سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

مقالان تناولا العلاقات السورية-المصرية

حرارة ناقصة بين دمشق والقاهرة/ معن البياري

04 نوفمبر 2025

لم يُدْعَ الرئيس السوري، أحمد الشرع، إلى القاهرة، لحضور حفل افتتاح المتحف المصري الكبير السبت الماضي، فلم يُساوَ مع رؤساء وملوكٍ وأمراء عديدين جرت دعوتُهم إلى التظاهرة الثقافية الكبرى، منهم رئيسا غينيا بيساو وفرسان مالطة وملك تايلاند. ولم تتمثّل سورية بأي وفدٍ من أي منزلةٍ في الحفل، كما تشاد وقبرغيستان وسنغافورة وغيرهم. ولا يعود الأمر إلى خطأ بروتوكولي، ولا إلى افتراضٍ مسبقٍ لدى صنّاع القرار في مصر يضع أهل الحكم الراهن في سورية في ضفّة المعادين للمتاحف وما فيها. إنما الأمر يعود إلى سَعةٍ في حالة جفاءٍ قائمةٍ بين القاهرة ودمشق، تتأرجح في “جدليّة الخفاء والتجلّي” (بتعبير أستاذنا كمال أبو ديب). وهي حالةٌ على شيءٍ من الغرابة، فثمّة سفيرٌ مصري في العاصمة السورية، وثمّة سفارة سورية في العاصمة المصرية (لم يعيّن سفيرٌ بديلٌ فيها بعد). وتعدّدت لقاءات وزيري خارجية البلدين، أسعد الشيباني وبدر عبد العاطي، في غير بلد، فقد اجتمعا أخيراً في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقبلها في أوسلو، وقبل ذلكما في بغداد وفي القاهرة نفسها في أثناء مشاركات الوزير السوري في اجتماعاتٍ لجامعة الدول العربية، غير أن أياً منهما لم يؤدّ أي زيارة عمل رسميةٍ إلى بلد الآخر. وباستثناء لقاء بروتوكولي يتيم بين الرئيسين أحمد الشرع وعبد الفتاح السيسي في القاهرة على هامش اجتماعات مؤتمر القمّة العربية في مارس/ آذار الماضي، لم يجر أي تواصل بين الرجلين. وقد آثر السيسي، في يناير/ كانون الثاني الماضي، عدم مهاتفة نظيره السوري عند تولّي الأخير منصبه رئيساً في المرحلة الانتقالية في بلده، وعدم إرسال برقية تهنئة، وإنما نشر تدوينةً في “إكس”، ضمّنها التهنئة، وتمنّياته للرئيس الشرع “بالنجاح في تحقيق تطلّعات الشعب السوري نحو مزيدٍ من التقدّم والازدهار”.

ومع توالي بياناتٍ وتصريحاتٍ رسميةٍ مصريةٍ تؤكّد على وحدة سورية واستقرارها، ورفض الاعتداءات الإسرائيلية عليها، ومع تشديد القاهرة على “ثبات” موقفها هذا، لا نلحظ أيّ حرارةٍ في الاتصالات الثنائية الخجولة، ولا نُصادف تحرّكاً من أي من العاصمتين لكسر المراوحة في جمود العلاقات الحادث بينهما. والبادي حرص دمشق على عدم إغضاب القاهرة من أي شيء. ولم يقصد الرئيس الشرع التبخيس من مصر عندما جاء، في كلمةٍ له مرتجلة في الرياض الأسبوع الماضي، عن نجاجات كبرى في بلدان عربية لا تماثل نجاحاتٍ في مصر والعراق، وإن استقبل الإعلام المصري هذا القول باستنكارٍ وغضبٍ شديدين. وحسناً أن الأمر لم يتعدّ هذه الحدود، ولم تتعامل معه القاهرة الرسمية بحساسيةٍ زائدة. ما قد يجيز القول إن السلطة في مصر حريصةٌ على شيءٍ من الوصل والوصال مع دمشق، من دون أن تُبادر، حتى اللحظة، إلى ما يأخُذ العلاقات إلى ما هو أبعد.

ربما لو تشجّعت عاصمةٌ عربيةٌ، تتمتّع بثقة القيادتين في دمشق والقاهرة، إلى وساطةٍ بينهما، تهدف إلى بثّ حرارةٍ ساخنةٍ في التواصل والتعاون بين البلدين، لتوفّرت لها فرصٌ وفيرةٌ للنجاح، فالظاهر أنها قويةٌ الرغبة السورية في تمتين أقوى العلاقات مع مصر التي كانت، في يومٍ غير بعيد، في اتحادٍ مع سورية. والظاهر أن البرود من جانب القاهرة يعود إلى حاجتها إلى اطمئنانٍ من نوعٍ خاص، فضلاً عن إقفال ملفّ مصريين جهاديين (مطلوبين) في سورية. والمرجّح أن حواراً صريحاً على أرضية النيات الحسنة لا بد سيصل إلى تفاهماتٍ في هذا الخصوص وغيره. فضلا عن أن في الوُسع أن تبقى مواضيع خلافية رهن التداول والنقاش، من دون أن يؤثر وجودُها على علاقات تعاونٍ اقتصاديٍّ وحوار سياسي وأمني بين البلدين اللذيْن تخسر الأمة كثيراً إذا ما ظلّ التباعد البارد بينهما على ما نرى.

المأمول أن تتخفّف القاهرة مما قد يكون لديها من حساسياتٍ أمنيةٍ وفرضياتٍ ومسبقات، وتذهب إلى تعافي العلاقات مع دمشق من كل حساسيات. والمأمول أن تقدّم دمشق كل ما من شأنه أن يعين القاهرة في التحرّر من ذلك كله… وجميعنا في الانتظار.

العربي الجديد

———————————–

العلاقات المصرية–السورية: توازن المصالح بين ضرورات السياسة وإرث التاريخ والجغرافيا/ رامي شفيق

2025-11-06

تُعدّ العلاقات المصرية–السورية إحدى الركائز المحورية في بنية النظام الإقليمي العربي، نظراً لما يتمتع به البلدان من مقومات جغرافية مؤثرة، وروابط تاريخية وسياسية وثقافية ممتدة. وقد شكّلت التطورات التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة محطةً مهمة في إعادة صياغة محددات العلاقة بين القاهرة ودمشق، ولا سيما في ضوء التحولات الجيواستراتيجية التي يشهدها الشرق الأوسط، خصوصاً ما يتعلق بالترتيبات الأمنية والسياسية مع إسرائيل.

وفي هذا الإطار، تنظر القاهرة إلى أهمية ضبط الأوضاع الداخلية في سوريا، والتأكيد على ضرورة انسجام مكونات المجتمع السوري تحت مظلة المواطنة، بما يتيح لمسار الاستقرار أن يتخذ منحىً مستداماً. وتعتبر مصر أن تحقيق هذا الهدف يشكّل عاملاً رئيسياً لاستقرار الشرق الأوسط بأسره.

من ثمّ، يبدو مستقبل العلاقات المصرية–السورية مفتوحاً على تساؤلات أكثر من الإجابات، إذ ترى القاهرة أن هذا المستقبل يرتبط بعدد من العوامل التي تسعى إلى ضبط محدداتها ضمن توازنات دقيقة بين الفاعلين الإقليميين والدوليين، في محاولة لإعادة صياغة النظام الإقليمي العربي على نحوٍ يحافظ على الدولة الوطنية ومؤسساتها الفاعلة.

العلاقات في منظور ديبلوماسي

يوضح السفير حازم خيرت، السفير المصري السابق في سوريا، لـ”963+” أن العلاقات المصرية–السورية بالغة الأهمية، إذ تنعكس بصورة مباشرة على قوة الوطن العربي وتماسكه.

ويلفت إلى أن مصر وسوريا تمثلان جناحي الأمة العربية، مؤكداً أن تعاونهما يشكل ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة بأسرها.

ويشير خيرت إلى أن العلاقات بين البلدين تحتل موقعاً محورياً في النظام العربي، غير أن بعض الخطوات لا تزال مطلوبة من الجانب السوري، مشددًا على أن هذه الخطوات ينبغي أن تُترجم إلى أفعال لا أقوال، حتى تُبنى العلاقات على أسس راسخة من الثقة المتبادلة.

ويبيّن السفير أن هناك بعض الشواغل والتحفّظات المصرية المتعلقة بالأوضاع الداخلية في سوريا، معرباً عن الأمل في أن تتحول الأقوال إلى أفعال ملموسة، وأن تسود الشفافية في التعامل مع مختلف القضايا، داعياً دمشق إلى إبداء حسن النية في الملفات التي تمثل أولوية خاصة لمصر.

ويضيف أن سوريا لم تقدم بعد ما يكفي لتحسين العلاقات الثنائية، لكنه يعرب عن تفاؤله بأن الأوضاع قد تتطور إيجابًا مع مرور الوقت، خاصة وأن دمشق بدأت تخرج من عزلتها وتسعى إلى تحسين علاقاتها مع عدد من الدول العربية.ويقول خيرت: “صحيح أن بعض التصريحات الصادرة في أوقات غير مناسبة أثّرت إلى حدٍّ ما على وتيرة تحسين العلاقات، إلا أنه من المهم مواصلة العمل على تعزيز العلاقات المصرية–السورية، فالشعبان المصري والسوري يرتبطان بعلاقات تاريخية وثيقة، وقد كانا في يوم من الأيام شعباً واحداً”.

ويؤكد خيرت أن بعض التحفظات لا تزال قائمة من الجانب المصري، ولا سيما ما يتعلق بالوضع الداخلي السوري وبنية النظام السياسي هناك، مشدداً على أن الحفاظ على وحدة الأراضي السورية يمثل أولوية قصوى، مع ضرورة تحقيق التآلف بين مختلف مكونات الشعب السوري ومنع أي ممارسات عنف أو تمييز ضد الأقليات، معتبراً أن ذلك من صميم مسؤولية الدولة السورية.

ويختم السفير المصري السابق في تل أبيب بالإشارة إلى أن تحسن العلاقات بين القاهرة ودمشق مرهون بمدى التزام الجانب السوري بتحويل الأقوال إلى أفعال تثبت حسن النية، مؤكداً أن مصر منفتحة على جميع الدول العربية وتسعى إلى علاقات قائمة على التعاون والاحترام المتبادل، لكن تحقيق ذلك يتطلب خطوات عملية من الطرفين.

الموقف من التدخلات الإسرائيلية

وفيما يتعلق بالتدخلات الإسرائيلية في الأراضي السورية، يؤكد خيرت أن “موقف مصر ثابت وواضح، فهي تدين وتستنكر أي تدخل إسرائيلي في سوريا، ولا سيما ما يتعلق باحتلال بعض القرى الحدودية ومنطقة الجولان المحتلة”.

ويشير إلى أن موقف مصر راسخ في هذا الشأن، إذ تطالب بانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية التي احتلتها في الخامس من يونيو عام 1967.ويختتم خيرت تصريحه مؤكداً أن موقف القاهرة من القضية السورية، وخاصة فيما يتصل بالتعامل مع إسرائيل، واضح وصريح، مشددًا على أن مصر لن تتخلى عن دعم سوريا الشقيقة في مواجهة أي اعتداءات تمس سيادتها ووحدة أراضيها.

البعد الشعبي والثقافي

خلال الأشهر الأخيرة، تعددت تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع التي تناولت علاقات بلاده مع مصر، مشيرًا في أكثر من مناسبة إلى ما وصفه بـ”الروابط التاريخية والأخوية” بين دمشق والقاهرة، ومؤكداً أن “سوريا ومصر جناحان لعالمٍ عربيٍّ واحدٍ لا ينهض أحدهما دون الآخر”.

وفي زيارته الأخيرة للعاصمة السعودية الرياض، أثار الشرع جدلاً واسعاً عندما أشار إلى أن “وتيرة التطور في مصر ما زالت أبطأ من نظيراتها في دول الخليج”.

من جانبه، يرى الكاتب السوري زياد الريس، في حديثه لـ”963+”، أن العلاقات السورية–المصرية متينة وضاربة الجذور في التاريخ، تربط “الشقيق الأكبر” مصر بسوريا.ويؤكد الريس أن هذه العلاقة متميزة عبر العصور بين شعبي البلدين، ولم تتبدل بتغير الأنظمة أو الحكّام، إذ لم تصل إلى مرحلة القطيعة حتى خلال عهد نظام الأسد.

ويشير إلى أن حالات التوتر التي شهدتها السنوات الماضية نتيجة الحرب في سوريا وما رافقها من ظروف معقدة، لم تمس طبيعة العلاقة الشعبية بين البلدين، إذ ينظر الشعب السوري إلى المصريين نظرة الأخ لأخيه، ويُكنّ لهم تقديراً كبيراً لاستضافتهم مئات الآلاف من السوريين الذين يعيشون في مصر وكأنهم في وطنهم.

ويضيف الريس أن العلاقات بين البلدين تتجه نحو مزيد من التميز والتقارب، لاسيما في ظل مرحلة إعادة بناء الدولة السورية ومؤسساتها، مشيراً إلى أن الدول ذات النفوذ في المنطقة، وفي مقدمتها مصر، ترى أن سوريا بحاجة إلى التعافي السريع واستكمال بناء مؤسساتها وبسط سيادتها على كامل أراضيها.

ويؤكد أن تباطؤ التعاون الاقتصادي أو السياحي بين البلدين أمر طبيعي في ظل الظروف الراهنة، لكنه يتوقع تحسنًا ملحوظًا في الأشهر المقبلة.

ويقول: “كنت في دمشق قبل يومين، ولاحظت وجود بضائع مصرية في الأسواق السورية من خضار وفواكه وسلع أخرى، وهو مؤشر إيجابي على عودة النشاط التجاري بين البلدين”.

ويتابع الريس: “لا يستطيع أحد أن يفرض على شعبي البلدين التباعد، فالعلاقة بينهما علاقة أخوّة ووحدة تمتد لآلاف السنين، وليست وليدة اللحظة أو نتيجة ظرف سياسي أو اقتصادي طارئ. إنها علاقة تآخٍ عربي متجذّرة كما هو الحال بين شعوب الأمة العربية كافة”.

ويشير المصدر ذاته إلى وجود ملفات مشتركة عديدة تجمع بين مصر وسوريا، أبرزها مكافحة التطرف والإرهاب، إضافة إلى قضايا الاستقرار الإقليمي، والملف الفلسطيني، والوضع في لبنان، مؤكدًا أن البلدين يتشاركان الرؤية تجاه هذه القضايا.

ويلفت إلى أن مصر “تقود الدفّة الإقليمية بقوة، خصوصًا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية”.

ويختم زياد الريس بالقول: “سوريا لن تتراجع عن مواقفها العربية الثابتة، وستواصل دعمها للشعب الفلسطيني إلى جانب أشقائها في مصر والدول العربية الساعية إلى تحرير فلسطين من نير الاحتلال. العلاقة بين مصر وسوريا ستبقى نموذجاً لوحدة المصير العربي المشترك”.

توازن المصالح

تنظر القاهرة إلى علاقاتها مع دمشق في هذه المرحلة من زوايا متعددة، لعل أبرزها تداخل الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية. فالقاهرة ترى في دمشق ركيزة أساسية في معادلة الأمن والاستقرار، وبوابةً لفهم ديناميات الصراع الإقليمي وتقاطعات النفوذ بين القوى الدولية والإقليمية.

من جهته، يرى الأكاديمي المصري المتخصص في شؤون الشرق الأوسط خيري عمر، في حديثه لـ”963+” أن العلاقات المصرية–السورية تتحرك ضمن ثلاثة سياقات رئيسية: “السياق الأول: الحرب الجارية على غزة وآفاق تسويتها المستقبلية، إذ تشكّل هذه الحرب محدداً رئيسياً لطبيعة العلاقات الإقليمية”.

ويعتقد عمر أنه في حال اتجهت الأمور نحو تسوية سلمية وإقامة الدولة الفلسطينية، فستكون أولوية السياسة المصرية تثبيت الحلول المنبثقة عن اتفاق شرم الشيخ، باعتبار أن ضمان هذه النقطة يمثل جوهر الاهتمام المصري في السياسة الخارجية.

وبناءً على ذلك، فإن نجاح الاتفاق يمكن أن يفتح الباب للحديث عن السلام الإقليمي بوصفه مدخلًا لتأمين المصالح المصرية في منطقة الشام.

أما السياق الثاني بحسب عمر فهو: “الوضع الأمني في سوريا، في ظل تراجع احتمالات استعادة الدولة السورية لعافيتها في المدى المنظور، وغياب سياسة واضحة لبناء الجيش وأجهزة الأمن أو تحديد السياسات العامة”.

ويرى عمر أن هذا الغموض “يمثل عاملاً مؤثراً في العلاقة بين البلدين، حيث تركز القاهرة على ضرورة تحديد العقيدة العسكرية للجيش السوري وآليات التعامل مع المقاتلين الأجانب، وهي قضية تثير قلقاً مصرياً واضحاً”.

وفيما يتعلق بالسياق الثالث فهو: “توجهات السياسة الخارجية السورية المستقبلية. فخلال مرحلة حزب البعث وما بعد الاستقلال، كانت سوريا منخرطة في الإطار العربي ومهتمة بالأمن القومي المشترك، مع ميل واضح نحو التحالف مع روسيا”.

غير أن المشهد الراهن، بحسب عمر، يشير إلى ميل متزايد نحو الاندماج في المشاريع الأميركية، إذ تمثل الحكومة المؤقتة – برأيه – إحدى أدوات السياسة الأميركية لإعادة هندسة الشرق الأوسط.

ويرى عمر أن سوريا تمثل بالنسبة للسياسة المصرية منطقة فراغ استراتيجي يصعب الاطمئنان إلى استقرارها، خاصة مع تصاعد النفوذ الأميركي وسعي واشنطن إلى جعل أي تطور في سوريا خاضعًا بالكامل لسياساتها، حتى وإن تعارض ذلك مع مصالح دول الجوار.

+963

—————————————-

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى