منوعات

مهلاً… الفولكلور ليس عملاً مدنياً/ أنس مراد

28 أكتوبر 2025

في سياق التحوّلات المعرفية التي شهدها منتصف القرن التاسع عشر، صاغ الباحث الإنجليزي ويليام جون ثومس مصطلح “الفولكلور” (Folklore)، مركباً إياه من دالّيَن إبستمولوجيين: “فولك” (Folk)، الذي لا يشير فحسب إلى “الشعب” بل إلى أية “مجموعة اجتماعية” تتشارك عاملاً موحِّداً (كالدين، اللغة، المهنة، أو الموقع الجغرافي)، و”لور” (Lore)، التي تعني مجموع المعارف أو الحكمة التقليدية. ليتأسس المصطلح على دلالة “حكمة الجماعة التقليدية” أو “الثقافة التعبيرية المنقولة لا رسمياً”؛ وهي مأثورات تتسم بالديناميكية الشفوية أو التناقل عبر المحاكاة، ويغلب عليها طابع المجهولية في المنشأ والتحوّل الجماعي عبر الزمن.

كان إرساء هذا المصطلح بمثابة حجر الزاوية لتأسيس “علم الفولكلور” (Folkloristics) أو “دراسات التراث الشعبي” كتخصص أكاديمي. يتميّز هذا التخصص بتركيزه الحاد على الثقافة المنقولة تقليدياً وغير رسمياً، ما يجعله فرعاً معرفياً دقيقاً يختلف عن مفهوم التراث الأعم. فالتراث، بمفهومه الشامل، هو الميراث الحضاري الكلي (المادي واللامادي) الذي يتصل بالذاكرة الجماعية والقضايا الهوياتية، في حين يقتصر الفولكلور على المأثورات التي تخضع لعملية الانتشار التقليدي داخل الجماعة. بالتالي، كل فولكلور هو تراث، لكن ليس كل موروث (مبنى أثري، وثيقة رسمية، أو قانون مكتوب) يندرج تحت المسمى الفولكلوري.

ينتمي علم الفولكلور إلى حقل الدراسات الإنسانية والاجتماعية البينية، حيث يقيم توتراً تخصصياً بين الأنثروبولوجيا (في مناهجها الإثنوغرافية والسياقية)، والأدب المقارن (في تحليل النصوص الشفوية السردية)، وعلم الاجتماع (في دراسة الوظيفة الاجتماعية للأداء الشعبي). وتتفرع الدراسة الفولكلورية إلى محاور محددة تشمل الأدب الشعبي (السرد، الأمثال، الألغاز)، والثقافة المادية (الحرف، الأزياء، العمارة الشعبية)، والفنون الأدائية (الرقص والموسيقى)، والعادات والطقوس (المناسبات والاحتفالات)، والمعتقدات الشعبية (الطب الشعبي، الخرافات).

يواجه علم الفولكلور تحدياً على المستوى الأكاديمي العالمي، حيث تدور نقاشات نقدية عميقة حول مصير علم الفولكلور كتخصص مستقل، وتزداد المخاوف من احتمالية زواله أو ذوبانه المنهجي، على غرار مصير فقه اللغة (Philology) الذي تم استيعابه منهجياً في حقول أوسع كعلم اللغة والدراسات الثقافية. يكمن التحدي الإبستمولوجي لعلم الفولكلور في قدرته على الحفاظ على منهجيته الفريدة، التي ترتكز بشكل أساسي على العمل الميداني الموثَّق بعمق وتطبيق نظريات الأداء والسياق، بدلاً من الاكتفاء بالجمع التوثيقي أو التحليلي النصي.

في السياق السوري، يتجلى التآكل المنهجي واضحاً، حيث تحوّل الدور البحثي الأكاديمي إلى مجرد “أداء ثقافي” أو بالأصح “نشاط مدني”، حيث يتم استبدال الباحث الفولكلوري المتخصص بـ “ناشط المجتمع المدني”، الذي يركز على الرصد الإسعافي والتوثيق السطحي، متجاهلاً العمق الإثنوغرافي. هذا يؤدي في كل لحظة إلى التسليع الثقافي ومسرحة التراث في فضاءات الاحتفال، حيث يصبح الأداء استعراضياً وبديلاً عن التحليل العميق وعلامة على الاستهلاك الثقافي لا أكثر. يشير هذا التحوّل إلى فراغ مؤسساتي حاد وإخفاق في واجب الرعاية من السلطة الثقافية الرسمية ممثلة بوزارة الثقافة؛ فعندما يتم التخلي عن المسؤوليات المنهجية لصالح مقاربات ونشاطات منظماتية تحركها سياقات التمويل وتفتقر إلى المرجعية الأكاديمية، متقصدة خطف اللحظة والموضوع الجذّاب، فهذا دليل عدم اكتراث وفقد المنهجية بالتعامل مع مواضيع بغاية الأهمية كالفولكلور.

الإرث الفولكلوري السوري، الذي تعرّض على مدار الخمسة عشر عاماً الماضية لعمليات تفتيت وتهشيم ممنهجة بفعل الكوارث والصراعات، لطالما تطلب تدخلاً إنقاذياً ببعد أكاديمي دقيق. وفي هذا الإطار، لابد من المرور على بعض المحاولات التي حاولت الإحاطة بتقاليد سورية الموسيقية، منها كتاب “الموسيقا التقليدية في سورية” للدكتور حسان عباس، الذي تم بدعم من مؤسسات دولية مثل اليونسكو، فبالرغم من القيمة التي من المفترض أن تتصف بالإيجابية لهذا الكتاب وخاصة في رصد التنوع الموسيقي والتحذير من ضياعه، إلا أنه أفضى لمخرجات قاصرة، ولا تغطي عمق الحاجة السورية، بدلاً من أن يكون نتاجاً لـ عمل إثنوغرافي معمّق يعتمد على مختصين أكفاء. هذا القصور المنهجي أفضى إلى تبسيط واختصار في التعامل مع المادة الموثّقة، مُركّزاً على الاستثمار السريع لجاذبية الموضوع بدلاً من التحقيق السياقي والتاريخي الشامل. يأتي بعد كتاب “الموسيقى التقليدية في سورية” مشروع “الخارطة الموسيقية السورية” وهو مشروع ثقافي يهدف إلى حفظ وتوثيق ونشر التراث الموسيقي السوري بأشكاله وأصوله المختلفة، وهو متوفر اليوم على شكل منصة رقمية، فبالرغم من المجهودات الكبيرة لإتمام هذا المشروع، إلا أنّ التعامل بطريقة منظماتية بحته، أهمل الممارسة الأكاديمية للتمثيل الفولكلوري.

شأن ذلك كله شأن المشاريع التي تستنسخ حالياً في فعاليات متكررة بدار الأوبرا، مثالاً لاستخدام التراث لتحقيق أهداف مرحلية (كسب الدعم، أو تحقيق الانتشار الإعلامي)، بدلاً من اعتماده كحقل بحثي مستدام.

ليس الفولكلور مجرّد بقايا تاريخية أو آثار ميتة، بل هو نظام وظيفي حركي، وجسر حي يربط الماضي الإشكالي بالحاضر الأكثر إشكالية. إنه يعزّز الدور التشاركي للمأثورات في تأدية وظائف اجتماعية ونفسية حاسمة داخل الجماعة، خاصة في ظل ما نعيشه من ماضٍ امتد منذ انهيار السلطنة العثمانية وحاضر تتزايد خطورته. و

لذلك، يجب ويليق أن ينطلق مشروع الخوض في الفولكلور اللامادي السوري، من منهجية أكاديمية صارمة تتمحور حول تأهيل الكوادر وتدريب باحثين فولكلوريين متخصصين قادرين على تطبيق مناهج الإثنوغرافيا والنقد المقارن، واعتماد التوثيق الموضوعي للوصول إلى غايات عميقة، وتسجيل جوانب حياة المجتمعات السورية المتناقَلة على مدى قرون. وأيضًا يجدر التجريد والتحليل والنظر إلى الفولكلور بموضوعية علمية عالية، وفكّه عن التوظيف الإيديولوجي والسياسي، بما يضمن فصل الحقل الثقافي الإثنولوجي عن أجندات السلطة والصراع.

إتمام هذه المهمة يشكّل اللبنة الأساسية لتمثيل هذا التراث بطريقة ملائمة، تتجاوز التساؤل المزدوج بين “العمق العلمي البحثي” و”التناول المجتمعي البسيط”. فالمادة التراثية هي فرصة حقيقية ثمينة لمد الجسور بين المجتمعات السورية.

يبقى التساؤل النقدي حول عملية “نشر الثقافة وإتاحتها”: هل ما يُعرض حالياً في دار الأوبرا السورية من حفلات تتغنى بالتراث كافٍ (نوعًا وشكلًا)؟ وهل هو موجّه بالفعل لكافة أطياف الشعب السوري؟ وهل يمكن لهذه الفعاليات، في ظل التجزئة الجيوسياسية والأمنية للبلاد، أن تنتقل إلى محافظات ومناطق أخرى؟ أو هل يستطيع أي فرد من أي نقطة على الخريطة السورية أن يأتي إلى دمشق ليحظى بهذه اللحظات من الاستمتاع الثقافي بحرية دون أي خطر؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة تحكم إذا ما كان المشروع الثقافي والتوثيقي الحالي قد ارتقى إلى مستوى الواجب الأكاديمي الذي يليق بتاريخ منطقة جغرافية مثل سورية، بحيث يكون قوة ثقافية جامعة، لا مجرد انعكاس للتحكّم المركزي وتأكيداً على الهشاشة البنيوية للحقل الفولكلوري في سورية.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى