رأس المال الذي يصنع الذائقة الفنيّة/ طارق عدوان

28 أكتوبر 2025
لم يعد الإنتاج الفني محصوراً في حدود التمويل التقليدي أو القاعات المحلية، بل امتد ليشمل منصات رقمية عالمية ومحلية، ما أعاد تعريف العلاقة لثلاثية رأس المال، المنتج، والجمهور. كلُّ عمل فنيٍّ اليوم، سَواءَ كان دراميَّاً أو موسيقيّاً أو سينمائيّاً، يعكس بصمة نوع رأس المال الذي يدعمه، ويستجيب في الوقت نفسه للضغوط الرقمية التي تفرضها الخوارزميات. دراسة هذه العلاقة باتت أساسية لفهم الذائقة الجمعية في العصر الحديث.
أنواع رأس المال وتأثيرها على الإنتاج الفني
رأس المال الذي يحدد شكل المنتج الفني يتنوع بين اقتصادي، ربطي (علاقات)، وثقافي:
يمكِّن رأس المال الاقتصادي من الإنتاج الضخم، واستخدام تِقنيات تصويرٍ متقدِّمة، وامتلاك حقوق توزيعٍ واسعة عبر القنوات التقليدية والرقمية. لكنَّ الاعتماد على التمويل الكبير قد يحدُّ من التجريبية ونتاجها الإبداعي الإنساني، إذ يسعى المستثمرون إلى عائد مضمون من خلال موضوعات مألوفة وجذب جماهير واسعة. هذا يفرض نوعاً من الرقابة الناعمة على المحتوى، حيث تميل الأعمال تلقائيَّاً إلى المواضيع الآمنة، وتتفادى المخاطرة بأساليبَ أو رسائلَ قد تثير جدلاً يقلل من الجاذبية التجارية.
أما رأس المال (الرَّبطي) أوالتَّواصليّ، إن صحَّت التسمية، فيشمل الشبكات المِهنيَّة والعلاقات مع مؤسسات الإعلام والمنصات الرقمية. وجود الفنان ضمن هذه الشبكات يسهل الوصول إلى منصات عرضٍ ضخمة مثل نتفليكس، أمازون برايم، أو المنصات المحلية، ما يوسع دائرة التأثير ويزيد من قدرة العمل على تشكيل الذائقة الجمعية. هذه الشبكات نفسها تعمل أحياناً كوسيط للرقابة الناعمة، إذ تحدد طبيعة الإنتاج الذي يحصل على التمويل أو الانتشار، ما يخلق خيطاً رفيعاً بين الحرية الفنية ومتطلبات القبول الاجتماعي والاقتصادي.
عبر رأس المال الثقافي، تزداد تلقائيَّاً المعرفة الفنية والاطلاع المكثف، يتيحان للفنان تقديم أعمال مبتكرة حتى مع محدودية الموارد الاقتصادية. هذا النوع من رأس المال يترك أثراً طويل الأمد على الذائقة الجمعية، إذ يرفع مستوى التقدير الفني ويخلق جمهوراً واعياً ومتعطشاً للتجديد، لكنه في الوقت نفسه لا يحرر العمل بالكامل من تأثير الرقابة الناعمة الاقتصادية والاجتماعية.
منصّات الإنتاج والعرض الحديثة
مع ظهور المنصات الرقمية، أصبحت العملية الإنتاجية أكثر تعقيداً. منصات مثل نتفليكس وأمازون برايم لا تقدم التمويل فقط، بل تتحكَّم في توزيع المحتوى بناءً على بيانات المشاهدة وتحليل الذوق العام. هذا يعني أن نوعية الإنتاج تتأثر بشكل مباشر برغبات الجمهور الملموسة رقميَّاً، وبالقدرة على التَّكيُّف مع الاتجاهات الشائعة. المنصات المحلية بدأت تلعب دوراً مشابهاً، مما جعل المنافسة على الانتشار الجماهيري أكثر حدة، وفرض على المبدعين التفكير في استراتيجيات جذب الجمهور عبر التحليل الرقمي للميول والاتجاهات.
سلطة الخوارزميات وتأثيرها على الذائقة الجمعية
الخوارزميات الرقْميَّة أصبحت قوَّةً مهيمنةً في تشكيل الذائقة الجمعية. التوصيات الذكية، خوارزميات التصنيف، وقياس معدل المشاهدة تحدد نوعية الأعمال التي يصل إليها الجمهور، وبالتالي نوع الذوق الذي يتم تبنيه. إذا كانت الأعمال المدعومة برأس مالٍ اقتصاديٍّ كبير تتَّجه نحو الكَسب السَّريع والجَذب الجماهيري، فإنَّ الخوارزميَّات الرقميَّة تُعزِّز هذا التَّوجُّه، ما يخلق دورةً مغلقة: المحتوى الأكثر مشاهدة يحصل على تمويل أكبر، وتزداد شعبية أنماطٍ معينة، بينما تُهَمَّشُ الأعمال الأكثر تجريبية أو الأغنى كمحتوىً إبداعي ثقافي متأنٍّ. هنا، تظهر الرقابة الناعمة مرَّةً أخرى، إذ يوجه رأس المال والخوارزميات الإنتاج الفني تلقائيَّاً نحو المحتوى الآمن والمربح والمألوف، دون تدخُّلٍ مباشر من أيِّ سلطة سياسيَّة. او اجتماعية، أو رقابيَّة فكريَّة.
الرقمنة والمزاج الفني
لا تقتصر الضغوط التي يتعرَّض لها الفنان اليوم في ظل عصر المنصات الرقمية، المنتجة منها والعارضة، على القيود الاقتصادية أو الاجتماعية، بل تشمل التكيف مع متطلبات المنصات الرقمية والخوارزميات، ومعايير الذوق الجماهيري، التي يفرضها رأس المال والخوارزميات. الفنان يُضطرُّ إلى الموازنة بين طموحه الفني الإبداعي، ورغبة المنصات في حصد مشاهدات عالية النسبة، وتوقعات الجمهور الرقمي المتغير بسرعة. هذه البيئة الرقمية تزيد من تعقيد العلاقة بين الإبداع ورأس المال، وتجعل كل عمل فني اختباراً لمزيج من القدرة الإبداعية، المهارات الرقمية، ومرونة التعامل مع الذائقة الجمعية، ضمن سياق الرقابة الناعمة.
أمثلة واقعية لتأثير منصّات الإنتاج الرقمي
نتفليكس: تعتمد المنصة على تحليل بيانات المشاهدة، مدة التفاعل مع المسلسلات، وتصنيف الأنماط المفضلة للجمهور لتحديد الأعمال التي تستحق الاستثمار. مسلسلات مثل Stranger Things وBridgerton لم تنجح فقط بسبب جودة الإنتاج، بل لأنها تلائم الذوق الجماهيري وفق بيانات المشاهدة، ما يعكس الرقابة الناعمة لرأس المال والخوارزميات معاً.
أمازون برايم وفنون التجريب: توفر مساحة أكبر للأعمال التجريبية ذات الطابع الثقافي العميق، مستفيدة من رأس المال الثقافي للمبدعين، مع الاعتماد على قاعدة بيانات دقيقة لتوجيه الإنتاج، ما يسمح بخلق محتوى لجمهور متفاعل وواعٍ، لكنه محدودٌ مقارنةً بالانتشار الجماهيري الكبير.
الدراما المحلية عبر منصات البث: منصات مثل شاهد وواتش إت، تقدم إنتاجات محلية تعتمد على تحليل المشاهدات والميول الرقمية للجمهور العربي، ما يعكس تأثير رأس المال الرقمي والخوارزميات على المنتج الفني المحلي، مع استمرار تأثير الرقابة الناعمة، التي تفرضها سيرورة المنتج وتلقيه واستهلاكه في اختيار المواضيع والأساليب، حيث تلعب – تلقائيَّاً – دوراً مزدوجاً، فهي وإن كانت تحمي الاستثمارات وتضمن جماهيرية الأعمال، لكنها تقلل من الجرأة الفنية وتحدُّ من التنوُّع الإبداعي، ما يطرح أسئلةً حول حدود الحرية الفنيَّة ومستقبل الذائقة الجمعية.
التأثير على الذائقة الجمعية
الخوارزميات التي تقترح للمستخدمين المحتوى بناءً على تفضيلاتهم السابقة تؤدّي إلى ما يُمكن تسميتها “فقاعة الذوق”، حيث يزداد التعرض لنمط محدد من الإنتاج الفني ويقل التنوع، ما يشكل ذائقة جمعية محددة ومتحيزة، بعيدة عن التجريبية والابتكار. ثم أن الجدلية بين الاقتصاد، الثقافة، والرقمنة، تفرض أن العلاقة بين رأس المال والإبداع لم تعد خطِّيَّة، بل أصبحت جدلية ثلاثية، فالاقتصاد يوفر الموارد، والثقافة تمنح العمق والابتكار، والرقمنة تفرض قواعد الوصول والانتشار. هذه الديناميكية تجعل المنتج الفني مشروعاً معقداً يتفاعل فيه المبدع، الجمهور، والمؤسسات الرقمية في حلقة مستمرة من التأثير المتبادل، مع رقابة ناعمة تحدد إطار الإنتاج المقبول تلقائياً.
إن فهم الإنتاج الفني المعاصر دون دراسة تأثير رأس المال، المنصات الرقمية، وخوارزميات التوصية، يعني قراءة ناقصة للواقع الثقافي الحديث. كلُّ نوعٍ من رأس المال، مترافقاً مع السلطة الرقْميَّة للخوارزميَّات، يترك أثرَه على الإنتاج، مستوى التجريب، وصول الجمهور، والذائقة الجمعية نفسها، فالإنتاج الفني، الذي كان وسيلةً للتَّعبير عن الإنسان والتجرِبة الإنسانية، يصبح الآن، وفي أحيان كثيرة، خاضعاً لمعادلات السوق والخوارزميات، بحيث تتحوَّل التجرِبة الجَماليَّة إلى سلعةٍ يُقاس نجاحها بالمتابعة والإيرادات، لا بالعمق أو التأثير النفسي والثقافي.
ولكي نكون منصفين، لا بد من الاعتراف، بأن التطور التقني، الذي ينعكس بالتالي على الإنتاج الفني وآلياته، هو سلسلة غير متناهية، وليست حديثة الولادة. فبنظرة سريعة إلى وسائل الإعلام مثلاً، وبرصدٍ لرحلةٍ سريعة جداً، ما بين الجريدة الورقية، والفيديو ريلز كيف كانت وعلامَ أصبحت، نفهم تماماً أن هذا التطور هو جزء من سيرورة العقل البشري، بغض النظر عن تقييمه قيميَّاً وفكرياً وثقافيَّاً، فلنأخذ الأغنية مثالاً: كنتَ تشتري الكاسيت من أجل أغنية، تسمعها، تتخيلها بصرياً، تتخيل نفسك فيها، عاشقاً أو معشوقاً، بطلاً او مهزوماً، حتى جاء الفيديو كليب، فحرمك من الخيال، واقتحم مخيلتك بصورته، التي فرضها عليكَ وعلى كل جمهور تلك الأغنية، والتي بالغالب يجب أن تكون جذَّابةً ومُنتَجة بأفضل مستويات الإنتاج.
وهكذا وفي كل مجالات الإنتاج الفني والثقافي، فرض التطوُّرُ التِّقنيُّ قِيَمه الإنتاجية، وقيماً استهلاكيَّة جديدة على المُتلقِّي، فما بالك وقد وصلنا إلى حقبة الذكاء الاصطناعي، حيث تجد نفسك أمام مصفوفاتٍ هائلةٍ من الخوارزميَّات، التي تجنح بسعيها قُدُماً، إلى تنحية العنصر البشري ربما، في أغلب مجالات الحياة، وليس فقط في مجال الإنتاج الفني والثقافي. فصاحبنا الجديد بوسعه، أن يفكرَ عنك، ويعشقَ ويتخيل ويكتبَ عنك، وإن لم ينفذْ عنك بدقَّة، فهو يضع أمامَك أغلب الاحتمالات، التي يمكن أن تنفِّذ من خلالها.
في ظل هذا الواقع، يبدو أننا مُتَّجهون نحو مرحلةٍ أكثرَ حدةَّ من تسليع كلِّ شيء، حتى المشاعر والأحلام.
العربي الجديد



