سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمقالات سينمائيةمنوعات

في لقاء لمّ الشمل في مونبلييه.. سينمائيون سوريون يناقشون: أيّة مؤسسةٍ عامة للسينما تناسبهم؟ ومستوى الدعم الفرنسي لها/ سليمان عبدالله

29 تشرين الأول 2025

شهد مؤتمرٌ عن مستقبل السينما السورية، نظّمته جهاتٌ فرنسية سينمائية على هامش مهرجان البحر المتوسط السينمائي، لمّاً لشمل مجموعةٍ عابرةٍ للأجيال والجغرافيا والخبرات من السينمائيين السوريين، لم يلتقِ بعضهم الآخر منذ اندلاع الثورة. رغم تطرّق النقاشات إلى عقبات صناعة السينما في سوريا، إلا أنّ محورها كان الحفاظ على الاستقلالية، وإعادة تعريفٍ لدور المؤسسة العامة للسينما في سوريا، والخشية من اتخاذ المركز الوطني الفرنسي للسينما المؤسسة العامة للسينما في سوريا شريكاً وحيداً؛ الأمر الذي نفاه رئيسه في تصريحٍ لحكاية ما انحكت

قبل معرفة جدوى المؤتمر ومخرجاته، بدا اجتماع سينمائيين سوريين/ات في المهجر وآخرين قادمين من الداخل السوري، كاسرين عزلة السنوات الأخيرة، تحت سقفٍ واحدٍ في مونبيليه، صباح يوم ٢٢ أكتوبر/تشرين الأول، كالحلم بالنسبة إليهم. المؤتمر الذي نظّمه المركز الوطني الفرنسي للسينما (سي إن سي) ومهرجان البحر المتوسط السينمائي (سيني ميد) في مونبيليه، بالتعاون مع منصة عيون، المعنيّة بالمصورين وصناع الأفلام السوريين، شهد مشاركة مزيجٍ من قرابة ٢٥ سينمائيّ/ة، من مختلف الأجيال.

إقامة المؤتمر في فرنسا حرّر الحوارات من وطأة المكان، ومن أن تكون برعاية وزارة الثقافة السورية أو مؤسستها العامة للسينما، أو أن تضع خطوط النقاش العامة، إذ كانت الكلمة الأولى هنا، حواراً وإدارة، للسينمائيين السوريين/ات والجهة المنظمة بالشراكة “عيون”، وزملاء من المؤسسات الثقافية في المنطقة كآفاق وأفلامنا. ما إذا كان ينبغي على السينمائيين السوريين التعامل مع هذه الحكومة المؤقتة ومؤسستها السينمائية، وكيف؛ كان مادة للنقاش في الكثير من لحظات هذا المؤتمر.

وبعد أن كان من المقرر مشاركة مدير المؤسسة العامة للسينما جهاد عبدو، تبيّن أنه اعتذر عن الحضور، وأرسل نيابةً عنه، الناقدة لمى طيارة، التي تعمل مستشارةً غير رسميةٍ له منذ أشهر، و رشا بركات، مديرة المهرجانات في المؤسسة. لم يكن الوجود الرسمي للسيدتين ثقيلاً على الحضور، بل بدا خجولاً إلى حد بعيد، وكان تفاعلهما مع الآخرين يجعل المراقب يتأكد مرتين مَن تمثلان هنا، الجانب الرسمي أم السينمائيين؟ إذ واظبتا على تقديم نفسيهما داعمتين للسينمائيين، وتحقيق ما هو ممكنٌ قدر الإمكان في ظلّ هذه الحكومة، التي ينظر عددٌ غير قليلٍ من السينمائيين إليها بطريقةٍ ناقدة، جذرياً.

بدا التقديم لفعاليات اليوم الأول غريباً بعض الشيء، عندما أشار كريستوف كانتشيف، الصحفي المكلف من إدارة مهرجان سينيميد بالتقديم للحوارات، إلى أنّ الأوضاع السياسية في البلاد ليست مثالية، مستشهداً بـ”انتخابات” لم تصل بأيّ يهودي وبمسيحيين فقط إلى “مجلس الشعب”، محاولاً ربما التأكيد على عدم تماهيهم مع الحكومة الانتقالية في سوريا.

بعد محاضرةٍ نظريةٍ جافة للباحثة الفرنسية سيسيل بويكس، عن ظهور سينما المؤلف في سوريا وتطورها منذ السبعينيات وحتى اليوم، وصلتها بالسياقات السياسية في البلاد، صعدت مجموعةٌ من ١٠ صناع أفلام شباب للمنصة، أكبر من اللازم ربما، قياساً بوقت جلسة النقاش التي تجاوزت ٩٠ دقيقةً بقليل، التي أدارتها ديالا الهنداوي وسارة قنطار من منصة عيون. رغم ذلك، لم تخلُ الجلسة التي اتسمت بالصراحة والابتعاد عن الخطابات الإنشائية من فائدة، واختلط فيها الشخصي والعام، والحديث عن المجازر في الساحل والسويداء، مناطق يتحدر بعضهم منها، بإمكانية صناعة سينما، وضرورة إعادة تحديد دور المؤسسة العامةّ للسينما.

مشاركون آخرون، بينهم المخرجتان رند أبو الفخر ومادونا أديب، أشاروا إلى ضبابية قرارات المنع والتصريح بالعمل، وعدم ضمان سلامة السينمائيين، وإمكانية عرض أفلامٍ ذات صلةٍ بمواضيع كالكويرية أو بمناطق الجنوب السوري (السويداء تحديداً) أو تلك الناقدة للسلطة الانتقالية، موضحين أن ما يخشونه لا السلطة فحسب، وإنما أفراد وجهات غير رسمية موالية لها. المخرج زياد كلثوم، تساءل في مساهمةٍ ساخطة عمّا منع المؤسسة من إصدار بيانٍ يدين القتل في البلاد في الأشهر الماضية، كما فعلوا كسينمائيين بُعيد اندلاع الثورة. الوفد الثنائي الرسمي تجنب الرد.

في جلسة حوارٍ مزدوجة بعد ظهيرة اليوم، قدم مشاركون، ذوو خبرةٍ طويلة في صناعة السينما والإنتاج، كشفاً بأولوياتٍ إسعافيةٍ ينبغي توفيرها لتأسيس صناعة سينما سوريّة، وقلّبوا خيارات التعاطي مع المؤسسة العامة للسينما والعمل على أرشيف السينما السورية.

مخرج الأفلام الوثائقية علي أتاسي، مؤسس مشروع “بدايات”، رأى أن من حقهم العودة إلى سوريا، والتصوير، سواء بتصريحٍ أو من دونه، معتبراً المؤسسة العامة للسينما من حقهم، وأرشيفها عائداً لهم، رافضاً فرض المؤسسة الموجودة في يد السلطة الحالية أيّة قيودٍ أو بطاقة انتسابٍ عليهم. واعتبر أنه لا ينبغي أن تُترك السلطة لتسيطر على هذه المساحة، وتفرض أجندتها عليها، وإلى الكفاح كي لا تتحول إلى مؤسسة بروبغاندا في إطار النظام الجديد، مشيراً إلى العمل الجماعي عبر تجمعاتٍ ونقاباتٍ حلّاً، مؤكداً في الوقت نفسه على أنه لا ينبغي أن تكون المؤسسة العامة للسينما الممثلة الوحيدة والحصرية والشرعية للسينمائيين، بل أن تكون طرفاً من ممثلين كثر.

المخرجة والمنتجة غيفارا نمر، شاركت خبراتها في الإنتاج في أوروبا حيث تعيش، ورأت في حصر العلاقة مع السينما بالقطاع العام، ممثلةً بالمؤسسة العامة للسينما، قصوراً في الرؤية، معتبرةً أنه ليس من مهام المؤسسة العامة الإنتاج السينمائي، ولهذا السبب لا ينبغي فتح معركةٍ معها، على حد توصيفها. وباستعراض نماذج الإنتاج في ألمانيا وفرنسا، رأت أنه ليس من الضروري تبنّي نموذجٍ محدّد في سوريا، بل ربما ابتداع شكلٍ جديد، ومنح مساحة للتجريب، في ظل غياب كاتالوجٍ واضح، للوصول إلى صيغةٍ قادرة على الاستمرارية.

المخرجة هالة العبدالله، ذات الخبرة الطويلة، خاصة في الإنتاج السوري الفرنسي المشترك، بدت غير متفائلةٍ بما تتجه به ظروف الإنتاج في سوريا، داعيةً إلى عدم انتظار منح السلطة الحالية المؤسسةَ العامة للسينما هامش حرية، مفترضةً أن السلطة الانتقالية ستقطع الطريق عليهم حتماً، وأنّه حتى في حال سماحها بصناعة السينما، فليس لديها شخصياً استعدادٌ للعمل ضمن الهوامش التي يقدمونها، وإنما على المرء الدفاع عن حريته بأدواته، دون تقديم أيّة تنازلات، وربما التعامل مع رفض عرض أفلامه لاحقاً.

رغم ذلك، ترى أنّ هناك أملاً مرتبطاً بأناس يعملون في سوريا في مساحاتٍ صغيرةٍ يتمسكون بها، مستدركةً بأنه ربما لا يكون ثمن ذلك غالياً الآن، لكنه سيصبح غالياً بعد مدة، هكذا قد يُسجن ويعتقل ويُقتل أحدهم، “لكن من المؤكد أن المعركة مستمرة”. العبدالله حثّت السينمائيين الشباب على عدم النظر إلى المؤسسة العامة للسينما على أنها مغلقة ورفض التعامل معها، بل ايجاد طريقة ل”احتلالها”، لأنها غنيةٌ جداً، وخاصّةً بفنيّيها.

بالمقابل، تشير ساشا أيوب، المديرة التنفيذية لمختبر “ستوري لاب”، إلى أنّ ثمن دفع هوامش الرقابة في عهد نظام الأسد كان معروفاً، لكنه لم يعد كذلك اليوم، هم يجرّبون فحسب. “النظام كشف عن العديد من الأمور التي لا يوافقون عليها”، تؤكد، لكن ما زال لديهم المجال للقول: إنهم هنا، وهذه هي المساحة التي يريدون التحرك فيها.

ما دار في اليوم الثاني من المؤتمر، جرى وراء أبواب موصدة، بحضور القائم بالأعمال الفرنسي في سوريا، جان باتيست فافر. مدة النقاش كانت أقصر من أن تفضي إلى مخرجاتٍ واقتراحاتٍ معمّقةٍ تُقدّم للجهات الفرنسية الراغبة بالدعم، وفق انطباعات المشاركين/ات.

حكاية ما انحكت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى