تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

مقالان تناولا موقف الاتحاد الأوروبي من سوريا

مقاربة الاتحاد الأوروبي للمستجدات السورية.. الدعم مع استمرار “اليقظة والمراقبة”/ سامر سيف الدين

30 أكتوبر 2025

منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، كثّف الاتحاد الأوروبي تواصله الدبلوماسي مع الحكومة الانتقالية في دمشق، بما في ذلك الزيارات رفيعة المستوى، والمؤتمرات الوزارية، والاجتماعات المستمرة في سوريا وعدة أماكن من العالم، وكان بارزًا الطابع الأمني للعديد من هذه اللقاءات. فما الذي تريد أوربا ​​تحقيقه في ظل هذه المرحلة الانتقالية الهشة في سوريا، وهل يعكس هذا قوة متزايدة لسوريا على المستوى الدولي، أم هي المخاوف من أن تُصبح سوريا مركزًا للإرهاب، والذي قد يُغذي الهجمات في أوروبا؟

هواجس أوروبا الأمنية

للاتحاد الأوربي مروحة واسعة من الأهداف يسعى لتحقيقها عبر تعاونه الأمني مع السوريين، منها هو مرتبط بالنظام السابق كتدمير الأسلحة الكيميائية، حيث يؤكد الأوروبيون بشكل مُتكرر على ضرورة التعاون الكامل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لتدمير مخزونات عهد الأسد. إلى جانب التحقيقات في اختفاء أكثر من 150 ألف شخص وتحقيق العدالة الانتقالية في جرائم الحرب. كما يحاول الأوروبيون حث دمشق على الابتعاد عن روسيا/ إيران للحد من التهديدات الخارجية، ومراعاة المخاوف الأمنية الإسرائيلية، تمهيدًا للتطبيع معها (إدخال سوريا ضمن ما يدعى الاتفاقيات الإبراهيمية).

وتبقى جهود مكافحة داعش، واحدة من أولويات أوروبا والولايات المتحدة على السواء، وقد شهدت الأيام الأخيرة أكثر من تعاون ناجح مع الجيش السوري في عمليات وُصف بعضها بالنوعي. وفي نفس السياق يبقى مصير الآلاف من “المجاهدين” الأجانب وعائلاتهم أحد أهم هواجس أوروبا والغرب وحتى الصين، حيث زاد الاتحاد الأوروبي من تعاونه الأمني ولاستخباراتي مع حكومة الشرع بهدف تبادل المعلومات حول المقاتلين الأوروبيين الذين دخلوا أو مرّوا عبر سوريا، وخاصة المنتمين إلى “داعش” والتنظيمات المتشددة. وكذلك معرفة أماكن وجود المقاتلين الأجانب وعائلاتهم في السجون أو المخيمات السورية (خصوصًا في الشمال الشرقي). وتبحث بعض الدول الأوروبية ترتيبات مع دمشق (مباشرة أو غير مباشرة) لعودة المقاتلين لمحاكمتهم، أو لضمان عدم إطلاق سراحهم دون رقابة، والتأكد من منع تجدد نشاطهم على الأراضي السورية، وأخذ ضمانات من دمشق بألا تكون سوريا قاعدة لانطلاق المقاتلين نحو أوروبا.

ويرى محللون أن بعض الدول الأوروبية ترى التعاون مع دمشق في هذا الملف مدخلًا تدريجيًا لتطبيع محدود أو لإعادة فتح قنوات الاتصال الرسمية، ويربط الاتحاد الأوروبي رفع العقوبات الكاملة (الذي بدأ في 2025) بإثباتات ملموسة، مثل التعاون مع OPCW ومنظمات الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب.

أما الأهداف المتعلقة بالنظام الجديد فتسعى دول الاتحاد (وخاصة التي تستضيف أعداد كبيرة من اللاجئين كألمانيا) إلى تعزيز الضوابط للحد من الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، بما في ذلك عودة اللاجئين السوريين في ظروف آمنة وطوعية، وفي هذا السياق وقعت ألمانيا اتفاقًا مع دمشق لإرجاع اللاجئين المتهمين بارتكاب الجرائم، أو الذين رُفضت طلبات لجوئهم، إلى سوريا.

كذلك الإصرار على عملية انتقال سياسي وفقًا لقرار الأمم المتحدة رقم 2254، تشمل جميع المجموعات العرقية/ الدينية لمنع العنف الطائفي (مثل أحداث الساحل في وأحداث السويداء). وتطالب أوروبا بمشاركة المرأة، وإشراك المجتمع المدني، وفصل السلطات. وتؤكد أنالينا بيربوك (وزيرة خارجية ألمانيا السابقة): “سوريا ذات سيادة وآمنة تتماشى مع مصالح أوروبا”.

اليقظة النشطة

حث المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) على “اليقظة النشطة” وتخفيف العقوبات لتحقيق الاستقرار في سوريا، ومواجهة النفوذ الروسي، وتمكين عودة اللاجئين. ويطالب هيئة تحرير الشام بإثبات شموليتها من خلال حوكمة متنوعة؛ ويحذر من الإفراط في الاعتماد على “نجاحات” إدلب. ويوصي المجلس بتقديم مساعدات تزيد عن 2.5 مليار يورو للمنظمات غير الحكومية المعنية بحقوق المرأة ومكافحة التطرف، معتبرًا أن ترسيخ هيئة تحرير الشام لنفوذها محفوف بالمخاطر ولكنه ممكن بفضل نفوذ الاتحاد الأوروبي.

ويرى برنامج كارنيغي أوروبا/ الشرق الأوسط فرصةً في الإشارات البراغماتية لهيئة تحرير الشام (مثل تعهدات التنوع)، لكنه يُشدد على أهمية المراقبة لمنع حكمٍ أشبه بالخلافة. وبرأي نادين ماينزا (مدافعة عن حقوق الأقليات): “لا يُمكن لسوريا أن تنجح إلا بإشراك جميع الطوائف الدينية والعرقية.”

كذلك تدعو مجموعة الأزمات الدولية الاتحاد الأوروبي إلى زيادة مساعداته الإنسانية، مع ربط الدعم بشمولية هيئة تحرير الشام وخطواتها في مكافحة التطرف. ويُحذر من الضغوط الإسرائيلية/ التركية التي تُفاقم عدم الاستقرار؛ ويُوصي بالحوار لتعزيز الثقة في الحكومة الانتقالية في دمشق.

وتصور مؤسسة هاينريش بول سياسة الاتحاد الأوروبي على أنها “ضرورةٌ للأمن الإنساني”، وترى ضرورة رفع العقوبات من أجل التعافي، مع تأجيل شطب هيئة تحرير الشام من قائمة المنظمات الإرهابية حتى تُؤكد “منظمات الشتات السورية” غير الحكومية الإصلاحات. وتنتقد غموض الاتحاد الأوروبي بشأن هيئة تحرير الشام، مُعتبرة إياه “مأزقًا قانونيًا” يُعيق التعاون. وكانت كايا كالاس (الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي) قد قالت بعد اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة مع الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في سبتمبر/ أيلول 2025: “لم يعد بإمكان العقوبات عرقلة التعافي… لكننا نحافظ على ] التدابير[ الأمنية”.

وأكدت كلامها أورسولا فون دير لاين (رئيسة المفوضية الأوروبية) قائلة: “على أوروبا أن تكون قوية… لحماية [مستقبلها]، نحن على استعداد لدعم انتقال سلمي وشامل”. أما جوليان بارنز- داسي (مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية) فقال: “هيئة تحرير الشام مُثقلة بالمشاكل، وعلى الأوروبيين أن يتدخلوا لتحقيق الاستقرار قبل ضياع الفرصة”.

يعطي الخطاب الرسمي الأوروبي الأولوية للانخراط المشروط. ويمكن القول أن استراتيجيه أوروبا قائمة على الحوافز، أي دعم الانتقال لتحقيق مكاسب أمنية متبادلة، مع المطالبة بإصلاحات لهيئة تحرير الشام تتماشى مع قيم الاتحاد الأوروبي.

وبعد حوالي السنة على بدء الاتصال بين الاتحاد الأوروبي والحكومة السورية الانتقالية يمكن القول إن الكثير قد تحقق كتخفيف العقوبات، وتعهدات المساعدات، إلا أن نقاط الضعف مثل التوترات الطائفية لا تزال قائمة، الأمر الذي يتطلب اليقظة المستدامة كما يرى الأوروبيون.

تطالب أوروبا بالتحول من الأصول الجهادية لهيئة تحرير الشام (التي كانت مرتبطة سابقًا بتنظيم القاعدة) إلى سلطة معتدلة وشاملة، خالية من التطرف. وتشمل المطالب كل من حقوق الإنسان وحماية الأقليات وضمانات لحرية التعبير والدين وحقوق المرأة؛ ووقف القيود (مثل قواعد اللباس ومصادرة الممتلكات)؛ والتحقيق والمحاسبة الصارمة في الانتهاكات التي حدثت في الساحل والسويداء.

وبحسب المحللين يُنذر الفشل بإعادة فرض العقوبات أو العزل، كما يتضح من احتفاظ الاتحاد الأوروبي بالتدابير الأمنية. ويجمع هؤلاء على أن مشاركة الاتحاد الأوروبي تُمثل “فرصة ثانية” لاستقرار الشرق الأوسط، ولكن يجب على هيئة تحرير الشام أن تتطور إلى ما هو أبعد من الجهادية لتستحق الدعم الكامل.

الترا سوريا

———————————————

البراغماتية الحذرة: استراتيجية أوروبا الجديدة تجاه سوريا/ رامي شفيق

2025-10-29

شهدت العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والحكومة الانتقالية في دمشق خلال العام الأخير تحوّلاً تدريجياً يعكس بوضوح طبيعة المقاربة الأوروبية الجديدة تجاه الملف السوري. إذ انتقلت أوروبا من مرحلة الدعم المفتوح إلى سياسةٍ أكثر حذرًا وانتقائية، تتوازن فيها الطموحات السياسية مع الهواجس الأمنية والإنسانية، ضمن ما يمكن وصفه بـ”البراغماتية الهادئة”.

تحوّل في النهج الأوروبي

في البداية، ساد تفاؤلٌ ملحوظ في العواصم الأوروبية عقب تشكيل الحكومة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع. كان الرهان الأوروبي يقوم على أن هذه الحكومة قد تشكّل نقطة توازن جديدة داخل سوريا، تمنع انهيار الخدمات وتحدّ من تمدد الفوضى والتنظيمات المتطرفة، مع قدرةٍ محتملة على ضبط الفصائل المتصارعة.

غير أنّ هذا التفاؤل لم يستمر طويلاً. فمع مرور الوقت، أعادت دوائر صنع القرار الأوروبية تقييم أدائها السياسي والإداري، خصوصاً بعد أحداث الساحل والسويداء التي زادت من هشاشة المناخ الداخلي. وهنا بدأت مرحلة المراجعة الشاملة التي أفضت إلى ما يمكن تسميته بسياسة “إعادة الضبط”، إذ أعادت أوروبا تصميم برامج المساعدات وآليات التواصل وربطت أي دعمٍ جديد بوضوح الأداء ونتائجه الملموسة.

من الحماس إلى البراغماتية

تصف المستشارة الأولى في منصة “ديفاكتو” السورية، زوزان علوش، هذا التحوّل بثلاث مراحل متعاقبة: الدعم المفتوح، إعادة الضبط، ثم البراغماتية الهادئة.

وتقول علوش لـ”963+” إن الاتحاد الأوروبي لم يتعامل مع الملف السوري بخطٍ واحد، بل مرّ بموجات من التفاؤل الحذر ثم الواقعية الباردة. فبعد انقضاء مرحلة الدعم السياسي شبه الكامل، تراجعت الحماسة الأوروبية لتفسح المجال أمام مقاربةٍ أكثر عقلانية تركّز على “الضبط لا الانخراط” و”الاستقرار لا التغيير”.

وفي هذه المرحلة الثالثة، أصبح الموقف الأوروبي يقوم على الدعم الانتقائي المرن. فبدل مرافقة الحكومة سياسياً، تحوّل الهدف إلى الحفاظ على حدٍّ أدنى من الاستقرار ومنع الانهيار، مع التركيز على ملفاتٍ محددة مثل الخدمات الأساسية، التهدئة الأمنية، والحوكمة المحلية.

تبدّل الأولويات الأوروبية

ترى علوش أن القاسم المشترك بين العواصم الأوروبية اليوم هو أن أوروبا لم تعد تبحث عن انتصارات سياسية داخل سوريا، بل عن تقليل المخاطر القادمة من خارج حدودها. وتتركز سياساتها حول ثلاثة محاور رئيسية: “منع تدفق اللاجئين إلى أوروبا. احتواء التطرف ومنع تمدده. ضمان استقرار الجوار الجنوبي”. وبذلك، أصبح الهدف العملي هو إبقاء ما يجري في سوريا بعيداً عن التأثير المباشر على الداخل الأوروبي.

ورغم أن الاتحاد الأوروبي يتحدث بصوتٍ واحد في العلن، فإن المواقف الوطنية تختلف بوضوح.

ففرنسا، مثلاً، تبنّت موقفاً أكثر انفتاحاً تجاه القوى المحلية في شمال وشرق البلاد، معتبرةً أن إشراك تلك المناطق في نموذج حوكمةٍ جديدة هو الطريق الأكثر واقعية نحو الاستقرار. أما ألمانيا فاختارت نهجاً أكثر هدوءاً وحذراً، يركّز على الجوانب الإنسانية والخدمية، مع حرصٍ على تجنّب التصادم السياسي المباشر. وتتعامل برلين مع الحكومة الانتقالية بوصفها اختباراً طويل الأمد، تُقيّم نجاحه من خلال أداء المؤسسات والخدمات لا من خلال الخطابات السياسية.

الدعم المشروط والنتائج المحدودة

تؤكد علوش أن الدعم الأوروبي لم يكن في أي وقتٍ دعماً مطلقاً أو غير مشروط. فقد منحت أوروبا الحكومة الانتقالية فرصة لإثبات قدرتها على ضبط الأمن وتحسين الخدمات، لكنها وجدت أن النتائج جاءت دون سقف التوقعات.

فالتوترات التي شهدتها بعض المناطق، مثل الساحل والسويداء، كشفت محدودية قدرة الحكومة على فرض نموذج حوكمةٍ مستقر، ما دفع الأوروبيين إلى تبنّي سياسة “الحذر البنّاء” بدلاً من “الدعم الكامل”.

وتضيف علوش أن أوروبا، سياسياً، تسعى إلى رؤية حكومة انتقالية مستقرة ومؤسساتٍ قادرة على العمل، لكنها لا ترغب في الانخراط في معارك داخلية أو في تمويل مشروعٍ مفتوح الأفق. أما إنسانيًا، فهي تركز على تحسين ظروف المعيشة داخل سوريا لتقليل دوافع الهجرة، وتعتبر دعم الخدمات الأساسية خط الدفاع الأول ضد الفقر والتطرف. وعلى المدى المتوسط، تطمح أوروبا إلى تحويل الحكومة الانتقالية إلى شريكٍ موثوق يمكن الاعتماد عليه في أي تسوية سورية قادمة.

تحولات في الموقف الأوروبي الرسمي

يؤكد الباحث السوري في الاقتصاد السياسي يونس الكريم في تصريحات لـ”963+” أن زيارات الوفود الأوروبية إلى دمشق شكّلت عاملًا حاسمًا في دفع الاتحاد الأوروبي نحو الاعتراف بانهيار نظام الأسد، وهو ما مهّد لاحقًا لاتخاذ خطواتٍ جدّية باتجاه الاعتراف بالحكومة الجديدة.

ويرى الكريم أن هذه الزيارات أدت إلى تسريع وتيرة الحراك السياسي داخل القوى العسكرية التي أسقطت النظام، كما أسهمت في تحفيز رفعٍ تدريجي للعقوبات الأوروبية المفروضة على سوريا.

ورغم أن العقوبات لم تُرفع بالكامل، فإن المؤشرات الحالية تدلّ على تخفيفٍ واضح عنها، ما يعكس تحوّلًا سياسيًا يعبر عن رغبة أوروبية في التعامل مع الواقع الجديد في دمشق.

انعكاسات داخلية وخارجية

يضيف الكريم أن تخفيف العقوبات كان له أثر مباشر على السوريين في أوروبا وخارجها، إذ دفع كثيرين منهم — من المجنَّسين واللاجئين — إلى الانخراط في النشاط السياسي والعودة للمشاركة في العملية السياسية داخل البلاد. كما شهدت الجاليات السورية في أوروبا زيادة في تأسيس الجمعيات المدنية والسياسية واتساع نطاق نشاطها المجتمعي والمؤسساتي.

وبحسب الكريم، فإن دلالات هذا التحول واضحة: أوروبا بدأت الاعتراف التدريجي بالحكومة الشرعية الجديدة، وسعت إلى تحويلها من كيانٍ ذي طابع إنقاذي أو جهادي إلى حكومة مدنية، عبر تقديم حوافز سياسية واقتصادية تشجعها على ترسيخ مؤسسات الدولة على أسس قانونية وإدارية.

ويشير إلى أن الخطاب الأوروبي تحوّل من سياسة “العقوبات والمقاطعة” إلى أسلوبٍ يقوم على الشروط والتفاوض، تُوج بزياراتٍ رسمية لأحمد الشرع وعددٍ من وزرائه إلى دولٍ أوروبية ومشاركاتٍ في منتدياتٍ دولية. وأسهم ذلك في دفع الحكومة الجديدة نحو قبول بعض الشروط الأوروبية وتقديم تنازلاتٍ محددة، الأمر الذي عكس تغيرًا ملموسًا في الأداء السياسي.

بين البراغماتية والاستراتيجية

يؤكد الكريم أن الانخراط الأوروبي مع الحكومة السورية الانتقالية يتجاوز حدود التطبيع السياسي، ليصل إلى مستوى الشراكة الأمنية والاستراتيجية، بهدف مكافحة تنظيم داعش وإعادة تأطير الفكر الجهادي في الداخل السوري. وتسعى أوروبا، وفقًا له، إلى تفكيك البنية الجهادية واستبدالها بمنظومة مدنية تضمن استقرار المؤسسات وترسيخ الدولة على أسسٍ مستدامة.

ويخلص الكريم إلى أن هذا التوجه جزءٌ من استراتيجية أوروبية–أميركية أوسع تهدف إلى ضمّ دمشق إلى محور غربي يوازن النفوذ الروسي والصيني ويحدّ من التمدد الإيراني في المنطقة. فبإعادة تأهيل الحكومة الجديدة ضمن منظومةٍ مدنية، يمكن لدمشق أن تتحول من ساحة نفوذ خارجي إلى فاعلٍ سياسي وأمني في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية.

تباين أوروبي وحذر دائم

من جانبه، يرى الباحث في مركز عمران للدراسات فاضل خانجي في تصريحات لـ”963+” أن الانخراط الأوروبي مع دمشق جاء متزامنًا مع الزخم الإقليمي المتزايد تجاهها. ويؤكد أن رفع العقوبات عن سوريا تم بعد أشهرٍ من سياسة “الانتظار والترقب”، بالتوازي مع تبلورٍ نسبي في الموقف الأميركي من الأزمة.

لكن أوروبا ـ بحسب خانجي ـ لم تنجح في استخدام ملف رفع العقوبات كورقة ضغط لإخراج روسيا من سوريا، إذ فضّلت دمشق الحفاظ على علاقتها مع موسكو، مع إبقاء الاتفاقيات السابقة معلّقة إلى حين توفر الظروف المناسبة.

أما الباحث طه عبد الواحد، فيرى أن الأوروبيين لا يملكون رؤية موحدة تجاه سوريا، وأن تصريحات بعض المسؤولين ـ كحديث رئيسة المفوضية الأوروبية عن ضرورة إبعاد الروس مقابل رفع العقوبات ـ تعبّر عن نزعة إملائية لا تنسجم مع مبدأ السيادة الوطنية. ومع ذلك، يؤكد أن أوروبا لم تتوقف عن محاولات إعادة بناء قنوات الاتصال مع دمشق، ما يدلّ على حرصها على البقاء لاعبًا فاعلًا في الملف السوري أسوةً بالقوى الدولية الأخرى.

الواقعية الأوروبية بين الأمن والسياسة

تتفق معظم القراءات على أن الاستراتيجية الأوروبية تجاه سوريا اليوم تقوم على الواقعية السياسية، لا على المثالية أو الرغبة في التغيير الجذري. فالاتحاد الأوروبي بات يرى في استقرار سوريا ـ ولو بحدّه الأدنى ـ قضية أمنٍ داخلي، أكثر من كونه ملفاً دبلوماسياً أو إنسانياً.

وبينما تبقى الأبواب مفتوحة أمام الحوار والدعم، تؤكد أوروبا أن استمرار المساندة مرهونٌ بتحقيق نتائج ملموسة يشعر بها السوريون قبل المانحين، وأن زمن الدعم المفتوح قد انتهى لتحلّ مكانه براغماتية جديدة تُوازن بين الاستقرار والمصلحة.

+963

————————–

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى