رأسماليّة المسالخ/ بول مخلوف

السبت 1 تشرين الثاني 2025
في أسفل صفحة الغلاف، تحت العنوان تماماً، تركت مجلة Current Affairs تنويهاً بالكاد يُقرأ، كتب بخطٍ رفيع: «لا أثر للإنسان في الأفق، هذا الشهر نركز على الكائنات الأخرى».
التنويه المذيّل على حافة الغلاف لا يعني تماماً ما يقوله. إنه لا يعكس ما في الداخل: إنه حرقصة ومراوغة، والجملة ليست سوى إيهام خادع. فمن يطالع عدد المجلة، سيجد أنه يلتف حول الإنسان بالقدر نفسه من الالتفاف الذي مارسه التنويه عليه. على أنّ هذا الاحتيال المتعمَّد يدفع القارئ، والمحدِّق، إلى التفكير بسؤالٍ جوهري: إذا كان غياب الإنسان (من هذا العدد) يثير القلق، فلماذا لا يشغله غياب الكائنات الأخرى التي يعيش معها، وفي وسطها؟ ومن القائل، غير الرأسمالية، إنّ الإنسان مستقلّ عن الكائنات الأخرى التي يزعم هذا العدد
أنّه يركز عليها؟
العدد الأخير من مجلة Current Affairs (5 أكتوبر) يحمل عنوان «قضية الحيوانات». وهنا نقرأ عن الإنسان عبر الحيوان، ونفهم موضعه ككائن مرتبط في «علاقة» بالحيوان، فما يبتغي هذا العدد إظهاره وتبيينه، أو بلغة المجلة ذات التوجّه اليساري «نشر الوعي» حوله، هو أنّ قضية الحيوان هي قضية الإنسان، وأنّ خلاص الاثنين في هذا العالم المتوحّش واحد، ومصيرهما مقرون بارتباطهما ببعضهما.
مقالة الكاتب فاسيلي ستانيسكو أبرز مثال على هذه الفكرة التي ستصير، في خلاصة مقالته، بمنزلة دعوةٍ لتوحيد النضال. يضيء ستانيسكو في مقالته المعنونة «كيف أصبح المسلخ الصناعيّ بصمة الرأسمالية المعاصرة» على ما يحصل داخل حظيرة شيكاغو. مقالة أشبه بمانيفستو ساخط، يقوم على قراءة مادية لتاريخ اللحم.
سكين اللحام المصلتة على رقاب الحيوانات هي ذاتها المهماز الذي يوخز أجساد العمّال في حقبة الرأسمالية. يبدو حاضر البشرية التي تديره الغرف الاقتصادية في شيكاغو شبيهاً بماضي الحيوان حين كانت شيكاغو مسلخاً، ومركزاً، لتوضيب اللحوم.
حين يتحدث ستانيسكو عن «بصمة» الرأسمالية المعاصرة، فمعناه أنه في خضم اقتفاء الأثر الذي يرجع إلى المصدر الأوّل: «مسالخ شيكاغو». لقد انتقل الفضاء المكاني لجثث الحيوانات إلى جغرافيا اقتصادية؛ غدت عملية الإنتاج في المصانع والشركات مفرطة إلى حدٍّ فائض، حتى صار جسد العمّال مقيّداً بسيطرة «السفاح الرأسماليّ» ولا يفصله عن الموت سوى عطسة طارئة.
ثمة مسار مشترك بين الكائن البشري والكائن الحيواني إذن، فالإخضاع، والعنف، والإنتاج المفرط الذي يسير بوتيرة الموت ليس سوى محاكاة دامية لما حدث -ويحدث- للحيوان. لم تحوّل العولمة -وهي من نسل الرأسمالية- العالم إلى قريةٍ صغيرة بل غدا العالم مسلخاً ضخماً لجميع كائناته مهما اختلف نوعها.
على خطى ماركس
يسير ستانيسكو على خطى ماركس في تتبعه لمراحل التاريخ. يعود إلى الحدث الذي أعطى الرأسمالية دفعاً وزخماً؛ إلى «خط التجميع» الذي ابتكره هنري فورد وقد صار نموذجاً للصناعة الحديثة. غير أنّ ستانيسكو يستعمل مثالبه ويمزق الجلد الذي يغلّف الأوردة، ويكشف بأن الشريان الأساسي «خط التجميع» (مفهوم هنري فورد) نابع من «خط التفكيك» الذي كان يشتغل وفقه العمّال في تقطيع جثث الحيوانات. النظام الصناعي الحديث بأسره، انبثق من مكانٍ واحد هو «مسالخ شيكاغو».
يكتب ستانيسكو: «بمجرد أن اكتشف الرأسماليون كيفية تحويل الحيوانات إلى أجزاء (ساق، حلق، رأس)، أدركوا أنهم يستطيعون فعل الشيء نفسه مع العمّال البشر (يد، ذراع، حركة قطع)».
استمد فورد إذن «خط التجميع» الذي يفرض على كل عامل أن يركّب قطعة واحدة للسيارة المصنّعة بدلاً من مؤازرته لباقي زملائه في تركيب السيارة بكامل قطعها من هذا النموذج. بات الاهتمام مصبوباً على الجزء، وعلى هذا النحو، صار العامل شبيهاً بالجزء المتخصص به: هو يد، أو ذراع، أو ساق. لذلك، يرى ستانيسكو أنه من الجائر وصف المرحلة الجديدة التي دخلها التصنيع بـ«ما بعد فوردية».
ذاك أنّ ما نخاله «إيجابياً» في الفوردية كتحسين رواتب الموظفين، وتقليل ساعات العمل هي أفكار موجودة قبل فورد، وقد استغلها لمصلحة معامله. ثم إن الصناعة الحديثة المطبّقة في المصانع ليست سوى عملية تقليد للقتل الحاصل في المسالخ. يقترح ستانيسكو تسمية جديدة: رأسمالية المسالخ.
انتقلت الصناعة إلى مرحلة جديدة إذن ودخلنا في طور مجتمعي آخر. كان لدينا في البداية مزارع، ثم مسالخ، والآن باتت لدينا مسالخ صناعية. فالمسلخ باعتباره مكاناً لقتل الحيوان، وتقطيع جثته، فتوضيب لحمه، أخذ شكلاً جديداً يطاول، هذه المرة، الكائن البشري. فالمرء قد يقتل من شدة الإرهاق، ويعذّب من فرط إجهاده في العمل، وهو مراقبٌ دائماً «من مستودعات «أمازون» حيث يُجبر العمّال على التبوّل في زجاجات، إلى مصانع «تسلا» حيث يراقب إيلون ماسك كل حركةٍ يقومون بها».
الأجساد مكبّلة والجميع خاضع للسيطرة. هو الطوق نفسه الذي يلف عنق الحيوان ملتف على أعناق البشر. حين استوحى الرأسماليون الصناعة الحديثة من المسالخ، نشأت عندهم أفكار حول كيفية منع المقاومة بعدما اكتشفوا كيفية منع مقاومة الحيوانات. يكتب ستانيسكو: «دائماً ما صُمم النظام للسيطرة، ومنع المقاومة، وإنتاج الموت كشكل من أشكال الربح. يُذكرنا مصطلح «رأسمالية المسالخ» بأن النظام الرأسمالي الذي نعيش فيه لا ينبع من نظافة مصنع سيارات فورد، بل من واقع حظائر الماشية الملطخة بالدماء في شيكاغو. وكانت أول كذبة هي: أن الحيوانات المقتولة لا تستطيع حتى الكلام أصلاً».
الحيوانات تتحدث
ستانيسكو رافض لتلك «الحقيقة» القائلة إنّ الحيوانات عاجزة عن المخاطبة. هذه مجرد مزاعم. هو يستحضر تجارب شخصية لمربّي مواشٍ، وأصحاب حيوانات أفصحوا في مذكراتهم، أو عبر سردهم لخبراتهم الحيوية بأنه ثمة نوع من التواصل كان يحدث مع حيواناتهم. عدا عن كون الحيوانات تتكلم مع بعضها (الدلافين أبرز مثال على ذلك)، فإنّ إدراكها بأن أمراً ما سيصيبها، أو أنها ذاهبة نحو الموت دليل آخر حتى يكون لها القدرة على التواصل. يضرب ستانيسكو مثلاً حول تمرد الحيوانات التي تسجن في الأقفاص قبل تعرّضها الذبح، وتلك التي تحاول الهروب قبل وصولها إلى المسلخ. إنها عاجزة عن فهم كارل ماركس والتكلم بنظرياته، لكنها «حتماً» كما يعرب ستانيسكو «قادرة على التعبير»، وبالتالي، فإنّ المشكلة ليست في «عدم قدرة الحيوان على التعبير إنما في عجز الإنسان عن الإصغاء إليها».
رائحة الحظائر الكريهة
تفوح رائحة قميئة داخل تلك المسالخ، مصدرها الجثث المتعفنة، وإفرازات الإرهاق، وندوب متربصة بالجلد، وكل هذا مردّه العمل الذي يفصح عن أحواله العامل في آخر النهار بـ«إنهم يعاملونني كالحيوان». يستعيد ستانيسكو مدة كورونا حين أصرّ ترامب على إبقاء مسالخ اللحم شغالة علماً أنّ خطر تفشي الوباء داخل المسالخ مرتفع جداً، ويذكرنا بتلك الحادثة الحقيرة التي وقعت عام 2020: عندما راهن أصحاب مناصب عليا في إحدى الشركات على كمية العمّال الذين سيصابون بالجائحة جراء استمرارهم في العمل مدة الإغلاق الكامل.
قضى كثير من العمّال في «مسالخ الرأسمالية» كشيء أشبه بموت الحيوانات في «مسالخ شيكاغو». لو استعنّا بالتعبير المبتذل، لقلنا إنّه في رأسمالية المسالخ، نحن إزاء «حيونة» الإنسان. بيد أنّ ستانيسكو سيرفض هذا المصطلح رفضاً قاطعاً، إذ سيرى فيه تقليلاً من شأن الحيوان، والتطبيع مع واقع تعذيب الحيوان وصورة الحيوان المعذّب. وهو على الضفة النقيضة من هذا، ففي نهاية المطاف، إنّ كلا الإنسان والحيوان يعانيان من عنفٍ ضارٍ مصدره الرأسمالية في طورها الحديث «رأسمالية المسالخ».
الجدير بالانتباه في مقالة ستانيسكو، أنه إذ يرى أنّ العنف بنيوي في الرأسمالية ذاتها وربطه بين جثث الحيوانات والأجساد الهالكة وفائض الإنتاج، فذاك برمته يذكرنا بنظرية «الهدر والإمبريالية» التي تحدث عنها المفكر علي القادري. إن رسونا على الاختصار، يمكن تلخيص رؤية الكاتب بالآتي: إنّ إنتاج الموت هو أعلى مراحل الرأسمالية، أو بالأحرى هو صنعةٌ ومنتج تصنَعه رأسمالية المسالخ. لقد صُمم هذا النظام لمعاملة جميع الحيوانات «البشرية وغير البشرية»، كما يكتب ستانيسكو، كمجرد مواد خام للربح؛ وليس كل هذا الإفراط في إنتاج كميات هائلة من اللحوم التي لا يمكن استهلاكها بالكامل، وفرض العمل بالإخضاع إلا هوساً بالموت، واقتياد الحيوانات البشرية إليه.
ضرورة أكل اللحوم بروباغندا كولونيالية
يفضح ستانيسكو كذبة عتيقة يعود عمرها إلى نشوء الرأسمالية ذاتها. يبيّن لنا كيف لم يكن اللحم يوماً مادة غذائية «تقليدية» و«ضرورية حتماً»، بل إن إضفاء مبدأ «الضرورة» على أكلها هو دعاية أيديولوجية نشأت عليها سردية الهيمنة. إنّ الولع الحديث بتناول اللحم لم ينبع من «الطبيعة البشرية» كما تروّج الثقافة الاستهلاكية، بل من دعاية استعمارية أريد منها إسباغ شرعية عرقية على مشروع التفوّق الأبيض. يخبرنا كيف أنه في القرن التاسع عشر، ربطت «الرجولة» و«الذكاء» و«القدرة على الحضارة» بأكل اللحم، فيما وسم آكلو الأرز في الشرق بأنهم ضعفاء و«مخنثون».
ومن تلك اللحظة، تغذى الجسد البشريّ على جثث كائن مهدور، الحيوان، وصارت شريحة اللحم بمنزلة سكين الرأسمالية اللذيذة التي تقطع الإنسان كما الحيوان. وقد راج هذا الخطاب الاستعماري ووجد طريقه في الداخل الأميركي، حتى غدا أيديولوجيا طبقية تبرّر الفارق بين العامل الأبيض والمهاجر الصيني، بين من يأكل لحم البقر ومن يقتات الأرز.
يشرح ستانيسكو كيف ولدت المزارع الصناعية الحديثة كاستمرار للتفوّق. عوضاً عن إعادة هيكلة الرواتب لأن العامل الأبيض طالب برفع أجره المعيشي بحجة أنه يقتات على اللحم وليس على الأرز، راحت الرأسمالية تنتج لحوماً أكثر، ما يعني انخفاض سعرها. بدأت فكرة بناء مزارع اصطناعية، يكتب ستانيسكو: «عُوِّض فائض قيمة العمال الصناعيين -الذين لم تُرفع أجورهم وتزايد استغلالهم باستمرار – بفائض قيمة الحيوان. وارتبط التزايد المستمر في استغلال جسم الحيوان بالتزايد المستمر في استغلال جسم الحيوان البشري. في ظل رأسمالية المسالخ، يزداد استغلال الحيوانات باستمرار، ما يسمح باستغلال العمال البشريين بشكل أكبر».
يذكّرنا بأنّ اللحم ليس طعاماً فقط، بل إنه بشكلٍ ما، رمز لتاريخٍ من العنف المُمأسس، وما نراه اليوم، من هوس الذكور بالصيد مثل جو روغان إلى افتتان اليمين المتطرّف باللحم والحليب، ليس سوى ارتداد ثقافيٍّ لدم مهدور، ولرائحة قميئة تفوح من الحظيرة.
التضامن
نعود إلى البدء. لا يرى ستانيسكو أنّ المزارع الاصطناعية، التي جاءت كتطوّر للمزارع الطبيعية، ولدت من رحم المصنع بل على العكس: ولادة المصنع جاءت من المسالخ. فالنظام الاقتصادي برمته مصمّم هندسياً كما هي الحال في المسالخ. بعد تفسير «العالم»، هل يمكن «تغييره»؟
يؤكد ستيانيسكو أن «تحرير الحيوان» ليس فعلاً من أفعال الرحمة، بل شكل من أشكال التضامن العميق. تضامن سيفرض في النهاية مقاومة لها صوتها الذي لا يُسمع. قد يكون هسيساً بيد أنه سيتحول إلى حفلة صاخبة عندما يتّحد. لا يعوّل ستانيسكو على «تغيير الذات» والدعوات الإرشادية التي يميل إليها أصحاب النضال «البوذي» و«الهندوسي»، بل يحث على تهشيم البنية: سلخ المسالخ. هو على يقين بأنه لا يمكن تحرير الحيوان من دون الانفكاك عن النظام نفسه الذي يستعبده ويستعبد الإنسان معه. فالرأسمالية والنزعة النوعية تلك التي تبرر قتل الحيوانات بحجة أنها من الجائز قتلها، هما وجهان لعملة واحدة.
إنهما يتبادلان أدوار التبرير لإتمام الوظيفة: تحويل حياة الإنسان والحيوان إلى سلعة قابلة للاستهلاك. على هذا النحو، لا يمكن لأي نضال ضد الرأسمالية أن يكتمل ما لم يشمل الكائنات التي تُذبح بصمت.
هكذا، نجد موقفاً سلبياً من ستانيسكو تجاه دعاة حقوق الحيوان أمثال بيتر سنغر الذين يظنون أنّ مواجهة الرأسمالية ليست من أولويات النضال، كما أنه ينتقد اليسار الذي يردّد مقولة «لا استهلاك أخلاقياً تحت الرأسمالية»، ويغفل أنّ القضية ليست في الاستهلاك بل في المقاومة. فالحيوانات نفسها، كما حاجج سابقاً لا «تتكلم» فقط، إنما تمارس المقاومة: تهرب من المسالخ، تهاجم جلاديها، تقفز الأسوار وأحياناً تختار الموت على الأسر؛ هذه حكايات عن انتفاضات ضد الربح والاستعباد.
لذلك يدعونا ستانيسكو إلى تضامن كوني. تضامن يتجاوز حدود النوع، فالنضال من أجل الحيوان امتدادٌ للنضال من أجل الإنسان. لن تسقط رأسمالية المسالخ إلا حين يُفتح كل قفص وعندما تتحرر الأجساد التي تختزل إلى جزء في «آلة». حينها فقط سنفوز، لأنه قتال يجمع المقموعين والمستعمرين متّحدين معاً.
الأخبار



