علمانية وجنس: المبادئ والحقوق كأسلحة للتغلّب!/ حسام الدين محمد

قدمت، سابقا، بعض الأفكار الواردة في كتاب «ضد الليبرالية الرمزية: دعوة إلى علم اجتماع تحاوري» لعالم الاجتماع السوري ـ الفلسطيني ساري حنفي، وبينها الطبيعة المزدوجة للنقد الذي يوجهه لظواهر متغلّبة في نخب الشمال والجنوب العالميين، وكشفه طرق استخدام الليبراليين الرمزيين للحقوق كأسلحة واستراتيجيات تمويه «لإخفاء الدوافع والمصالح الحقيقية لأصحابها».
تحتاج قضيّتان شائكتان تشغلان الدول والنخب إضاءة أكبر، فحولهما تجري صراعات هائلة تؤثّر على مصائر شعوب وجماعات بشرية واسعة، وتشارك النخب الليبرالية في الشمال والجنوب (أو شرقا وغربا)، جهلا أو عن علم، في تأجيج أوارها وتوفير المزيد من الضحايا لمحرقتها.
في شغله على نتائج ذلك من صعود الاستقطاب والثنائيات القاتلة، يشير الكاتب إلى ما يسميه «التصور التغلّبي للخير، الذي يفرضه الليبراليون الرمزيون في مجالين متّصلين بالدين: العلمانية والجنس»، فيلاحظ، أولا، رحلتين متعاكستين: الأولى «هي التراجع المطرد لدور الدين في المجال العام، وتحوله إلى خيار شخصي»، والثانية «هي بالعكس، تزايد حضور الجنسانية في المجال العام بعدما كانت شأنا خاصا». لا يعارض حنفي وجود اتفاق عام حول القضيتين، لكنه يركّز انتقاده على أن «التعصّب أصبح سمة النقاش حول هذه القضايا، وهو يغذي حدة الاستقطاب». يعتبر حنفي أن «لا غنى عن العلمانية في أي مشروع ليبرالي» ملتزما تعريفا لها باعتبارها «تصورا للعدل، يضع مسافة آمنة ومبدئية بين الدين والدولة، مع حد أدنى من الحياد من جهة الدولة» مؤكدا أنها «أداة» لحسن اشتغال المشروع السياسي الليبرالي، وليست «قيمة» في حد ذاتها.
الإسلام «يقوّض قيم الجمهورية»!
ينتقد الكاتب تركيز الليبراليين الرمزيين المنصبّ على سلبيات الدين، ويشرّح صراعهم مع الجماعات الدينية في العالم العربي، معتبرا أن الفصل القطعي والإقصائي بين الدين و»الدنيا» يدفع الليبراليين الرمزيين إلى فهم وحيد للعلمانية هو الفهم الفرنسي. تقود هذه الرؤيا، كما يقول، إلى انعدام للواقعية في مطلب فصل الدين عن الدولة. يسيطر على الليبراليين الرمزيين العرب، حسب الكاتب، تفكير تبسيطي مثنوي، فهم يماهون بين الغرب والمادية والعقلانية، ويرفعون هذا التصور ضد عالم عربي متشبع بمعارفه الأصلانية المستمدة من الوحي الديني. يرى حنفي أن نموذج الدولة العلمانية هو المهيمن عالميا، بما في ذلك الكثير من الدول الإسلامية، وأن هذا ينطبق حتى على البلدان التي تحكمها أو تتقاسم سلطتها أحزاب سياسية إسلامية مثل، تركيا وماليزيا والمغرب وبعض البلدان الآسيوية الصغرى لكنه يضيف، أنه ما من دليل سوسيولوجي على أن هذا النوع من العلمنة سيقود إلى تراجع التدين، خالصا إلى أن «علمانية الليبراليين الرمزيين غير قابلة للتصدير خارج فرنسا، وأن هذه العلمانية إشكالية حتى في فرنسا نفسها».
يُسقط الليبراليون الرمزيون تفسيرات ثقافية مستمدة من التجربة الأوروبية على المجتمعات المسلمة، «الأمر الذي ينتهك أبسط مبادئ الحريات»، متجاهلين رؤية أن العلمانية أداة لترشيد الحكم لتصبح لديهم «هدفا يجب تحقيقه بذاته» باعتبارها «الحامل الحتمي للقيم الكونية في المجتمع أيّا كانت النتائج»! ضمن السياق العربيّ لهذا النزاع، يرى حنفي أن مصطلح «الإسلام السياسي» صار أشبه بتعميم وتنميط يقفز فوق تنوع مشارب الفكر السياسي الإسلامي. صار المصطلح سوطا مرفوعا في وجه «أقلية سياسية محددة في فرنسا»، بشكل يوحي بأن كل مسارات هذه الشريحة المهمة والمحترمة في المجتمع، قابلة للاختزال بالراديكالية القطبية التي تبدأ من الإخوان وتنتهي بـ»داعش».
في هذا الاختزال، بما في ذلك الأنثروبولوجيا، التي يفترض أن تكون حساسة للتعددية الثقافية، مقدما أمثلة تعكس هوسا بفكرة أن الإسلام السياسي موجود في كل مكان في فرنسا وأوروبا ويقوّض «قيم الجمهورية». وينتقل حنفي، على عادته، إلى الضفّة الأخرى لإثبات أن اعتبار «الإسلام السياسي» متعارضا مع القانون في الغرب، يكرر المقاربة التي أثبتها الزمن مرارا في المنطقة العربية، التي تثبت أن الحلول الأمنية وحدها عاجزة عن حسم مصير الأحزاب الإسلامية السياسية في المنطقة العربية.
الجانب الديني في العلمانية الفرنسية
تحولت العلمانية بفعل هذه الرؤى الى أيديولوجيا شمولية تضاهي ما تنتقده، فهي أيضا تسعى الى السيطرة على جميع القضايا المطروحة في المجتمع، وتبدو أشبه بدين مدني. النتيجة أن ما من سياسيين فرنسيين من أصول عربية أو مسلمة ترشحهم أحزابهم لتولي مناصب وزارية أو برلمانية إلا حين ينأون بأنفسهم، بأكبر قدر ممكن، عن ثقافة أسلافهم. يكشف حنفي جانبا دينيّا في علمانية الليبراليين الرمزيين فيقول إنها تنظر إلى الدين بطريقة مسيحية، وبشكل خاص كاثوليكية إصلاحية، حيث تكثّف معناه في الإيمان الفردي وتقصر حضوره على المنزل والكنيسة. وبالنتيجة تبدو الشعائر (مثل إظهار الصيام في رمضان، كما في حالة بعض لاعبي كرة القدم المسلمين في فرنسا) والتعبيرات الدينية العامة (مثل ارتداء الحجاب) شكلا غير مقبول من أشكال «الدعوة». وباسم الدفاع عن «المثل العلمانية» لا يتردد الليبراليون الرمزيون في أداء دور «الفقيه»، أو «المفتي» الذي يجهد لإثبات أن الحجاب «ليس من الإسلام»، وأنه «رمز استعباد المرأة».
يستنسخ الليبراليون الرمزيون هذه العلمانية الإقصائية الفرنسية في عدد من الدول الأوروبية، ويحولونها إلى أداة لتمرير تشريعات متشددة تستهدف الأقليات الدينية، بشكل جعل أنماط الحياة الإسلامية في فرنسا موقعا لتعيين ما هي الراديكالية، على سبيل ما أصدرته وزارة الداخلية الفرنسية باعتباره مؤشرات منها: «الطعام، الملابس، اللغة». يشير حنفي إلى مجال أكاديمي مثير للاهتمام كالأنثروبولوجيا، التي تعتبر فضاء حساسا للتعددية الثقافية، فيذكر كتابين ينظّر الأول لفكرة «الانفصالية الإسلامية» تحت عنوان، «الأراضي التي استولى عليها الإسلاميون»، ويعكس الآخر، «الإخوانية وشبكاتها: بحث ميداني»، هوسا بفكرة أن الإسلام السياسي موجود في كل مكان ويقوّض «قيم الجمهورية»، معتبرا تطبيقات هذه الأفكار على الواقع، كما في منع النساء المسلمات من ارتداء ما يرونه مناسبا، مثالا «لاستسلاح حقوق الإنسان (أي استخدامها كأداة حرب) ضد أقلية متهمة بأن تصوراتها للخير، أو للحياة الخيرة، «تتناقض مع الجمهورية الفرنسية»، وخالصا إلى أن هدف هذه المزاعم إقصاء أي مكون مسلم في أوروبا من حق التنظيم أو التعبير عن رؤيته، للأخلاقيات النظرية السياسية، وإلى أن الأمر لا يتعلق فقط بالإسلاموفوبيا المؤسسية في الدولة الفرنسية، بل بوجود هذه النظرة في أوساط واسعة ضمن المجتمع بتأثير من الإعلام الليبرالي الرمزي.
لماذا لا نتسامح مع تبادل الأزواج؟
تظهر الاستخدامات الخطيرة الأخرى لـ»الليبرالية الرمزية» بشكل جليّ أيضا في قضايا التنوّع الجنسي والجندري، ويورد حنفي أمثلة على الغلوّ وجعل هذه القضايا موقعا للنزعة التغلّبية، مثل منع نادي تولوز لاعبيه الذين رفضوا المشاركة في حملة احتفاء بالتنوع الجنسي والجندري (رغم إعلان موافقتهم على التسامح الجنسي والجندري) من اللعب للعبة واحدة، كما وجّه لهم تحذيرات، كذلك شارك الإعلام الفرنسي في شن حملة انتقادات عنيفة ضد هؤلاء اللاعبين، مطالبا أنديتهم بفصلهم بصورة فورية.
في السياق الغربيّ لتطوّر المعيارية الجنسانية ينتقد الكاتب تجاوز الليبراليين الرمزيين «حدود المعقول في الرغبة بفرض تصوّرهم للخير على المجتمع، ومنع الآخرين من تبني تصوّرات أخرى»، مشيرا إلى أن تيارات عدة ضمن الحركة الداعمة لمجتمع الميم تقع في هذا الفخ. ويجادل حنفي بضرورة الحاجة دوما إلى التوسّط بين ما نعتبره جزءا من الطبيعة ومن الاجتماع ومن الثقافة، وذلك من أجل إعادة تقييم الجنس والجندر نظريا، وكذلك في ضرورة اعتماد نموذج لا يُعيق العمل على بناء تصور متماسك لمفهوم العدل، أي تحديد دور الذكور والإناث ضمن مصفوفة العلاقات الجندرية، وقياس ذلك على متطلبات العدل ومفاهيم الخير المختلفة اجتماعيا من مجتمع لآخر.
مثال على تضارب مفاهيم الخير ومتطلبات العدل اجتماعيا، ما حصل في نهائيات كأس العالم لكرة القدم في قطر، فمن ناحية، على كل من يهتم بالعدل أن يدين تجريم الممارسات الجنسية لأفراد مجتمع الميم، لكنه يقول إن هناك حجة وجيهة تقول إن رفع علم قوس قزح هو محاولة للترويج لمجتمع الميم، وهذا فعل يدخل في تصوّرات متعارضة للخير، ويستلزم أن يناقش المجتمع القطري القضية علنا، وكانت النتيجة إشارة السلطات إلى عدم اكتراثها بما يفعله المثليون في فنادقهم ما دام ذلك لا يترافق مع مظاهر علنية، أو إثارات تتقصد تحدي ثقافة البلد وقوانينه. يستشهد حنفي أيضا بكتاب «اشتهاء العرب» لجوزيف مسعد الذي يتطرق للتعارض بين رؤية الناشطين الغربيين الحساسية الثقافية العربية في هذا الأمر شكلا من أشكال «رهاب المثلية»، ما يؤدي لردود فعل عنيفة ضد ما يبدو نشرا للفسوق والخلاعة الغربيتين، وإلى ازدياد الاضطهاد الحكومي للمثليين على حساب المفاهيم التقليدية السمحة للإسلام.
يعترض مسعد على التصوّر الأوروبي المركز للجنسانية، الذي ينكر وجود نموذج خاص يمكن أن يقدمه مجتمع الميم العربي بشكل أصيل، ويميل حنفي لفكرة الدعوة لنموذج ينطلق من الثقافة المحلية لمكافحة التمييز على أساس التوجّه الجنسي، ومن أن الجنسانية والجندر لا يشكلان مجالا قائما بذاته بشكل عابر للمجتمعات، ولا يمكن مناقشتها إلا من منظور العلاقات الاجتماعية (التي تتجدد ثقافيا). يرى حنفي أن المجادلة ممكنة في أن وراء السيولة الجندرية تصورا للخير يحمل أفكاره الغيبية الخاصة فإذا كان من الخير دعم أطياف الممارسة الجنسية المتنوعة الأشكال القائمة على مشروع لذائذي يدعو الى مطلق المتعة، فهل يمكن للمجتمع أن يتسامح مع تعدد الأزواج مثلا.
ألا يجوز، يضيف الكاتب، للعائلات المحافظة الدفاع عن أخلاقيات جنسية تتمحور حول مركزية الزواج، باعتبار ذلك جزءا من تصورها للخير، من دون أن تتدخل مؤسسة الخدمات الاجتماعية في السويد وتصنّف تربيتها على أنها «قمع متعلق بالشرف» (أي كجريمة شرف)؟ يعود حنفي إلى الأسس المبدئية حول تناقضات العدل والخير، ليؤكد الحاجة الى توافق اجتماعي حول التصوّرات المتعددة المقبولة، مع الأخذ في الاعتبار دور الثقافة (وبالتالي الدين) في تشكيل التصوّرات المتعلقة بالجنسانية والهوية الجندرية، و»لا بد من أن يتحقق ذاك التوافق في ضوء مفهوم الخير العام».
كاتب من أسرة «القدس العربي»
القدس العربي
————————————-
مراجعة ثانية لنفس الكتاب
الليبرالية الرمزية بوصفها انحرافًا فرضته النيوليبرالية/ عمر كوش
7 نوفمبر 2025
عرفت الليبرالية بأنها الاختيار الحر وغير المقيد للفرد المستقل ذاتيًا، عبر تركيزها على الحرية الفردية، وحقوق الملكية، والأسواق الحرة، مع الحدّ الأدنى من تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية، وراحت تعمل على تعزيز الحرية الفردية والحقوق الطبيعية، ومنح أهمية خاصة للحرية الاقتصادية، حيث اعتبرت أن الأسواق الحرة هي الوسيلة الأفضل لتحقيق الازدهار الاقتصادي، إضافة إلى دعمها الديمقراطية والحرية السياسية، لكن الأمور تغيّرت مع الموجات اللاحقة لليبرالية، التي اعترتها أمراض ونزعات عديدة، خاصة مع صعود الشعبوية السلطوية، بنسختيها اليمينية واليسارية.
انبرى العديد من الفلاسفة والمفكرين للدفاع عن الليبرالية، فيما انتقدها آخرون كثيرون. وقد حاول المفكر الأميركي، فرانسيس فوكوياما، الدفاع عن الليبرالية في طبعتها الكلاسيكية في مواجهة الليبرالية الجديدة أو النيوليبرالية، والتصدي للساخطين عليها من اليمين واليسار، وتبيان الإخفاق الذي لحق بها مع الزمن، معتبرًا أن الليبرالية تُعرف في السياق الكلاسيكي على أنها فلسفة سياسية، ترى أن المجتمعات مبنية على المواطنين كأفراد أحرار ومستقلين، وتمنحهم حقوقًا تجسّد قدرتهم على اتخاذ خيارات لجهة التعبير والاجتماع والاعتقاد، وتضمن لهم حق التملك والتعاملات الاقتصادية، وحق الاشتراك في الحياة السياسية. أما الباحث والأكاديمي الفلسطيني ساري حنفي، فيميز في كتابه “ضد الليبرالية الرمزية: دعوة إلى علم اجتماع تحاوري” (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2025)، بين الليبرالية الكلاسيكية وما يسميه الليبرالية الرمزية، حيث تتجسد الليبرالية الكلاسيكية بالنسبة إليه بوصفها “نظرية رقيقة”، تستند إلى جملة من القيم التأسيسية مثل حرية الفرد والحقوق الاقتصادية، وتعتبر حقوق الإنسان أصيلة وكونية، مع تركيزها على الحريات المدنية والفردية، وحرية التدين، وحرية التعبير، وحرية الصحافة، وحرية التجمع. إضافة إلى تأكيدها الاستقلال الفردي. كما تستند الليبرالية الكلاسيكية إلى مفهوم القانون الطبيعي، الذي يتجلى في مفهوم الكرامة المتأصلة ومفهوم الحقوق. وشهدت الليبرالية انعطافة كبيرة مع أطروحات الفيلسوف جون رولز، الذي اعتبر أن الحقوق مبنية على العدل، باعتباره الفضيلة الأعمق للمؤسسات الاجتماعية، وباتت الليبرالية تميّز مفهوم العدل من مفهوم الخير.
غير أن الليبرالية تحوّلت إلى “نظرية سميكة”، وذلك خلال سعيها لفرض منظومة قيمية محددة، عبر التخفي وراء خطاب يبدو وكأنه تحرري، لكنه في العمق يسعى للتحوّل إلى سلطة معيارية ضيقة، واتخذت منحى “الليبرالية الرمزية”، التي تصدر خطابًا يرفع شعارات شمولية عن الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، لكنه في الواقع العملي يتحول إلى أداة إقصاء واستبعاد وتهميش. ولعل هذا المسار الفرداني المتوحش والمُفرط الذي اتخذته الليبرالية، يدعو إلى التساؤل عما إذا كانت الليبرالية الكلاسيكية هي المسؤولة عن إنتاجه، وأن أفكار مؤسسيها تحولت إلى شيء فرداني واستبدادي لا يُطاق، وانتهت إلى النيوليبرالية والشعبوية والسلطوية.
تمثل الليبرالية الرمزية، بالنسبة إلى حنفي، انحرافًا فرضته النيوليبرالية، إلى جانب تسليع العواطف واختراق العلاقات الرأسمالية لمجال الأفراد الخاص، وتعميق فكرة الفردانية المطلقة، وخلق وهم الخيارات. وارتبطت بـ”الرأسمالية العاطفية” أو “الرأسمالية المشاعرية” التي تناولها عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان، بوصفها المسؤولة عن تحويل سائر علاقات التفاعل وحتى علاقات الحب والحميمية إلى سلع قابلة للتبادل، وتمادت في استثمار المشاعر الجماعية كالحزن والغضب والتعاطف كي تغدو أدوات في خدمة الخطاب السياسي والإعلامي، لتصبح معه المشاعر وسيلة للهيمنة الرمزية، حيث تُوظف من أجل تسويق مواقف معينة أو لتجريم أصوات مخالفة.
تتحدد إشكالية “الليبرالية الرمزية”، بوصفها انحرافًا سببته عوامل مُحدّدة مثل النيوليبرالية و”الرأسمالية العاطفية”، وذلك بعد أن باتت النخب الليبرالية الكلاسيكية تنادي بقيم الحرية الفردية والمساواة ظاهريًا، لكنها في الباطن لا تلتزم بمقتضيات التحوّل إلى الليبرالية السياسية، التي أسس لها رولز عبر الفصل بين مفهومي العدل والخير، وتخلوا عن العدالة الاجتماعية التي نهضت على التوازن بين الحرية والمساواة، وتدخلوا في مفاهيم الخير الفردية والجماعية، حينما عالجوا قضايا العلمانية واللباس الديني وسوى ذلك.
يتمحور مسعى حنفي الأساسي في هذا الكتاب من حول الدفاع عن الليبرالية الكلاسيكية بوصفها نظرية رقيقة، تتضمن جملة من القيم والمبادئ التأسيسية، في مواجهة تيار الليبرالية الرمزية المجسد في معظم معالجات علماء الاجتماع التي يصفها بأنها “ليبرالية كلاسيكيًا وغير ليبرالية سياسيًا”، وتتبنى مشروعًا لا ينهض على علماء الاجتماع فقط، إنما يشاركهم العديد من الفاعلين والعاملين في اقتصاد المعرفة من أكاديميين وإعلاميين وسياسيين وعاملين في مجالي القانون والتعليم. ولا يعتمد في معالجته السوسيولوجية على منهجية تنهل فقط من السياسة أو الاقتصاد أو علم الاجتماع، أو من المجالين العلماني والديني، بل يتبنى مقاربة “الاقتصاد السياسي الثقافي”، التي اجترحها عالم الاجتماع السلوفيني بوروت رونتشيفيتش، وتنهض على فهم التفاعلات الديناميكية بين حقول الثقافة والسياسة والاقتصاد، حيث تتمتع الثقافة باستقلال نسبي عند مقاربة الاقتصاد السياسي الثقافي، مع تسليطها الضوء على مركزية الخطابات والتخيلات.
مدار البحث يركز على ما حملته “الحداثة المتأخرة” من أمراض، أهمها تفاقم السلطوية والشعبوية، وتدمير البيئة، والتفاوت الاجتماعي الخطير الذي فتك بالطبقة الوسطى، والنيوليبرالية التي تجاوزت دورها الاقتصادي إلى قوة مُهيمنة تُسَلعِن الحياة والعلاقات. ويفترق مفهوم الحداثة المتأخرة عن مفهوم ما بعد الحداثة، من جهة عدم اهتمامه بالسرديات الكبرى أو الصغرى، وتركيزه على الاستقطابات الكبرى التي تصاحبها أوضاع مُزرية، أفرزتها السلطوية، والشعبوية، وأفضت إلى تدمير البيئة، وتفاقم التفاوت الاجتماعي، وسيادة الظلم الرهيب الذي يعمّ العالم.
ينصب الجهد النقدي على ما قامت به الليبرالية الرمزية من تشويه لمفهوم العدالة، وتقزيمها العدالة الاجتماعية إلى درجة فرّغت المفهوم من محتواه مقابل تضخيم مفهوم حقوق الإنسان، الذي حولته إلى ما يشبه عقيدة كونية غير قابلة للنقاش، فضلًا عن الخلط بين مفهومي العدالة والخير، حيث بات التصوّر القيمي الخاص يُطرح بوصفه المعيار الأوحد للعدل. كما يتجه النقد بشكل مباشر إلى الليبراليين، وخاصة اليسار الليبرالي الذي تعامل بشكل غير مناسب مع إفرازات الحداثة المتأخرة، بالنظر إلى انتهاكه للقيم الليبرالية التي يدّعي الدفاع عنها. إضافة إلى المشكلات التي سببها الليبراليون الرمزيون، نتيجة تعاطيهم مع العدل الاجتماعي، يجري النظر فيها في أربع مجالات، أولها الاستفادة الأبرز من التفاوتات التي يدينونها، وثانيها التشويه الخطابي للتقاطعية، وثالثها الوصفات النيوليبرالية للعدالة البيئية والمناخية، وآخرها تغييب العدل الاجتماعي فوق الدولة الوطنية وتحتها. والنتيجة هي أن لدى الليبراليين الرمزيين تصورًا تغلبيًا للخير يريدون فرضه على الآخرين، الأمر الذي يمثل انتهاكًا لمبدأ تعددية تصورات الخير في الليبرالية السياسية.
يقترح بديلًا يتمثل في المشروع السياسي التحاوري، المستكمل لما يسميه علم الاجتماع التحاوري، أو الليبرالية التحاورية، التي يتحدد منطلقها بالاعتراف بأن الديمقراطية الليبرالية مريضة، حيث لا يقتصر التحاور على نخب بعينها، بل يشمل جميع القطاعات. والهدف من جعل علم الاجتماع تحاوريًا هو التمييز بين التزامين تجاه المجتمع المدني، أولهما يتحدد في مستوى الوساطة أو المعيارية المخففة، التي تساعد علم الاجتماع على البحث في نقاشات العقل العمومي والحركات الاجتماعية. وثانيهما مستوى المعيارية الصلبة، حيث يتخذ علم الاجتماع مواقف صارمة ضد القوى المهيمنة، مقابل وقوفه مع الفئات المهمشة. أما مشروع الليبرالية التحاورية فيتحدد بخمسة مرتكزات أساسية، أولها أسبقية العدل على الخير، وثانيها أخذ الأزمة البيئية على محمل الجد، وثالثها تعزيز مساحات الحوار، ورابعها الانتباه إلى مسألة السلطة من فوق ومن الأسفل، وخامسها تمييز الكونية المجردة من الكونية الملموسة.
يعوّل حنفي على دور مشروع الليبرالية التحاورية في معالجة التشوهات والانحرافات والأمراض التي تسبب بها الليبراليون الرمزيون، ويعتبرها سيرورة طويلة الأمد، تتطلب تحولًا في طرق التفكير بالعدالة. ثم يحاول شرح الطرق العوجاء التي سلكها الليبراليون الرمزيون في تناول موضوع التعصب المجتمعي بشكل عام، وخاصة فيما يتعلق بالحرية الأكاديمية، والعلمانية، والتنوع الجندري، وسلطة الأسرة، مع تبيان الآثار السلبية لخطاب التعصّب وثقافة الإلغاء ودورهما في تغذية الاستقطاب بين الليبراليين الرمزيين والمحافظين المتشددين، خاصة أنه مع إسكات أي نقاش يخالف رأي أحد الطرفين المتطرفين، ينقسم المجتمع بين قطبين يتشدّد كل منهما مع الآخر بالجمود والعقائدية. وتتمثل المعضلة التي نعيشها في عصر الليبرالية الرمزية وسياسات الهُوِية المفرطة في أن الغياب التام للحرية الأكاديمية، والفرض المطلق لها، يؤديان إلى نوع من التلقين والواحدية السياسية.
يجمع الكتاب بين التأملات والتجربة الشخصية والبحث والإحصاءات والمقاربة السوسيولوجية والإثنوغرافية. ويتمحور الهم الأساسي له في تبيان الكيفية التي ينعكس بها فرض مفاهيم الخير على الحقوق ومفهوم العدل، وينتصر حنفي إلى ما يراه تقدميًا، إلى جانب مناصرة الضعيف والمهمش، ويعقد رهانه على حقيقة الاشتغال بالعدالة الاجتماعية في العالم.
عنوان الكتاب: ضد الليبرالية الرمزية: دعوة إلى علم اجتماع تحاوري المؤلف: ساري حنفي المترجم: ياسر الزيات ضفة ثالثة



