عن الحاجة إلى معارضة سورية فاعلة -مقالات مختارة-

دواء ناجع للطائفية/ شعبان عبود
04 نوفمبر 2025
منذ اتخذت السلطة الحاكمة الجديدة برئاسة أحمد الشرع قراراً بحلّ جميع الأحزاب السياسية، وجدت سورية نفسها أمام فراغ سياسي خانق يشبه الجسد المريض، الذي ضُرِبَ في جهاز مناعته، فزادت حدّة المرض وساء حال المريض. بعد هذا القرار أُزيحت السياسة تماماً عن المجال العام، فحلّت مكانها الهويات الطائفية والمناطقية والقومية، لتتحوّل إلى أدوات تعبير بديلة عن الغياب الكامل للتمثيل السياسي. على هذه الخلفية، تفرض عملية سنّ قانون جديد للأحزاب اليوم نفسها بمثابة الدواء المضمون لاستعادة توازن الجسد الوطني السوري.
كشفت الأشهر الأخيرة عن عمق المرض الطائفي واستفحاله ومدى خطورته في الخطاب السوري، فالمعارضة التي تتشكل اليوم تتشكل وتولد في ظل انعدام الحياة الحزبية، وقد اتخذت، في أحيانٍ كثيرة، طابعاً هويّاتياً طائفياً بحتاً. رأينا أصواتاً معارضة تنطلق من الطائفة العلوية لتعلن رفضها السلطة، لكنها بقيت أسيرة لغة الدفاع عن “المكوّن” لا عن الوطن. وفي المقابل، ارتفعت أصواتٌ من الطائفة الدرزية تركّز على مظلومية الجبل ومصير الطائفة، فيما تحاول بعض القوى من المكوّن الكردي التعبير عن مطالبها القومية بمعزلٍ عن الإطار الوطني الجامع. حتى بعض الأصوات المؤيدة للسلطة الجديدة والرئيس الشرع باتت تلجأ إلى خطاب طائفي ديني لمواجهة خطاب المنتقدين والمعارضين، معتقدة أن سبب (ومبعث) نقد السلطة الجديدة هو المواقع الطائفية للمنتقدين وليس الموقف أو الخلاف السياسي. وإن دلّ هذا كله على شيء فإنه يدل على غياب السياسة مساحة مشتركة تجمع المختلفين داخل مشروع وطني واحد.
إن ضرورة وجود قانون الأحزاب اليوم ليست مجرّد عملية تنظيم قانوني للإطار السياسي، بل هي بمثابة العلاج البنيوي الناجع للمسألة الطائفية. فكما يحتاج الجسد المريض إلى دواء يضبط عمل أعضائه ويمنعها من مهاجمة بعضها بعضاً، تحتاج الدولة السورية اليوم إلى حياة حزبية تنظّم الخلافات وتحوّلها من صراعات هوية إلى منافسة برامج. ليست الأحزاب هنا وصفة تجميلية، بل علاج جذري يعيد تعريف السياسة على أنها وسيلة لحلّ النزاعات لا تفجيرها.
فبمجرّد أن تُفتح أبواب العمل الحزبي الحر ستتغير خريطة الانتماءات، ليس بمعنى أن تتغيّر الانتماءات، بل بمعنى أن يتخذ التعبير عن الذات سياسياً تعريفاً سياسياً، وليس طائفياً أو قومياً أو مناطقياً. سيتحوّل الخطاب من لغات الانتماء الضيّق إلى لغة المصالح العامة. فبدلاً من “نحن الطائفة المظلومة” سيُقال “نحن الحزب الذي يسعى إلى العدالة الاجتماعية”، وبدلاً من “حقوق الجبل” أو “حقوق القومية”، ستُطرح برامج تتحدّث عن العدالة، والدولة المدنية، والتعليم والاقتصاد والثقافة وغيرها. هكذا يتحوّل القانون إلى دواء سياسي يضبط حرارة الانقسام، ويعيد للسوريين ثقتهم بقدرتهم على التغيير عبر السياسة لا عبر الطائفة.
صحيحٌ أن هذا الدواء لن يحقق الشفاء الفوري، فالأمراض المزمنة تحتاج زمناً وصبراً، لكنّ عدم تناوله يعني استمرار التدهور حتى الانهيار الكامل، فغياب الأحزاب يعني غياب الأمل في الحوار، وغياب السياسة يعني استمرار الحرب بأشكال أخرى.
سورية اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تستمر في إدارة الانقسامات بالإنكار، أو أن تواجهها بالسياسة والمؤسّسات. والاختيار الصحيح أن تعود السياسة لتكون لغة السوريين المشتركة، عبر قانون أحزاب حرّ وعادل يعيد للدولة توازنها وللمجتمع عافيته. فالحياة الحزبية ليست رفاهية، بل هي الدواء المضمون لبناء مناعة وطنية ضدّ الطائفية والكراهية، ومن دون ذلك، قد تكون هناك أيام سيئة أُخرى في انتظارنا، تشبه ما حصل في هذه المنطقة أو تلك.
العربي الجديد
————————————
مشروعية الرأي الآخر والانفصام عن الواقع/ سميرة المسالمة
الاثنين 2025/11/03
من الخطأ التعامل مع انقسام السوريين باعتباره ظاهرة استثنائية، أو غير طبيعية، إذ إن الطلب المشروع على إجماعات وطنية لا يخفف من ذلك، بل إن الوصول إلى هذا المبتغى يتطلب الاعتراف بواقع الانقسام، وإدراك أسبابه، وتداعياته، في سبيل تجاوزه.
يستمد الانقسام تعبيراته، أو تمثلاته، أولاً، من افتقاد السوريين للدولة، بما هي دولة مؤسساته وقانون، ومن افتقادهم لمكانة المواطن وحقوقه. ثانياً، من حال المحو السياسي الذي تعرض له المجتمع السوري، وضمن ذلك غياب كيانات سياسية فاعلة. ثالثاً، من بقاء السوريين في حيز الانتماءات، أو العصبيات الطائفية والاثنية والعشائرية والمناطقية، وهي جماعات عمودية، تسهم في إعاقة تشكل المجتمع أو الشعب. رابعاً، من شدة القمع الذي تعرض له الشعب، أو معظم الشعب، الذي تعرض إلى نوع من حرب الإبادة، التي جعلت من عصبية السوريين، تنشد بين معارضة النظام السابق، وبين الموالاة له.
بعد انهيار النظام، وخلاص السوريين من نظام الإبادة، ظلت الاستقطابات السابقة تفعل فعلها في مجتمع السوريين، بواقع بقاء مصادرها، مع تنويعات سياسية مستجدة، تعكس الواقع الجديد.
هكذا ثمة معارضة للقيادة الانتقالية في سوريا، وكل معارضة هي مشروعة، من وجهة نظر حرية الرأي والتعبير، ومن وجهة نظر التشجيع على التفكير النقدي، وعدم ممالأة السلطة، ومن أجل تعزيز الرقابة عليها، وترشيد مواقفها، هذا من ناحية مبدئية.
بيد إن مشكلة المعارضة السورية اليوم أنها غير فاعلة، أو يمكن القول أنها لا تستند إلى حاضنة شعبية، أو لا تعبر عن نفسها في كيانات سياسية، وفوق كل ذلك فهذه المعارضة لا تستطيع أن توصل رأيها، أو مواقفها إلى الشارع السوري، بغض النظر عن رأينا بصوابية المسائل التي يطرحها هذ الطرف أو ذاك، أو لا صوابيته، هذا بغض النظر عن لا واقعية بعض ما يطرح أصلاً.
أيضا، يلاحظ أن المعارضة، والقصد المعارضين كأشخاص أو ككتل سياسية، بغض النظر عن فاعليتها أو حجمها، لا تتعاطى مع الواقع السوري، أو لا تتمثله في تفكيرها السياسي، بقدر ما تحكم رؤيتها الأيديولوجية في التعامل مع القيادة الجديدة المؤقتة، أو أنها تتعاطى معه وفق طريقتها القديمة، معارضة ضد نظام، بمعنى أنها ليست صاحبة مشروع بديل أو منافس، كأنها تنظر إلى الأمر على أنه سلطة بديلة عن سلطة؛ أي تلك المعارضة التي تعودت عليها، وكلا الأمرين لا يقدمان شيئاً في سبيل بلورة معارضة حقيقية، وفاعلة وراشدة، وقادرة على الجسر بين رؤاها السياسية والمجتمع السوري.
فوق ما تقدم، فإن هذه المعارضة لا تأخذ في اعتبارها الأولويات أو الحاجات الملحة للمجتمع السوري، التي تتطلب تعزيز الأمن والاستقرار والاطمئنان أولاً، ورفع مستوى المعيشة ثانياً، وبناء الدولة، وتوطيد مؤسساتها ثالثاً.
أما من طرف القيادة الانتقالية، فإن ما تقدم لا يعني عدم صوابية الآراء المعارضة، ولا يفهم من ذلك أنه يجب رفضها، أو نبذها؛ بل إن هذه القيادة، وكل الجهات المسؤولة في الدولة، معنية بالإصغاء لوجهات النظر النقدية، والمعارضة، وتقديم الأجوبة المناسبة عليها، لأن ذلك هو شرط تقويم الحكم، وشرط تعزيز الثقة بين الدولة، أو بين السلطة والمجتمع.
في المقابل، ثمة طرف الموالاة، ومشكلة هذا الطرف أنه ينقلب على المبادئ الأساسية التي انطلقت من أجلها الثورة السورية، وهي قضايا الحرية والمواطنة والديمقراطية ورفض الظلم والضيم، وذلك برفضه الإصغاء لأي نقد أو لأي رأي معارض، ووصمه باتهامات شتى، أو التشكيك بأصحابه.
هذا يعني أن بعض أطراف الطيف الموالي تتخلى عن الأسس أو القيم التي ثار من أجلها أغلبية الشعب السوري، وهذا التخلي لا يقوي النظام، الذي يظنون أنهم يزودون عنه، وإنما يضعفه، كما أنه يوسع الهوة بين الحكم والشعب، وهو ما ينجم عنه كسر فكرة الحرية والإجماعات الوطنية وشيوع الفساد السياسي والإداري والأخلاقي.
على ذلك، فإن انقسام السوريين على النحو المذكور، وبطريقة عمودية، طائفية واثنية ومناطقية وعشائرية وأيديولوجية، هو انقسام ناجم عن الأمية السياسية التي تهدف إلى المحو السياسي الكامل، وضعف الثقافة السياسية، والافتقاد لتجربة كفاحية، كما أنه نتاج الانفصام عن الواقع، والآراء المسبقة، عند أغلبية المعارضين والموالين؛ إذ البديل عن ذلك هو بناء كيانات سياسية راشدة وفاعلة ووازنة، في المجتمع، وحينها تغدو الانقسامات حول السياسات والمصالح والحاجات. فكل طرف يقدم وجهة نظره، أو رؤيته، في مجالات السياسة والاقتصاد والإدارة والثقافة، وبناء المجتمع، وتحديد مكانة السوريين داخلياً بين بعضهم وأمام سلطاتهم، ومكانة سوريا على الصعيد الخارجي.
المدن
—————————–
المشهد الحزبي السوري بين إعادة إنتاج السلطة والتعددية الموعودة/ أغيد حجازي
1 نوفمبر 2025
تزامنًا مع النقاشات الدائرة حول مستقبل الحياة السياسية في سوريا، تبرز مؤشرات على أن المشهد الحزبي القادم قد يُعاد تشكيله من داخل السلطة نفسها، لا من خلال مبادرات شعبية أو قوى مستقلة. فبينما تُرفع الشعارات حول “التحول الديمقراطي” و”التعددية السياسية”، تشير التسريبات إلى أن التغيير يجري وفق منطق إعادة إنتاج القديم بثوبٍ جديد، وسط مخاوف من تحكّم الحزب الجديد بمفاصل الدولة والسيطرة على الحياة السياسية في البلاد. وفي هذا السياق، كشفت مصادر سورية مطلعة لـ”المدن” عن تحضيرات في دمشق لتأسيس حزب سياسي جديد يتبع للرئيس أحمد الشرع، تمهيدًا لمرحلة ما بعد إقرار قانون الأحزاب المنصوص عليه في الإعلان الدستوري الصادر في آذار/مارس الماضي، والذي حدد مدة المرحلة الانتقالية بخمس سنوات.
وأفادت المصادر بأن “الأمانة العامة للشؤون السياسية” التابعة لوزير الخارجية أسعد الشيباني تشرف بشكل شبه مباشر على عملية انتقاء أعضاء الحزب عبر مكاتبها في المحافظات، موضحة أن التحركات تتم في دوائر ضيقة وبشكل شبه سري. في المقابل، نفت مصادر رسمية لـ”المدن” وجود أي مشروع لتأسيس حزب جديد، مؤكدة أن هدف الأمانة هو “ملء الفراغ الإداري بعد إلغاء حزب البعث وضمان عدم سوء استخدام موارده وأملاكه”.
وذكرت مصادر أخرى أن شخصيات سياسية بارزة جرى التواصل معها بشكل غير معلن للانضمام إلى الحزب الجديد عبر وسطاء مقربين من الحكومة، دون تحديد الأسماء، مكتفية بالقول إن هؤلاء سبق أن كُلّفوا بمهام رسمية.
وبحسب المصادر نفسها، يُعدّ وزير الخارجية أسعد الشيباني “عرّاب الحزب الجديد”، فيما تتولى الأمانة العامة للشؤون السياسية إدارة عملية التأسيس بانتظار إقرار قانون الأحزاب الجديد في مجلس الشعب. وتشير المعلومات إلى أن فريق العمل المكلّف بالمهمة يضم شخصيات محسوبة على الشيباني.
وفي “مؤتمر النصر” الذي عُقد في 29 كانون الثاني/يناير 2025، تم حلّ حزب البعث العربي الاشتراكي، وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وما يتبع لها من منظمات ومؤسسات ولجان، مع حظر إعادة تشكيلها تحت أي اسم آخر.
أما المادة 14 من الإعلان الدستوري لعام 2025، فتنص على أن الدولة “تصون حق المشاركة السياسية وتشكيل الأحزاب على أسس وطنية، وفقاً لقانون جديد”.
أي حزب يتبع للرئيس يتناقض مع جوهر الإعلان الدستوري
قال رئيس حزب الإصلاح الوطني الدكتور حسين راغب، تعليقًا على ما تم تداوله حول تشكيل رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع حزبًا سياسيًا جديدًا، إنّ “خبر التحضيرات لتأسيس حزب يتبع مباشرة للرئيس الانتقالي أحمد الشرع بإشراف الأمانة العامة للشؤون السياسية في وزارة الخارجية السورية، مستغلًا حالة الغموض الإعلامي التي تعيشها البلاد، هو خبر مثير للجدل”.
وأوضح راغب في حديثه لـ”الترا صوت” أنّ “ما سبق يتعارض مع ما ورد في الإعلان الدستوري المؤقت، وتحديدًا في المادة (14)، التي تنصّ على صون الدولة لحق المشاركة السياسية عبر تشكيل الأحزاب على أسس وطنية، ووفقًا لقانون جديد للأحزاب السياسية”.
وأشار إلى أنّ “التصريح الرسمي الصادر عن الأمانة العامة للشؤون السياسية حول هذا الخبر، أكّد أنّ الأمانة جهاز إداري يشرف على النشاطات السياسية المؤقتة، ولا علاقة له بإنشاء أحزاب جديدة”.
وأضاف رئيس حزب الإصلاح الوطني أن أي تأسيس لحزب سياسي جديد يتبع لأي رئيس جمهورية يتناقض مع جوهر الإعلان الدستوري، الذي تؤكد مادته الثانية على إقامة نظام سياسي يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات، معتبرًا أن رئيس البلاد ينبغي أن يكون رئيسًا لكل السوريين ورمزًا للوحدة الوطنية.
وضرب راغب مثالًا على ذلك بتجربة جنوب أفريقيا، قائلًا إنّ “المرحلة الانتقالية هناك نجحت عندما بقي نيلسون مانديلا فوق الأحزاب، رمزًا وطنيًا جامعًا”.
وختم الدكتور راغب تصريحه بالقول إنّه “منعًا لأي التباس أو إتاحة الفرصة لبث المزيد من الشائعات السياسية، وفي ظل الفرصة التاريخية التي تقف أمامها سوريا اليوم، لابد من إنهاء حالة الجمود السياسي عبر الإسراع في إصدار قانون أحزاب جديد وعصري يلبي تطلعات السوريين في مستقبل أفضل، ويرسي دولة تعددية تقوم على الشراكة الوطنية ونهج التجديد والإصلاح الوطني”.
حزب جديد لتأمين الشرعية
من جهته قال المحلل السياسي محمد هويدي لـ”الترا صوت” إن تشكيل الحزب في هذا التوقيت يعكس حاجة السلطة الانتقالية إلى “حاضنة شعبية”، مشيرًا إلى أن الدعم الحقيقي للسلطة يقتصر حاليًا على هيئة تحرير الشام ومؤيديها. وأوضح هويدي أن “غياب حزب حاكم فعلي في سوريا” دفع السلطة إلى السعي لتوسيع إطار قاعدتها الشعبية الداخلية من خلال إنشاء حزب جديد يكون بمثابة مرجعية سياسية لها، في محاولة لتكرار تجربة حزب البعث ولكن بمخرجات ومفاهيم جديدة.
وأضاف أن “التحضير لتشكيل الحزب يجري الآن من قبل السلطة نفسها، رغم أن الأحزاب عادة تُؤسَّس قبل الوصول إلى الحكم”، معتبرًا أن ذلك يعود إلى عدة أسباب، من بينها الحاجة إلى “مرجعية قانونية وشرعية” وإلى توسيع القاعدة الشعبية بعد تضاؤل حضور الشارع المؤيد.
وأشار هويدي إلى أن الخطوة تأتي في سياق الاستعداد للمرحلة المقبلة، “حيث يُتوقع صدور قوانين جديدة تتعلق بحرية العمل السياسي وتأسيس الأحزاب”، مؤكدًا أن السلطة تسعى من خلال هذا الحزب إلى “تأمين قاعدة شعبية سورية تُوظَّف لخدمة بقائها في الحكم”، واصفًا ذلك بأنه “نسخة مكررة من تجربة البعث ولكن بصيغة جديدة”.
في ضوء هذه التطورات، تتجه الحياة الحزبية في سوريا نحو مرحلة إعادة تشكّل جديدة، تتأثر بتوازنات السلطة والسياسة الراهنة. ويرى مراقبون أن تأسيس الحزب الجديد قد يمثل محاولة لتنظيم العمل السياسي ضمن إطار المرحلة الانتقالية، فيما يعتبر آخرون أنه قد يعيد إنتاج النموذج التقليدي للحزب المهيمن. ويظل مستقبل التعددية السياسية مرتبطًا بمدى تطبيق مبادئ الإعلان الدستوري، وبقدرة الحكومة على توفير بيئة تسمح بنشوء مبادرات حزبية تعبّر عن مختلف مكونات المجتمع. وبين الحذر والأمل، يظل قانون الأحزاب المرتقب اختبارًا حقيقيًا لجدية التحول السياسي في البلاد.
الترا صوت
———————————
في الحاجة إلى معارضة سوريَّة/ عبد الله مكسور
2025.11.01
في الفضاء السوري الحالي تتشظى الحدود بين الواقع والتمثيل كأنه نابع من مسرحٍ عبثيٍّ لا يميز بين الجدية والهزل. إلى حدٍ بات فيه المسار الواقعي يُقرأ – في كثير من الأحيان – على أنه مساحة هشَّةٌ بين الحقيقة والنكتة.
والمشهد في هذه الحالة يتجاوز كونه مجرد تضخّم في الأنا الفردية والذات الواحدة التي تبحث عن مركز وإن لم تجده تحاول اختراعه بلا قواعد ثابتة. التحولات الاجتماعية في سوريا بعد أكثر من عقدٍ من الحرب والانقسام والتهجير والاحساس العارم بالهزيمة، عمّقت هذا الانفصال بين الواقع المعيش والواقع المُمَثَّل، إذ صارت وسائل التواصل الاجتماعي منصةً لإنتاج نسخٍ متخيلة من الوطن، تتصارع فيها الخطابات لا البرامج، والشعارات لا السياسات. ذلك العالم الافتراضي وفّر مساحة للتنفيس لا للتنظيم، وكرّس وعياً زائفاً بالفاعلية السياسية على شكل احتجاج رقميٍّ بلا أثرٍ مادي، ومواقف متناقضة تُقال في العلن وتُمحى في الخفاء أو العكس في كثير من الأحيان.
في ظل هذا الفراغ، تبدو الحاجة إلى معارضةٍ حقيقية أشبه بالحاجة إلى ميزانٍ يعيد توزيع الأكسجين في الرئتين السياسيتين. فالمعارضة ليست نقيض الدولة، بل شرط حيوي لاستمرارها. هي الصوت الذي يختبر صدق الخطاب الرسمي، والعين التي ترى ما تحجبه السلطة عن نفسها، والذاكرة التي تمنع النسيان من التحول إلى سياسة. وإذا كانت الحرية التي تنالها الشعوب ليست سوى فرصةٍ لتكون أفضل. فإنَّ المعارضة هي تلك الفرصة التي تتيح للمجتمع أن يكون أفضل من سلطته، وأن يرى في الدولة شريكاً لا وصياً.
المنطقة الرمادية
الخطاب العام الحالي في ظل غياب العملية السياسية يمكن وصفه بالخلطة القائمة على مزيج من السخرية المرّة والتبرير المستمر، وكأن المجتمع يعيش في منطقة رمادية يتناوب فيها الألم والتهكم على تفسير الواقع. هذا التداخل ليس عرضاً سطحياً، بل نتيجة لمسار طويل – امتد لعقود- من تفريغ المعنى السياسي وتحويله إلى طقسٍ شكليٍّ أو إلى أداة لاستمرار السلطة. في هذا السياق، يغدو الحديث عن المعارضة ليس مطلباً ديمقراطياً فحسب، بل ضرورة وجودية لإنعاش الحياة العامة واستعادة المعنى وترسيخ مفهوم الدولة. وبالتالي إنَّ وجود المعارضة ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة بنيوية لأي سلطة أو نظام يسعى إلى البقاء والتطور. فالمعارضة هي الوظيفة الحيوية التي يؤديها المجتمع الحيوي لمنع السلطة من التحول إلى عبءٍ عليه أو إلى أداةٍ لاحتكار الحقيقة. وحين تغيب المعارضة، يتحول الحاكم إلى مرآةٍ يرى فيها نفسه فقط، ويغدو الوطنُ صدى لصوته، فتفقد السياسة معناها وتصبح مجرد إدارةٍ للمخاوف الأمنية والاقتصادية والمجتمعية وغيرها.
عندما تغيب المعارضة، لا يختنق النظام السياسي فحسب، بل يبدأ بالتحلّل البطيء من الداخل، كما يتهالك الجسد تماماً. عندها تفقد الدولة ديناميكيتها الطبيعية، وتتحول إلى بنية مغلقة تتغذى على ولاءات متبادلة لا على كفاءةٍ أو رؤية، ويغدو الانتماء فيها طقساً إجبارياً، لا خياراً نابعاً من قناعة. السياسة في مثل هذا المناخ تنزلق من كونها إدارة للاختلاف إلى أن تصبح فناً للخوف، تُدار به الجماعات وتُكبح به الرغبات، فيُستبدل النقاش بالتلقين، والحوار بالإذعان، والتعدد بالتماثل.
في غياب المعارضة، تضيع اللغة الثانية للمجتمع، تلك التي تُصحّح، وتجادل، وتضع مرايا أمام السلطة كي ترى ما لا تريد أن تراه. فحين تصمت الأصوات المختلفة، تتوهم السلطة أنها تمثل الجميع، وتفقد قدرتها على الإصغاء والتراجع والتصحيح. فكل نظام يحتاج إلى من يعارضه كي يحيا، لأن الاعتراض ليس نقضاً للوجود، بل اختبارٌ له، ووسيلةٌ لتجديد شرعيته عبر مساءلته المستمرة.
عند انكسار هذه الدائرة، يصبح المجال العام ساحةً خرساء تتكلم فيها الشعارات بديلاً عن البشر، وتعلو فيها الأصوات لا لتقول، بل لتُخفي غياب القول. المواطن، في هذا المشهد، لا يُشارك في صناعة مصيره، بل يراقبه وهو يُصاغ نيابةً عنه، فيتحوّل إلى متلقٍّ دائم، مستهلكٍ لما يُقال عنه، لا لما يقوله. ومع الوقت، تتآكل فكرة الإرادة العامة نفسها، ويُستبدل بها نوعٌ من الوعي المُملى، يُعيد إنتاج السلطة ذاتها في عقول الناس، حتى وهم يظنون أنهم أحرار.
حين تغيب المعارضة، لا يختفي النقد وحده، بل تختفي معه إمكانية الحلم. فالمعارضة ليست مجرد نقيضٍ للحكم، بل هي البوصلة التي تُبقي الاتجاه صحيحاً في خضمّ العواصف. إنها الذاكرة التي تذكّر مؤيدي السلطة بأنها قابلة لارتكاب الأخطاء، والصوت الذي يمنع التاريخ من أن يتحول إلى نشيدٍ واحد. فمن دونها، تتورم السلطة في ذاتها، ويذبل المجال العام، وتتحول السياسة إلى مرآةٍ واحدةٍ تنعكس فيها صورة الجماعة التي تحكم، في حين يتلاشى الصوت المجتمعي في الخلفية كظلٍّ بعيدٍ لا صوت له ولا ملامح.
المعارضة السياسية
في هذا السياق، تبدو إعادة بناء فكرة المعارضة السياسية في الحالة السورية مهمة تتجاوز المسمّيات التنظيمية أو الأطر الحزبية التقليدية، لأنها تمسّ جوهر العقد الاجتماعي نفسه، الذي تآكل عبر عقودٍ من احتكار الخطاب العام وتجريم الاختلاف. فالمعضلة لا تكمن فقط في القمع غير المباشر – عبر منصات التواصل الاجتماعي- لمن يعبّر عن رأي مخالف رغم مركزية دور هذا القمع في تشكيل المناخ العام. بل في تآكل البنية الذهنية والسياسية التي تجعل النقد فعلاً مشروعاً لا فعلاً معادياً. في بلادٍ اعتادت عقود السلطة فيها أن تساوي بين مفهومي الولاء والانتماء. يصبح من الطبيعي أن تتعطل آليات التوازن، ويتحوّل المجتمع إلى مجالٍ مغلق يُعاد فيه إنتاج الخوف جيلاً بعد جيل.
وبالتالي فإن إعادة بناء المعارضة هنا ليست مجرد استعادة لصوتٍ مفقود، بل هي إعادة تأسيس للسياسة كمجالٍ عمومي. فالمجتمع لا يحتاج إلى معارضين بالاسم، بل إلى فضاء يتيح ممارسة الفعل النقدي من دون أن يُترجم فوراً إلى تهمة. ووفقاً للمنظور البنيوي في العلوم السياسية، لا يمكن لأي نظام أن يستمر في غياب ما يُعرف بآليات التصحيح الذاتي التي تعني القدرة المؤسسية على مراجعة الذات وإصلاح الأخطاء عبر النقد والمساءلة. وحين تغيب هذه الآليات، تدخل الدولة في حلقة مغلقة من التبرير الدائم، ويُختزل المجال العام إلى وظيفة إعلامية أحادية تُعيد إنتاج الخطاب نفسه بأصوات مختلفة.
وبناء على ذلك فإنَّ التحول المطلوب في سوريا – بعد ما يقارب العام من إسقاط نظام الأسد- لا يبدأ بإعلان أحزاب جديدة، بل بتفكيك الثقافة السياسية السلطوية التي رسخت مفهوم الطاعة كقيمةٍ عليا، وأفرغت السياسة من مضمونها المدني. وبناء المعارضة الفاعلة في هذا المناخ يعني بالدرجة الأولى إعادة الاعتراف بالمواطنة كهويةٍ سياسية، لا مجرد انتماء إداري؛ ويعني أيضاً تحويل الفضاء العام من ميدانٍ للنجاة الفردية إلى ساحةٍ للفعل الجماعي القائم على التعدد والتنافس المشروع.
المفارقة التي يمكن لمسها في الحالة السورية تكمن في أن الدولة والمجتمع كليهما بحاجة إلى معارضة حقيقية. الدولة لتستعيد شرعيتها التاريخية وتمنع تحلّلها البطيء، والمجتمع ليستعيد ثقته بنفسه وقدرته على الفعل. وهنا لا بد من الإدراك أن فعل المعارضة ليس مشروعاً مضاداً، بل آلية لإعادة إنتاج التوازن داخل البنية السياسية والاجتماعية للدولة. وقبول الاختلاف وإطلاق عنانِه لا يهدد وحدة الدولة، بل يرمّمها؛ لأن الوحدة التي تُبنى على الصمت تبقى هشّة، أما تلك التي تُبنى على النقاش والاختلاف فهي أكثر رسوخاً.
مصفوفة آيزنهاور
في المقاربة العلمية لهذا العرض إذا ما تم إسقاط نظرية “مصفوفة آيزنهاور” التي تميّز بين ما هو عاجل ومهم، وما هو غير عاجل وغير مهم، على الحالة السياسية السورية، يمكننا أن نرى بوضوح كيف انقلبت الأولويات بين السلطة والمعارضة على نحوٍ عطّل إمكانات التطور السياسي والاجتماعي معاً. فكلتاهما، في لحظات كثيرة، انزلقتا إلى إدارة العاجل وإهمال المهم، وهو ما جعل الزمن السياسي السوري زمناً قصيراً، متقطعاً، متشنجاً، لا يمتلك رؤية استراتيجية لما بعد اللحظة التي يعيشها.
السلطة، في تطبيقها العملي لمصفوفة آيزنهاور – عن وعي أو من دون وعي- تمارس نمط إدارة الأزمات لا إدارة الدولة. فنراها تنشغل بما هو عاجل: أمنٌ يومي، ضبطٌ للمشهد، امتصاصٌ للغضب، ومتابعة الانطباعات العامة عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي. لكنّها تهمل ما هو مهم وغير عاجل مثل بناء مؤسسات تشاركية، إصلاحات قانونية وهيكلية، وتأسيس بيئة ثقة تسمح بمشاركة المجتمع في القرار. إنها تتعامل مع السياسة بوصفها دائرة إطفاءٍ مستمرة، لا بوصفها مشروعاً استباقياً للتوازن والتنمية. هذه المقاربة تُنتج استقراراً شكلياً، لكنها تزرع هشاشةً عميقة في البنية العامة، لأن كل ما يُرحّل اليوم سيعود غداً على شكل أزمة مضاعفة.
في المقابل نرى أنّ المعارضة تورطت في منطقٍ مشابه، إذ انشغلت هي الأخرى بالعاجل: الردّ اللحظي، البيان الغاضب، الموقف العابر، والمنافسة الرمزية على تمثيل الصوت المعارض على وسائل التواصل. في حين ظلّ المهمّ – أي بناء بدائل فكرية ومؤسساتية، صياغة برامج واقعية، وتأسيس خطاب مدني قادر على مخاطبة الداخل- مؤجلاً إلى أجلٍ غير معلوم. فكما تكافئ الخوارزميات في العالم الرقمي الانفعال والضجيج، تكافئ البيئة السياسية الحالية سرعة الرد أكثر من عمق الفهم، ما جعل الأصوات المعارضة أسيرة الإيقاع ذاته الذي أرادت تجاوزه بشكل أو بآخر.
لو استُعيد منطق مصفوفة آيزنهاور في التنظيم السياسي للحالة السورية، لأمكن للسلطة والمعارضة أن تلعبا أدواراً تكاملية لا تصادمية. فـدور السلطة ينبغي أن يتركّز على المهم العاجل من مثل: حماية الأمن العام، تسيير مؤسسات الدولة، والاستجابة السريعة للأزمات، ولكن من دون أن تُهمِل المهم غير العاجل من قبيل إصلاح البنى الدستورية، تمكين المشاركة، وإعادة تعريف مفهوم الشرعية على أساس الكفاءة والشفافية لا الولاء والبراء. أما دور المعارضة، في المقابل، فيجب أن يتمحور حول المهم غير العاجل تحديداً وهذا يتمثل في بلورة الرؤى بعيدة المدى، إنتاج النقد البنّاء، وصياغة التصورات المستقبلية للدولة والمجتمع، من دون أن تستنزف نفسها في ردود الأفعال اليومية والآنية التي تستهلك قدرتها على الإقناع والتأثير.
بهذا التوازن، تصبح مصفوفة آيزنهاور خريطةً لإدارة العلاقة بين السلطة والمعارضة. الأولى تحافظ على إيقاع الدولة وتماسكها، والثانية تحافظ على عمقها واتجاهها. وعندما يتبادل الطرفان الأدوار بوعي، يتحول الصراع من نزاعٍ على البقاء وإدارة الدولة إلى توزيعٍ للوظائف التاريخية في خدمة المجتمع، حيث العاجل والمهم يلتقيان لا ليتنازعا الزمن، بل ليصنعا مستقبلاً قابلاً للدوام والحياة.
كل ما سبق يتطلب من السلطة الاعتراف بأن المعارضة ضرورة لا خصومة، ويفرض على المعارضة في ذات الوقت أن تنظر إلى ذاتها كطرفٍ مسؤول لا كندٍّ غاضب، ضمن هذه الثنائية يمكن للمجتمع أن يغادر تلك المنطقة الرمادية بين السخرية واليأس، ويستعيد ثقته بالواقع كحقيقةٍ قابلةٍ للتصديق لا كتمثيلٍ دائمٍ للحياة. عندها فقط، تُولد السياسة من جديد، لا كاستعراضٍ للبطولة أو طقسٍ للولاء، بل كحوارٍ مستمرٍّ حول معنى العيش المشترك في وطنٍ يريد أن يتنفس من جديد، لا أن يتفرّج على مصيره من بعيد ويشاهد عملية إعادة إنتاج الحقيقة المطلقة عبر مفهوم ومركزية الحزب الواحد الجديد.
تلفزيون سوريا
—————————————-
الديمقراطية حاجة ملحّة وليست رفاهية/ ثائر الزعزوع
28 أكتوبر 2025
لا تكاد تخلو نقاشات السوريين ومقالاتهم، وتعليقاتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، سواء من المختلفين مع السلطة أم المتفقين معها، حول “الديمقراطية” بوصفها مطلباً ملحاً، وواحداً من أهداف الثورة التي ينبغي السعي لتطبيقها، عاجلاً وليس آجلاً، لأنها السبيل الوحيد لتجنيب البلاد مخاطر الوقوع تحت حكم استبدادي جديد.
ما فتح الشهية، للنقاش المتواصل، أن السلطة الانتقالية لا تكترث كثيراً، وفق ما ظهر، بهذه المصطلحات الغريبة على بنيتها، خصوصاً أنها قادمة إلى الحكم من خلفية إيديولوجية لا تعترف بالديمقراطية، بل ثمّة من متشدديها من يعتبر الديمقراطية بدعة غربية، يجب اجتنابها، وتفضل شكلاً من “الشورى”، يشبه الذي جرى تطبيقه فيما يعرف بـ”مؤتمر النصر” الذي عقد في دمشق في 29 يناير/ كانون الثاني، وأعلن فيه المجتمعون اختيار أحمد الشرع رئيساً للمرحلة الانتقالية.
و قد أسالت الطريقة التي جرى فيها انتخاب أعضاء مجلس الشعب، الكثير من الحبر، فتلك الانتخابات ضربت عرض الحائط بكل الأحلام الوردية للحالمين بالديمقراطية، ووضعتهم أمام أمر واقع جديد. هذا هو الحال، أعجبكم أم لم يعجبكم. وفي المقابل، لا تبدو شريحة كبيرة من السوريين منشغلة كثيراً بالترتيبات السياسية، بمقدار ما هي منشغلة بالترتيبات المعاشية اليومية، التي ما زالت، وبعد مرور عشرة أشهر تقريباً، تراوح مكانها، رغم بعض الانفراج الذي أحدثه رفع جزئي للعقوبات هنا، أو مساعدات أخوية هناك، تدفع عجلة الحياة اليومية للسير إلى الأمام، ولكن ليس كما يحلم الحالمون.
واقعياً، نصف سورية تقريباً هو خارج عن الخدمة، صحياً وخدمياً والأهم تعليمياً، إذ ما زالت المدارس مدمّرة، كلياً أو جزئياً، وما زالت المدن والقرى والبلدات خراباً ودماراً، ولا يستطيع أهلها العودة إليها، وبقوا موزّعين ما بين نزوح مؤقت في مدن أخرى، وما بين مخيماتهم التي تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، أو في الدول المجاورة، حيث ورغم تسجيل عودة مليون سوري تقريباً منذ بداية العام وحتى اليوم، إلا أن قرابة خمسة ملايين ما زالوا ينتظرون، ويتحيّنون ظروفاً ملائمة للعودة، ناهيك عن عشرات الآلاف الذين تلوح بعض الدول الأوروبية بإمكانية إعادتهم إلى بلدهم.
في التقارير التلفزيونية، التي رصدت بداية العام الدراسي، في مناطق مختلفة من سورية يظهر حجم الخراب جلياً، التقارير نفسها أظهرت خيبة أمل العائدين وهم يجدون أطفالهم يجلسون على الأرض في صفوفهم الدراسية، وهذه زاوية واحدة من مشهد سوري يومي، يبدو أن كثيرين يفضلون عدم رؤيته، أو تحميل السلطة السورية مسؤوليته، من دون تقديم أي فكرة عن كيفية إيجاد ذلك الحل السحري.
السلطة، ورغم ما تواجهه من “ضجيج”، تبدو ماضية في ترتيب بيتها الداخلي، وفق رؤيتها الخاصة، وهي غير منفتحة كثيراً على المقترحات، وإن كانت انتخابات مجلس الشعب، قد أجريت بتلك الطريقة لعدم توافر أرضية مناسبة لإجرائها بشكل سليم، فإن تعيين مجالس للنقابات (الصحافيين، الفنانين، الكتاب..) يطرح أيضاً تساؤلات عن السبب في ذلك، ومع أن الشخصيات التي تم اختيارها هي شخصيات “ثورية”، لاقت ترحيباً من الشارع، لكن ذلك لا يمنع القول إن ثمة نهجاً معادياً للديمقراطية في هذا السلوك، الذي هو سلوك ثوري بالكامل، مع أن الرئيس أحمد الشرع أعلن أكثر من مرّة أن ما سوف يحكم البلد عقلية الدولة وليس عقلية الثورة.
في استطلاع المؤشّر العربي، قال حوالي 74% من المستطلعة آراؤهم إنهم واثقون أن حكومة الرئيس الشرع ستتجه نحو الديمقراطية مستقبلاً، وهذه نسبة كبيرة جداً قياساً بالمقدّمات، لكن لو سئل المواطن السوري عن ترتيب أولوياته خلال السنتين أو الثلاث سنوات المقبلة، فلا شك أن تحسن الوضع الاقتصادي والخدمي والتعليمي والصحي وإعادة الإعمار، سوف تأتي أولاً وسوف تأتي الديمقراطية في مرتبة متأخّرة من اهتمام المواطن، إذ يبالغ المدافعون عن الديمقراطية، وقد يكون كاتب هذه السطور أحدهم، في اعتبارها الحاجة الأولى، وأنها سوف تكون الخطوة الأساسية لإعادة الإعمار. ولكن، رضينا أم لم نرض، شهدت دولٌ عديدة قفزات تنموية هائلة، من دون أن تعرف الديمقراطية طوال تاريخها.
العربي الجديد
————————–
“فوبيا” الديمقراطية/ حسن مدن
02 نوفمبر 2025
من أكثر الإشارات إشراقاً عند عبد الرحمن الكواكبي (1855 – 1902) في كتابه “طبائع الاستبداد …” التفريق النابه بين الاستبدادين، الشرقي والغربي، حيث لاحظ أنَّ المُستبدّين الغربيين لا يمنعون العلم إجمالاً، بل يحرصون على عدم إدراك النّاس أنَّ الحرية أفضل من الحياة، فهم يحاربون تعليم الناسِ حقوقَهم حتى لا ينقلبوا على ملوكهم مطالبين بها، لكنَّ المستبدين الشرقيين يحاربون العلم جُملةً وتفصيلاً (كأنَّ العلم نارٌ وأجسامهم بارود). ويضيف أنَّ “الاستبداد الغربي وإن كان طويل الأمد إلا أنَّه يتصف باللين، أما الشرقي فإنَّه سريع الزوال، لكنَّه أكثر إزعاجاً وأشدُّ وطأةً على الرعية، وهو إذا زال يخلفه استبداد أشدُّ وبالاً وأقوى سطوةً وتعسفاً”.
لسنا هنا في مقام البرهنة على صواب ما ذهب إليه الكواكبي. تكفينا نظرة إلى فظاعة الاستبدادِ الذي جاءت به الثورات والانقلابات التي أُنشئت على أنقاض المَلكيات؛ جمهوريات فاق استبداد بعضها ما عرفه الناس من عسف الحكومات التي أطاحتها، وجعلت الناس تترحَّم على الماضي، رغم مساوئه، بل خنقت هذه “الجمهوريات” وصادرت البرهةَ الليبراليةَ العربيةَ التي كانَ يمكن لها في ملابسات تاريخية أخرى أن تتطوَّرَ إلى نظام سياسيٍ برلمانيٍ تعدديٍ. والكواكبي الذي درس الاستبداد متّخذاً من سلوك الأتراك تجاه العربِ قاعدةً للبحث والمعاينة لمْ يُقدر له أنْ يرى حجم الاستبداد الذي جلبه العرب للعرب في عقودٍ لاحقىة.
قبل أكثر من عقدٍ كتبت مقالاً نشر على حلقتين في صحيفة الأيامِ البحرينية ينطلق من الفكرة أعلاه بعنوان: “هلْ نستبدلُ الاستبداد بآخر”، انطلقت فيه من الخشية التي تتزايد في أوساط سياسية وفكرية في البلدان العربية من أن يؤدّيَ سقوط الاستبداد في بعضِ البلدانِ العربية التي شملتها موجة التغييرات التي شهدناها، يومها، إلى نشوء استبدادٍ جديدٍ تمثله مخرجات الانتخابات التي جرت وستجري في هذه البلدان، وهي خشية لا يصحُّ الاستخفاف بها لأسبابٍ عدَّة. ومن هذه الأسباب هشاشة التقاليد الديمقراطية في البلدان العربية عامةً، بما فيها البلدان التي كانت أكثر قابليَّة وجاهزيَةً للتَغييرِ، بعدَ عقود طويلة من سطوة الاستبداد التي اقتلعت أيَّ غرسة تكاد تنمو للديمقراطية، بل قام هذا الاستبداد نفسه على وأدِ بواكير التحوُّلات نحو الديمقراطية بين مطالعِ ومنتصف القرن العشرين.
ومن هذه الأسباب أيضاً غياب الحامل الاجتماعيِ والسياسيِ للديمقراطية أو ضعفه، فالقوى التي حملتها وستحملها الانتخابات في البلدان العربية قادمة من منابت غير ديمقراطية، ولم يُعرف عنها، في ما سبق، انفتاحها على الأفكار الأخرى، بل إنَّها في بنيتِها الفكرية والسِياسية تحمل ميولاً إقصائية واستحواذية، رأينا تجليات كثيرة لها، ولكن الديمقراطية ليست هي الانتخابات وحدها، بل هي منظومة ثقافة متكاملة يجب تهيئتها. أما أن يترك الحبل على الغارب للقوى المحافظة كي تستحوذ على البسطاء عبر الصناديق الخيرية وأكياس الأرز والسكر، فيما المفروض أن تأمين هذه الحاجات هو من صلب مهامّ الحكومات لا سواها، وأن يجري التغاضي عن هيمنة هؤلاء على الأذهان، من خلال المنابر الدينية والمناهج الدراسية ومؤسّسات التعليم، ثم يقال لنا: انظروا إلى هذا الشعب الجاهل الذي يدفع في الانتخابات بمن هم أعداء العصر والحرية، فتلك لعبة سياسية ممجوجة.
حين دفع الزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة بمجلة الأحوال الشخصية التي أنصفت المرأة التونسية، وأطلقت طاقاتها الكبيرة التي كانت محبوسة، أتته نساء تونس، زرافاتٍ، يحيّينه على ما حققه لهن، ويومها انطلقت أصوات بعض المحافظين معترضة، فقال ما مفاده: لن أترك حفنة من المتحجّرين تضلل الناس ليقفوا ضد مصلحتهم.
أنظمة الاستبدادِ في الشَرق، وعالمنا العربي جزء من هذا الشرقِ، روَّجت، ولا تزال، أنَّ شعوبنا غير جديرةٍ بالديمقراطيَةِ، لأنَّها ليست ناضجةً لها، فهي تتطلب وعياً وثقافةً وتعليماً، ولكنَّ هذه حجةُ العاجزِ أو الخائفِ من ولوجِ الممارسة الديمقراطية؛ لأنَّه يجدُ فيها تهديداً لمصالحِه في الانفراد بالسلطةِ والثروةِ، فيما الديمقراطيَة تتطلَّب المشاركةَ السياسية، لا الانفراد بالقرار، وتتطلب التوزيع العادل للثروة، لا الاستحواذ عليها من قبل الفئات المتنفذة والمحتكرة للسلطة.
العربي الجديد
——————————-
“وهم المعارضة”.. الملجأ الأخير لـ”النُخَب”/ يمان زباد
2025.11.07
في البيئات السياسية الطبيعية؛ من المهم وجود نظام حاكم ومعارضة له لا توافق سلوك هذا النظام اقتصادياً أو اجتماعياً أو حتى سياسياً، مما يُشكل محفزاً للنظام على العمل وضبط سلوكه، في ظل معارضةٍ منتقدةٍ لهُ من جهة ومُقدمة لحلول ومشاريع تُقوِّم الأخطاء التي تراها المعارضة في النظام الحاكم من جهة أخرى، مما يُنشئ بيئة تدافعية تصبُّ نهايةً في مصلحة البلاد.
لكن في الحالة السورية -شأنها شأن كل الدول التي عانت من استبداد متراكب زمنياً وجغرافياً- كانت حالة المعارضة قبل سقوط الأسد هي حالة معارضة لوجود نظام مستبد حالة ثورية هادمة للاستبداد، تحاول تقديم رؤية شاملة عن آلية إنهاء الاستبداد من جهة أو التخفيف من وطأته، من دون الوصول لحالة تنظيرية لبناء دولة من الصفر اقتصادياً وسياسياً، ومع سقوط الأسد وبداية تشكل الدولة الناشئة، كانت فكرة “المعارضة الشعبوية” السريعة فكرة مريحة لكثيرين، وفي نفس الوقت كانت مشوهة لفلسفة المعارضة السياسية، وبرز سؤال مُلحٍ حول: ماهي حدود التمييز بين “المعارضة” و”وهم المعارضة”؟
وهم المعارضة والمراهقة السياسية
يمكن استقراء الفرق بين المعارضة ووهمها، بالأدوات المُتبعة في كلا المسارين، حيث يُمكن تحديد “وهم المعارضة” بمؤشرات قد تكون بديهية ولكن الغارق في تفاصيل المشهد اليومي وأحداثه قد ينسى البديهي:
– أن ينسى “المعارض” الحد الفاصل بين النظام والدولة، إذ من الصحي أن يعارض الإنسان سلوك النظام في كل القطاعات، ولكن من الخيانة أن يؤيد تقسيم البلاد واستجلاب المحتل ليهدم النظام والدولة.
– أن يتحول الحراك السياسي إلى أداء استعراضي مريح، قائم على فكرة المؤامرة الكونية اللا معلوماتية، مستغلاً الفضاء العام السوري الذي يُجرب الحرية على مستوى الجغرافية السورية كلها لأول مرة منذ أكثر من 70 عام.
ويمكن استعارة مصطلح “مجتمع الاستعراض” للأديب الفرنسي (غي ديبور) وإسقاطه على حالة “وهم المعارضة” التي تُحول صاحبها من السياسة إلى إنتاج المحتوى، حيث يستبدل “المعارض” اقتراح السياسيات أو نقد سياسات النظام القائم إلى الاهتمام بانتاج محتوى متجدد يجذب الجمهور، وبالتالي يتحول “الرأسمال الرمزي” لهؤلاء “المعارضين” إلى مجرد أداة للتشويش وإفراغ مفهوم المعارضة من جوهره، وتشويه فكرة المعارضة الحقيقة التقنية التي تنتقد النظام الحاكم، وأيضاً قد تتحالف معه في اللحظات المصيرية، مثل تحالف المعارضة مع النظام الحاكم في تركيا لحظة محاولة انقلاب 2016، لأن مفهوم معارضة النظام يختلف تماماً عن فكرة تدمير الدولة أو المساس بأمنها وسيادتها.
آليات صنع “وهم المعارضة”
تقوم فكرة “وهم المعارضة” على ثلاث قواعد، أولها المنصات الرقمية التي تجعل من انتباه الشعب مكافأة ل “وهم المعارض” حتى لو كان المحتوى يهاجم تركيبة المجتمع أو بعض فئاته ، ثانيها الرواية سهلة التلقي والانتشار البعيدة عن أي تحقق من المعلومة، خاصة في ظل تحمل الفرد السوري المسؤولية المجتمعية لتصرفاته وحريته، بعد أن كان الدكتاتور يتحكم بكل تفاصيل حياته، وبالتالي هذه المسؤولية المفاجأة للفرد شكلت عاملَ قلقٍ من المستقبل، هذا القلق القابل للتغذية بداية ثم التحشيد بسهولة في حال انتشار الإشاعات، ثالثها فكرة المؤامرة الكونية التي تُغذي القلق السابق، عبر إشاعات تُقدَّم على أنها معلومات حصرية حصل عليها “وهم المعارض”، وهذه المعلومات غالباً ماتكون تَمُس قضايا حساسة إما مرتبطة بالوعي السوري كالتطرق للقضية الفلسطينية عبر تسويق أن الدولة طبعت فعلاً سرياً مع اسرائيل، أو قضايا تمس “الفوبيا السورية الأمنية” التي سببها الأسد للسوريين، عبر اعتبار أن هناك فروعاً أمنية سرية نشأت من جديد تخطف السوريين مثلما كان يفعل الأسد تماماً، وبالتالي عن طريق هذه المحاور الثلاث تتبلور “وهم المعارضة”، التي تجعل “وهم المعارض” يقدم سلوكاً مجاني المسؤولية عبر غياب أدوات تغيير الواقع أو التخطيط لذلك بأسلوب وطني، وأن لا يقدم رؤيته إلى تغيير أسلوب أو شكل النظام الحاكم تحت مظلة وطنية تحمل محددات الاستقلالية والشفافية، وأن يقوم بالربط المباشر بين نظام الأسد والنظام الحالي على أنهما متطابقين سلوكياً، وهذا الربط من قبل “وهم المعارض” ليس طعناً بالنظام الحالي فقط، بل ليريح نفسه من تبعية أخلاقية تفرض عليه الانخراط في بناء الدولة، سواء بتأسيس حزب سياسي يقدم رؤيته التي تُخالف سلوك النظام، أو حتى مبادرات تقنية، وهذا الربط يتجاوز “وهم المعارض” نفسه إلى أن يُصبح سلوك الأسد الذي هجر وقتل أكثر من نصف الشعب ليس سلوكاً استثنائياً، بل مستمراً، وبالتالي يُفضي هذا الطرح إلى تشويه مسار العدالة الانتقالية، وقد تم سابقاً هذا الأمر بشكل مصغر عبر الربط بين سلوك الجيش الحر وسلوك جيش الأسد ومساواة سلوكهم في المحاكم الأوروبية، مما أدى لتمييع جرائم عدد من ضباط الأسد.
تفكيك “وهم المعارضة”
لا يمكن مواجهة “وهم المعارضة” أو حالة الاستعراض هذه بتجاهلها، أو إدانتها شعبياً وحسب، بل بإعادة هيكلة القنوات بين الحكومة والشعب، وذلك لرفع مستوى الشفافية بالاتجاهين، من الدولة للمجتمع عبر تبسيط القوانين والقرارات الصادرة وشرحها، ومن المجتمع باتجاه الدولة، وهذا لا يتم إلا بتمكين “رأس المال الاجتماعي” عبر النقابات والاتحادات التي تُسهم في حماية المجتمع، وأيضاً تُساعد الدولة بإنجاز قرارات توائم بين متطلبات الدولة ومصلحة المجتمع واحتياجاته، وغياب هذا التمكين يُفضي إلى فراغ ينتشر به “وهم المعارضة” الذي يواجه الدولة بشكل مباشر عبر أفراد متفرقين من المجتمع، من دون أن يجد مجتمعاً مدنياً حقيقياً يصحح هذا الوهم، لأنه من السهل بمكان أن يبني “وهم المعارض” خطابه على مظلوميته تجاه النظام، وأن يُحشد المجتمع كأفراد ضد هذا النظام، لكن من الصعوبة أن يواجه نقابات واتحادات منتخبة ترفض أن يتم استغلال المجتمع عبر الاستعراض السياسي، أو أن يتحول الفعل السياسي المعارض الطبيعي إلى “مجتمع استعراض” يزيد إرث الأسد الذي فتت المجتمع وأسس قابلية للثأر بين مكوناته الطائفية أو الإثنية أو الجغرافية، كما يقول عنها ميشيل سورا “ثأر الأرياف”.
خِتاماً؛ التمييز بين المعارضة و “وهم المعارضة” هو أنه ماذا يقدم هذا السلوك للبلد، سواء كإضافات تقنية أو تعديلات قانونية أو حتى نقد حقيقي للنظام، وأيضاً يمكن التقنين من مساحات “وهم المعارضة” عبر قدرة الدولة على قوننة مساحات العمل السياسي عبر قوانين الأحزاب والحريات، التي حتماً ستجعل نشاط الأحزاب السياسية محيداً لمساحات “وهم المعارضة”، وأيضاً تعزيز النقابات والاتحادات داخلياً، وقنواتها مع الحكومة، التي ستجعل المجتمع السوري أفراداً وجماعات يلجؤون إلى تلك التكتلات المجتمعية بمطالبهم أو حتى تحري معلوماتهم، بعيداً عن “وهم المعارض” و”المجتمع الاستعراضي” التابع له.
تلفزيون سوريا
————————————-
===========================



