وهما عنصران حاسمان لتطوير القطاعات الاقتصادية والخدمية في البلاد. فبالنسبة للقطاع الحكومي، سيسمح الاتصال الأسرع بتنفيذ المعاملات الرقمية بكفاءة أكبر، وتسهيل الوصول إلى منصات التعليم والصحة، إضافة إلى تعزيز التحول الإلكتروني في المؤسسات العامة والخاصة، بما يخلق بيئة رقمية أكثر استقرارًا وقابلية لاستيعاب التقنيات الحديثة.

وأضاف السيد عمر أن المشروع يحمل أهمية خاصة للقطاع الخاص، إذ يشكّل حافزًا للاستثمار في مجالات الاتصالات والتجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية، كما يشجع الشركات المحلية والإقليمية على توسيع نشاطها داخل سوريا والاستفادة من سرعات الإنترنت العالية لتقديم خدمات متقدمة، مثل الحوسبة السحابية والحلول الرقمية المتخصصة.

ويرى الباحث الاقتصادي أن الكابل البحري الجديد يعزز من القدرة التنافسية لسوريا في أسواق الاتصالات الإقليمية والدولية، ويفتح الباب أمام ابتكارات رقمية تسهم في رفع كفاءة الأعمال وخفض التكاليف التشغيلية. كما أنه يشكّل الأساس لتطوير شبكة الألياف الضوئية الداخلية وربط المدن والمناطق البعيدة بخدمة الإنترنت عالي السرعة. أضاف، إن هذا التطور يخلق فرصاً متزايدة أمام رواد الأعمال والمبرمجين والمطورين الرقميين لإطلاق مشاريعهم في بيئة تقنية واعدة، فضلاً عن تحفيز إنشاء مراكز بيانات وطنية قادرة على استيعاب الطلب المتنامي على الخدمات الرقمية وتخزين البيانات محلياً، بما يعزز السيادة الرقمية للبلاد.

دعم لنمو الخدمات الرقمية

ويرى الباحث والمحلل الاقتصادي يحيى السيد عمر أن الربط المباشر بالشبكات الدولية سيمنح سوريا قدرة أكبر على تعزيز التبادل المعلوماتي والتجاري مع دول شمال إفريقيا وأوروبا، الأمر الذي سيسهم في توسيع نطاق التجارة الإلكترونية، وفتح مجالات جديدة للتعاون التكنولوجي وتطوير الخدمات الرقمية على مستوى إقليمي واسع، ويضيف السيد عمر أن هذا المشروع يخلق فرصاً واعدة لتأسيس شركات ناشئة في مجالات التكنولوجيا والابتكار الرقمي، قادرة على ابتكار حلول رقمية تلبي احتياجات الأسواق المحلية والإقليمية، بما يسهم في تنشيط الاقتصاد الرقمي ورفع الإنتاجية. كما من المتوقع أن تؤدي هذه التحولات إلى تعزيز التكامل مع الأسواق العالمية وتوسيع نطاق الخدمات الرقمية في البلاد.

ويرى السيد عمر أن مشروع الكابل البحري ليس مجرد تطوير تقني، بل يمثل خطوة استراتيجية نحو بناء بيئة رقمية متقدمة ومستدامة. فهو يعزّز جودة الإنترنت، ويدعم نمو الخدمات الرقمية، ويحفّز الاستثمار في الاقتصاد التكنولوجي، ليضع سوريا على خريطة الاقتصاد الرقمي الإقليمي والعالمي، مع آفاق واعدة للابتكار والنمو في المستقبل القريب.

في المحصلة، يبدو أن مشروع الكابل البحري الدولي يشكّل أكثر من مجرد توسعة في شبكة الاتصالات السورية؛ إنه بوابة نحو تحول رقمي شامل يعيد ربط سوريا بالعالم بعد سنوات من العزلة، فمع تحسّن جودة الإنترنت وتوسع الخدمات الرقمية وازدياد فرص الاستثمار، تتهيأ البلاد لدخول مرحلة جديدة عنوانها الانفتاح التقني والاقتصادي، وبينما لا تزال التحديات قائمة، فإن هذا المشروع قد يكون النقطة الفاصلة بين ماضٍ مثقل بالقيود ومستقبل تسعى فيه سوريا لتأمين موقعها على خريطة الاقتصاد الرقمي العالمي.

———————————

 “بيت العمر” في سوريا.. هل تعيد وزارة الإسكان منازل الجمعيات لمن حرموا منها؟/ عبد الناصر القادري

2025.10.29

كان المواطن السوري وما زال يحلم بشقةٍ ولو بمساحة لا تتجاوز 50 متراً مربعاً تحفظ له كرامته في آخر عمره، وعندما عملت الجمعيات على خلق حلول بديلة، وإن كانت تحت إشراف وزارة الأشغال العامة والإسكان، كانت تلك البيوت تدخل في مسار الزمن، ولا تستلم العائلة السورية شقتها إلا بعد مضي عشر سنوات أو عشرين سنة أحياناً.

وبعد الثورة السورية والحرب التي خاضها النظام ضد الشعب، توقفت معظم المشاريع السكنية مع عمليات دكّ المدن، إلا أن النظام كان ينتقم من معارضيه الذين لديهم ملفات في تلك الجمعيات عبر إلغاء اكتتاباتهم أو عقود التخصيص الخاصة بهم، بهدف حرمانهم من حقهم في الحصول على الشقق أو سرقة الأقساط التي دفعوها على مدار سنوات.

وبعد سقوط النظام وعودة الكثير من السوريين إلى بلدهم بعد تهجيرٍ استمر قرابة 13 عاماً على الأقل، بدأت ملفات الجمعيات السكنية والفساد المستشري فيها تُفتح من جديد، بما في ذلك حرمان المعارضين السوريين من حقوقهم فيها.

موقع تلفزيون سوريا بحث عن قصص تخصّ حرمان سوريين من مساكنهم التعاونية رغم امتلاكهم عقود تخصيصٍ رسمية وسدادهم للأقساط المستحقة. وتشير المعلومات إلى أن هذه القرارات جاءت استناداً إلى مزاعم قانونية شكلية تتعلق بعدم تسديد الالتزامات المالية، إلا أن كثيرين يعتبرون أنها كانت من أدوات انتقام النظام من المعارضين الذين فرّوا من بطشه إلى خارج البلاد، وكانت لهم مواقف ضد جرائمه وانتهاكاته.

يُعدّ عقد التخصيص الوثيقة التي تمنح المكتتب على شقة سكنية حقه في التملك بعد استكمال الدفعات المطلوبة، ويُسجّل العقد مؤقتاً في السجل العقاري إلى حين اكتمال المشروع وتحويله إلى سجل دائم.

وبموجب المرسوم التشريعي رقم 99 لعام 2011، يحقّ للجمعية إلغاء التخصيص في حال تأخر العضو عن تسديد التزاماته المالية بعد إنذاره رسمياً ثلاث مرات متتالية. غير أن عدداً من الحالات التي وثقها موقع تلفزيون سوريا تُظهر تجاهلاً لهذا الإجراء القانوني، إذ تم إلغاء العقود من دون أي تبليغ مسبق.

حرمان من بيت العمر

الصحفي السوري علي سفر، المقيم في فرنسا، قال لموقع تلفزيون سوريا إنه كان لديه تخصيص في جمعية المطبعة والجريدة الرسمية، وكان المشروع سيُبنى في منطقة وادي بردى بريف دمشق، مبيناً وجود كل الوثائق (دفتر الجمعية وكل إيصالات التسديد)، إلا أنه لم يتمكن من استلام عقد التخصيص بعد اندلاع أحداث الثورة السورية، ووصلت قيمة الأقساط التي دفعها للجمعية إلى مليون ليرة سورية بسعر صرف عام 2011 أمام الدولار (20 ألف دولار).

وأضاف سفر: “إن الجمعية ألغت عقد التخصيص بسبب عدم تسديد الدفعات المطلوبة، علماً بأن الجمعية كانت متوقفة بسبب الوضع الميداني في المنطقة، وكذلك لم يصلنا منها أي إشعار بطلب التسديد، بل فقط إشعار بإلغاء التخصيص”.

ويعيش سفر خارج سوريا منذ بدايات الثورة السورية، لعدم تمكنه من البقاء بسبب التهديدات التي كان يتعرض لها نتيجة موقفه الداعم للثورة، حيث توجه إلى تركيا ومن ثم إلى فرنسا. ولذلك، ذهبت أخته إلى الجمعية وتركت لهم رسالة تطالبهم بإظهار التبليغات القانونية التي تسمح لهم بإلغاء التخصيص، وتركت لهم أرقاماً هاتفية للتواصل، ولكنهم لم يستجيبوا.

وخسر علي بيتاً سابقاً باعه لأجل دفع أقساط بيت الجمعية، وعندما خسر البيت الآخر، أصبح ليس لديه أي مأوى بعد عقود من العمل في قطاع الإعلام الحكومي في سوريا، قبل أن ينشق وينضم إلى صفوف الثورة السورية.

وبحسب الصحفي السوري، فإن الجمعية، وبما يبدو أنه نتيجة ضغطٍ من متنفذين في النظام المخلوع، عملت على إلغاء العديد من عقود التخصيص لسوريين كانوا معارضين للنظام، بينهم زملاء له في التلفزيون السوري انشقوا عن النظام.

وللعمل على إجراء قانوني، أوكل علي سفر محامياً لمتابعة الموضوع، وطلب من سكرتيرة الجمعية توضيحات، لكنه لم يتوصل إلى نتيجة معهم، مبيناً أنه لم يعد أمامهم الآن بعد سقوط النظام سوى “رفع دعوى عبر القضاء، لكن هذا متعسر حالياً بحكم كوني ما زلت خارج البلاد، أو تحرك من قبل وزارة الإسكان السورية لمتابعة الموضوع من قبلهم، باعتبارهم المشرفين على كل مشاريع الجمعيات التعاونية”.

ضحية أخرى

الصحفي السوري مراد الناطور، قال إن قصته تشبه قصة الزميل علي سفر، حيث اكتتب أيضاً في جمعية المطبعة والجريدة الرسمية بتاريخ 26 من تموز 2008، وقد تم التخصيص لاحقاً بشقة محددة حتى تاريخ 3 من آب 2011، ودفعتُ 525 ألف ليرة سورية للجمعية (بأسعار صرف 2011)، ما عدا الأرباح التي دفعتها للمشتري الأول الذي اشتريت منه الاكتتاب.

وأضاف الناطور لموقع تلفزيون سوريا: “إن الجمعية زعمت أنه لم يتم التسديد وأبلغوا بذلك عبر الجريدة الرسمية، إلا أنني أرسلت صديقي مع المبلغ بغاية الدفع، لكنهم رفضوا ذلك”.

وبيّن أنه تواصل مع الجمعية ومجلس الإدارة من دون ردود مكتملة، وأن الموضوع ما زال قيد الدراسة، وأجرى عدة استشارات مع محامين في سوريا، فقالوا له: طالبهم بحقك بداية، فإن لم تحصل استجابة نحرك دعوى قضائية ضد الجمعية.

وأشار الناطور إلى أنه لم يتم التواصل مع وزارة الإسكان، حيث سمعنا بأنها لم تتحرك بعد في هذه الملفات، مع تشديده على امتلاك كل إيصالات الدفع ودفتر الجمعية الذي مُدوّن عليه كل الدفعات.

تسييس الجمعيات

ومنذ عام 2020، عملت الجمعيات التعاونية في ريف دمشق وغيرها من المحافظات على إلغاء التخصيص للكثير من المكتتبين، من بينهم معارضون يقيمون خارج سوريا، رغم امتلاكهم وكالات قانونية سارية ومثبتة لدى الجمعية.

موقع “سيريا ريبورت” سبق أن أشار إلى هذا الأمر عام 2021، من خلال تقرير مفصل، حيث نقل عن مصدر خبير بشؤون الجمعيات التعاونية قوله: إن المرسوم التشريعي رقم 37 لعام 2019، الذي نص على حلّ الاتحاد العام للتعاون السكني، منح وزارة الأشغال العامة والإسكان سيطرة كاملة على الجمعيات.

ويشير المصدر إلى أن هذه الهيمنة الإدارية فتحت الباب أمام تسييس القرارات التعاونية، بما في ذلك إلغاء التخصيص بحق المعارضين السابقين تحت غطاء قانوني، مضيفاً أن بعض الجمعيات تلقت “توجيهات غير معلنة” بمراجعة ملفات الأعضاء “المشبوهين سياسياً”.

ويرى قانونيون أن ما جرى كان استمراراً لسياسة الإقصاء والتمييز، لكن بأسلوب إداري مقنّع، عبر استخدام النصوص القانونية لتبرير حرمان فئات معينة من حقوقها العقارية.

وفي ظل حكم النظام، لم تكن هناك أي آلية رقابية مستقلة تُمكّن المتضررين من الاعتراض أو الطعن بقرارات الجمعيات، خصوصاً بعد تفكيك مؤسسات الاتحاد التعاوني وترك الإشراف المباشر بيد الوزارة.

في ظل هذا الواقع، يجد كثير من العائدين أنفسهم بلا مأوى رغم دفعهم كامل الأقساط المستحقة أو امتلاكهم عقود تخصيص مصدّقة، ويرون أن من حقهم أن تتدخل وزارة الإسكان الجديدة لحلّ مشكلتهم دون اللجوء إلى القضاء، خاصة أن وثائقهم حقيقية ومسجلة في أرشيف الجمعية والوزارة.

ماذا تقول وزارة الأشغال العامة والإسكان؟

وللوقوف على تلك القضية، اتصل موقع تلفزيون سوريا، بوزارة الأشغال العامة والإسكان السورية، التي بينت على لسان محمد الخليل مدير التعاون السكني فيها، أن الوزارة تعمل على وضع حلول للمواطنين المتضررين بما يخص استعادة حقوقهم السكنية أو المبالغ المدفوعة وذلك من خلال استعادة العضوية في الجمعية السكنية، وإعادة المتضررين إلى حالتهم الأصلية، وهذا يعد أقل ما يمكن القيام به.

وأوضح الخليل أن “التحدي الكبير والمشكلة الأساسية هي أن المبالغ المدفوعة قد “تهدرت” أو “ضاعت” قيمتها بسبب التضخم الهائل وانخفاض قيمة الليرة السورية، مما يجعل إرجاع المبلغ الأصلي دون مراعاة ذلك حلاً غير عادل.

وأضاف أنه “يمكن يمكن طرح التعويض بعقارات بديلة: تفكر الوزارة في إمكانية تخصيص أراضٍ للمتضررين تعويضاً عن المبالغ التي دفعوها. بحيث يكون تقييم هذه الأراضي على أساس المبالغ التي دفعها المواطن بالليرة السورية، وليس على أساس الأسعار السوقية السائدة، أي بسعر مخفض تشجيعاً لهم وتعويضاً عن الضرر، لافتاً إلى أن هذا القرار (التعويض بأراضي) قرار سيادي مهم يتطلب دراسة عميقة وتفكيراً متأنياً قبل اتخاذه”.

ولفت إلى أن الوزارة تعمل حالياً على ملف الجمعيات التعاونية السكنية، بالتنسيق مع وزارة الداخلية، حيث تم تشكيل لجنة خاصة لدراسة أوضاع كل الجمعيات التعاونية السكنية، على أن يتم إلغاء أي صفة أمنية أو عسكرية مرتبطة باسمها أو نشاطها.

ما هو نظام الجمعيات التعاونية؟

الخليل قال لتلفزيون سوريا، إنه في نظام الجمعيات التعاونية السكنية، يحق للجمعية إلغاء عقود التخصيص إذا كان “منتسباً” وتأخر في السداد، لمدة ستة أشهر متتالية.

أما بالنسبة للمخصص أو المكتتب، قال الخليل: لا يتم هذا الإلغاء فجأة، بل يجب اتباع إجراءات تبليغ قانونية واضحة، وهي:

التبليغ المباشر: يتم إبلاغ العضو شخصياً في مقر الجمعية، وإذا كان قد سدد مستحقاته سابقاً، يتم إعلامه بوجود متأخرات عليه.

بطاقة بريدية مكشوفة: ترسل الجمعية على عنوانه المسجل لديها عبر بطاقة بريدية، في حال عدم التمكن من التبليغ المباشر.

النشر في الصحف: إذا تعذر التبليغ بالطريقتين السابقتين، يتم نشر أسماء المقصرين في الصحف المحلية أو الجريدة الرسمية في كل مكتتب بمحافظته.

أي إلغاء للتخصيص يتم دون اتباع هذه الإجراءات القانونية (مثل الإلغاء دون إنذار مسبق أو دون إرسال بطاقة بريدية) يُعد باطلاً.

وفي هذه الحالة، يحق للعضو استعادة حقه في الاكتتاب ومرتبته في قائمة الانتظام وفقاً لرقم عضويته وأفضليته.

———————

 سوريا الجديدة والحاجة إلى التفكير خارج الصندوق/ أحمد جاسم الحسين

2025.10.30

التفكير خارج الصندوق دعوة إلى كسر القيود، والتفكير بطرق غير مألوفة لاجتراح الحلول أو المغامرة وتقديم رؤى مختلفة، مغايرة عما هو مألوف.

لعل التفكير خارج الصندوق أفضل محاولة عالمية لفهم الوضع الذي تمرّ به سوريا سياسياً، ذلك أن القيادة السياسية في سوريا حيرت التنميط الغربي: لا هي سلفية لتضعها في صندوق التعامل مع السلفية ولا الغرب قادر بغض النظر عن خلفيتها الجهادية خاصة بعد تصريحات الرئيس الشرع أنه ليس سلفياً وكذلك ليس امتداداً للحركات الجهادية وليس إخوانياً، وليس امتداداً للربيع العربي، ربما يحلو للمحلل القول: أن السلطة الحالية خلطة غير مألوفة بعالم التصنيفات الغربية!

ليس الغربيون هم وحدهم احتاروا في تصنيف السلطة الجديدة في سوريا: السوريون أنفسهم كذلك محتارون لذلك تجد كثيراً منهم يلقي التهم يمنة ويسرة، وقسم منهم يتأنى في القراءة، وقسم منهم ينتظر كل خطوة بخطوة!

السلطة  ذاتها تفكر خارج الصندوق لتتفهم ما الذي تريده؟ وكيف تدار البلاد وما المتطلبات المحلية والعالمية لكيفية إدارة البلاد، ولعل تفكيرها خارج الصندوق هو الذي دفعها للاعتذار عن عدد من الأخطاء، وهو الذي أدى إلى رعة قبولها عالمياً!

يمكنك أن تبحث عن ألف سبب وسبب، ويمكنك أن تجرِّب كل أنواع القراءات: الإسقاطية والتفسيرية والمسبقة.. لكن لا يمكنك أن تنسى أن التفكير خارج الصندوق لدى السلطة هو الذي جعل الكثير من الممكنات واقعاً وحقيقة!

ليس التفكير خارج الصندوق هو الخيار الوحيد المتاح أمام الناس لتكمل حياتها، بل هو الخيار الأفضل في مراحل الأزمات لأن التفكير داخل الصندوق قد لا يقود إلى النتائج المرجوة، لكن ذلك لا يعني أن يكون التفكير خارج الصندوق هو الذي يمكن أن يبني الدولة!

في مسار حياتك اليومية، ثمة ما تقره القوانين، التي تحرك عجلة البلدان، لا يطلب منك أن تفكر خارج الصندوق أو داخله، بل أن تتبع القوانين فحسب، لأن التفكير خارج الصندوق لا يعني الخروج على القوانين بقدر ما يعني اجتراح حلول لمشاكل طارئة أو تفكير إبداعي أما حدث كبير!

استعملت العبارة مرات كثيرة للهروب من الالتزام، أو محاولة الابتعاد عن الواجبات، وهذا ليس المراد منها، بل إن المراد منها البحث والتحري والـتأني والالتفات إلى كل الجهات والاحتمالات غير المألوفة!

يحتاج الوضع الإداري في سوريا اليوم إلى سن قوانين خارج الصناديق السابقة لأن المشاكل التي تمر بها البلاد مشاكل غير مألوفة، فالسوريون بين الداخل والخارج ضاعت الكثير من تفاصيلهم، إلا أن ذلك لا يعني الفساد أو الهروب من المعيرة والحوكمة أو التهاون في شروط الجودة.

يدعو كثيرون اليوم إلى التفكير خارج الصندوق لتسويغ ارتباكاتهم أو أخطائهم وهو “كلام حق أريد به باطل” لأن التفكير خارج الصندوق إبداع وليس التفافاً، وهو تميز وليس تهرباً، وهو استيعاب للتجارب السابقة ومحاولة التفوق عليها وليس جهلاً!

حاجة سوريا الجديدة إلى التفكير خارج الصندوق ليست ترفاً يمارسه الإداري أو السياسي أو المواطن، بل استراتيجية ضرورية كي تمشي البلاد إلى الأمام، وهاهنا يتضح اختلاف سياسي عن آخر، أو إداري عن آخر، إنها نوع من المرونة وتفهم ظروف المواطنين، وفي الوقت نفسه لا تعني مطلقاً الخروج على المعايير التي تضمن نجاح البلاد واستمرارها لأن مثل هذا الخروج سيدمرها.

لعلنا نستعين بأحد الأمثلة التي مررت فيها حين كنت مع أحد الأصدقاء في ساحة الأمويين ويريد أن يعبر الساحة من جهة إلى جهة أخرى حيث كان يأخذ أقصى اليمين وأقصى اليسار وبين السيارات من مختلف الجهات، وفعلاً كان الحل بالنسبة إليه خارج صندوق قواعد المرور المألوفة، وحقق هدفه بسرعة وعبر الساحة إلى الجهة التي يريدها، غير أنه عطَّل حركة السير؛ فشكَّل الحل خارج الصندوق الذي نفع مصلحة شخصية تضارباً مع المصلحة العامة! وبالتالي التفكير خارج الصندوق ها هنا تفكير أناني مصلحي تسويغي للخروج على القانون وتحقيق حل أناني من نوع ما!

في الوقت نفسه قامت وزارة التربية مثلاً بالتفكير خارج الصندوق الإداري؛ فسمحت للطلاب القادمين من خارج القطر بالالتحاق بالمدارس ريثما يستكملون أوراقهم والتصديقات الضرورية، على مسؤوليتهم الشخصية.. وهو تفكير يمكن تسميته: تطبيق روح القانون، وفيه إشارة إلى الثقة بالمواطن وتحقيق مصلحة عامة عبر مرونة إدارية ملفتة، وهي تقتضي عدم استغلال لهذا الحل الإداري.

يطالب اليوم عديدون أن تكون وزارة التعليم العالي أكثر مرونة في أمر تعديل الشهادات، خاصة الطبية منها، لكن الوزارة ترفض التفكير خارج الصندوق، وهو رفض محمود لأن التساهل في الأمن الوطني العلمي يضر بسوريا والسوريين، هذا لا يعني عدم التخفيف من الورقيات غير الضرورية، لكن التساهل في الجوانب الطبية وعدم التأكد من الجودة والشهادات والقدرات ستكون له مضار كثيرة على البلد ومواطنيه وصحتهم ومستقبلهم!

المؤكد أن التفكير خارج الصندوق في سوريا الجديدة يقتضي البحث عن حلول لحركة النقل مثلاً بين المحافظات، وكذلك تأمين الأمان المواطنين، والبحث عن زيادة دخل الفرد ، والسرعة في تأمين البنية التحتية لحياة كريمة ومشاركة المجتمع المحلي في بناء البلد!

الخط واضح وشاسع بين تفكير خارج الصندوق يجترح حلولاً ويستهدف تحقيق مصلحة عامة، وتفكير خارج الصندوق يقتضي تهرباً أو استسهالاً أو خروجاً على شروط الجودة أو تهرباً من تنفيذ القانون!

تلفزيون سوريا

————————

========================

تحديث 29 تشرين الأول 2025

——————————–

سوريا.. العلاقات الاقتصادية الدولية بين التحول والتعقيد/ مازن الشاهين                 

كيف تربط سوريا علاقاتها الاقتصادية الدولية؟

2025-10-29

منذ تشكيل الحكومة السورية الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، دخلت البلاد مرحلة حساسة تتقاطع فيها السياسة بالاقتصاد. فشعار “صفر مشاكل” الذي رفعته الحكومة كمفتاحٍ للانفتاح الإقليمي والدولي، يصطدم بعقوبات جزئية، ودعمٍ مالي متردد، وتعقيداتٍ قانونية تعيق تدفق رؤوس الأموال. وبين تطلعات الإعمار وضبابية المواقف الخارجية، تبقى سوريا أمام اختبار الثقة: هل تتحول الوعود إلى واقعٍ اقتصادي ملموس؟

ويمكن القول إن العلاقة الاقتصادية بين الحكومة السورية الانتقالية ودول الخليج على وجه الخصوص قيد التشكل لكنها ليست حتى الآن علاقة متكاملة ويراها البعض بأنها لم تكن بقدر التصريحات خلال الأشهر الماضية، إذ أعلنت السعودية وقطر عن مبادرة مشتركة لدفع رواتب موظفي القطاع العام في سوريا كما منحت السعودية أولوية بدفع الديون المتأخرة على سوريا لدى البنك الدولي كجزء من التحول في مقاربة الدعم إلا أن ذلك لم يكن كافياً في ظل الأوضاع السورية المتهالكة بكافة المجالات، خاصة إن الدعم الخليجي إذا ما حدث سيمثل فرصة مهمة لسوريا لإعادة بناء اقتصادها، ولدول الخليج للدخول في سوق إعادة الإعمار والتوسع الاستثماري ولكن هذا النجاح يتطلّب إصلاحات داخلية وثقة دولية واضحة.

وتخضع العلاقة بين الدول لاعتبارات سياسية وجيو استراتيجية بالدرجة الأولى وهو ما برز في العقوبات الدولية المفروضة على سوريا والتي مازالت تؤثر بشكل كبير على الرغم من إلغاء قسم كبير منها حيث باتت عاملاً مقيداً للبدء بإعادة الانتعاش والفائدة الاقتصادية والاستثمارية والمالية مثل دخول استثمارات كبيرة، تحرير الاقتصاد، تدفّق رؤوس الأموال، تحسين معيشة المواطنين وكل ذلك ما زال متعثّراً ليس فقط بسبب العقوبات، بل أيضاً نتيجة عوامل داخلية وخارجية.

تعقيدات قانونية وسياسية

يقول الأكاديمي والمستشار الاقتصادي الدكتور زياد عربش لـ “963+”، إن رفع جزء من العقوبات الأميركية على سوريا لم يكن كاملاً ولا نهائياً، مع بقاء “قانون قيصر” سارياً رغم بعض الاستثناءات أو التجميد لمدة١٨٠ يوماً. ويرجع ذلك إلى تعقيدات قانونية وسياسية تتعلق بالكونغرس الأميركي الذي يجب أن يوافق على رفع العقوبات نهائياً، إضافة إلى مخاوف الإدارة الأميركية من عدم التزام الحكومة السورية بشروط واشنطن مثل طرد المقاتلين الأجانب ومكافحة الإرهاب وضمان حقوق الأقليات. لذلك، تظل العقوبات كوسيلة ضغط برؤى سياسية، وتُلغى أو تُفرض بسرعة حسب تطورات الملف السوري، مما يحد من التأثيرات الاقتصادية الملموسة للرفع الجزئي.​

ويضيف، أن “مستوى الدعم العربي والخليجي في الجانب الاقتصادي الموجه إلى سوريا يعتبر حتى الآن غير كافٍ، ويرجع ذلك إلى أزمات داخلية في البنية الاقتصادية السورية واعتمادها على منح مؤقتة تغطي بعض الاحتياجات الأساسية فقط مثل رواتب العاملين في القطاع العام. الدعم الخليجي غالباً ما يكون مرحلياً إسعافياً وليس ضمن خطة تنموية مستدامة، ويتجلى ذلك في منحة بقيمة 89 مليون دولار تغطي رواتب ثلاثة أشهر فقط ولا تعالج الأزمة المالية العميقة. هناك تنسيق مع الأمم المتحدة لكن الدعم لا يزال ضعيفاً مقارنة بحجم التحديات الاقتصادية”.​

أما فيما يتعلق بالاجتماعات التي عقدت قبل أيام بين وفد سوري والبنك وصندوق النقد الدولي، اعتبر “عربش” أن هذه الاجتماعات خطوة مهمة لتعزيز الثقة الدولية بالإصلاحات المالية والإدارية في سوريا، حتى لو لم تتضمن قروضاً مباشرة. فالتعاون الفني مع هذه المؤسسات يمكن أن يحمل إشارات إيجابية للمجتمع المالي الدولي، مما قد يحفز رؤوس الأموال العربية والإقليمية على الاستثمار، خاصة مع توقعات بتحسن سعر الصرف واستقرار الليرة السورية إذا رافق الحوار برامج إصلاح حقيقية. بذلك تتضح أهمية رفع العقوبات بشكل نهائي لآثار اقتصادية ملموسة، والدعم العربي الخليجي الذي ما زال دون المطلوب، والفرص الاقتصادية المحتملة من التعاون مع المؤسسات الدولية المالية.

والسبت الماضي، قال وزير المالية في الحكومة السورية المؤقتة محمد يسر برنية في اجتماع مع نائب رئيس البنك الدولي لشؤون التمويل الإنمائي أكيهيكو نيشيو، إن سوريا تسعى للحصول على نحو مليار دولار من البنك الدولي على شكل منح في السنوات الثلاث المقبلة.

شروط وبلورة سياسة جديدة

يؤكد أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية في جامعة السوربون بفرنسا، كميل الساري أن الدعم المقدم الإقليمي والدولي للحكومة السورية من الناحية الاقتصادية مرتبط بشكل رئيسي في المشهد السياسي وأن يكون هناك انتخابات وحكومة مستقرة ووجود مؤسسات تعمل على تحديد القطاعات الأكثر أولوية لإعادة الاعمار والتعافي الاقتصادي والاستثمار حيث من غير الممكن للشركات الأجنبية أو القادمة من الشرق الأوسط أن تستثمر بدون أن يكون لديها ضمانات من الناحية القانونية ورؤية واضحة للمستقبل بالتالي لا يمكن للدول سواء كانت الإقليمية وأخص هنا الخليج وبقية الدول أن تعمل على دعم أو تقوية العلاقة مع الحكومة السورية من دون هذه العوامل والأسباب التي أرى بأنها فائقة الضرورة لرسم سياسة واضحة في العلاقة مع دمشق على المدى الطويل.

ويشير في تصريحات لـ “963+”، إلى أن الولايات المتحدة الأميركية تراعي لحد كبير إسرائيل في تحديد علاقاتها مع دول المنطقة ومن بينها سوريا كما أن واشنطن في هذه المرحلة تعمل على ترتيب الأوضاع وبلورة سياسة جديدة في الشرق الأوسط مع إعطاء صلاحيات واسعة لإسرائيل وهو ما قد يتعارض مع تقديم كافة أنواع الدعم والتسهيلات للحكومة السورية الجديدة لكن في الوقت نفسه تعمل الولايات المتحدة على مراعاة حلفائها العرب كالمملكة العربية السعودية والتي دعت إلى رفع العقوبات الأميركية عن سوريا.

ويقول أستاذ الاقتصاد في جامعة السوربون، إن المساعدات المالية الدولية المتمثلة في البنك الدولي قائم على عدد من الشروط بينها أن تكون المشاريع التي تدعو لها الحكومة السورية مفيدة والتأكد من “حكامة” الدولة السورية من كافة النواحي القانونية والسلم والأمان وتكافؤ الفرص والمساواة بين الرجل والمرأة والسكن والتربية الوطنية والمدارس وإنشاء الجامعات وإعادة إعمار كافة المناطق التي تضررت جراء الحرب وأيضاً فيما يتعلق بالقطاع الصحي الذي يعتبر بالغ الأهمية. بالتالي يجب على السوريين أن يكونوا حذرين ويعرفوا بأن كافة الإرهاصات والمشاكل الداخلية تنعكس سلباً على الرؤية الخارجية لبلادهم والاستثمار فيها إلى جانب إمكانية تقديم الدعم سواء كان السياسي أو الاقتصادي أو الأمني وهو ما يعتبر من العوامل الرئيسية لتحقيق ما ذكرت سابقاً والذي يمكن القول بأنه أهم ما يحتاج له السوريون في الداخل والخارج.

+963

—————————–

سورية تنجز أكثر من 5 آلاف مواصفة قياسية لرفع الجودة وتسهيل التصدير/ هاديا المنصور

28 أكتوبر 2025

كشف مدير عام هيئة المواصفات والمقاييس العربية، ياسر عليوي، اليوم الثلاثاء، عن إنجاز سورية أكثر من 5000 مواصفة قياسية منذ تأسيس الهيئة حتى الآن، لتغطية كافة القطاعات الحيوية ذات الأولوية، وأبرزها الصناعات الغذائية والنسيجية والكيميائية والزراعية والنفطية والهندسية. وأوضح عليوي في تصريح لوكالة “سانا” الرسمية، أن الهيئة تحتفظ بـ “السجل الوطني للمواصفات” الذي يعد دليلاً شاملاً للمواصفات القياسية السورية، مشيراً إلى أن عدد المواصفات فيه “ديناميكي” ويتغير باستمرار مع إصدار مواصفات جديدة، أو تحديث القائمة، أو إلغاء ما لم يعد مناسباً.

ولفت المدير العام إلى أن المواصفات السورية تصمم لمواكبة التطورات العالمية في مجالات الجودة والمقاييس، حيث تعتمد الهيئة في صياغة مواصفاتها على مراجع دولية كبرى مثل المنظمة الدولية للتقييس (ISO) والدستور الغذائي (Codex) والمواصفات الأوروبية متى أمكن ذلك. وأضاف: “عملت الهيئة خلال العام الجاري على اعتماد نصوص صادرة عن ISO ضمن المواصفات السورية”، مؤكداً أن عضوية الهيئة في ISO تتيح لها التنسيق والمشاركة الفنية في اللجان الدولية.

بدوره، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور معن قاسم أن “دور هيئة المواصفات يتجاوز كونه رقابياً ليصبح استراتيجياً في دعم الاقتصاد الوطني” ويقول لـ”العربي الجديد”: “تمثل المواصفات القياسية حجر الأساس لبناء صناعة وزراعة تنافسية، وجود أكثر من 5 آلاف مواصفة ليس مجرد رقم، بل هو إطار تنظيمي يضمن جودة المنتج المحلي، ويحمي المستهلك، ويفتح الأبواب للأسواق الخارجية من خلال توافق المواصفات مع المتطلبات الدولية، ما يسهل عمليات التصدير ويقلل الحواجز التقنية أمام التجارة”.

ويقدر الخبير الاقتصادي الجهد الكمي المبذول في إعداد أكثر من 5 آلاف مواصفة، لكنه يشير في الوقت ذاته إلى وجود فجوة بين وجود المواصفات وتطبيقها الفعلي على نطاق واسع. ويقول: “الرقم المعلن إنجاز مهم من الناحية الشكلية والتنظيمية، ويعكس جهداً تراكمياً لا يستهان به. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في وضع المواصفات، بل في ثلاث نقاط أساسية، ضمان التطبيق الإلزامي والرقابة الفعالة على هذه المواصفات في السوق المحلي لحماية المستهلك، ودعم المنتجين المحليين، وخاصة الصغار منهم، لتتمكن منتجاتهم من الالتزام بهذه المعايير دون أن تشكل عبئاً مالياً يثقل كاهلهم، وأن تترجم هذه المواصفات فعلياً إلى تسهيل دخول الصادرات السورية للأسواق العالمية، وهو ما يتطلب اعترافاً متبادلاً وترويجاً دولياً أوسع للمواصفة السورية”.

وأضاف قاسم لـ”العربي الجديد” : “الخطوة الإيجابية هي المواءمة مع المعايير الدولية مثل ISO، والتي تقلل من الحواجز التقنية للتجارة، لكن السؤال الذي يبقى مطروحاً، هل تمتلك الهيئة والجهات الرقابية الإمكانيات الكافية للتطبيق والمراقبة على الأرض، وهل يحظى تطبيق هذه المواصفات بالأولوية والتمويل اللازمين، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة”. ويذكر أن هيئة المواصفات والمقاييس العربية في سورية هي هيئة علمية تتمتع بالاستقلال الإداري والمالي، وتتبع لوزارة الاقتصاد والصناعة، وقد أحدثت بموجب المرسوم التشريعي رقم 248 لعام 1969، وتعد الجهة الوطنية المختصة بوضع وتحديث المواصفات القياسية في سورية.

العربي الجديد

————————————

 بعد أكثر من عقد على الحرب.. دمشق تدرس إعادة 75 ألف موظف فُصلوا لأسباب سياسية

2025.10.29

كشف القاضي المستشار جهاد الدمشقي، رئيس اللجنة المركزية المختصة بدراسة أوضاع العاملين المفصولين من مؤسسات الدولة منذ عام 2011، أن عدد المفصولين تعسفياً بلغ نحو 80 ألف عامل، منهم 75 ألفاً تقدموا بطلبات لإعادتهم إلى العمل.

وقال الدمشقي، في لقاء نقلته وكالة الأنباء السورية (سانا)، إن معالجة أوضاع المفصولين “أولوية وطنية” تشكّل أحد مسارات العدالة الانتقالية التي تعمل عليها الدولة، مشيراً إلى أن خطة شاملة لجبر الضرر وإنصاف المتضررين “تقترب من مراحلها النهائية”.

وأضاف أن اللجنة تعمل برؤية “إنسانية وقانونية متكاملة”، لضمان إنصاف المفصولين الذين تحملوا ظروفاً قاسية خلال سنوات الحرب، مع مراعاة تحقيق التوازن بين العدالة والإمكانيات المتاحة، مشدداً على أن الإجراء “لن يستغل من أشخاص غير مشمولين بالقرار رقم 455 الخاص بتشكيل اللجنة”.

آلية مرنة وإمكانية تمثيل قانوني للمغتربين

وأوضح الدمشقي أن النظام الداخلي للجنة يتيح للعاملين المفصولين مهلة لا تقل عن ثلاثة أشهر لوضع أنفسهم تحت التصرف، بما يتيح لهم التكيف مع متطلبات العودة إلى العمل. كما يمكن للمقيمين خارج البلاد تقديم طلباتهم عبر وكلاء قانونيين أو أقارب حتى الدرجة الرابعة.

وأكد أن اللجنة تدرس كل ملف بشكل منفرد، مع احتساب فترة الانقطاع ضمن المدة المؤهلة للتقاعد “بما يحفظ حقوق العاملين وكرامتهم”، لافتاً إلى أن العدالة الانتقالية لا تقتصر على استعادة الوظيفة، بل تشمل تعويض المعاناة واستشراف مستقبل أفضل للجميع.

وأشار الدمشقي إلى أن اللجنة واجهت صعوبات كبيرة في جمع الوثائق وبناء قاعدة بيانات دقيقة، بسبب تراكم الملفات على مدى أكثر من عقد، ووفاة أو تقاعد أو سفر عدد من العاملين. لكنه أكد أن “الإرادة الوطنية” ساعدت على تجاوز معظم العقبات، مع تعاون وزارات وهيئات عدة، خصوصاً وزارة التنمية الإدارية.

وبيّن أن التحدي الأكبر يكمن في تحديد الأسباب الحقيقية وراء غياب الموظفين، إذ قد يكون الغياب بسبب “الحصار أو الاعتقال أو الالتحاق بصفوف الثورة”، مضيفاً أن اللجنة وضعت آلية تتيح دراسة كل حالة على حدة لضمان الإنصاف.

لجان فرعية في المحافظات وقانون شامل قيد الإعداد

وأوضح رئيس اللجنة أنه سيتم تشكيل لجان فرعية في جميع المحافظات تضم قضاة وخبراء إداريين وقانونيين، لدراسة الطلبات ومقابلة الموظفين المعنيين عند الضرورة، مؤكداً أن جميع الإمكانيات متاحة لإثبات الحقوق، حتى في الحالات التي يصعب توثيقها.

وأضاف أن اللجنة تضع حالياً اللمسات الأخيرة على دراسة شاملة لأوضاع المفصولين تعسفياً، تمهيداً لإقرارها عبر مرسوم أو قانون خاص يضمن تنفيذ التوصيات وتطبيقها بالشكل الأمثل.

أثر مالي رجعي وقانون خدمة مدنية موحد

وأشار الدمشقي إلى أن العاملين الذين ما زالوا ضمن السن القانوني سيتم اعتبار فترة فصلهم خدمة مؤهلة للتقاعد، مع أثر مالي رجعي تتحمله الدولة. كما كشف عن قرب صدور قانون خدمة مدنية موحد سيعالج أوضاع جميع العاملين، بمن فيهم من عملوا خلال سنوات الحرب في مؤسسات “خارج سيطرة الدولة السابقة”.

وأكد أن العاملين المدنيين في وزارتي الدفاع والداخلية المشمولين بالفصل التعسفي بسبب مواقفهم السياسية، سيُعاد النظر في ملفاتهم ضمن نفس الآلية القانونية.

إعادات محدودة في بعض الوزارات

وحول ما يُتداول عن إعادة بعض المفصولين إلى وظائفهم، قال الدمشقي إن عدداً منهم عاد فعلاً إلى العمل في وزارات التربية وهيئة المنافذ البرية والبحرية وغيرها، بعقود مؤقتة، ريثما تصدر الآلية العامة لمعالجة الأوضاع القانونية للجميع.

يُذكر أن اللجنة المركزية المختصة بدراسة أوضاع العاملين المفصولين شُكّلت بقرار رسمي، وتضم ممثلين عن مجلس الدولة، وهيئتي الرقابة والتفتيش، والجهاز المركزي للرقابة المالية، ووزارات التنمية الإدارية والتأمينات الاجتماعية، إضافة إلى الاتحاد العام لنقابات العمال والأمانة العامة لرئاسة الجمهورية

تلفزيون سوريا

——————————–

==========================

تحديث 28 تشرين الأول 2025

——————————–

في تداعيات إسقاط مرسوم سوري/ رانيا مصطفى

28 أكتوبر 2025

في خطوة لاستيعاب الاعتراضات التي طالبت بإسقاط المرسوم الرئاسي في سورية 66 لعام 2012، جمّدت محافظة دمشق العمل به، باعتباره “تشريعاً ظالماً” بتوصيف المحافظ، ويحتاج إلغاؤه إلى مراجعة النصوص القانونية وإقرار مرسوم رئاسي. وهو يتعلّق بإحداث منطقتين تنظيميَّتَين: “ماروتا سيتي” في بساتين كفرسوسة أو ما يعرف ببساتين الرازي، والأخرى “باسيليا سيتي” جنوبي المتحلق الجنوبي من دمشق في أحياء القدم والعسالي ونهر عيشة. وهجّر السكّانَ المقيمين في المنطقتين من دون دفع بدلات الإيجار، التي أصبحت باهظةً اليوم مقارنةً بالمداخيل، وهو مرسوم جائر لأنه يقيّم الأراضي المُستملَكة بأسعار بخسة، لأنها عشوائيات، وسيُعوّض المتضرّرين بأسهم تعادل قيمتَه قبل دخوله حيِّز التنفيذ، إذ سترتفع أسعار العقارات آلاف المرّات، مع اقتطاع نسبة 25% من حصصهم لتهديم المنطقة، وبناء حدائق ومساجد وغير ذلك، وقد جعل هذا المنتفعين من المرسوم شركاتٍ قابضةً من المتموّلين المقرّبين من نظام الأسد.

تشكّل المطالبة بإسقاط المرسوم 66 مدخلاً لإسقاط القانون رقم 10 لعام 2018 الذي أصدره بشّار الأسد، ويعمِّم تجربة استملاك منطقتي المرسوم 66 لتشمل كامل الأراضي السورية، إذ يقضي بإحداث منطقة تنظيمية أو أكثر ضمن المخطّط التنظيمي العام للوحدات الإدارية، ويتيح ضمن مواده اقتطاع ملكيات خاصة من أجل المنفعة العامة من دون تعويض مالي، في مخالفة لدستور 2012 الذي ينصّ على تعويض مالي عادل. وعدا المرسوم 66، كانت حكومة الأسد تتحدّث عن مشاريع مشابهة في بابا عمرو وحلب الشرقية، ومشاريع أبراج في داريا وضمّها إلى محافظة دمشق، ما يتيح دخول شركات تطوير عقاري، وشركات مساهمة مغفلة، من دون معرفة طبيعة هذه الشركات وجنسياتها، وهي ستستملك حصصاً ونسباً ومقاسم، وستؤسّس كياناتها داخل المناطق التنفيذية بحجّة تنفيذ المرافق العامة والبنى التحتية.

مشكلة المرسوم والقانون هي في طبيعتهما الفوقية، إذ تفرض بموجبها السلطات العليا مخطّطات تنظيمية غالباً باقتراح من وزارة الإدارة المحلية والبيئة المعيّنة من الرئيس (حسب المادة 3 من القانون 10)، ولا دور للمجالس المحلّية فيه، ولا لمديريات الخدمات الفنّية وقراراتها المتعلّقة بأسس التخطيط العمراني. وهذا عكس ما كان معمولاً به سابقاً، إذ كان المجلس المحلي، الذي يُفتَرض أنه منتخب من الأهالي باعتباره أعلى سلطة، يقترح تعديل المخطّط التنظيمي للمنطقة، وغالباً بسبب الحاجة إلى توسيعها، وكان يعرض المخطّط التنظيمي على أهالي المنطقة للاطلاع عليه، وتقديم اعتراضاتهم للجنة مؤلفة من 11 عضواً من عدة وزارات وإدارات لدراسة الطعون. وبالتالي، ليست قوانين ومراسيم كهذه في مصلحة السكّان.

وسواء استندت إلى المرسوم 66 والقانون رقم 10 أم لا، فإن مذكَّرات التفاهم ذات القيم المليونية والمليارية التي وقَّعتها الحكومة السورية الراهنة واحتفلت بها تأتي في السياق الفوقي نفسه الذي ينصّ عليه المرسوم والقانون المذكوران، لكنّ معظمها ما زال من دون التعاقد، أو غير حقيقي، والغرض منه احتفالي، ولكنّه، في كل الأحوال، يكشف النيّات، وهي ليست في مصلحة السكّان، بل تصبُّ في مصلحة الشركات القابضة والمنتفعين الجدد والطبقة الأوليغارشية التي تتشكّل في العهد الجديد، التي صالحت المافيات الاقتصادية المرتبطة بنظام الأسد. بالتالي، تحمل الحملة لإسقاط المرسوم 66 في مضمونها إسقاط مشاريع الاستثمار التي ستقيم أبراجاً في دمشق وفراشات ومدينة إعلامية وغيرها للأسباب نفسها، إذ يحضر التساؤل عن المخطّطات التنظيمية لهذه المشاريع وكيفية الاستملاك، وهل سيستند إلى القانون رقم 10 الظالم الذي أصدره بشّار الأسد، ولا يكفي أن تقول البروباغاندا الإعلامية للسلطة الجديدة إن هذه المشاريع ستوفّر عشرات آلاف فرص العمل للسوريين، لأن ما تحتاجه سورية والسوريون يتجاوز الحصول على فرص عمل، غالباً ما ستكون قائمةً على استغلال كبير للعاملين فيها. ومن الجدير ذكره أن 80% من عقود الاستثمار (الشركات محدودة المسؤولية) التي تأسّست في سورية خلال النصف الأول من عام 2025 تركّزت في دمشق ومحيطها، و8% في حلب، حسب تقرير لـ”The Syria Report”، ويثير هذا التركّز الكبير تساؤلات بشأن سياسات التحفيز الاقتصادي المستقبلية، ودور دمشق في عمليات إعادة الإعمار. وهذا يعني أن مشاريع إعادة الإعمار هذه لن تشمل الأرياف والمدن السورية المدمّرة، ولا المنطقة الشرقية.

يخدم المرسوم 66 والقانون رقم 10 اقتصاديات الحرب في عهد الأسد، لأنهما جاءا مكافأةً للمنتفعين من حرب النظام ضدّ السوريين، ولذلك يعتبران جزءاً من جرائمه في التهجير القسري، والحلّ يأتي ضمن تطبيق مبادئ العدالة الانتقالية المنصوص عليها في الإعلان الدستوري، وضمن موادّه التي تنصّ على حماية الملكية الخاصة وصون الحقوق وإلغاء القوانين الجائرة. وعلى هذا، من المستهجن أن تفتتح السلطات الجديدة عهدها بتوقيع استثمارات انطلاقاً من حيث توقف نظام الأسد، واستكمالاً لمساره في ترسيخ اقتصاديات الحرب القائمة على الاستيلاء على الأراضي تحت مسمَّى المنفعة العامة، ولمصلحة أوليغارشية جديدة تحتكر القرارات، ما سيفتح على استمرار الصراع، وعلى احتمال حصول انفجارات اجتماعية في المديين المتوسّط والبعيد.

تستند إعادة الإعمار التي يحتاجها السوريون إلى عملية تنمية مستدامة تنطلق من الوحدات الإدارية الأصغر، ويجب أن تكون مجالسها المحلّية منتخبةً وأكثر تعبيراً عن حاجات تلك المناطق، وستساهم هذه المجالس في وضع المخطّطات التنظيمية الأكثر إلحاحاً، وستفتح على عملية تنموية تبدأ من القواعد، بدلاً من الخطط الاستئثارية الاعتباطية الفوقية، في وضعٍٍ لا يحتمل تأخير عملية التنمية. ولا ترتبط هذه العملية كلّياً بقرار رفع العقوبات، بقدر ما تستند إلى ضرورة أن يخرج الحكم الجديد في سورية من العقلية الفصائلية إلى عقلية بناء الدولة، وتوسيع المشاركة في اتخاذ القرارات، وتبنّي ديمقراطية موسّعة تشمل الانتخابات البلدية، وإصلاحاً فورياً للسلطة القضائية وضمان استقلاليتها، وشفافية القرارات، وقبل ذلك البدء بمسار العدالة الانتقالية وأن يشمل المتموّلين الداعمين للحرب التي شنَّها نظام الأسد على السوريين. والأهم التخلّي عن فكرة الانفتاح الاقتصادي الواسع، الذي تجلَّى في مسوّدة القانون الضريبي، والتوجُّه إلى دعمٍ أكبر للصناعة الوطنية، التي بات يحملها في سورية القطاع الخاص، وكذلك التوقُّف عن ترويج عقلية الخصخصة غير المدروسة وبيع القطاع العام وممتلكات الدولة بأسعار بخسة.

بعد إغلاق أبوابها في وجه المعترضين مرّات ومرّات، اضطرّت محافظة دمشق إلى مهادنة المعترضين على المرسوم 66. وبالمثل، كان هناك تظاهرات في حمص ضدّ مشروع البوليفار الواقع في أراضٍ مختلف على ملكيتها، ما يدفع السلطة إلى التفكير بكلّ مسارها الاقتصادي وكذلك السياسي، وبأن إصرارها على الاستمرار في اقتصاد الحرب على خُطا الأسد سيواجَه بمقاومة مجتمعية أوسع وأكثر تنظيماً.

العربي الجديد

—————————————

دعوا الأهالي يعيشون… لتتولّى المؤسّسات مهمّة البحث عن المفقودين/ ميشال شمّاس

28 أكتوبر 2025

منذ اندلاع الثورة السورية، تحوّلت قضية المفقودين إلى جرح مفتوح لا يندمل في جسد المجتمع السوري. عشرات آلاف من العائلات تعيش منذ أكثر من عقد في حالة انتظار معلّق.

انتظار عودة غائب قد لا يعود، أو خبر قد لا يأتي، أو جثمان قد لا يُعثر عليه أبداً. وبين الأمل واليأس، باتت حياة هذه العائلات رهينة سؤال واحد لم يجد طريقه إلى جواب: أين أحباؤنا؟

ومع كل مبادرة أو حملة أو نداء، تتكرّر الدعوات الموجّهة إلى الأهالي لمراجعة سجلات النفوس أو القضاء العسكري أو المؤسّسات الرسمية. وكأن الحقيقة تختبئ في درج إداري مغلق أو في سجل مدني متآكل. لكن واقع الحال أن هذه الدعوات لا تقود إلى كشف مصير المفقودين، بل إلى إعادة إنتاج الألم نفسه بصيغة جديدة، وإلقاء مزيدٍ من الأعباء على كاهل الأهالي.

عندما يُقال لعائلة أن تراجع النفوس أو القضاء العسكري، ماذا تنتظر أن تجد؟ أقصى ما تقدّمه هذه المؤسّسات ورقة رسمية تعلن “وفاة” شخص مفقود من دون أن تقول متى أو كيف أو أين. إنها مجرّد شهادة إدارية، لا تُجيب عن الأسئلة الجوهرية التي تنتمي للإنسانية لا للسجلات: كيف مات؟ من المسؤول عن موته؟ وأين مثواه الأخير حيث يرقد جسده؟

بل تحمل هذه الإجراءات في طياتها إهانة مضاعفة، فهي تطلب من الأهل أن يتحوّلوا إلى باحثين في أرشيف قاتل، أو مراجعين لمؤسّسات كانوا يعرفون أنها شريكة في الجريمة. إنها ليست طريقاً إلى الحقيقة، بل طريقاً إلى تثبيت الموت على الورق، وترك الفراغ الحقيقي معلّقاً في قلوب العائلات. وهذا بالإضافة إلى ما قد يسبّبه البحث العشوائي والكيفي من ضياع وثائق، وفقدان ثبوتيات تخصّ مفقودين آخرين، كما جرى في الأسابيع الأولى من التحرير في السجون والفروع الأمنية، حيث كانت الوثائق والسجلات والهويات ملقاة في العراء، ويستطيع أي عابر طريق أن يقلّب فيها أو يأخذ منها كما يشاء.

من لم يخرج حياً بعد عشرة أشهر على إسقاط الأسد وفتح السجون والمعتقلات، فهو على الأرجح مات. هذه ليست دعوة إلى الاستسلام، بل دعوة إلى الواقعية. إن أي حديث عن إمكانية العثور على الحقيقة في السجلات الرسمية أو القضاء العسكري ليس إلا وهماً يعيد الجراح إلى نقطة الصفر.

لم يفقد الأهالي أشخاصاً فحسب؛ لقد فقدوا جزءاً من ذواتهم، من تاريخهم، من حاضرهم ومستقبلهم. إنهم يعيشون في دائرة انتظار لا نهاية لها، تتآكل فيها الأعمار والأحلام. وما يترتّب على عدم الوصول إلى جواب شافٍ ومعلومة دقيقة من تعطيل لمصائر الناس والعائلات، والكثير من القضايا الشرعية والاجتماعية، من حصر إرث، وزواج الزوجات المنتظرات، ومستقبل الأولاد. ومع ذلك، يُطلب من هؤلاء الأهالي اليوم أن يتحمّلوا مهمّة البحث عن مصائر أحبائهم، وكأنهم محققون جنائيون أو خبراء حمض نووي. لكن الحقيقة أن الأهالي لا يملكون الأدوات ولا الخبرة ولا الموارد اللازمة لهذه المهمّة. كل ما يملكونه هو الحزن والذاكرة والانتظار. تحميلهم مسؤولية البحث ظلم مضاعف: ظلم لأنهم خسروا أبناءهم أو أزواجهم أو إخوتهم، وظلم لأنهم يُتركون ليواجهوا عبء البحث وحدهم.

تحويل قضية المفقودين إلى شأن عائلي بحت يعني التنصّل من المسؤولية السياسية والمؤسّساتية. يعني إلقاء العدالة على أكتاف أفراد مثقلين بالفقد، بدل أن تتحمّلها الدولة والهيئات المختصة، والمؤسّسات التي أحدثت لهذا الغرض مثل هيئة المفقودين.

في ظل غياب الحقيقة، وجد بعض تجار الوهم واستغلال الألم من المحتالين في قضية المفقودين فرصة جديدة للابتزاز. يروّجون بين الأهالي روايات غير موثقة، وغالباً غير صحيحة، عن نقل معتقلين إلى سجون حزب الله في لبنان، أو الحشد الشعبي في العراق، أو إلى معتقلات في السويداء، ويطلبون أموالاً أو وعوداً مقابل “معلومات”.

لا تقوم هذه الادّعاءات على أي دليل، بل هي صناعة للوهم من أجل الاستفادة من مأساة العائلات. الأخطر أن استمرار تداول هذه الروايات يُبقي الأهالي في حالة انتظار زائف، ويُشتّت الجهود عن المسار الحقيقي: المطالبة بعمل مؤسّسي شفاف، بإشراف وطني ودولي، يكشف المصير من خلال الطب الشرعي والتوثيق العلمي.

لا يكون قطع الطريق أمام هؤلاء المحتالين فقط بالتحذير منهم، بل أيضاً بتأكيد أن البحث الفردي أو الاعتماد على الوسطاء هو باب جديد للصدمة والخذلان. وحدها المؤسسات الرسمية والدولية، عبر أدوات التحقيق الحديثة، قادرة على وضع حد لهذه المتاجرة بالألم.

ما يجب فعله الآن:

الطريق إلى الحقيقة لا يمر عبر دوائر النفوس أو القضاء بشقيه المدني والعسكري، ولا عبر قصص الوهم التي يروّجها المحتالون، بل عبر جهد مؤسسي منهجي، يستخدم أدوات علمية وتقنية وقانونية. المطلوب اليوم خطوات واضحة:

• تحديد مواقع المقابر الجماعية عبر تقنيات الاستشعار الجوي، والصور الفضائية، والتحليل الجغرافي.

• التنقيب الجنائي وفحص الرفات بإشراف خبراء دوليين في الطب الشرعي، وبالتعاون مع مختبرات متخصّصة.

• إنشاء قاعدة بيانات وطنية – دولية موحدة تضم شهادات الناجين من الاعتقال، والمعلومات الميدانية، والعينات الوراثية التي يقدمها الأهالي.

• تأمين تمويل دولي يضمن استمرارية هذه الجهود على المدى الطويل، بعيداً عن الارتجال أو المبادرات المؤقتة.

• إشراك الأهالي كشركاء في التوثيق من خلال تقديم العينات الوراثية ورواية القصص، لكن من دون تحميلهم مسؤولية التحقيق أو البحث الجنائي.

وليست هذه الخطوات ترفاً حقوقياً، بل واجباً إنسانياً وسياسياً. وهي أيضاً الضمان الوحيد لمنع تكرار الجرائم، فالإفلات من العقاب يولّد جرائم جديدة، بينما العدالة تُعيد بناء الثقة بالمجتمع والدولة.

وعلى المنظمات الحقوقية والناشطين أن يُعيدوا النظر في خطابهم الموجّه إلى الأهالي، فالدعوة إلى مراجعة النفوس أو القضاء العسكري لا تفيد سوى في تسجيل الموت رسمياً، لكنها لا تقترب من الحقيقة. وإن ترويج روايات غير موثقة عن “سجون سرّية” خارج البلاد لا يخدم سوى المحتالين.

المطلوب من المنظمات أن تركّز على تمكين الأهالي من ممارسة حياتهم دون شعور بالذنب، وفي الوقت نفسه، الضغط على المؤسّسات الوطنية والدولية لتحمّل مسؤولية البحث والكشف والتوثيق. واجب الناشطين ليس إلقاء مهمّة التحقيق على كاهل الضحايا، بل تحويل القضية إلى ملف وطني ودولي دائم، لا يسقط بالتقادم ولا يُختزل بورقة وفاة أو إشاعة.

قد يعتقد بعضهم أن التوقف عن البحث الفردي خيانة لذكرى المفقودين. لكن الحقيقة أن الإصرار على طرق مسدودة قد يكون الخيانة الأكبر: خيانة لحق الأحياء في أن يعيشوا، ولحق الأموات في أن يُكشف مصيرهم بطريقة لائقة ومسؤولة.

الوفاء الحقيقي لا يكون في إنهاك الذات داخل دوامة انتظار بلا أفق، بل في المطالبة المستمرة بالحق من المؤسسات التي تملك القدرة على الوصول إليه. الوفاء هو في تحويل الألم إلى قوة ضغط، والذاكرة إلى قضية عامة، والفقد الفردي إلى مطلب عدالة جماعي.

لا يمكن فصل قضية المفقودين عن مسار العدالة الانتقالية في سورية، فهي ليست مجرّد قضية إنسانية أو اجتماعية، بل سياسية بامتياز. تجاهل هذا الملف يعني الإبقاء على جرح مفتوح في قلب أي عملية مصالحة أو بناء دولة جديدة.

لا يمكن الحديث عن مصالحة وطنية أو إعادة بناء الثقة من دون مواجهة الحقيقة كاملة: أين المفقودون؟ من قتلهم؟ كيف يمكن محاسبة المسؤولين؟ وما الضمانات لعدم تكرار هذه الجرائم؟

إذاً، ليس حل قضية المفقودين فقط عملاً إنسانياً تجاه الأهالي، بل شرطاً أساسياً لبناء دولة قانون في المستقبل. … قضية المفقودين في سورية ليست قضية الأهالي وحدهم. إنها قضية وطنية وإنسانية وسياسية. لا يحتاج الأهالي إلى ورقة تقول “مات”، ولا إلى رواية وهمية تقول “نُقل إلى مكان آخر”، بل إلى مؤسسات تقول: نعمل من أجلكم، ومن أجل الحقيقة.

دعونا نحرّر العائلات من عبء البحث الفردي، ونحوّل الملف إلى مسؤولية مؤسّسية منهجية، تملك الأدوات والخبرة والسلطة للوصول إلى الحقيقة. فالأهالي يستحقون أن يعيشوا بسلام، بينما تتحمّل المؤسسات واجب البحث عن العدالة والإنصاف.

لأن العدالة لا تتحقق بالانتظار الفردي أو بالوهم، بل بالعمل المؤسّسي المنهجي، وبالاعتراف بأن هذا الجرح لا يمكن أن يلتئم إلا حين تُكشف الحقيقة كاملة، ويُعاد الحق إلى أصحابه.

العربي الجديد

——————————

 بنوك سعودية تدخل السوق السورية بتعاون مالي جديد

الثلاثاء 2025/10/28

كشف وزير المالية السوري محمد يسر برنية، أن عدداً من البنوك السعودية الجديدة ستباشر قريباً تنفيذ عمليات مصرفية في سوريا، في خطوة تُعدّ الأولى من نوعها منذ أكثر من عقد، وتشير إلى تحوّل نوعي في مسار العلاقات الاقتصادية السورية–السعودية بعد سنوات من الجمود.

وأوضح برنية، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام سعودية، أن هذه الخطوة تأتي ضمن خطة وزارة المالية لإصلاح وتطوير القطاع المصرفي، وتهيئة بيئة تشريعية وتنظيمية أكثر انفتاحاً لجذب المؤسسات المالية الإقليمية، مشيراً إلى أن الانفتاح المصرفي يمثل “ركيزة أساسية لإعادة الثقة بالاقتصاد الوطني واستقطاب رؤوس الأموال العربية”.

وكان حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية قد زار العاصمة السعودية الرياض منتصف أيلول الماضي، إذ أجرى لقاءات موسعة مع كبار المسؤولين في عدد من البنوك السعودية، بحث خلالها سبل التعاون المالي والمصرفي، وآليات تسهيل التحويلات المالية والاستثمارات المشتركة. وتُعد هذه الزيارة من أبرز مؤشرات استئناف التعاون المؤسسي بين البلدين على المستوى المالي بعد سنوات من القطيعة.

ويرى مراقبون أن انخراط البنوك السعودية في السوق السورية يحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية متشابكة، فهو من جهة يعكس تحوّلاً تدريجياً في السياسة الاقتصادية السورية نحو الانفتاح العربي، ومن جهة أخرى يشكّل اختباراً لمدى استعداد النظام المالي السوري لتبنّي معايير الشفافية والانضباط النقدي المطلوبة للشراكات الإقليمية.

كذلك، يُتوقع أن يسهم هذا الانفتاح في تنشيط حركة التحويلات المالية والتجارة العربية، خاصة في القطاعات التي تحتاج إلى تمويل مصرفي مباشر، كإعادة الإعمار والمشروعات الخدمية والطاقة. كما يمكن أن يفتح الباب أمام شراكات استثمارية ثلاثية تجمع بين القطاعين المصرفيين السوري والسعودي ومستثمرين من دول أخرى في المنطقة.

ويرى محللون اقتصاديون أن نجاح هذه الخطوة مرهون بقدرة الحكومة السورية على توفير بيئة قانونية مستقرة، وضمان استقلالية مصرف سوريا المركزي في إدارة السياسات النقدية، فضلاً عن معالجة مشكلات مزمنة مثل ضعف الثقة بالنظام المصرفي المحلي وصعوبة التحويلات الخارجية.

——————————-

====================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى