في تداعيات إسقاط مرسوم سوري/ رانيا مصطفى

28 أكتوبر 2025
في خطوة لاستيعاب الاعتراضات التي طالبت بإسقاط المرسوم الرئاسي في سورية 66 لعام 2012، جمّدت محافظة دمشق العمل به، باعتباره “تشريعاً ظالماً” بتوصيف المحافظ، ويحتاج إلغاؤه إلى مراجعة النصوص القانونية وإقرار مرسوم رئاسي. وهو يتعلّق بإحداث منطقتين تنظيميَّتَين: “ماروتا سيتي” في بساتين كفرسوسة أو ما يعرف ببساتين الرازي، والأخرى “باسيليا سيتي” جنوبي المتحلق الجنوبي من دمشق في أحياء القدم والعسالي ونهر عيشة. وهجّر السكّانَ المقيمين في المنطقتين من دون دفع بدلات الإيجار، التي أصبحت باهظةً اليوم مقارنةً بالمداخيل، وهو مرسوم جائر لأنه يقيّم الأراضي المُستملَكة بأسعار بخسة، لأنها عشوائيات، وسيُعوّض المتضرّرين بأسهم تعادل قيمتَه قبل دخوله حيِّز التنفيذ، إذ سترتفع أسعار العقارات آلاف المرّات، مع اقتطاع نسبة 25% من حصصهم لتهديم المنطقة، وبناء حدائق ومساجد وغير ذلك، وقد جعل هذا المنتفعين من المرسوم شركاتٍ قابضةً من المتموّلين المقرّبين من نظام الأسد.
تشكّل المطالبة بإسقاط المرسوم 66 مدخلاً لإسقاط القانون رقم 10 لعام 2018 الذي أصدره بشّار الأسد، ويعمِّم تجربة استملاك منطقتي المرسوم 66 لتشمل كامل الأراضي السورية، إذ يقضي بإحداث منطقة تنظيمية أو أكثر ضمن المخطّط التنظيمي العام للوحدات الإدارية، ويتيح ضمن مواده اقتطاع ملكيات خاصة من أجل المنفعة العامة من دون تعويض مالي، في مخالفة لدستور 2012 الذي ينصّ على تعويض مالي عادل. وعدا المرسوم 66، كانت حكومة الأسد تتحدّث عن مشاريع مشابهة في بابا عمرو وحلب الشرقية، ومشاريع أبراج في داريا وضمّها إلى محافظة دمشق، ما يتيح دخول شركات تطوير عقاري، وشركات مساهمة مغفلة، من دون معرفة طبيعة هذه الشركات وجنسياتها، وهي ستستملك حصصاً ونسباً ومقاسم، وستؤسّس كياناتها داخل المناطق التنفيذية بحجّة تنفيذ المرافق العامة والبنى التحتية.
مشكلة المرسوم والقانون هي في طبيعتهما الفوقية، إذ تفرض بموجبها السلطات العليا مخطّطات تنظيمية غالباً باقتراح من وزارة الإدارة المحلية والبيئة المعيّنة من الرئيس (حسب المادة 3 من القانون 10)، ولا دور للمجالس المحلّية فيه، ولا لمديريات الخدمات الفنّية وقراراتها المتعلّقة بأسس التخطيط العمراني. وهذا عكس ما كان معمولاً به سابقاً، إذ كان المجلس المحلي، الذي يُفتَرض أنه منتخب من الأهالي باعتباره أعلى سلطة، يقترح تعديل المخطّط التنظيمي للمنطقة، وغالباً بسبب الحاجة إلى توسيعها، وكان يعرض المخطّط التنظيمي على أهالي المنطقة للاطلاع عليه، وتقديم اعتراضاتهم للجنة مؤلفة من 11 عضواً من عدة وزارات وإدارات لدراسة الطعون. وبالتالي، ليست قوانين ومراسيم كهذه في مصلحة السكّان.
وسواء استندت إلى المرسوم 66 والقانون رقم 10 أم لا، فإن مذكَّرات التفاهم ذات القيم المليونية والمليارية التي وقَّعتها الحكومة السورية الراهنة واحتفلت بها تأتي في السياق الفوقي نفسه الذي ينصّ عليه المرسوم والقانون المذكوران، لكنّ معظمها ما زال من دون التعاقد، أو غير حقيقي، والغرض منه احتفالي، ولكنّه، في كل الأحوال، يكشف النيّات، وهي ليست في مصلحة السكّان، بل تصبُّ في مصلحة الشركات القابضة والمنتفعين الجدد والطبقة الأوليغارشية التي تتشكّل في العهد الجديد، التي صالحت المافيات الاقتصادية المرتبطة بنظام الأسد. بالتالي، تحمل الحملة لإسقاط المرسوم 66 في مضمونها إسقاط مشاريع الاستثمار التي ستقيم أبراجاً في دمشق وفراشات ومدينة إعلامية وغيرها للأسباب نفسها، إذ يحضر التساؤل عن المخطّطات التنظيمية لهذه المشاريع وكيفية الاستملاك، وهل سيستند إلى القانون رقم 10 الظالم الذي أصدره بشّار الأسد، ولا يكفي أن تقول البروباغاندا الإعلامية للسلطة الجديدة إن هذه المشاريع ستوفّر عشرات آلاف فرص العمل للسوريين، لأن ما تحتاجه سورية والسوريون يتجاوز الحصول على فرص عمل، غالباً ما ستكون قائمةً على استغلال كبير للعاملين فيها. ومن الجدير ذكره أن 80% من عقود الاستثمار (الشركات محدودة المسؤولية) التي تأسّست في سورية خلال النصف الأول من عام 2025 تركّزت في دمشق ومحيطها، و8% في حلب، حسب تقرير لـ”The Syria Report”، ويثير هذا التركّز الكبير تساؤلات بشأن سياسات التحفيز الاقتصادي المستقبلية، ودور دمشق في عمليات إعادة الإعمار. وهذا يعني أن مشاريع إعادة الإعمار هذه لن تشمل الأرياف والمدن السورية المدمّرة، ولا المنطقة الشرقية.
يخدم المرسوم 66 والقانون رقم 10 اقتصاديات الحرب في عهد الأسد، لأنهما جاءا مكافأةً للمنتفعين من حرب النظام ضدّ السوريين، ولذلك يعتبران جزءاً من جرائمه في التهجير القسري، والحلّ يأتي ضمن تطبيق مبادئ العدالة الانتقالية المنصوص عليها في الإعلان الدستوري، وضمن موادّه التي تنصّ على حماية الملكية الخاصة وصون الحقوق وإلغاء القوانين الجائرة. وعلى هذا، من المستهجن أن تفتتح السلطات الجديدة عهدها بتوقيع استثمارات انطلاقاً من حيث توقف نظام الأسد، واستكمالاً لمساره في ترسيخ اقتصاديات الحرب القائمة على الاستيلاء على الأراضي تحت مسمَّى المنفعة العامة، ولمصلحة أوليغارشية جديدة تحتكر القرارات، ما سيفتح على استمرار الصراع، وعلى احتمال حصول انفجارات اجتماعية في المديين المتوسّط والبعيد.
تستند إعادة الإعمار التي يحتاجها السوريون إلى عملية تنمية مستدامة تنطلق من الوحدات الإدارية الأصغر، ويجب أن تكون مجالسها المحلّية منتخبةً وأكثر تعبيراً عن حاجات تلك المناطق، وستساهم هذه المجالس في وضع المخطّطات التنظيمية الأكثر إلحاحاً، وستفتح على عملية تنموية تبدأ من القواعد، بدلاً من الخطط الاستئثارية الاعتباطية الفوقية، في وضعٍٍ لا يحتمل تأخير عملية التنمية. ولا ترتبط هذه العملية كلّياً بقرار رفع العقوبات، بقدر ما تستند إلى ضرورة أن يخرج الحكم الجديد في سورية من العقلية الفصائلية إلى عقلية بناء الدولة، وتوسيع المشاركة في اتخاذ القرارات، وتبنّي ديمقراطية موسّعة تشمل الانتخابات البلدية، وإصلاحاً فورياً للسلطة القضائية وضمان استقلاليتها، وشفافية القرارات، وقبل ذلك البدء بمسار العدالة الانتقالية وأن يشمل المتموّلين الداعمين للحرب التي شنَّها نظام الأسد على السوريين. والأهم التخلّي عن فكرة الانفتاح الاقتصادي الواسع، الذي تجلَّى في مسوّدة القانون الضريبي، والتوجُّه إلى دعمٍ أكبر للصناعة الوطنية، التي بات يحملها في سورية القطاع الخاص، وكذلك التوقُّف عن ترويج عقلية الخصخصة غير المدروسة وبيع القطاع العام وممتلكات الدولة بأسعار بخسة.
بعد إغلاق أبوابها في وجه المعترضين مرّات ومرّات، اضطرّت محافظة دمشق إلى مهادنة المعترضين على المرسوم 66. وبالمثل، كان هناك تظاهرات في حمص ضدّ مشروع البوليفار الواقع في أراضٍ مختلف على ملكيتها، ما يدفع السلطة إلى التفكير بكلّ مسارها الاقتصادي وكذلك السياسي، وبأن إصرارها على الاستمرار في اقتصاد الحرب على خُطا الأسد سيواجَه بمقاومة مجتمعية أوسع وأكثر تنظيماً.
العربي الجديد



