الشرع و المقاتلين الأجانب تحديث 28 تشرين الأول – 07 تشرين الثاني 2025

متابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
الشرع و المقاتلين الأجانب و داعش
————————————
المهاجرون الفرنسيون وإعادة تشكيل الواقع الأمني والعسكري في الشمال السوري/ مهيب الرفاعي
04 نوفمبر 2025
على امتداد سنوات الثورة السورية والحرب التي تلتها، تَبدّلت وظيفة المهاجرين المجاهدين الأجانب من رأس حربةٍ هجومية إلى عبءٍ أمني – قانوني واجتماعي معقّد، لا سيما في المدّة التي خف فيها النشاط العسكري والأمني، واقتصرت العمليات على قصف عسكري من نظام الأسد والطيران الروسي على جيوب فصائل المعارضة المسلحة حينها في الشمال السوري؛ وبالتالي انخرط المقاتلون الأجانب في الحياة المدنية والاجتماعية للمناطق المحررة شمالاً.
فعليّاً، بدأت الموجة الأولى لدخول المقاتلين الأجانب (المهاجرين) سورية مع انفتاح الحدود في 2011–2013، حين تدفّق الآتون بدافع القتال الشرعي إلى بيئات المعارضة، وأسهموا تأسيساً وتوسّعاً في جبهة النصرة ثم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وتشكيلات مرتبطة بالقاعدة؛ وتبدّلت مسمّياتهم الجهادية تبعا للولاءات ولمصادر التمويل والانشقاقات والتغييرات الهرمية والأفقية للفصائل المقاتلة ضد نظام الأسد وضد روسيا وإيران؛ وحتى ضد فصائل مشابهة نتيجة حدوث انشقاقات وتباين في المصالح على الأرض.
مسار زمني
في تلك المرحلة، وخصوصا بين 2012 و2015، راكم المهاجرون سمعةً قتالية صلبة داخل الحواضن الثورية، لا لشدّتهم في الخطوط الأمامية وحسب، بل لابتكارهم وحدات الانغماسيين والعمليات الاقتحامية التي ساعدت في فكّ حصارات وتثبيت مكاسب في الشمال، لا سيما خلال معارك حلب وريف حماه الشمالي. ومع تعمّق حربِ المدن وإطلاق نظام الأسد فكرة القصف بالبراميل المتفجرة، واستجلاب القوات الروسية ووحدات “فاغنر” الخاصة وشرعنة الفصائل الأجنبية الأخرى من قبيل الإيرانية والأفغانية والباكستانية، اتّسعت شرعيةُ حضورهم مؤقتاً. غير أنّ الصدمة العكسية بين 2015 و2018 ، بعد صعود “داعش” وانقلاب البيئة الدولية ضد أي امتداداتٍ عابرةٍ للحدود، دفعت نحو توطينٍ قسري للحركة الجهادية في بقعةٍ أضيق تمتد فقط شمال غرب سورية.
تراجعت هنا الكتلة الأجنبية عدديا وتنظيميا إلى ما دون خمسة آلاف مقاتل مع عائلاتهم إجمالا، منهم من تزوج السوريات من أبناء المنطقة ومنهم من تزوج مهاجرات ومنهم من جاء مع أسرته الأصلية للعيش في مناطق الجهاد والنصرة، وكانوا موزّعين على ما لا يقل عن 15 جنسية (سعوديون، تونسيون، جزائريون، أردنيون، مغاربة، مصريون، سودانيون، كوسوفيون، ألبان، شيشان، بوسنيون، صرب، مقدونيون شماليون، تركستان شرقيون، فرنسيون، ومن الجبل الأسود). بعد 2018، احتكرت هيئة تحرير الشام سابقاً الإطار الأمني والعسكري في إدلب، فأُعيد تشكيل ملف الأجانب داخل نظام ضبط يُميّز بين كتلةٍ متعاونة تُدمَج وظيفيا ضمن غرفة “الفتح المبين”، وأخرى تُعامَل كخطرٍ كامن يُطوَّق بالاعتقالات والتفكيك.
المستوى العملياتي والهرمي
على المستوى العملياتي، تبلورت الخرائط الفعلية للمجموعات الأجنبية على أربعة محاور تمتد من القلمون – البقاع إلى الساحل وجسر الشغور وإدلب وريف حلب، مع بقاء الحزب الإسلامي التركستاني العمود الأكثر ثباتا حيث تموضع في المناطق الوعرة بين جسر الشغور وجبلي الأكراد والتركمان منذ صيف 2013، وتولّى لاحقًا أدوارا نوعية في السيطرة على مطار أبو الظهور والمشاركة في معارك سهل الغاب، ثم الدفاع المتراكم في تلال كبانة. قيادته تعاقبت بين أبو عمر وأبو رضا وأبو إبراهيم منصور التركستاني، وتراوح حضوره (بما في ذلك العائلات) بين 1500 و3000. إلى جانبه، برزت الكتيبة الألبانية، Xhemati Alban وتضم نحو 100–150 مقاتلاً من ألبان كوسوفو ومقدونيا الشمالية ووادي بريشيفا والبوسنة والجبل الأسود، بقيادة يساري جاشاري المعروف حركيا باسم أبو قتادة الألباني، والذي مُنح أدوارا استشارية – تكتيكية مبكرا داخل جبهة النصرة، وكثّف من حضور الكتيبة في التدريب والقنص والتحصين في الساحل وحصار الفوعة – كفريا وفك حصار أحياء من حلب.
أمّا أنصار الإسلام، وهي نواة كردية من سورية والعراق وإيران، فحافظت على ولاء مُعلن لخط القاعدة من دون مبايعة صريحة، وتمركزت في تلال كبانة مع مشاركةٍ أسبق في ريف حماة الشمالي وفك حصار حلب، قبل أن تتقلّص من ذروة 250–350 إلى أقل من مائة عنصر بفعل عدة عوامل، أهمها شحّ التمويل، تبدل الولاءات وانتقال مقاتلين إلى فصائل أكبر ولديها أصول مالية وعسكرية أكبر، وقلة المعارك والتضييق الأمني من قوات نظام الأسد والقوات الروسية، لا سيّما ضد المجموعات الصغيرة.
في الطيف القوقازي، تشكّلت ألوية متعدّدة مثل جيش المهاجرين والأنصار، أجناد القوقاز، جند الشام؛ ثم تعرّضت لتفككٍ تدريجي؛ غادر جزء من أجناد القوقاز إلى أوكرانيا في 2022–2023 بقيادة عبد الحكيم الشيشاني، فيما أُجبر مسلم الشيشاني و70 من مجموعته على الاندماج تحت نقاط الفتح المبين ومغادرة كبانة وجسر الشغور.
من محور آسيا الوسطى، حافظت كتيبة الإمام البخاري، التي تضم حوالي 300 مقاتل، على استقلالية نسبية في ريفي حلب وإدلب، رغم تغيّر قادتها باغتيالات واعتقالات أمنية متقطعة وانشقاقات؛ وظهرت “ملحمة تكتيكال” بوصفها ذراعا تدريبية ناطقة بالروسية تأسست 2016، قدّمت خدمات تكتيكية وحولت مجموعات من هيئة تحرير الشام حينها إلى قوةِ اقتحامٍ منضبطة، وتناوب على قيادتها أبو رفيق الأوزبكي ثم أبو سليمان البيلاروسي قبل أن تستقرّ على قيادة علي الشيشاني بعدد لا يتجاوز 200 مقاتل. شاركت مجموعة “ملحمة تكتيكال” في عمليات التدريب، وقدّمت مع الهيئة تدريبات متقدمة على استخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة من نمط (بي كي سي) و (آر بي جي)، والقتال القريب، والمداهمات، والانسحاب والهجوم، والإسعافات الميدانية، والقتال الليلي، والمسح الطبوغرافي واستخدام وسائط “جي بي إس” لتوجيه المدفعية والصواريخ. ومن أبرز نتائج تلك الجهود، نشوء تشكيلات نخبوية مثل العصائب الحمراء التي تأسّست عام 2018، وخضعت لتدريبات قاسية على يد مدربي “ملحمة تكتيكال”، شملت العمل خلف خطوط العدو وعمليات التسلل التكتيكي، ما عكس توجه الهيئة آنذاك لبناء قوة عسكرية وأمنية احترافية تمكّنها من السيطرة الميدانية والحدودية في شمال غربي سورية.
وعلى الضفة الإيرانية – السنية، نشأت حركة مهاجري أهل السنة في إيران بزعامة ملا عبد الرحمن فتحي، في وضعٍ هجينيٍ بين الانضواء الرمزي تحت “الهيئة”، والحفاظ على علمها ومخيماتها الدعوية وتنظيمها الخاص، وقدّمت قادة بارزين مثل أبو بكر التوحيدي، وملاوي عبد الكريم البلوشي، في معارك إدلب وحماة وحلب. أما الأكثر شراسة فكانت مجموعة “حُرّاس الدين”، وهو تنظيم جهادي سلفي تأسس عام 2018 في شمال غرب سورية بعد انشقاق قيادات من هيئة تحرير الشام ورفضت فك الارتباط بتنظيم القاعدة، وكان أبرز متزعميه أبو همام الشامي ويضم عدة قادة سابقين في جبهة النصرة.
كان تنظيم “حرّاس الدين” آخر مظلةٍ قاعدية صلبة قبل أن تفكّكها حملاتُ أمن الهيئة 2020–2022 عبر اعتقالات طاولت قادة شرعيين وميدانيين (أردنيين ومغاربة وتونسيين ومصريين)، الأمر الذي حوّلها إلى خلايا محلية مُحاصرة ماليا وأمنيا. يتبنّى التنظيم فكر القاعدة ويعارض أي تسويات سياسية أو تعاون مع تركيا، ويعتبر هيئة تحرير الشام حينها منحرفة عن المنهج الجهادي. وينتشر في مناطق محدودة من إدلب وريف اللاذقية وسهل الغاب، ويضم ما بين 1200 و2000 مقاتل بينهم أجانب. ورغم قيامه ببعض العمليات ضد النظام السوري والقوات الروسية، تعرّض لضربات أميركية مكثفة أضعفته وقتلت معظم قياداته. في يناير/ كانون الثاني 2025، أعلن تنظيم حرّاس الدين، إحدى آخر الأذرع المتبقّية لتنظيم القاعدة في سورية، عن حلّ نفسه وإنهاء نشاطه المعلن. غير أن التطورات اللاحقة أظهرت أن الإعلان لم يكن سوى خطوة شكلية، إذ كشفت الغارات الأميركية في فبراير/ شباط 2025 عن استمرار نشاط بعض قياداته وشبكاته المالية في إدلب، تعمل في الخفاء وبأطر محدودة.
ورغم تراجع نفوذه الميداني، ما زالت الولايات المتحدة تعتبر فلول التنظيم أهدافاً ذات أولوية، فنفّذت ضربات دقيقة استهدفت مسؤولين عن التمويل والاتصال. في المقابل، تنظر دمشق إلى التنظيم بوصفه خطراً رمزياً أكثر من كونه عسكرياً، إذ يشكل مجرد وجود كيان مرتبط مباشرة بـ”القاعدة” تحدّياً لخطابها الرسمي القائل إنها استعادت السيطرة الأمنية الكاملة على البلاد.
تحوّلات بنيوية
أعاد هذا التحوّل البنيوي تعريف علاقة الأجانب بالقيادة السورية الجديدة وبهيئة تحرير الشام معا. فبعد سقوط النظام السابق في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، وفق المشهد السياسي المستجدّ، تَشكّلت غرفة إدارة عمليات عسكرية بقيادة الهيئة ضمّت مكونات أجنبية أساسية، مثل الحزب التركستاني وكتائب شيشانية وأجناد الشام، وبات خطاب الرئاسة؛ وفق ما نُقل عن أحمد الشرع في منتصف يناير/ كانون الثاني، يُقارب الملفّ بمزيج من الاعتراف بالمساهمة والترتيب المؤسّسي، حتى طُرحت علنا مداخل تمنح مكافأةً أو جنسيةً للبعض، وتثبيت رتب لقيادات أجنبية داخل الجيش الجديد حيث مُنحت رتب عسكرية لقياديين كالأردني عبد الرحمن حسين الخطيب بدرجة عميد، وعلاء محمد عبد الباقي (مصري)، وعبد العزيز داود خدابرد (إيغوري)، ومولان ترسون عبد الصمد (طاجيكي)، وعمر محمد جفتشي مختار (تركي)، وعبد البشاري خطاب (ألباني)، وزنور البصر عبد الحميد عبد الله الداغستاني قائد جيش المهاجرين والأنصار. لكن هذه النافذة السياسية انغلقت تدريجيا تحت ضغط مجموعة شروط واضحة، مثل عدم تمكين الأجانب من مفاصل الأمن والجيش والحكومة، ومنع تحويل الأراضي السورية منصّةً لأي عملياتٍ أو إعدادٍ خارج الحدود، وعدم مشاركتهم في عمليات مناوئة لحلفاء الإدارة السورية الجديدة.
بالتوازي، أعادت الهيئة ضبط خطابها وأجهزتها؛ من جهادٍ أممي إلى جهاز أمنٍ عام محلي يلتزم وقف إطلاق النار 2020 ويركّز على مكافحة “داعش”، وتفكيك بقايا “القاعدة”، ومنع الكيانات المستقلة خلف ستار الهجرة أو التديّن من بناء سلطةٍ اجتماعية موازية.
ضمن هذا الإطار، تعدّدت مآلات المجموعات الأجنبية بين أربعة مسارات متزامنة أكثر من أنها بدائل متنافية. أوّلها الهجرة المعاكسة إلى ميادين نزاع بديلة مثل أفغانستان، مالي/ الساحل، اليمن، أوكرانيا، وقد شوهدت بالفعل موجات صغيرة قوقازية-شيشانية وألبانية تنتقل شمالا-غربا؛ ثانيها التوطين الانتقائي داخل الشمال الغربي عبر وثائقٍ محلية وترتيبات زواج وقرابة مع عائلاتٍ سورية؛ وهذا سيناريو مكلف اجتماعيا وسياسيا ويصطدم برفضٍ شعبي متوقّع وبحساباتٍ لاحقة حول معاملة المليشيات الإيرانية على الضفة الأخرى، ثالثها إعادة التكتل إذا ضعفت قبضةُ الهيئة أو تبدّل ميزان القوى، وهو احتمالٌ تقيّده اليوم البنية الأمنية المحكمة؛ ورابعها التسليم والمحاكمة/ الإعادة عبر قنواتٍ ثنائية، كما في تسليم أبو حنيف الأذري واثني عشر من مجموعته إلى أذربيجان في يونيو/ حزيران 2023، أو عبر تركيا نحو قضاء ومحاكم الدول الأم، مع حزمة إجراءات إعادة تأهيلٍ متفاوتة. بهذه الخلفية، بات الملفّ يُدار على تقاطع خمسة أنظمة قانونية: قضاءٌ وطني للدول الأم (الإرهاب والتمويل والانضمام)، وقانونٌ تركي للعبور غير النظامي والترحيل، ومحاكم شرعية محلية في إدلب بلا اعتراف دولي، ولكن بسلطة فعلية، وقرارات أممية (2100 – 2396 وما تلاها) حول المقاتلين الأجانب والوقاية، واتفاقية حقوق الطفل التي تفرض حماية وطنيّة وقضائية للأحداث الذين خلفتهم زيجات المقاتلين من نساء على الأراضي السورية.
أزمة المقاتلين الفرنسيين
أمّا المقاتلون الفرنسيون فمثّلوا حالةً خاصة تتجاوز ثنائيةَ مقاتل/ لاجئ إلى مجتمعٍ مُراقَب. منذ 2013، ارتبطت القصة باسم عمر ديابيه أو “عمر أومسن” وزمرةٍ صغيرة من مراهقين وراشدين قدموا من نيس ومدنٍ أخرى؛ تَحوّلت الفرقة مع الزمن إلى مجتمعٍ مغلق على تلال حارم: فيه عشرات الرجال والنساء وحوالي مائة طفل، ويحوي مدرسة ومسجداً وملاعب وكاميرات وأسوار عالية، ورواية دعوية تُعيد تسويق الهجرة بوصفها خلاصاً أخلاقيا من ظلم فرنسا الصليبية. لم تكن فرقة الغرباء ثابتة بنيويا؛ إذ إن ولاءها الخطابي بقي للقاعدة بينما تسرّبت عناصر نحو “داعش” في 2014، وظهر اسمها علنا بعد 2018 مع غرف “وحَرِّض المؤمنين” ثم “فاثبتوا”، قبل أن تبدأ موجة الاعتقالات والتفكيك 2018–2020، أعقبها إفراج مشروط في 2022 يمنع تشكيل كيانٍ مستقلّ ويُلزم التنسيق مع الفتح المبين.
في الواقع، لم تتوقّف البنية الدعوية – الوصائية داخل المعسكر، حيث سيطرة على النساء والأطفال والزواج والتنقل، ودعاية رقمية منخفضة الذبذبة تُغذّي أسطورة العيش المتديّن داخل إدلب، مع قدرة دفاعية محلية محدودة تمنع اقتحاماً رخيص الكلفة من دون تنسيق أمني – تركي. تعاملت الهيئة مع الملف باعتباره أمناً داخليّاً ونفذت مداهماتٍ دورية، وخطوطاً حمراء على الدعاية والهجرة والوصاية، وتفكيكاً بطيئاً تراكمت مبرّراته بحوادث صغيرة (محاولات فرارٍ عبر الجدار التركي، نزاعات حضانة، مواد مصوّرة تُهاجم محلية الهيئة).
في المقابل، اعتمدت باريس سياسة ثلاثية شملت ملاحقات جنائية استناداً إلى اختصاصٍ خارج الإقليم، إعادة أطفال وأمهات تحت مبدأ المصلحة الفضلى للطفل، وبرامج وقاية ومراقبة داخلية مع تنسيقٍ حدودي مع أنقرة. هكذا انتهى الدور العسكري لفرقة الغرباء فعليّاً، لكن وظيفتها الاجتماعية – الرمزية القائمة على سردية بقيت تُعيد إنتاج التعاطف مع مهاجرين جاؤوا لنصرة النساء المسلمات وتحريرهن من ظلم نظام الأسد وبطشه، وهيكل صائب يضبط آلاف القرارات اليومية لعائلاتٍ انقطعت عن فرنسا ولم تندمج في إدلب، وملفّ قانوني مفتوح على تسويات فردية تُدار بين الأمن العام والحدود التركية والقضاء الفرنسي.
تطوّرات مفاجئة
بقيت حالة المهاجرين الجهاديين من أصول فرنسية خاملة، وهناك ادّعاءات أنهم لم ينخرطوا في أية معارك في المدّة الأخيرة، وأصبحوا عبئاً حقيقيّاً على الإدارة الجديدة في دمشق، مع إصرارهم على رفض الاندماج ضمن مبدأ الإدارة الجديدة وانشغلوا بأعمال خارجة عن القانون عموماً لمصالح شخصية لقياداتهم. ومع إعلان إدارة الأمن العام عن تنفيذ حملة أمنية في منطقة حارم تستهدف هذه الكيانات وتضبط وجودها، بات واضحاً أن عملية اقتحام مخيم الفرنسيين في الفردان لم تكن مجرّد استجابة لحادثة جنائية تتعلق بخطف طفلة، بل تمثّل تحوّلاً جوهرياً في نهج السلطة السورية الجديدة تجاه ملفّ المقاتلين الأجانب، فالحملة الأمنية حملت في طياتها أكثر من بُعد: فهي من جهة محاولة لإثبات قدرة الدولة الناشئة على فرض سيادتها على جميع الكيانات المسلحة، بما فيها تلك التي كانت شريكة في إسقاط النظام السابق. ومن جهة ثانية، هي ملاحظة إلى المجتمع الدولي، وخصوصاً باريس وأنقرة، مفادُها بأن القيادة الحالية تتبنّى سياسة تصفير الفوضى في إدلب، عبر إنهاء الكيانات المستقلة التي تمارس سلطة موازية داخل المخيمات. ما جعل العملية أكثر رمزية أنها استهدفت شخصية مثل عمر أومسين، الذي يمثل بالنسبة لدوائر غربية صورة المجاهد الأوروبي الأخير في سورية، وبالنسبة للسلطة الجديدة بقايا ماضٍ تجب تسويته. ومع أن الرواية الرسمية ركّزت على دوافع إنسانية تتعلق بسلامة المدنيين، إلا أن توقيت العملية الذي جاء بعد أسابيع من لقاءات سياسية بين الرئيس أحمد الشرع ومسؤولين غربيين، يشير إلى تلاقي ضرورات الداخل مع شروط الخارج؛ أي القضاء على الجيوب الجهادية غير المنضبطة بوصفها مدخلاً للاعتراف الدولي.
في المقابل، مثّل تضامن الجماعات الإيغورية والشيشانية والأوزبكية مع الفرنسيين تطوّراً ميدانياً بالغ الأهمية، إذ أعاد إحياء شبكة الأخوّة المهاجرة التي كانت في طريقها إلى الاضمحلال خلال الأعوام الأخيرة، ولاسيما بعد أنباء عن بدء تنفيذ اعتقالات طاولت شخصياتٍ مثل أبو دجانة وغيره، فقد أصدر الحزب الإسلامي التركستاني بياناً شديد اللهجة عدّ فيه الاقتحام اعتداءً على جميع المهاجرين، بينما نقلت قنوات قوقازية تسجيلاتٍ لمقاتلين شيشان أعلنوا أنهم لن يسمحوا بتكرار سيناريو الباغوز في إدلب. كما تداولت منصّات أوزبكية محلية رسالة صوتية لأحد قادتها يحذّر فيها من أن الصمت اليوم يعني المداهمة غداً. ويعكس هذا التفاعل العابر للجغرافية إدراكاً عميقاً لدى هذه الجماعات بأن تصفية الغرباء قد تشكّل سابقة تُستنسخ ضدهم لاحقا. ومع أن معظم هذه الفصائل لم تُقدم على تدخّل مباشر، فإن مجرّد إعلانها الاستعداد للتحشيد قرب حارم كان كافيا لإحداث توازن ردعٍ غير معلن أجبر السلطات على قبول هدنة وممرّات إنسانية. ومن منظور تحليلي، يعكس هذا الاصطفاف المبدئي عودة التنسيق بين أطياف الجهاد العالمي في لحظة ما بعد الثورة، ويطرح على السلطة السورية الجديدة معضلة مضاعفة حول كيفية تفكيك البنية الجهادية من دون إشعال صدامٍ أوسع يعيد إدلب إلى مربع الفوضى.
ولا تختبر معركة الفردان بهذا المعنى فقط شرعية الدولة الوليدة، بل أيضاً حدود قدرتها على إدارة ملفّ المهاجرين بين إكراهات الأمن ومتطلبات السياسة الدولية، في منطقةٍ ما زالت تعيش على خطوط تماسٍّ دقيقة بين الولاء القديم والنظام الجديد.
عموماً، ترسم التجربة السورية مسارا مُركّباً لتحوّل المهاجرين من قوّة صادمة إلى كتلةِ إدارةٍ أمنية- قانونية – اجتماعية؛ حيث خفت صوت التشكيلات العابرة للحدود من طموح الجهاد الأممي إلى مشهدٍ شديد المحلية تحكمه هيئة تحرير الشام وقواعد وقف النار ومشروطيات الدعم الخارجي؛ وتحوّل النقاش من مسألة أماكن وجود هؤلاء المقاتلين إلى مسألة كيفية إدارة هذا الوجود وترتيبه، وكيفية حل قضاياهم العائلية والجنائية والوثائقية. وبين انتقالاتٍ محدودة إلى جبهاتٍ أخرى، وتوطينٍ انتقائي، وتسليمٍ ومحاكمات، وبقايا خلايا مكبوحة؛ سيظلّ هذا الملف معلّقاً على توازنٍ دقيق بين كفاءة الضبط المحلي، وحوافز الخروج، وحسابات الدول الأم، وحدود القانون الدولي في التعامل مع مجتمعات صغيرة بقيت ناجيةً من الحرب أكثر منها فاعلة فيها.
العربي الجديد
——————————–
ثغرات في نهج دمشق تجاه المقاتلين الأجانب/ حايد حايد
آخر تحديث 03 نوفمبر 2025
ربما انتهت المواجهة الأخيرة بين قوات الأمن السورية و”فرقة الغرباء” بوقف إطلاق النار. و”فرقة الغرباء” هي فصيل بقيادة جهادي فرنسي متمركز في مخيم حارم بإدلب، إلا أن الأزمة لا تزال بعيدة عن الحل. فما بدأ كعملية لاعتقال زعيم الجماعة عمر أومسين، تحول إلى اختبار حاسم للحكومة الانتقالية السورية التي يرأسها أحمد الشرع.
وعلى الرغم من توقف إطلاق النار، أعادت الاشتباكات الأسئلة الصعبة إلى الواجهة: ما هو مستقبل المقاتلين الأجانب في سوريا؟ ومن سيُسمح له بالبقاء، وتحت أي شروط؟ ليتربع على عرش هذه التساؤلات السؤال الأكثر إلحاحا، هل يمكن للسلطات الانتقالية التعامل مع هذه القضية دون إثارة صراع أوسع؟
إذا اعتبرنا ما جرى في حارم مؤشرا، فلا يبدو أن لدينا جوابا مؤكدا على أي من هذه الأسئلة. ربما نجحت الحكومة في نزع فتيل الأزمة الحالية واحتوت المواجهة المباشرة، غير أنها لم تعالج الأسباب البنيوية التي لا تزال قائمة. ففي إدلب، نادرا ما يكون وقف إطلاق النار أكثر من مجرد توقف عابر. والسؤال الحقيقي هو ما إذا كانت السلطات الانتقالية مستعدة لمواجهة التبعات السياسية والأمنية للوقوف بوجه العناصر الأجنبية الرافضة لنظام ما بعد الأسد.
نمط مألوف
في وقت متأخر من ليلة 21 أكتوبر/تشرين الأول، حاصرت القوات السورية مخيم حارم شمال غرب إدلب. وكان هدفها اعتقال عمر أومسين (المعروف أيضا باسم عمر ديابي)، وهو جهادي فرنسي من أصل سنغالي مُدرج على قوائم عقوبات الأمم المتحدة والولايات المتحدة لتجنيده مقاتلين ناطقين بالفرنسية للقتال في سوريا.
جاءت العملية في أعقاب انتهاكات مزعومة متعددة ارتكبتها جماعته، كان آخرها والشرارة التي فجرت المواجهات اختطاف طفلة فرنسية مسلمة تبلغ من العمر أحد عشر عاما. اتهم المسؤولون “فرقة الغرباء” بالعمل خارج نطاق القانون وإخضاع المدنيين للنظام الخاص الذي فرضه أومسين داخل المخيم. عندما رفض أومسين الاستسلام، تصاعد الموقف، فنُشرت التعزيزات، وازدادت حدة الاشتباكات. وبدا الهجوم على المخيم وشيكا.
أثارت هذه الخطوة ردود فعل غاضبة انتشرت كالنار في الهشيم على الإنترنت، وأدت إلى تفاقم التوترات في أوساط الشبكات والجماعات المسلحة. واتهم أومسين الحكومة بالتصرف نيابة عن المخابرات الفرنسية وخدمة لمصالحها التي تستهدف المهاجرين الفرنسيين، مما عزز شكوك الفصائل الجهادية التي كانت متخوفة أصلا من الشرع الذي تخلى عن تبنيه لمواقف إسلامية متشددة ليتحول إلى انتهاج أجندة أكثر تركيزا على الدولة.
انسحاب تكتيكي
لمنع المزيد من التصعيد، تدخلت عدة شخصيات مسلحة أجنبية بارزة، معظمها من الفصائل التركستانية والأوزبكية، ولعبت دور الوسيط بين الفرقاء. وقد أفضى تدخلهم إلى وقف مؤقت لإطلاق النار، أوقف الاشتباكات وأنهى التحريض، وأحال قضية أومسن إلى محكمة شرعية.
بيد أن هذه الهدنة تبدو هشة للغاية. فهي لم تنشأ عن هياكل مؤسسية أو قضائية، بل جاءت نتيجة لمفاوضات غير رسمية بين أطراف مسلحة ضمن الفضاء السياسي المسلح. ولا تتضمن أي آليات تطبيق سلمية، وهي في حقيقة الأمر رهينة لأهواء الفصيل ذاته الذي تسعى الحكومة لكبح جماحه وفرض سيطرتها عليه.
وهذه السابقة لا تبعث على الكثير من الاطمئنان. فقد انهارت اتفاقات وقف إطلاق نار مماثلة في إدلب مرة تلو الأخرى، وربما أشهرها تلك الاتفاقات بين “هيئة تحرير الشام” والفصائل المنافسة لها، لانعدام الثقة المتبادل، وضعف الرقابة، ورفض الأطراف قبول قرارت التحكيم المشترك.
النهج المزدوج
كشفت مواجهة حارم ما يدركه الكثيرون في دمشق: ثمة افتقار حقيقي في سوريا إلى سياسة متماسكة تجاه المقاتلين الأجانب. وتستمر النقاشات الداخلية، ولاسيما بشأن المسلحين غير الراغبين في تسليم سلاحهم أو الاندماج والانخراط في صفوف الجيش السوري، ولكن لم تُعتمد أي استراتيجية موحدة بعد.
ووفقا لمصادر وزارة الدفاع، تتبع الحكومة الآن نهجا مزدوجا. يُعامل المقاتلون المندمجون (مثل الوحدات التركستانية والأوزبكية العاملة ضمن الفرقتين 82 و84) كجنود نظاميين، ويتقاضون رواتب حكومية، ويتبعون توجيهات القيادة، ويخضعون للانضباط العسكري.
ومن جهة ثانية، تبقى جماعات مثل “فرقة الغرباء” خارج هذا الإطار. فهي لا تخضع لسلطة الدولة، وترفض تسريح عناصرها، وتلتزم بأجندات أيديولوجية عابرة للحدود. وتتزايد مخاوف المسؤولين إزاء هذه الفصائل حيث يرون فيها تهديدات أمنية مؤكدة. وفي حين يدعو بعض صناع السياسة إلى إعادة الإدماج التدريجي ونزع السلاح عن طريق التفاوض، إلا أن صبرهم محدود. وفي هذا السياق، ربما كان ادعاء الاختطاف الذي أطلق شرارة الاشتباك برمته قلقا مشروعا وذريعة سياسية مفيدة لإعادة فرض السيطرة على مخيم يتمتع باستقلال ذاتي في ما يشبه دولة ضمن الدولة.
توازن حساس
تحظى دمشق بالتفوق والأفضلية عسكريا. فهي تسيطر على المجال الجوي، وتتمتع بقوة نيران متفوقة، وتمتلك شبكة استخبارات واسعة. أما سياسيا، فهي تقف على أرض أقل ثباتا، كمن يسير في حقل ألغام.
فمن جهة، تهدد حملة قمع عنيفة بتفتيت التحالفات الهشة ودفع المتشددين إلى أحضان فلول تنظيم “داعش” أو غيره من الجهات المتشددة التخريبية. ومن جهة ثانية، أي تحرك خجول أو غير متسق سوف يثير انتقادات من الحكومات الغربية، ويعمق الشكوك العامة حول قدرة الدولة على حكم البلاد وفرض النظام.
ولا يمكن لسوريا أن تتحمل الترنح بين مواجهة هنا وأخرى هناك. قد تكسبها الهدن المؤقتة والترتيبات الارتجالية بعض الوقت، لكنها لن تبني السلام. ففي ظل غياب سياسة متماسكة واضحة وطويلة الأمد؛ سياسة تجمع بين تطبيق الأمن بشكل موثوق ومسارات منظمة للتسريح أو الإدماج أو الإعادة إلى الوطن، ستبقى الحكومة عالقة في دوامة مواجهات مرهقة.
إن الاختبار الحقيقي للقيادة الانتقالية في سوريا لا يكمن في قدرتها على الانتصار في الأزمة المقبلة، بل فيما إذا كانت قادرة أصلا على وأد أي أزمة ومنعها من الاندلاع.
المجلة
—————————
المقاتلون الأجانب.. “حرب الغرباء” في سوريا/ عمار زيدان
المقاتلون الأجانب ومصالح استراتيجية لدول إقليمية
2025-11-03
بعد عدة أشهر على انطلاق الحراك الشعبي في سوريا عام 2011، تحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، ومعها برزت ظاهرة المقاتلين الأجانب الذين توافدوا من عشرات الدول، لينظم قسم منهم إلى تنظيمات مختلفة بينها “داعش” و”هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) كما انخرط آخرون في فصائل مدعومة من قوى إقليمية تسعى لفرض نفوذها داخل الأراضي السورية.
وبدأ وجود المقاتلين الأجانب في سوريا بشكل رئيسي مطلع عام 2012 وتصاعد بعد ذلك بشكل كبير حيث قدرت تقارير الأمم المتحدة عدد هؤلاء المقاتلين الذين دخلوا سوريا خلال السنوات الأولى من بدء الحراك الشعبي بأكثر من 30 ألف مقاتل قدموا من 80 دولة حول العالم.
وفي 22 تشرين الأول / أكتوبر الجاري، شنت قوات الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية في الحكومة السورية الانتقالية حملة أمنية داخل “مخيم الفرنسيين” الواقع بالقرب من مدينة حارم بريف إدلب شمال غرب البلاد وذلك بهدف اعتقال قائد “كتيبة الغرباء” التي تتواجد داخل المخيم بقيادة الفرنسي من أصول سنغالية عمر أومسين المتهم بحسب بيان صادر عن وزارة الداخلية بانتهاكات عديدة بينها اختطاف فتاة داخل المخيم وإنشاء “نظام مستقل” عن قانون الدولة.
وأظهرت عدة فيديوهات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي استنفار مقاتلين أجانب في محافظة إدلب دعماً للفرنسي عمر أومسين وهو ما أثار الكثير من التساؤلات حول مدى انضباط هؤلاء المقاتلين وجهات التمويل التي تدعمهم ومدى قدرة الحكومة الانتقالية على السيطرة عليهم وامتثالهم للقوانين المعمول بها بعيداً عن الأجندات العقائدية المتطرفة.
وفي هذا السياق، يقول الناشط الحقوقي عمر الزهري لـ “963+”، إن وجود المقاتلين الأجانب في سوريا لم يكن لدرجة ما ظاهرة عفوية بل تداخلت فيه المصالح الاستخباراتية للعديد من الدول الإقليمية والعالمية حيث تم استخدام بعض الجماعات كأدوات ضغط سياسي كما يمكن الحديث في هذا الإطار عن قنوات تمويل وتسليح غير مشروعة مما يشكل تأثيرات أمنية عابرة للحدود وأيضاً قد يزيد من حدة التوترات في العلاقة بين الدول وهو ما تخشى منه الحكومة السورية الجديدة.
والمعضلة الأكثر أهمية وتعقيداً في ملف المقاتلين الأجانب المتواجدين داخل الأراضي السورية تتمثل، بحسب الزهري، في كيفية تعامل الحكومة السورية معهم بما يتلاءم مع القانون الدولي يضاف إلى ذلك قضية أطفال وعوائل هؤلاء المقاتلين الذين قام العديد منهم بالزواج من نساء يحملن الجنسية السورية مما يزيد من التعقيدات الإنسانية والقانونية في هذا الإطار.
وعلى امتداد السنوات الماضية، أشارت العديد من التقارير المحلية والدولية إلى أن حوالي 70 بالمائة من المقاتلين الأجانب يتواجدون في محافظة إدلب شمال غربي سوريا كما تصاعد تواجدهم في محافظتي دير الزور والرقة شرقي البلاد خلال فترة سيطرة “داعش” على المنطقة. وشهدت مناطق جنوب سوريا في درعا والقنيطرة وجوداً للمقاتلين الأجانب خلال فترات معينة سابقة.
ويوضح الكاتب والصحفي أشرف الخطيب، أن” قضية المقاتلين الأجانب باتت تشكل تحدياً ليس سهلاً للحكومة السورية الجديدة بعد سقوط نظام بشار الأسد، فقد انضم العديد منهم إلى صفوف الجيش السوري لكن في الوقت نفسه يواجه آخرون صعوبة في الاندماج داخل المجتمع السوري أو العودة إلى بلدانهم الأصلية”.
ويؤكد في تصريحات لـ”963+”، أن ما حدث قبل عدة أيام في “مخيم الفرنسيين” بريف إدلب ينذر بخطر كبير خاصة مع وجود المقاتلين الأجانب الفرنسيين أو غيرهم من تركستان وإيغور بأعداد كبيرة داخل منطقة لا تخضع بشكل قوي للحكومة السورية بل هناك هيمنة من قبل فصائل معارضة الأمر الذي يجعل الأوضاع الأمنية والسياسية بالغة الحساسية سواء من جهة الحكومة السورية الجديدة أو المجتمع الدولي والدول الكبرى.
ويشدد الخطيب على أن الحلول في معالجة هذه الظاهرة تتطلب تعاوناً دولياً يتصف بالجدية من خلال تعزيز الحلول السياسية المحلية التي تضع مصلحة السوريين على اختلاف مكوناتهم في المقام الأول بالتالي منع زيادة حدة وتغذية الصراع بالوكالة أو تعميق الانقسام داخل المجتمع المحلي.
+963
——————————–
معضلة المقاتلين الأجانب في سورية/ عمار ديوب
02 نوفمبر 2025
لا تؤمن الجماعات الأجنبية الجهادية بمفهوم الدولة الوطنية؛ فهي جاءت إلى سورية لمحاربة “نظام الكفر” وللوصول إلى دولة الخلافة، وقد وجدت نفسها أمام معضلة كبيرة مع رحيل سلطة بشار الأسد، فهيئة تحرير الشام، والرئيس أحمد الشرع بالتحديد، لم يتكلما عن دولة الخلافة منذ 8 ديسمبر (2024)، وأكد الشرع أن مرحلة الثورة، انتهت، وبالتالي، يجب أن تتفكّك تلك الجماعات، وتنضوي في مشروع بناء الدولة. وافقت بعض تلك الجماعات، وإن لم تغيّر قناعاتها، وأُشركت بالجيش، وأخرى رفضت ذلك، كمجموعة الغرباء، بقيادة عمر ديابي.
قبل الوصول إلى دمشق، اعتُقل الرجل، في 2021 أكثر من عام، ومنذ 2013، لحظة وصوله إلى إدلب، أقام مخيّماً خاصاً به، وهو حال أغلبية الجماعات الجهادية. وتفيد تقارير صحافية بأنّه جنّد أكثر من ألفَي مقاتل من فرنسا، للقتال إلى جانب جبهة النصرة. ولكنّه، ومع تحولاتها نحو فتح الشام، ولاحقاً هيئة تحرير الشام، وانفصالها عن تنظيم القاعدة، يبدو أن هذا كلّه لم يرق للقيادي الجهادي الفرنسي. مع وصول أحمد الشرع إلى السلطة، ومباشرته بإقامة علاقات قوية مع الدول، ومنها فرنسا، وأخيراً روسيا، وبدء التنسيق الأمني مع التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، فإنّ جماعات جهادية أجنبية كثيرة، ومنها جماعة عمر ديابي، شعرت بالخطر، واحتمال استهدافها وبالشراكة مع سلطة دمشق الجديدة.
كان واضحاً، وبغضّ النظر عن الجانب المتعلّق بالموضوع الجنائي واختطاف فتاة من مجموعةٍ تابعة لديابي، أن المسألة أعقد من ذلك، وهو ما استغله الأخير ليدعو الفصائل الأجنبية إلى مناصرته، وقد أعلن بعضها التضامن معه، ويشار هنا إلى أن المجموعة الفرنسية تراجع عددها ولا تزيد عن 75 شخصاً، ومعهم عائلاتهم. وبالتالي؛ هناك تفكيك واسع لها، وبَدأ منذ سنوات، وقبل سقوط النظام.
تدخلت قيادات أوزبكية، وتركستانية، قائد الفرقة 84 التركستاني، وقيادات من طاجيكستان، وممثلٌ عن وزارة الدفاع هو أبو عبدو طعوم، وتوقفت العملية العسكرية ضدّ المخيم، وكانت نتائجها لصالح السلطة. ويؤشر الاجتماع بوساطة “أجنبية” إلى أن السلطة لم تحسم أمرها، وهي في كل الأحوال تعتمد منهجية التدرّج بذلك، بإنهاء ظاهرة الفصائل الأجنبية، بل واستعانت بها، كما ذكرنا. وانبرى إعلاميو السلطة للتأكيد أن القضية جنائية، وأن المقاتلين الأجانب جزءٌ من الجيش، وليس لهم مشاريع خاصة. هنا، تخطئ السلطة بالاستمرار بالدفاع عن الفصائل الأجنبية، فهي فصائل جهادية، وسورية ليست أرضها الأصلية ولا هي تعتبرها كذلك. وبالتالي؛ ليس لديها مشروع وطني سوري، وهناك مطالبات دولية، وأميركية بصفة خاصة لإبعاد الأجانب ولا سيّما عن قيادات الجيش، وعن الجيش بعامة، وهي مطالب كل من روسيا والصين وفرنسا وكل الدول الأجنبية، وقبل ذلك هو مطلب سوريين كثيرين.
تواجه السلطة مشكلات تتعلّق بكيفية ضبط السلاح مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والسويداء، وتخشى فتح المعركة مع الأجانب، ولكن رغبتها بتوطيد علاقاتها الدولية، تحثها على تفكيك فصائل الجهاديين. إنّ مؤازرة بعض الفصائل الأجنبية لعمر ديابي وعبر تسجيلٍ مصوّر، أوضحت أنّها تشكّ في توجهات السلطة، وصرح ديابي أنّ السلطة قد تستجيب للضغوط الفرنسية لتسليمه.
… هي ورطة كبيرة أمام الشرع إذاً. ولكن مصالح السلطة والتوافقات الدولية وإعادة الإعمار، تستدعي “الخلاص” من الفصائل الأجنبية، وليس عبر السردية السابقة أعلاه، بل عبر تفكيكها، وسحب السلاح، وإبعادها عن الجيش، ووضعها تحت المراقبة وإبقائها في سورية باعتبار أنّ أغلبية الدول ترفض إعادتهم إليها، وهي من سهلت لهم الوصول إلى سورية منذ 2012، أي للخلاص منهم. وتوافق بعض تلك الدول على إعادة النساء والأطفال فحسب، وفي حال عودة الرجال يُعرضون على المحاكم، ويسجنون فترات طويلة، وهذا سيكون مصير عمر ديابي، المطلوب دولياً بوصفه إرهابيّاً منذ عام 2016 والأجانب كافّة.
إذاً؛ لم تكن صحيحة خطة السلطة في دمج الأجانب في الجيش، وصار يجب إبعادهم عن الجيش، وهذا يتلاقى مع المطالب الدولية والمحلية، وفي الوقت نفسه، “يريح” السلطة من الضغوط الدولية لهذا السبب، ويعطيها دعماً دولياً، باعتبارها وجدت حلاً حقيقياً لجماعات جهادية كانت تتحالف معها. ما زال موضوع إعادة تشكيل الجيش موضوعاً معقداً، وانقضت أكثر من عشرة أشهر ولم يتأسس على عقيدة وطنية، ولم تنحل الفصائل على نحوٍ حقيقي، وأَحرجوا السلطة في مجزرتَين كبيرتَين، وخلقوا نفوراً كبيراً لدى الأقليات الدينية باعتباره جيشاً “إسلامياً”، والأسوأ أن السلطة لم تلجأ لجهة حيادية، وأقصد تسليم الضباط المنشقّين مهمّة تلك الإعادة. قضية تأسيس الجيش في المرحلة الانتقالية مسألة سيادية ووطنية، وهي معيار لوطنية السلطة والدولة كذلك، وبالتالي، ستبدو كل أسْلَمَة للجيش إبعاداً لبقية الأقليات وللفئات العلمانية، ولكثير من الأوساط المجتمعية السورية عن الجيش وعن الدولة.
كيف ستتصرّف السلطة إزاء معضلة الأجانب؟ هل بالاستمرار كما فعلت في الأشهر السابقة، وتبيّن أنّه مسار خاطئ، واستجابة مجموعات أجنبية لنداء عمر ديابي. لا شكّ أنها معضلة كبرى، سيّما أنها جماعات مدرّبة عسكرياً على نحوٍ كبير، ولا يمكن تفكيكها بسهولة. وهناك تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي سيشكل جاذبية لبعضٍ منها كما تقول تقارير صحافية، وأختلف معها بذلك، فالفصائل التي كانت لدى هيئة تحرير الشام لديها عائلات، وليسوا أفراداً عزّلاً، وعاينت حياة الاستقرار. وبالتالي؛ ستميل إلى أن تحل نفسها على الالتحاق بـ”داعش”، أو أن تتبنّى موقفاً متشدّداً من السلطة. وبالتالي؛ المشكلة الحقيقية هي في رؤية السلطة إلى هذه الجماعات. ورغم كل الأسباب لتوخّي الحذر تجاه تفكيكها، فإنّ استمرار سياسة الدمج السابقة للأجانب في الجيش أعاقت انتقاله إلى أن يصبح جيشاً وطنياً، إلى أن ينتقل نحو عقيدة وطنية، إلى أن يكون أحد أعمدة السيادة الوطنية. وبالتالي؛ مصلحة السلطة وسورية في إبعاد الأجانب عن الجيش، وتحويلهم إلى مدنيين، وتسليم الضباط المنشقّين عملية إعادة تشكيل الجيش، بدلاً من إرسال الضباط الجدد إلى كل من تركيا والسعودية للتدريب على العلوم العسكرية، وهذا سيُسهل عملية إدماج فصائل السويداء أو “قسد” كذلك.
هل يستطيع ذلك أحمد الشرع؟ ليس التأخّر في ذلك في مصلحة السلطة الجديدة. كل المشكلات المتعلقة بموضوع تأسيس الجيش، والاحتلال الصهيوني، وتخوفات الأجانب، وفصائل السويداء و”قسد” تتطلب الانتقال إلى جيشٍ وطنيٍّ، وهي قضية سيادية ووطنية بامتياز.
العربي الجديد
—————————–
هل بدأ تفكيك مجموعات المقاتلين الأجانب في سوريا؟/ فراس فحام
تحديث 02 تشرين الثاني 2025
شنت القوات الحكومية السورية في 22 أكتوبر/تشرين الأول الجاري حملة أمنية ضد تجمع لمقاتلين من أصول أفريقية يحملون الجنسية الفرنسية، ويطلق عليهم اسم فرقة الغرباء، المتكتلة ضمن مخيم في منطقة حارم بريف إدلب.
وعلى إثر الحملة، انتقل التوتر إلى مجموعات مقاتلة أجنبية أخرى موجودة في محافظة إدلب من الجنسيات الأوزبكية والكازاخستانية ، بسبب المخاوف من أن تكون العملية بداية لمسار تفكيك المجموعات الأجنبية.
خاصة وأنها أتت بعد سلسلة من النشاط الدبلوماسي السوري الخارجي منذ نهاية سبتمبر/أيلول الماضي الذي شهد مشاركة الرئيس السوري أحمد الشرع في اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ثم توجهه إلى روسيا في زيارة هي الأولى من نوعها بعد توليه الرئاسة.
العملية الأمنية ضد فرقة الغرباء
ينحدر عمر ديابي المعروف باسم عمر أومسين المولود في مدينة نيس الفرنسية عام 1976من أصول سنغالية بحكم جنسية والده الذي تزوج لاحقا من فرنسية، ولم يكن معروفا عن عمر في بداياته توجهاته الجهادية، لكنها طرأت عليه بعد تعرضه للسجن عام 2003 بعد اتهامه بالمشاركة في عملية سطو على محل مجوهرات.
وسبق لهيئة تحرير الشام وحكومة الإنقاذ المنبثقة عنها عندما كانت تسيطر على محافظة إدلب أن اعتقلت أومسين عام 2020، وبقي في السجن لأكثر من عام بسبب حوادث تتعلق بعلاقات مع جماعات معادية لتحرير الشام، ومتورطة في نشاطات غير مشروعة، ثم تم الإفراج عنه لاحقا بعد تعهدات بالانضباط.
وأفادت مصادر أمنية سورية وشهادات سكان محليين من المخيم في حارم أن الحملة الأمنية الأخيرة ضد فرقة الغرباء تعود إلى سلوك قائد الفرقة الذي لا يعترف بسلطة الحكومة، وقام بتأسيس محكمة غير رسمية داخل المخيم، ويُصدر باستمرار أحكاما ضد سكان المخيم ويطبق عليهم عقوبات، وقام عدة مرات بمنع نساء غادرن المخيم من اصطحاب أطفالهن معهن.
وفقا للمصادر، فإن أومسين استطاع أن يستنفر بعض المجموعات من المقاتلين الأجانب خاصة من الجنسية الأوزبكية، وأقنعهم بأن الحكومة تستهدف الأجانب عموما، بهدف الضغط للتملص من الحملة الأمنية.
وانتهت الحملة الأمنية على مواقع فرقة الغرباء بعد موافقة قائدها على الخضوع لقوانين الدولة السورية وتفكيك المحكمة التي أنشأها، والتحاق مقاتلي المجموعة بالفرقة 84 ضمن الجيش السوري المخصصة لاحتواء المقاتلين الأجانب.
تراجع تدريجي في حضور المقاتلين الأجانب
أشارت دراسة صدرت عن مركز جسور للدراسات قبل عامين أن نشاط المقاتلين الأجانب في سوريا تراجع ابتداء من عام 2018، وأعدادهم بشكل إجمالي لم تعد تتجاوز 5 آلاف.
أبرز تكتلات المقاتلين الأجانب تتمثل بالحزب الإسلامي التركستاني، وهم من الإيغور الذين بدأ دخولهم إلى سوريا اعتبارا من عام 2013، بالإضافة إلى الكتيبة الألبانية، وكتيبة أنصار الإسلام التي انحازت من العراق للعمل في سوريا بعد مبايعة قادتها لتنظيم الدولة، فيما توجه الرافضون لهذه البيعة إلى سوريا.
أيضا، نشطت في سوريا الكتيبة الأوزبكية المعروفة بـ”كتيبة الإمام البخاري”، التي تمركزت في ريفي إدلب وحلب.
ومنذ أواخر عام 2017 بدأت مسيرة انحسار دور المقاتلين الأجانب، نظرا لتقلص المواجهات العسكرية بعد إطلاق مسار أستانة لخفض التصعيد، خاصة مع اتجاه المنطقة إلى نموذج حوكمة أكثر انضباطا إثر تشكيل حكومة الإنقاذ وقتها، وجهود السلطة المحلية في ضبط الأمن وتقليص دور المجموعات التي تنشط خارج إطار الفصائل الرئيسية التي توزعت بين هيئة تحرير الشام والجيش الوطني السوري والجبهة الوطنية للتحرير.
وقد ازداد الانحسار في 2020 إثر توقيع اتفاق مذكرة سوتشي بين تركيا وروسيا التي نصت على وقف إطلاق النار شمال سوريا، فغادرت مجموعات من التركستان الأراضي السورية، وفي مطلع 2022 غادرت مجموعات من المقاتلين القوقاز باتجاه أوكرانيا بعد اندلاع الحرب مع روسيا، وشاركوا في الحرب بقيادة قائد كتيبة أجناد القوقاز عبد الحكيم الشيشاني.
وتراجع في هذه المرحلة بشكل واضح حضور المقاتلين العرب من السعودية والكويت والأردن، حيث غادرت شخصيات مرجعية بالنسبة لهؤلاء المقاتلين المشهد، وبعضهم انخرط في النشاط التجاري أمثال الداعية عبد الله المحيسني، أو عاد لبلاده عام 2022 على غرار علي العرجاني.
الوضع الراهن
يوجد تضارب ومبالغة في تقدير حجم المقاتلين الأجانب في سوريا حاليا، ويعود هذا إلى أن بعض التقديرات تدخل عوائل المقاتلين في عملية الإحصاء، لذا يبلغ العدد أحيانا قرابة 8 آلاف.
عملت الحكومة السورية الجديدة منذ توليها السلطة مطلع عام 2025 على ضبط وتأطير المقاتلين الأجانب لتجنب إثارة الحساسية الدولية، ولتفادي حصول صدامات بين هذه المجموعات والسكان المحليين بعد التوسع على كامل الأراضي السورية بعد سقوط الأسد.
ساعدت عدة عوامل الحكومة السورية على احتواء المقاتلين الأجانب، أبرزها تشجيع الولايات المتحدة على الخطوة، حيث اعتبر المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برّاك في يونيو/حزيران الماضي أن دمج المقاتلين الأجانب في مشروع الدولة أفضل من إقصائهم، بالإضافة إلى إظهار أبرز كتل المقاتلين الأجانب تجاوبا مع الجهود الحكومية والحديث هنا عن الحزب التركستاني الإسلامي.
نظمت وزارة الدفاع السورية مجموعات المقاتلين الأجانب ضمن الفرقة 84، وتحت قيادة سورية، وأصبحت هذه الفرقة تضم بشكل رئيسي مجموعات التركستان والأوزبك، إلى جانب مجموعات سورية.
وبحسب مصادر حكومية سورية فإن وزارة الدفاع ألزمت المقاتلين الأجانب كما هو الحال بالنسبة لجميع المقاتلين بالابتعاد عن التصريحات الإعلامية، والنشاط في وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي أواخر سبتمبر/أيلول 2025 أوقفت السلطات السورية شخصية تدعى أبو دجانة الأوزبكي بسبب عدم استجابته للضوابط التي تم وضعها، واستمر في الظهور الإعلامي ونشر مقاطع على مواقع التواصل الاجتماعي استجلبت انتقادات محلية للحكومة.
المصير المحتمل
أكدت الدول التي لديها مقاتلون أجانب في سوريا ومنهم فرنسا، أنه لا نية لديها لاستعادة مواطنيهم من سوريا، بمن فيهم المحتجزون شمال شرق سوريا في سجون تتبع لتنظيم قسد، مع التأكيد على أن تتم محاكمتهم في المكان الذي ارتكبوا فيه الجرائم، مع الإشارة لإمكانية استعادة الأطفال فقط.
وبعد أيام من العملية الأمنية ضد فرقة الغرباء، أصدر راديو فرنسا الدولي تقريرا نفى فيه أن تكون العملية بطلب من فرنسا التي ليس لديها أسباب لتطلب من الحكومة السورية اعتقال أومسين، ولا نية لديها لاستعادة الجهاديين الفرنسيين إلى البلاد.
بالمقابل، لا يبدو أن الحكومة السورية بصدد شن حملات أمنية بشكل عام ضد المقاتلين الأجانب، خاصة ممن قبل الانضواء ضمن تشكيلات الجيش الرسمي، وخضع للتوجهات السياسية السورية.
وقد سارعت الحكومة إلى خوض محادثات مع ممثلين عن المقاتلين الأوزبك بعد تصاعد التوتر في إدلب إثر الحملة ضد فرقة الغرباء، والبيانات التي صدرت من بعض مجموعات المقاتلين الأجانب تحذر الحكومة من تسليمهم إلى دولهم، ويبقى الخيار الأمني واردا ضد المجموعات التي قد تتمرد لاحقا على قرارات السلطات السورية أو سياساتها.
إن احتواء المقاتلين الأجانب والعمل على حوارهم وتغيير نهجهم يبقى هو الخيار الأفضل سواء للحكومة السورية أو الدول الفاعلة في الملف السوري، إذ إن تصعيد الضغط على هذه المجموعات قد يدفعهم لخيار التنسيق مع تنظيم الدولة الذي يسعى لإحياء نشاطه في سوريا حاليا.
في ظل المعطيات الحالية، من المستبعد أن تتجه الحكومة السورية إلى خيار العمليات الأمنية لتفكيك المجموعات المتبقية من المقاتلين الأجانب، خاصة وأن أثرهم ينحسر بشكل مستمر في المشهد السوري.
ومن المتوقع أن يزداد هذا الانحسار مع استكمال بناء مؤسستي الجيش والأمن وتقلص الحاجة لاشتباك هذه المجموعات مع الملفات الأمنية، وقد يفضل العديد منهم لاحقا إما ممارسة حياة عادية بعيدا عن مؤسسة الجيش، أو مغادرة سوريا باتجاه مناطق أخرى.
كما لا يبدو أن التسريبات المتكررة عن مطالبات دولية بتسليم هؤلاء المقاتلين دقيقة، حيث تشير المطالبات الدولية ومنها الولايات المتحدة إلى إبعاد الأجانب عن المناصب القيادية فقط.
المصدر: الجزيرة
—————————-
من غزة إلى لبنان وسوريا.. مثلث أميركي لمواجهة الصين/ منير الربيع
الأحد 2025/11/02
يتواصل الزخم الأميركي تجاه المنطقة، فبعد الجولات الدبلوماسية، والطروحات الأمنية والعسكرية لخلق وقائع جديدة، تأتي زيارة وكيل وزارة الخزانة الأميركية لشؤون الإرهاب جون هيرلي إلى كل من لبنان، تركيا، إسرائيل ودولة الإمارات، والعنوان الأساسي للزيارة هو رصد مصادر الأموال الإيرانية أو لحلفاء طهران وكيفية تمكنهم من الالتفاف على العقوبات، يعني ذلك بوضوح انتقال الضغوط على إيران وحزب الله إلى مستوىً جديد يتعلق بسدّ “الأوردة المالية”. بذلك تحضر واشنطن بكل أثقالها، المالية، السياسية والدبلوماسية، والعسكرية حتى عبر قاعدة “كريات غان”، فهذه القاعدة التي تشرف بواسطتها الولايات المتحدة الأميركية على تطبيق خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة، ويُطلق عليها اسم “غرفة السلام”؛ أي مهمة تعزيز مسار اتفاقات السلام مع إسرائيل.
في هذا السياق، فإن لبنان كما سوريا من الدول المعنية بهذا المسار بناء على الضغوط الأميركية المستمرة، والتي لا تزال متواصلة وستتجدد مع زيارة وكيل وزارة الخازنة، أو بانتظار وصول السفير الأميركي الجديد المعين في لبنان ميشال عيسى، الذي تتركز مهمته على مواكبة سحب سلاح حزب الله وفتح طريق التفاوض السياسي المباشر مع إسرائيل للوصول إلى اتفاق سلام، وليس فقط اتفاق أمني. بذلك تريد واشنطن تعزيز كل مراكز قواها في الشرق الأوسط، وتسعى إلى إنهاء حالات التوتر والحروب لتثبيت استقرار تسعى عبره القول إن هذه المنطقة أصبحت على نحوٍ كامل تحت سيطرتها ونفوذها، وعبره تريد الولايات المتحدة الأميركية مواجهة الصين وقطع طرقاتها الاقتصادية والتجارية.
يُفسر البعض هذا المسار الأميركي بوصفه جعل المنطقة قاعدة انطلاق لمواجهة الصين، والارتكاز على التحالف مع الأكثرية السنية في هذه المنطقة لمواجهة الصين، ولا تنفصل كل المساعي الأميركية عن وقف الحرب بين باكستان وأفغانستان، وبين باكستان والهند، خصوصاً أن كل هذه المنطقة بنظر الأميريكيين هي التي تحتوي على قلب العالم لجهة ممرات التجارة ومصادر الثروات والطاقة، وفي هذه الدول كلها يُفترض أن يمر مشروع الصين “حزام وطريق” لإعادة إحياء طريق الحرير القديم. وهذا ما يُفسر الحرص الاميركي على وقف الحروب، وتعزيز العلاقات مع تركيا، وحتى مع سوريا.
إيران أيضاً، تدخل ضمن الاستراتيجية الأميركية، ولطالما سعت الولايات المتحدة إلى إبرام اتفاق مع إيران، وذلك لجعلها على الطريق النقيض للصين، لكن المفاوضات لا تزال متعثرة في ظل الشروط الأميركية القاسية، التي يصفها الإيرانيون بأنها شروط استسلام لا يمكن القبول بها. هذا سيبقي التركيز على إيران قائماً، إما عبر المزيد من الضغوط، أو عبر رصد أيّة عمليات عسكرية أو أمنية قد تتجدد لاحقاً للضغط على طهران أكثر، ودفعها إلى القبول بما هو معروض عليها.
ذلك كله يتماشى مع مسألة تعزيز الوجود الأميركي في المنطقة، وإن كان وجوداً غير رسمي أو واسع، على طريقة الانتشارات السابقة. قاعدة كريات غات، سيكون لها ما يقابلها على المتوسط وهي السفارة الأميركية الكبيرة التي تُشيَّد في لبنان، وستحتوي على مطار وغرفة عمليات ومراكز رصد، إضافة إلى تعزيز الوجود الأميركي عبر توسيع دور لجنة مراقبة وقف إطلاق النار “الميكانيزم” وصلاحياتها، التي يترأسها جنرال أميركي ويعاونه عدد من الضباط. ذلك يتقاطع أيضاً مع معلومات عن تعزيز الحضور العسكري الأميركي في السفارة الأميركية، أو في قاعدة حامات أو القاعدة البحرية في عمشيت. أما من جهة الشرق، فإن المعلومات تفيد بسعي واشنطن لتوسيع نطاق وجودها في سوريا والتمدد من قاعدة التنف على الحدود السورية الأردنية العراقية، غرباً باتجاه البادية السورية وإمكانية إنشاء قاعدة عسكرية في مطار الضمير العسكري في ريف حمص.
——————————–
قضية “الجهاديين” الفرنسيين: من مجلس الأمن إلى ريف إدلب/ صهيب عنجريني
24/10/2025
الخطر الأساسي الذي تستشعره دمشق (ومعها باريس) هو علاقة أومسين بـ”الجهاديين التركستان” ونشاطه في استقطاب “جهاديين” أجانب. وما يزيد من حساسية المسألة اليوم أن القسم الأكبر من “التركستان” بات محسوبًا على “الجيش السوري الجديد”.
لا يحتاج المرء إلى فطنة كبيرة ليدرك أن الأسباب المعلنة لمحاولة قوات السلطات الانتقالية في دمشق اقتحام معسكر “الجهاديين” الفرنسيين في ريف إدلب، إنما هي مجرد شرارة مباشرة ظاهريّة، بينما تقودنا الأسباب الجوهريّة إلى تفاصيل عديدة ترتبط بالملف “الجهادي” برمّته، وبالتزامات قدّمتها، أو طولبت بها، السلطة في دمشق إلى “المجتمع الدولي”.
ربما لعبت المصادفات دورها في اختيار “فرقة (أو كتيبة) غرباء” الفرنسيّة لتكون نقطة انطلاق للتعامل مع الملف “الجهادي”، غير أنّ هناك عاملًا شديد الأهميّة ساعد في هذا الاختيار، وخُلاصته أن مؤسس وزعيم “غرباء” عمر ديابي (أومسين) يشكل خطرًا داخليًّا على “بُنية الجيش السوري الجديد”، فضلًا عن مشكلات عديدة كان قد أثارها مرارًا على امتداد سنوات لـ”هيئة تحرير الشام” وباريس على حدٍّ سواء.
ما تقدّم لا يستند إلى آراء وتحليلات، بل إلى معلومات راسخة، مدعمة بوثائق معظمها متاح في الفضاء العام، لكنهُ مقصىً (بشكل مقصود؟) عن التداول في “الميديا” السوريّة، والعربية (لا سيّما الداعمة لدمشق اليوم).
مجلس الأمن: ديابي خطر مستمر حتى اليوم
“لم تفرض الحكومة المؤقتة سيطرتها الكاملة على جميع الفصائل، بما في ذلك بعض الفصائل التي تتبنى أيديولوجيات متطرفة مثل كتيبة التوحيد والجهاد، وأجناد القوقاز، وأنصار التوحيد، وأنصار الإسلام، وأنصار الدين، وكتيبة الغرباء الفرنسية (التي يقودها عمر ديابي). ويحافظ بعض الفصائل على علاقات مع جماعات موالية لتنظيم القاعدة ويتشاركون معها في اللوجستيات. وسُجلت محاولات لمقاتلين إرهابيين أجانب للوفود إلى الجمهورية العربية السورية لأهداف منها الانضمام إلى جماعة عمر ديابي”.
تُشكل هذه الفقرة مُدخلًا ضروريًّا قبل الخوض في أي حديث حول المواجهة المستجدة بين القوات التابعة للسلطة في دمشق، وبين “كتيبة الغرباء الفرنسية” التي تُدير مجتمعًا خاصًّا بها في حارم، بريف إدلب الشمالي. تنبع أهمية الفقرة من عوامل عديدة، فهي جزء من وثيقة حديثة مُقدّمة إلى مجلس الأمن الدولي، وبالتحديد التقرير 36 للجنة مجلس الأمن المكلفة برصد وتحليل نشاطات تنظيمي “داعش” و”القاعدة”، والجماعات المرتبطة بهما، وقد رُفعت إلى مجلس الأمن في 24 تموز/يوليو الماضي، أي قبل ثلاثة أشهر فحسب، وكان عمر ديابي الاسمَ الوحيد الذي ورد في هذه المراجعة لـ”جهادي” ينشط في سوريا حاليًا.
بين آذار/مارس وأيلول/سبتمبر، تكرر ورود اسم ديابي في الإعلام الفرنسي، مقرونًا بأخبار عن شبان فرنسيين ينطلقون لـ”الجهاد” في سوريا. على سبيل المثال، يتحدث تقرير نشرته “لوفيغارو” في 30 أيلول/سبتمبر عن استمرار استقطاب المجاهدين إلى سوريا، ويورد معلومات موثقة مفادها أن أربعة “جهاديين” فرنسيين على الأقل “وصلوا سوريا منذ سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر، بينما أُلقي القبض على ثمانية آخرين كانوا يستعدون للذهاب، ومن بينهم امرأتان كانتا رفيقتين للجهاديين”، ويلعب ديابي وكتيبته دور المغناطيس لهؤلاء.
من هو ديابي؟
وُلد عمر ديابي الشهير بـ”أومسين”، في داكار ــــ السنغال في 1976، وانتقلت عائلته إلى فرنسا في طفولته لينشأ في إحدى ضواحي مدينة نيس. تشير بعض التقارير الأمنية والإعلامية الفرنسية إلى أن ديابي مرّ بـ”المسار الكلاسيكي” نفسه الذي يمرّ به بعض الشباب في الضواحي الفرنسية، واشتمل ذلك على مشكلات قانونية في مراهقته، فصار لديه سجل جنائي بسيط قبل أن يذهب في اتجاه التشدد الديني.
في 2011 كان عمر ديابي يخطط للذهاب إلى أفغانستان برفقة عشرة آخرين، لكنه أوقف في محطة قطارات نيس يوم المغادرة. في أواخر 2012 نجح في المغادرة إلى تركيا، ومنها دخل سوريا حيث أسس لاحقًا “فرقة غرباء” المكونة من “جهاديين” فرنسيين حصرًا، وبدأ ينسج علاقات طيبة مع “جبهة النصرة”، وحين وقع الشقاق بين الأخيرة وبين “داعش” انحاز إلى “النصرة” فارتفعت أسهمه لديها، لا سيما مع براعته في استقطاب عشرات الفرنسيين والفرنسيات من وراء الحدود إلى فرقته التي راحت تنمو في كنف “النصرة”. عُرف بين عشاقه بلقب “الجهادي الخارق” من دون مُعطيات توضح أسباب ذلك اللقب باستثناء “عودته من الموت”، بعد أن أشيع نبأ موته في 2015، لينكشف لاحقًا أنّه كان وراء إطلاق تلك الشائعات التي اتّضح زيفها في عام 2016.
في 2014 فُتح تحقيق رسمي ضد عمر ديابي في محكمة باريس لمكافحة الإرهاب بتهم “تجنيد مقاتلين وإرسالهم إلى سوريا”، وفي 2015 صدر أمر توقيف دولي بحقه بعد تحديد موقعه في إدلب، لارتكابه “أفعالًا تندرج ضمن الانخراط في عصابة إرهابية وتجنيد مقاتلين أجانب”، وفي تموز/يوليو 2016 أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية رسميًّا أن ديابي “أحد أبرز المجنّدين الفرنسيين في سوريا، ويُعتبر خطرًا إرهابيًا ذا أولوية”.
في أيلول/سبتمبر من ذلك العام، وصفت الولايات المتحدة أومسين بأنّه “إرهابي دولي”، وأدرجته على قائمتها للعقوبات. وقال بيان أصدرته وزارة الخارجية الأميركية وقتها إنّ “ديابي قاد مجموعة من خمسين متطوعًا فرنسيًّا إلى سوريا للقتال في صفوف جبهة النصرة”، مشيرًا إلى أنّ الاستخبارات الفرنسيّة تعدّ المقاطع الدعائيّة التي شارك ديابي فيها “السبب الرئيس لانضمام هذا العدد الكبير من المواطنين الفرنسيين إلى صفوف المجموعات التي تقاتل في سوريا والعراق”. وبعد شهر واحد أدرجه مجلس الأمن الدولي رسميًا ضمن قائمة العقوبات الخاصة بـ”القاعدة” و”داعش”.
“الفردان”.. ملف فرنسي من الألف إلى الياء
تزعم مصادر غير رسمية عديدة أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أثار ملف “الجهاديين” الفرنسيين ومخيمهم مع رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع. وتذهب هذه المصادر إلى أن ماكرون “طلب التعامل مع هذا المخيم، وتفكيكه”. لكن هذه المزاعم تتعارض مع سياسات فرنسا في الملف السوري برمّته منذ العام 2017، وهي سياسة اهتمّت بشكل خاص ببقاء الجهاديين الفرنسيين تحت السيطرة في سوريا.
رُسمت السياسة الفرنسية استنادًا إلى مذكرة سرّية أعدّها “مركز التحليل والتنبؤ والاستراتيجية” CAPS)) التابع لوزارة الشؤون الخارجية الفرنسية، حملت عنوان “مكانة فرنسا في الصراع بعد سقوط حلب”.
تنطلق المذكرة من “مخاطر التوجهات الأوربية للتطبيع مع الأسد ودعم إعادة الإعمار”، وتنتقد تصريحات أطلقتها في تشرين الأول/أكتوبر 2016 الممثلة السامية للاتحاد الأوربي (وقتذاك)، فيديريكا موغريني، أثناء زيارتها لطهران، عن “نية الأوروبيين التفاعل مع الجهات الفاعلة الإقليمية بهدف إعادة إعمار سوريا”. تعتبر المذكرة أن “موضوع إعادة الإعمار أو الاستقرار في سوريا، الذي يروج له بمهارة واقتناع السيد عبد الله الدردري، نائب الأمين التنفيذي للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، يقر بالهزيمة التي لا رجعة فيها للتمرد السوري”، ثم تطرح سؤالًا مركزيًّا: “كيف نحافظ على مصالحنا في مواجهة الفخ المزدوج للانتقال المخادع والرافعة الاقتصادية التي سيستفيد منها النظام في الواقع؟”، لتجيب عبر حزمة توصيات، منها (تلخيصًا): إقناع الشركاء الأوروبيين بأن رافعة إعادة الإعمار التي يسعى إليها النظام هي وهم، والتصدي للتطبيع، والحفاظ على مستوى التعاون في مكافحة الإرهاب مع الإدارة الأميركية الجديدة (إدارة دونالد ترمب في ولايته الأولى)، والتأكيد على أن الإرهاب لن ينخفض بتسليم سوريا للنفوذ الإيراني”، فضلًا عن دعم قوى الأمر الواقع في شمال، وشرق، وجنوب البلاد، وطمأنة الأردن وتركيا بأن الهدف من الدعم ليس “إضفاء الطابع المؤسسي على تقسيم البلاد، بل إقامة حوكمة مستقرة وسيطرة أمنية صارمة في المناطق السنية المتاخمة لحدودهم لدرء خطر التطرف”.
كيف نشأ “الفردان”؟
لم تنشأ “إمارة أومسين/ديابي” الصغيرة من دون علم “هيئة تحرير الشام”، بل بتوافق معها، وفي إطار تفاهم جاء عقب تردي العلاقات بينهما، وقضى بأن يعتزل أومسين العمل “الجهادي” بما في ذلك أن يوقف نشاطه في تجنيد فرنسيين جدد، واجتذابهم من فرنسا إلى إدلب.
كانت منظمة “الهلال الأحمر” القطري قد وقّعت اتفاقًا مع “مؤسسة الفردان الخيرية” عام 2016 لدعم مشروع “حياة كريمة”، على أن يُخصص تبرع “الفردان” لإنشاء “مدينة الفردان الخيرية”، وهي عبارة عن قرية متكاملة تضم 200 وحدة سكنية في مدينة حارم على الحدود السورية التركية، وفق المعلومات التي نُشرت عن المشروع وقتذاك (من اللافت أن مقاطع فيديو عديدة توثق افتتاح القرية حُذفت من الإنترنت).
تاليًا تحولت قرية الفردان الخيرية إلى واحدة من “القرى الطينية الخمس” التي أنشأها “الهلال الأحمر القطري” في المنطقة الحدودية، وفي هذه القرية تحديدًا نشأت “إمارة أومسين”، على أن التطابق الذي جاء بمحض المصادفة بين اسم الممول واسم مدينة فرنسية، أوحى بأن الاسم أُطلق بقرار من أومسين وكتيبته الفرنسية.
الخلاف الأول
قبل سبعة أعوام نشبت المواجهة العسكرية الأولى بين “كتيبة الغرباء الفرنسية” وبين “تحرير الشام”. كان التوتر قد بدأ بين الطرفين في 2015، لأسباب تنافسيّة بين زعيم تحرير الشام أبو محمد الجولاني (رئيس المرحلة الانتقالية حاليًا، أحمد الشرع) وبين أومسين، قبل أن تتفاقم على خلفيّة عدم التزام الأخير بالاتفاق الذي يقضي بـ”اعتزاله النشاط الجهادي”.
غير أن الفتيل الذي أشعل المواجهة كان مطابقًا تمامًا للفتيل الذي أشعل المواجهة الحالية: خلاف على حضانة طفلة اسمها ياسمين، هي ابنة “جهادي” فرنسي سابق. كان أومسين قد احتجز الطفلة وأودعها في عهدة “بنيامين الفرنسي” وهو “جهادي” تابع له، ودأب “بنيامين” بدوره على ابتزاز والدة الطفلة وسحب مبالغ ماليّة منها بين وقت وآخر مقابل السماح لها برؤية صور ابنتها، ومحادثتها عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي (أعيد نشر مقاطع في الأيام الأخيرة على أنها تعود إلى التوتر الحالي، وهذا خطأ).
ياسمين، هي ابنة “الجهادي” مهدي جند الله الفرنسي، الذي أوصى أومسين بـ”رعاية ابنته وعدم تسليمها لأمها في حال استشهاده، لأنّ الأم كافرة”، على ما أكده لي بشكل مباشر أحد المقربين من أومسين في 2018. أدّت تطوّرات القضية إلى نشوب اشتباكات متفرقة بين مسلّحين تابعين لـ”حرّاس الدين” من بينهم فرنسيّون، وآخرين تابعين لـ”تحرير الشام”، إذ كان أومسين قد أعلن انضمام كتيبته إلى “حراس الدين” وفاء لـ”بيعة” في عنقه لتنظيم “القاعدة”، بعدما أعلنت “جبهة النصرة/تحرير الشام” فك الارتباط بالتنظيم الأم، وقرر “القاعدة” اعتماد “حراس الدين” فرعًا له في سوريا.
في آب/أغسطس 2018 اعتقلت “تحرير الشام” أومسين، ثم قضى اتفاق بينها وبين “حراس الدين” بتشكيل لجنة للبت في القضية، وحكمت اللجنة بردّ الطفلة إلى أمها الفرنسية (كانت تقيم في فرنسا)، كما أُطلق سراح أومسين على أن يعاود التزام الاتفاق، ويعتزل نشاطه.
نهج “شرعي”
في الخلاف الحالي بين دمشق، وأومسين برز الحديث عن “اختطاف امرأة” من قبل مجموعة أومسين، وسرعان ما ظهرت رواية مضادة ووثائق تشير إلى خلاف حول “حضانة شرعية لطفلة”، على نحو مطابق تمامًا لقصة ياسمين (2018). يرتبط الأمر جوهريًّا بـ”الدستور” الذي سنّه عمر أومسين لـ”إمارته” الصغيرة، إذ ينص على أن “حضانة أي طفل من صلب جهادي فرنسي، حق لأمير الجماعة، ويمكنه أن ينيطه بمن يشاء”، وهذا الحق “يعلو على حق أم الطفلة إن كانت تعيش خارج الفردان، بل وعلى حق أبيها أيضًا إن كان يعيش في بلاد كفر”.
العلاقة مع “التركستان”
يمكن القول إن علاقة عمر أومسين بـ”الجهاديين التركستان” في سوريا هي الخطر الجوهري الذي تستشعره دمشق، وهذا ليس وليد اليوم. ففي أيار/مايو 2018، أصدرت “مؤسسة صوت الإسلام” الذراع الإعلاميّة لـ”الحزب الإسلامي التركستاني” شريطًا مصوّرًا فريدًا من نوعه في مسيرة “الحزب”. فخلافًا للإصدارات الأقدم التي كانت تهتم بمخاطبة الأويغور والأتراك فحسب، جاء ذلك الإصدار موجّهًا إلى “جهاديي الغرب”، وحمل اسم “الهجرة إلى الله”.
في الشريط، وعلى امتداد ساعة وعشر دقائق، تناوب الظهور كنديٌّ ومغربيٌّ وثلاثة فرنسيين للحديث عن مزايا “الجهاد” والترويج له. وفُسرت تلك الخطوة على أنها دخول لـ”التركستاني” على خط “عولمة الجهاد”، وسعي لاستقطاب “مهاجرين” من جنسيات مختلفة. وسريعًا انشغلت الصحافة الفرنسية بهذا التحول، وحفلت بمعلومات عن دور مباشر لـ أومسين ومجموعته في النشاط الدعائي المستجد، بل وفي تدريب عناصر “التركستاني”. كان ذلك خطرًا يهدد احتكار “تحرير الشام” للتحالف مع “التركستاني”، وسببًا جوهريًّا لاستنفار “الهيئة” واعتقال أومسين بعد ثلاثة أشهر، بستارٍ من قصة الطفلة ياسمين.
ما أشبه اليوم بالأمس؟
في النزاع المستجد بين “هيئة تحرير الشام” بعدما باتت تتربع على رأس نظام الحكم في سوريا وبين أومسين وكتيبته الفرنسية، ثمة مُشتركات واضحة: نشاطٌ متنامٍ لأومسين في استقطاب “جهاديين” أجانب، استشعار مشترك للخطر من قبل دمشق وباريس، قصة حضانة طفلة، وتحالف أعاد مدّ رأسه بين أومسين وبين “جهاديين تركستان”. بيد أن الاختلاف الأبرز اليوم يتمثل في أن القسم الأكبر من “التركستان” بات محسوبًا على “الجيش السوري الجديد”.
يُفسر التفصيل الأخير ببساطة قدرة التركستان على الدخول في وساطة، والوصول إلى اتفاق تهدئة بين أومسين وبين “الهيئة” التي لا تريد بالتأكيد خلافات حادة مع قوة ضاربة في “جيشها”. ولذلك، يُرجح أن تنجح التهدئة مؤقتًا، على أن يُجدد أومسين التزامه بالاتفاق الذي لم يلتزمه يومًا.
ماذا سيحدث لاحقًا؟ قد نجد في سيرة أبو ماريا القحطاني عبرةً جديرة بالاهتمام.
ماذا عن الغد؟
ثمة أسئلة عديدة واجبة الطرح عن مستقبل العلاقة بين دمشق، و”الجهاديين” الأجانب، بمن فيهم، بل وعلى رأسهم “التركستان” المنضوون في “الجيش الجديد”. ولفهم جوهر هذه الأسئلة، أقتطف مرة أخرى من وثيقة مجلس الأمن (تموز/يوليو 2025) فقرة قد تبدو طويلة، لكنها تُغني عن تحليلات كثيرة. تقول الوثيقة في الفقرتين 57، 58:
“كانت الحركة الإسلامية لتركمانستان الشرقية، المعروفة أيضًا باسم الحزب الإسلامي لتركستان، طرفًا في تحالف هيئة تحرير الشام الذي أطاح بحكومة الجمهورية العربية السورية السابقة في كانون الأول/ديسمبر 2024، وقد تمركز أفرادها بعدئذ في دمشق وحماة وطرطوس في المقام الأول. ووفقًا لإحدى الدول الأعضاء، أجرت تلك الحركة، برعاية هيئة تحرير الشام، تدريبات على المهارات القتالية البحرية، بما في ذلك تدريبات على الهجوم على الزوارق السريعة، وعمليات الإنقاذ البحري، والسباحة والغوص بالسلاح، في شباط/فبراير 2025 في اللاذقية لتحسين قدرة مقاتليها على الصمود في ظروف ساحات المعارك المعقدة. وأبلغت تلك الدولة أيضًا بأن بعض الجماعات الإثنية في إحدى دول الشرق الأوسط التي تدعم “استقلال تركستان الشرقية” كثفت جهودها لجمع الأموال من أجل اقتناء أسلحة ونقلها سرًا إلى تلك الحركة في الجمهورية العربية السورية. وأبلغت إحدى الدول الأعضاء باختطاف الحركة مواطنين صينيين في الجمهورية العربية السورية والتحرش بهم وإرهابهم. ورأت إحدى الدول الأعضاء أن الولاء الأساسي للحركة الإسلامية لتركمانستان الشرقية/الحزب الإسلامي التركستاني هو للحكومة الجديدة للجمهورية العربية السورية. ورأت إحدى الدول الأعضاء حسب تقييمها أن الحركة تدين بالولاء لحكومة الجمهورية العربية السورية في المقام الأول. وقالت دولة عضو أخرى إن أفراد الحركة اندمجوا في المجتمع السوري وأصبحوا موظفين في وزارة الدفاع في الجمهورية العربية السورية.
ولاحظت الدول الأعضاء تمركز صنع القرار في الحكومة المؤقتة. فتسعة وزراء على الأقل من بين 23 وزيرًا هم أفراد لهم صلة مباشرة أو غير مباشر بهيئة تحرير الشام، وشغل أربعة منهم مناصب عسكرية في هذه الجماعة. وهم يشرفون الآن على الوزارات الرئيسية (مثل وزارات الخارجية والدفاع والداخلية والعدل). ويُعهد بالعمليات التكتيكية إلى أفراد يؤمن العديد منهم بنفس أيديولوجية تنطيم القاعدة، ويثير ذلك تساؤلات بشأن السيطرة التي تمارسها هذه العناصر على الأرض”.
موقع أوان
——————————–
مسألة المقاتلين الأجانب في سورية/ عبدالله مكسور
29 أكتوبر 2025
في عمق الشمال السوري، وتحديداً في محيط إدلب باتجاه الحدود السورية التركية، تتكثّف واحدةٌ من أكثر القضايا تشابكاً وغموضاً في المشهد السوري. ملف المقاتلين الأجانب. القضية التي بدأت في جذورها جزءاً من معركة أوسع حملت في ظاهرها شعارات “النصرة، التحرير، الثورة”، وقامت على قاعدة “المهاجرين، الأنصار” لينتهي بها المطاف اليوم إلى عبء ثقيل يُقيد أي محاولة لإعادة ترتيب الأمن والسيادة في البلاد.
لم تكن حادثة اختطاف الطفلة الفرنسية داخل ما يُعرف بـ”مخيم الغرباء” في محيط حارم مجرّد واقعة جنائية أو أمنية محدودة، وإن بدَت في ظاهرها كذلك، بل تمثِّل، في جوهرها، انفجاراً مصغّراً لأزمة متراكمة منذ أكثر من عقد على الأرض السورية. في هذه الحادثة، تتداخل المسافات بين المحلي والدولي، وبين القانون والسياسة، وبين سيادة الدولة السورية الجديدة – الشريكة السابقة لرفاق الخندق مع إرادات الخارج، لتكشف عن مأزقٍ لا يخصّ دمشق وحدها، بل يمتد إلى عواصم كبرى تركت خلفها “مواطنيها الجهاديين” في أرضٍ تنتهجُ وفق المُعلَن مبدأ إطفاء الحرائق المتناثرة منذ “8 ديسمبر” (2024).
منذ بدايات عام 2012، تحوّلت سورية إلى نقطة جذب مركزية للجهاديين العالميين، بعد أن وُضِعَت في خانةِ أرض المعركة الكبرى ضد الظلم. جاء مئات المقاتلين من فرنسا، بلجيكا، بريطانيا، أفريقيا، المغرب العربي الكبير ودول الاتحاد السوفييتي السابق، بعضهم بدافع ديني صرف، وآخرون لأسباب وجودية أو سياسية أو حتى انتقامية من مجتمعاتهم. دخل هؤلاء المقاتلون المشهد السوري في لحظة الفوضى الكبرى التي أعقبت انقسام المعارضة وتراجع سيطرة دولة الأسد في مناطق واسعة، ليجدوا لأنفسهم مواقع داخل بنية التنظيمات المسلحة التي راحت تتكاثر وتتنوع أيديولوجياً وعسكرياً. وبمرور الوقت، تمايزت طبقات الجهاد السوري، كما لو كانت انعكاساً لخرائط النفوذ الدولي نفسها. فمن جبهة النصرة التي حملت الهوية القاعدية، إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) التي أعلنت مشروع دولة موازية، وصولاً إلى حرّاس الدين وفرقة الغرباء، لتظهر تشكيلات أكثر انغلاقاً وأشدّ ارتباطاً في مركزيتها بالمقاتلين الأجانب. كانت تلك الجماعات تملك رؤية فوق سورية، تنظُر إلى نفسها باعتبارها جزءاً من معركة كونية، لا شأن لها بحدود الجغرافيا ولا باعتبارات السياسة المحلية أو التفاهمات المطروحة.
تمثل فرقة الغرباء بقيادة الفرنسي السنغالي عمر ديابي (أومسين) اليوم خلاصة هذا المأزق. إنه الصبي السنغالي، الداعية الديني لاحقاً، الفرنسي فيما بعد، لم يكن مجرّد مقاتل عابر للحدود، بل يمثّل، في حالته، رمزاً لتقاطع ثلاث دوائر: الفكر الجهادي العابر للحدود، والتجنيد الإلكتروني الذي ربط الضواحي الفرنسية والأحياء الأفريقية بجبهات إدلب واللاذقية، والازدواجية الغربية في التعامل مع أبنائها الضالين. فقد كان الرجل، بحسب تقارير فرنسية وأميركية، مسؤولاً عن تجنيد أكثر من 80% من الجهاديين الناطقين بالفرنسية الذين التحقوا بسورية والعراق. اعتُقل من هيئة تحرير الشام عاماً ونصف العام ثم أُفرج عنه، وعاد ليقود مجموعة صغيرة من حيث النسبة والتناسب العددي مع فصائل انضمّت إلى الدولة السورية الجديدة، لكنها متماسكة فكرياً، لتصبح آخر ما تبقّى من البنية الأصلية للمقاتلين الأجانب في البلاد، الذين يحاولون وفق المعنى العام إقامة دولة داخل الدولة، دولة تتحكم بها قيادات تتكلم لغاتٍ مختلفة، لكنها تتقاطع جميعاً في مفهوم الاستقلال عن الجميع في مناطق يمكن وصفها بالرمادية التي تعيش على حافة الشرعية.
في مساحة الاشتباك هذه، يمكن تأطير المشهد في الضفتين التاليتين: عندما حاولت دمشق فرض سلطتها على المخيّم، برّرت العملية بأنها تطبيق للنظام العام وفق الإعلان الرسمي الصادر عن الأمن الداخلي في إدلب، بينما ردّت فرقة الغرباء ببيانٍ غارقٍ في التناقضات، يتّهم الدولة بالعمالة والتنسيق مع المخابرات الفرنسية. تختصر هذه المفارقة عمق المأزق السوري الحالي: فكل طرف يتّهم الآخر بأنه فقد بوصلته الأخلاقية والوطنية، وخان زمن الخنادق! وبالتالي، العلاقة بين الدولة السورية الجديدة والمقاتلين الأجانب اليوم أشبه بترسّباتٍ من زمنٍ لم يُطوَ بعد. تحاول دمشق، في مرحلة ما بعد التحرير، إدماجهم ضمن بنية الدولة، وفي الوقت نفسه، تخفيهم عن الكاميرات أو تقلل من ظهورهم في الأضواء. ولا يقتصر هذا على المؤسسات الأمنية والعسكرية، بل يمتد إلى المؤسّسات المدنية. والإشارة هنا بوضوح إلى المعهد الدبلوماسي الذي يُناط به رفد وزارة الخارجية بالكوادر، فقد شهدت دورات هذا المعهد، منذ إعادة إطلاقه بعد سقوط نظام الأسد، وجود شخصيات فيه من المقاتلين الأجانب الذين انخرطوا في عملية ردع العدوان. بينما يتعامل معهم المجتمع الدولي مشكلة مؤجلة، لا بوصفهم مسؤولية إنسانية.
هل ما يحدث اليوم أو تمرّ به سورية انطلاقاً من شمالها استثناء تاريخي؟ قطعاً لا، يمكن وضعه في سياق الامتداد لسلسلة طويلة من التجارب التي تشكّلت بعد حروب عديدة معاصرة. فالمقاتل الأجنبي، في جوهره، ليس مجرّد شخصٍ يقطع الحدود بسلاحه وعقيدته، بل هو تعبير عن فكرةٍ عابرة للأوطان تبحث عن معنى أو انتماء خارج مفهوم الدولة التقليدية ومقاربتها. ظهرت هذه الفكرة في إسبانيا في ثلاثينيات القرن الماضي، حين لبّى آلاف المتطوعين نداء الألوية الدولية للدفاع عن الجمهورية ضد الفاشية. لكنهم خرجوا بعد الحرب ضمن تسوية واضحة أنهت وجودهم العسكري، لتبقى تجربتهم درساً في إمكانية ضبط الظاهرة ضمن أطر قانونية وأخلاقية. لكن عندما انتقلت الظاهرة إلى أفغانستان في الثمانينيات، تغيّر المشهد تماماً. فالمقاتلون الذين تدفّقوا آنذاك تحت شعار الجهاد ضد السوفييت لم يعودوا متطوّعين ضمن ألوية منظّمة، بل تحوّلوا إلى بنية عابرة للحدود لم تعترف بأي سيادة وطنية. في غياب الإطار السياسي والدولي المنظّم الذي جعل أولئك المقاتلين يتحولون إلى شبكة مفتوحة أنتجت لاحقاً تنظيم القاعدة، لتصبح الظاهرة من بعدها عاملاً بنيوياً في زعزعة استقرار دولٍ كاملة. وبالتالي، تبرز أفغانستان هنا باعتبارها المثال الأوضح على أن ترك الغرباء بلا تسويةٍ قانونية أو مشروع إعادة دمج يعني إيجاد كياناتٍ ظلّية قادرة على إعادة إنتاج العنف إلى ما لا نهاية. كذلك من الممكن التوقف عند نماذج أكثر براغماتية في التعاطي مع هذا الملف في العالم، سيراليون وليبيريا مثلاً اللتين فرضتا برامج نزع سلاح وإعادة تأهيل شاملة للمقاتلين الأجانب بعد انتهاء الحروب الأهلية، لم تقتصر التجربة على تسليم السلاح، بل شملت أيضاً مسارات للتعليم والعمل والمواطنة، بحيث يجري امتصاص فائض القوة داخل المجتمع، بدل أن يتحوّل إلى تهديد دائم. وبهذه الصيغة، استطاعت تلك الدول أن تمنع انبعاث الصراع من جديد، وأن تحوّل فرقة الغرباء من مصدر خطر إلى جزءٍ من عملية إعادة البناء.
في الحالة السورية، تتداخل جميع هذه النماذج، من دون أن يتحقق أي منها فعلياً، فالدولة لم تستطع بناء إطار مؤسسي لاستيعاب الظاهرة أو تفكيكها، فيما تخلّت دول المنشأ عن مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية تجاه مواطنيها الذين قاتلوا في سورية. وهكذا وُلد وضعٌ فريد: مقاتلون أجانب يعيشون في فراغ، محاصرون بين ثلاث جبهات: سلطة تراهم عبئاً أمنياً، وفصائل تنظر إليهم أدوات ضغط، ودولٍ غربية ترفض استعادتهم خشية انتقال الخطر إلى أراضيها. أنتج هذا الفراغ شكلاً جديداً من حالة اللاانتماء، حيث يعيش المقاتل الأجنبي بلا قضية واضحة ولا وطنٍ يعترف به، ويتحوّل، مع مرور الوقت، إلى فاعلٍ رماديّ في اقتصاد الحرب ضمن مجمّعات محدّدة. تُبقي هذه الحالة من الجمود المسلح الملف على الطاولة السورية والدولية في منطقة مؤجلة للحسم، ليس بسبب القوة العسكرية، بل لأن الوجود، بحد ذاته، يعكس عجزاً محلياً ودولياً عن وضع حدٍّ قانوني وأخلاقي لهذه الظاهرة. في ظل اختلاف تعريف سورية في الأذهان بين الجميع.
من بين كل الأصوات التي حاولت التبرير أو التفسير أو حتى التخفيف من حجم الكارثة المقبلة، برزت تلك الفئة التي تتحدّث باسم الرؤية الرسمية من دون الظهور بمسمّيات تشير إلى الوظائف التي يعملون بها في الدولة الجديدة. إنهم المدافعون عن كل خطوات الدولة السورية عبر الشاشات، أولئك الذين يظنون أن تكرار الجمل الجاهزة كافٍ لتصويرهم حماةً للعقل والشرعية. تسمع أحدهم يقول بثقةٍ عجيبة: “عمر ديابي لا يشكّل أي أهمية للدولة الفرنسية”. جملة تبدو كأنها خرجت من نشرة تدريبية في الإنكار السياسي، أكثر مما تعبّر عن وعيٍ بحقيقة ما يجري في الشمال السوري. لا يعرف هؤلاء أن الجهل ليس وجهة نظر، وأن تسطيح المسائل المعقّدة لا يحولها إلى إنجازات أمنية. فهم يتعاملون مع ملف المقاتلين الأجانب كما لو أنه فقرة في تقرير إداري، لا ظاهرة عابرة للحدود تهدّد توازن المنطقة، وتكشف عجز المجتمع الدولي عن مواجهة إرث أكثر من عقدٍ من الحرب. وحين يصرّ أحدهم على القول إن “الموضوع بسيط” أو أن “الأمر تحت السيطرة”، لا تدري أهو يعيش في جغرافيا أخرى أم في سرديةٍ حكوميةٍ لا علاقة لها بما يحدث فعلاً بين إدلب وحارم ومخيم الغرباء.
لا تأتي الميوعة في الخطاب من قلة المعلومات، بل من الإفراط في الطمأنينة المزيفة والمركزية الزائفة، من إيمانٍ غريبٍ بأن الإنكار من أشكال السيادة. وكأن القول إن “ديابي غير مهم” يمكن أن يلغي أثره في تجنيد مئات الشبان الأوروبيين والأفارقة، أو محوه من ذاكرة شبكات سرّية ما تزال تنبض في الظل. إنها ليست حالة الدفاع عن الدولة بقدر ما هو دفاع عن الجهل والفرصة التي يجب ألا تضيع من خلال رفع راية الوعي الوطني والمعرفة الواسعة، فيما بالكاد هم يدركون الفرق بين السيطرة على الأرض والسيطرة على المعنى، بين الأمن الحقيقي والارتجال الإعلامي الذي يحوّل الخطر إلى نكتةٍ بيروقراطية سمجة وممجوجة دون إنهائه أو فكفكة جذوره.
العربي الجديد
—————————–
«غرباء» بين «مهاجرين»… المواجهة الصامتة بين «كتيبة الفرنسيين» ودمشق/ سلطان الكنج
حادثة عابرة أم بداية لتحييد المقاتلين الأجانب؟
6 نوفمبر 2025 م
تُعيد المواجهات الأخيرة التي اندلعت في ريف إدلب بين فصيل فرنسي مسلح هو «الغرباء» والقوات الحكومية السورية، تسليط الضوء على واحد من أكثر الملفات تعقيداً وإثارة للجدل في المشهد السوري الجديد.
ففي منطقة حارم شمال إدلب، لم تكن الاشتباكات حادثاً أمنياً معزولاً عن سياقات المشهد، بل بدا وكأنه اختبار لسياسات دمشق تجاه آلاف المقاتلين الأجانب الذين بقوا على الأراضي السورية بعد سنوات الحرب.
وتبدو الصورة الأكثر وضوحاً أن الأحداث الأخيرة شكّلت بداية التعاطي الجدّي مع ملف «المقاتلين الأجانب» وعودته إلى الواجهة من جديد بعدما قطعت الدولة السورية الناشئة شوطاً في بناء الثقة مع المجتمع الدولي فيما يتعلق بمنع الأجانب من تسلُّم مناصب قيادية في الجيش السوري الجديد.
بدأت القصة في الثاني والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول) بعدما «توجهت قوات الأمن الداخلي إلى أحد المخيمات في بلدة حارم شمال إدلب، حيث يقيم مقاتلون فرنسيون بقيادة عمر ديابي، المعروف باسم (عمر أومسن)» لتنفيذ عملية أمنية، استجابة لـ«شكاوى عن انتهاكات خطرة بينها اختطاف فتاة على يد مجموعة يقودها عمر ديابي الذي رفض تسليم نفسه»، بهدف تطبيق القانون وفرض سلطة الدولة على المخيم، بحسب الرواية الرسمية.
لكن قائد «فرقة الغرباء» الفرنسي من أصول أفريقية، عمر ديابي، نفى الاتهامات الموجهة إليه، متهماً المخابرات الفرنسية بالوقوف وراء ما وصفه بـ«استهداف سياسي». وتنظر باريس إلى «ديابي» بأنه أحد أبرز المسؤولين عن تجنيد «الجهاديين الناطقين بالفرنسية»، فيما «صنّفته واشنطن منذ عام 2016 بأنه (إرهابي عالمي)».
وانتهت المعركة بعقد لقاء للمصالحة بوساطة من قادة الفصائل من الأوزبك والطاجيك والتركستان في مخيم حارم، وأعلنت «فرقة الغرباء» على صفحتها على موقع تلغرام إنها توصلت لاتفاق لوقف إطلاق النار ووجهت الشكر لـ «إخواننا المهاجرين والأنصار الذين أحسنوا الظنّ بنا».
غرباء بين مهاجرين
تضم «فرقة الغرباء» نحو 70 مقاتلاً فرنسياً يعيشون مع عائلاتهم داخل مخيم محصّن على الحدود التركية مباشرة، ما زاد في صعوبة تنفيذ عملية اقتحام المخيم من قبل القوات الأمنية بعد مواجهات مسلحة انتهت بتوقيع اتفاق من ست نقاط بجهود مشتركة من عدد من قيادات المقاتلين الأجانب. نص الاتفاق على «وقف إطلاق النار، وفتح المخيم أمام الحكومة، وإحالة قضية عمر ديابي إلى (القضاء الشرعي) في وزارة العدل، وسحب السلاح الثقيل، وضمان عدم ملاحقة المشاركين في الاشتباكات».
ويُقدر عدد المقاتلين الأجانب بأكثر من خمسة آلاف مقاتل التحقت النسبة الكبرى منهم في وزارة الدفاع ضمن الفرقة 84. وتواجه الحكومة السورية ضغوطاً من عواصم غربية لإبعادهم عن المناصب العليا، فيما تبنت الحكومة خطاباً لطمأنة دول العالم بأن هؤلاء لن يشكلوا أي خطر على الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم. وبحسب الرئيس السوري أحمد الشرع، فإن المقاتلين الذين قاتلوا في صفوف المعارضة هم جزء من المجتمع الجديد، وأن سوريا ستتعامل معهم بروح المصالحة لا الإقصاء. وقد حصل عدد منهم بالفعل، على رتب عسكرية ووظائف رسمية في الجيش، باعتبار ذلك ترجمة عملية لسياسة «الاحتواء». واللافت في هذا السياق، أن التصريحات الرسمية من داخل المؤسسة العسكرية جاءت لتؤكد أن حادثة «حارم» لا تمثل تغييراً في هذه السياسة.
انضباط لا استهداف
يقول مسؤول في الجيش السوري، فضّل عدم ذكر اسمه، لـ«الشرق الأوسط» إن «ما جرى في مدينة حارم لا يستهدف المقاتلين الأجانب الذين وقفوا معنا طوال سنوات الحرب، وساندوا الثورة السورية، وكان لهم دور فاعل في عمليات التحرير»، مشدداً على أن العلاقة بهم مبنية على الالتزام المتبادل. وأضاف: «هؤلاء المقاتلون التزموا بقرارات الدولة، وانضمّ كثير منهم رسمياً إلى وزارة الدفاع». وينفي المسؤول العسكري أن يكون ما جرى «حملة ضدهم كما يروّج البعض، بل تطبيق للقانون فحسب». موضحاً أن الجيش السوري الجديد يعمل «وفق منظومة واضحة من الانضباط والتعليمات العسكرية، لا يُستثنى منها أحد، سواء كان سورياً أم مهاجراً». وأضاف أن «أي مخالفة للقوانين أو تجاوز للأوامر ستُقابل بإجراءات رادعة، لأن الجميع داخل المؤسسة العسكرية يخضع لنظام موحد يحكمه القانون والانضباط».
خلاف التسميات
بعيداً من الرواية الرسمية، يرى مراقبون وقادة عسكريون سابقون أن الأزمة أعمق من مجرد مخالفة قانونية، وأنها تكمن في صميم عملية بناء الدولة الجديدة وهويتها. «أبو يحيى الشامي»، وهو «قائد عسكري سابق في أحد الفصائل الإسلامية»، تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن نقطة يراها جوهرية، وهي «التوصيف». فـ«الشامي» يرى «أن وصف المقاتلين بـ(الأجانب) ليس دقيقاً ولا منصفاً». بالنسبة له، هذا المصطلح يحمل دلالات سلبية، ويعتبر «أن الأفضل تسميتهم بالمهاجرين، لأن كلمة (أجانب) تنزع عنهم الشرعية التي اكتسبوها بتضحياتهم في صفوف الثورة السورية». ويعتقد «الشامي» أن هذا الاندماج قد حدث بالفعل على المستويين الاجتماعي والسياسي. وأشار «الشامي» إلى «أنه لا توجد اليوم فصائل من المهاجرين ذات توجه مستقل عن توجه السوريين، فبعد أكثر من عقد من الحرب أصبحوا جزءاً من المجتمع المحلي، وما يرضي السوريين يرضيهم، وما يرفضه السوريون يرفضونه».
من هذا المنطلق، يرى «الشامي» أن طريقة التعامل مع حادثة «حارم» كانت خاطئة منذ البداية. «التصعيد الإعلامي والأمني الذي رافق حادثة حارم كان خطأ، لكن الحكومة تداركته بالصلح بعد أن كادت الأمور تتجه نحو مواجهة خطيرة».
وشدد على أن «المطلوب هو التعامل مع مثل هذه القضايا بحكمة ورويّة، فالمهاجرون لديهم تخوفات مشروعة يجب نتفهمها»؛ في إشارة إلى الخوف من الملاحقة أو الترحيل إلى بلدانهم الأصلية أو التهميش بعد انتهاء الحرب.
وعليه، يرفض «الشامي» توصيف ما حدث بـ«التمرد»، معتبراً أنه «لا يمكن الحديث عن تمرّد من جانب المقاتلين الفرنسيين، فهم جزء من الجيش السوري». وقال: «ما تحققه الدولة بالحوار والوساطة أوفر تكلفة وأكثر احتراماً لهيبتها من تحقيقه عبر الاشتباك». ويختتم «الشامي» رؤيته بشرط لنجاح هذا الاندماج: «اندماج المهاجرين في المجتمع السوري لن يستغرق وقتاً إذا حصلوا على تطمينات كافية بأنهم لن يُرحّلوا إلى بلدان قد تضطهدهم، وأن حقوقهم محفوظة بصفتهم مواطنين ساهموا في الدفاع عن سوريا الجديدة».
تحديات هيكلية
من زاوية تحليلية، يرى الباحث وائل علوان أن ما حدث يكشف عن تحديات هيكلية عميقة تواجه الدولة السورية. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «ما حدث يؤكد أن دمج المهاجرين في مؤسسات الدولة لم يكتمل بعد»، مؤكداً على أن «المرحلة القادمة ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على تحقيق هذا الاندماج فعلاً، لا قولاً».
ويوضح علوان أن «جزءاً من المقاتلين الأجانب قد لا يتمكن من الاندماج في مؤسسات الدولة، ما يضعها أمام خيارين: إما إخراجهم من سوريا بطريقة منظمة، أو ضمان عدم تحولهم إلى عناصر مهدّدة للاستقرار». واعتبر علوان أنه سيترتب على السلطات «أن توازن في كل مرة بين أولوية الأمن والاستقرار من جهة، وأولوية إنجاح مشروع الدمج وتفكيك التشكيلات المسلحة من جهة أخرى».
لكن الهدف النهائي، بحسب علوان، واضح ولا رجعة فيه. «الحكومة ستواصل التعامل مع هذه الملفات بحكمة، فهي لا تملك خياراً سوى تفكيك الفصائل المسلحة – سواء كانت من السوريين أو المهاجرين -»، وهذا الهدف ليس فقط استجابة للرغبات الدولية، «بل لأنه شرط أساسي لفرض سلطة الدولة وهيبتها».
وتابع علوان موضحاً: «طريقة الصلح التي اعتمدتها الحكومة في حارم، رغم الانتقادات التي وُجّهت لها بأنها تُذكّر بأساليب الفصائل السابقة، كانت مقصودة لاحتواء الأزمة سريعاً وتفكيكها بأقل تكلفة ممكنة».
وختم علوان بالقول إن «هناك بالفعل فئات داخل بعض الأوساط المقاتلة، سواء من السوريين أو المهاجرين، غير راضية عن سياسات الحكومة الداخلية والخارجية، ولهذا فإن الدولة بحاجة اليوم إلى خطاب ديني جديد يخاطب هذه الفئات ويقنعها بخيارات المرحلة القادمة، وهو ما بدأت به مؤخراً فعلاً».
تباين في الرؤى
لفهم الاختلاف الآيديولوجي داخل مجموعات «المهاجرين» أنفسهم، التقت «الشرق الأوسط» بقياديين منهم، وكلاهما منضوٍ ضمن وزارة الدفاع السورية، تعكس آراؤهما تبايناً واضحاً في الرؤية.
«أبو مهاجر» قيادي عسكري من جنسية «عربية»، أوضح أنه «ينتمي رسمياً لوزارة الدفاع السورية ويقاتل تحت رايتها». ويمثل «أبو مهاجر» نموذج الاندماج الكامل والولاء الواضح للدولة الجديدة، إذ قال: «نحن مع الدولة السورية ولن نخرج عن سياستها، نسالم من تسالم ونحارب من تحارب».
وبالنسبة له، فإن الهدف الذي جاء من أجله قد تحقق بانتصار الثورة وقيام الدولة. لافتاً إلى أنه «عندما قدمنا إلى سوريا كان هدفنا الدفاع عن أهل البلد لا أن نقرّر عنهم ولا أن نقودهم. جئنا فقط لنصرتهم». وتابع: «وعندما انتصرنا نحن وهم كنا تبعاً للدولة التي تمثل ثمرة الثورة والهدف الذي قدمنا من أجله، وهو إسقاط النظام ونصرة السوريين وأن تكون لهم شوكة بعد أن كانوا مستضعفين». ويرى أن هذا الهدف قد تحقق: «اليوم هم أصحاب الشوكة، وهذا بحد ذاته هدف شرعي». ويختم بتأكيد التزامه: «نحن اليوم جزء من الجيش السوري ونلتزم بكل قرارات وزارة الدفاع، ولن يكون غير ذلك، ومعظم المهاجرين على هذه القناعة».
وعلى النقيض من «أبو مهاجر»، أبدى القيادي «أبو مثنّى»، الذي ينتمي أيضاً لوزارة الدفاع، تحفظاً تجاه سياسات الدولة في تعبير عن طيف من «المهاجرين» الذين يشعرون بـ«خيبة أمل آيديولوجية»، بحسب وصف وائل علوان.
ويقول «أبو مثنى» في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «الهدف الذي خرجنا من أجله وقُتل كثير من إخوتنا في سبيله لم يكن أن تُبنى الدولة بهذا الشكل، فالدولة الحالية تركت شبيحة النظام، وولّتهم مناصب على حساب المظلومين، كما أنها لم تُزل المنكرات، بل زاد أهل المنكر ورفعوا أصواتهم بها علناً، بعدما أظهرت الدولة لهم اللين والمداراة مراعاة للخارج».
ويرى «أبو مثنّى» أن ما يحدث من تحولات هو نقيض للهدف الذي ضحوا من أجله، ولكن ومع ذلك «لن نشق عصا الطاعة؛ لأننا ندرك أن خصوم الدولة يستغلون أي خلاف لضربها ورميها عن قوس واحد». وأضاف: «واجبنا في هذه المرحلة هو النصح، والتحذير، وإقامة الحجة، وأن نصدح بالحق من داخل المنظومة، لا أن نحمل السلاح ضدها أو نزيد الانقسام».
ما بالعقل وما بالقلب
هذا التباين في وجهتي النظر بين «أبو مهاجر» و«أبو مثنّى» يفسّره عبد الله خالد، وهو أحد الشرعيين في «هيئة تحرير الشام» سابقاً ومستشار التوجيه الشرعي والمعنوي في الجيش السوري (الجديد) حالياً، في حديثه لـ«الشرق الأوسط». وبدأ خالد من توصيف طبيعة «المهاجرين» بالقول إنهم «يمتازون بتمكّن عقيدتهم من قلوبهم». ويشير إلى أن «هذا الارتباط العميق هو ما جعلهم يتركون رغد العيش في أوروبا ويسافرون إلى سوريا، التي كانت تُعدّ أخطر مناطق العالم خلال أعوام الثورة، بغضّ النظر عن مدى صحة تلك العقيدة أو خطئها».
وأضاف موضحاً أن «الخطاب الديني الذي ساد في أوساط الفصائل خلال سنوات الثورة كان بطبيعته حماسياً ومشحوناً بالتعبئة والتحدي». وكان «هذا النمط من الخطاب» «مناسباً لمرحلة الحرب والمواجهة التي احتاجت إلى رفع المعنويات وشحذ الهمم». لكن المشكلة بدأت عند الانتقال من «الثورة» إلى «الدولة»، «بعد سقوط النظام وتسلم (هيئة تحرير الشام) ومعها عدد من الفصائل زمام الحكم في دمشق، واصطدام عناصرها بالواقع المحلي والدولي، كان من الطبيعي أن يتغير الخطاب الديني شكلاً ومضموناً؛ لأن خطاب المسؤول عن شعب بأكمله يختلف جذرياً عن خطاب قائد فصيل يتحدث لمجموعة من المقاتلين».
ويؤكد خالد أن «هذا التحوّل ينسجم مع مقتضيات المنطق والعقل والشرع، والانتقال من مرحلة القتال إلى مرحلة الحكم، لكنه يصطدم بقوة العقيدة المتجذرة في قلوب كثير من المهاجرين – وكذلك بعض السوريين – ما حال دون تقبّلهم للتغير في الخطاب والنهج». ويعتبر خالد أن الخيارات المتاحة أمام هذا التيار الرافض، محدودة وقاسية، وقال: «الدولة تسير وفق منهجها الجديد ولن تسمح بتجاوزه». وبناءً عليه، «أمامهم 3 خيارات، إمّا الصدام مع الدولة الجديدة، أو الاعتزال والصمت، أو القبول بالمنهج القائم والتكيّف معه».
الشرق الأوسط
—————————————-
هل انضمّت سورية إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب؟/ عمر كوش
29 أكتوبر 2025
شاركت وحدات من جهاز الأمن والاستخبارات التابعة لوزارة الداخلية السورية، أخيراً، في عملية عسكرية للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي تقوده الولايات المتحدة، أسفرت عن القبض على عضو بارز في التنظيم كان يختبئ في منطقة معضميّة القلمون المحاذية لبلدة الضمير في ريف دمشق.
تشير العملية إلى حدوث تطوّر أمني لافت، يعكس تنامياً في علاقة سورية مع التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، ويدشن مرحلة جديدة عنوانها التنسيق والتعاون المشترك بينهما. لذلك سارع المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية توماس برّاك إلى التعليق على العملية بالقول “سورية عادت إلى صفّنا”. وسبق للتحالف الدولي أن نفّذ، بالتعاون مع وزارة الداخلية السورية، عملية إنزال جوي واقتحام في مدينة الباب التابعة لمحافظة حلب في يوليو/ تموز الماضي ضد عناصر في “داعش”.
تبنّت وزارة الداخلية السورية العملية التي جرت أخيراً، وذكرت في بيان أصدرته أن عناصر من جهاز الاستخبارات العامة نفذتها بشكل محكم، بالتعاون مع قيادة الأمن الداخلي، لكنها لم تشر أبداً إلى دور “التحالف الدولي”، تلافياً على ما يبدو للإقرار بالتعاون غير المعلن معه، في غياب اتفاق رسمي بين الطرفين في هذا الشأن. وتأتي العملية كي تعكس ما يقوم به الطرف الأميركي من خطوات على الأرض، وتلاقي ما تطالب به الإدارة السورية الجديدة، انضمام سورية إلى “التحالف الدولي”، حيث ترغب الحكومة السورية في أن تكون المسؤولة الأولى عن مهمّة بسط الأمن على كامل التراب السوري. ويدخل ذلك في سياق محاولاتها تجريد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من احتكار التعاون مع التحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة منذ تشكيله في سبتمبر/ أيلول عام 2014، واعتمدت “قسد” حليفها الأساسي في محاربة “داعش” على الأراضي السورية. ويمكن اعتبار هذا التعاون الأمني بين الحكومة السورية والتحالف الدولي نوعاً من الاختبار الأولي، ومن الممكن أن يتحوّل إلى بلورة صيغة تفاهم أو اتفاقية تسمح لقوات وزارة الدفاع السورية بالانضمام إلى قوات التحالف في محاربتها عناصر “داعش”، الذي ازدادت عملياته في الآونة الأخيرة، وخصوصاً في محافظة تدمر والبادية السورية، وصولاً إلى الحدود السورية العراقية.
سبق أن عبّرت الولايات المتحدة عن رغبتها في أن تنخرط قوات وزارة الدفاع السورية في عمليات التحالف. وتجسّدت هذه الرغبة في إعلان البيت الأبيض في مايو/ أيار الماضي أن أحد شروط الولايات المتحدة لرفع العقوبات المفروضة على سورية “مساعدة الولايات المتحدة في منع عودة ظهور داعش، وتحمل المسؤولية عن مراكز احتجاز مقاتلي التنظيم في شمال شرقي سورية”، التي تضم آلافاً من عناصره، وتتولى “قسد” مهمّة إدارة هذه المراكز، إضافة إلى المخيمات التي تحتجز فيها عائلات عناصر التنظيم. وأعلنت الإدارة الجديدة، في أكثر من مناسبة، استعدادها لإدارة مركز الاحتجاز والمخيمات الموجودة في كل مناطق الجزيرة السورية، لكن قيادات “قسد” المتشدّدة، وخصوصاً قادة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سورية التي تمانع بشدة حدوث ذلك، وتريد أن تبقى تلك المراكز والمخيمات تحت إشرافها وإدارتها، حفاظاً على المكاسب التي تجنيها من هذا. إضافة إلى سعيها للإبقاء على “قسد” الذراع البرّية الوحيدة للتحالف الدولي ضد “داعش”، كي تبقى قوة فاعلة، وتستخدمها ورقة قوة ضاغطة في المعادلة السياسية التي تتحكّم بالوضع السوري، وبشكل يمكّنها من توظيفها من أجل فرض شروطها للاندماج في وزارة الدفاع السورية.
ليس هنالك ما هو معلن رسمياً بشأن الخطوات التي قطعت لانضمام سورية إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية، لكن تقارير إعلامية تحدّثت عن وجود تفاهمات أولية بين الحكومة السورية والطرف الأميركي بشأن تنسيق الجهود في محاربة هذا التنظيم، من خلال السماح لقوات وزارة الدفاع السورية وللقوى الأمنية التابعة لوزارة الداخلية بالقيام بعمليات ضد التنظيم داخل الأراضي السورية، بالتنسيق مع قيادة قوات التحالف الدولي. وسبق لتنظيم داعش أن حذّر الرئيس السوري أحمد الشرع في إبريل/ نيسان الماضي من انضمام سورية إلى التحالف الدولي، لكن هذا لم يمنع وزارة الداخلية السورية من التنسيق مع القيادة العسكرية الأميركية في أكثر من عملية برّية ضد “داعش”، وجرى تنفيذها في محافظات حلب وإدلب والبادية.
تجادل الإدارة الجديدة بأنها تمتلك تجربة في محاربة تنظيم داعش، الذي يستفيد من الفراغ الأمني الكبير الحاصل على الخطوط الفاصلة بين قوات الأمن السورية و”قسد”، وتقع أبرزها في محافظة دير الزور، وخصوصاً المناطق الحدودية مع العراق، وفي ريفي حلب والرّقة. وهي مناطق معروفة بتضاريسها المعقدة، والمساحات الشاسعة التي يمكن الاختباء فيها والانخراط بين أهالي تلك المناطق، بالنظر إلى التداخل الحاصل بين النازحين الموجودين فيها مع أبناء تلك المناطق، والذين يسهل الاندماج معهم، ولا تتوفر إحصاءات أو معلومات للموجودين فيها. ويستغل التنظيم الدمار الذي طاول تلك المناطق، وتردّي الأوضاع المعيشية فيها من أجل تجنيد بعض شبان تلك المناطق، الذين يعانون من العوز والفقر.
الأجدى بالولايات المتحدة الدفع باتجاه تنفيذ اتفاق العاشر من مارس/ آذار (2025)، الذي وقعه الرئيس أحمد الشرع مع قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، والبدء باتخاذ خطوات لتنفيذه تدريجياً، بدءاً من نقل السيطرة الإدارية والأمنية على محافظة دير الزور ذات الغالبية العربية إلى السيادة السورية، وتمكين الحكومة السورية من إدارة المعابر الدولية في الشمال الشرقي مع العراق وتركيا، إلى جانب تمكينها من تولي إدارة آبار النفط والغاز واستثمارها، كي تعود بالفائدة على كل السوريين. ولا شك في أن ذلك كله سيساهم بشكل أكثر فاعلية في محاربة “داعش”، وتأمين الاستقرار في سورية ما بعد نظام الأسد.
العربي الجديد
——————————–
الجيش السوري الجديد.. تحديات جمع المتناقضين / موفق الخوجة | لمى دياب | محمد كاخي
انحل الجيش السوري تلقائيًا مع سقوط نظام بشار الأسد، فجر 8 من كانون الأول 2024، وفرّت معظم القيادات التي تلطخت أيديها بدماء الشعب السوري خارج البلاد، ما خلّف فراغًا بمؤسسة الجيش في سوريا.
وخلال مؤتمر النصر، في 29 من كانون الثاني الماضي، أُعلن عن حل الفصائل العسكرية التي حاربت ضد نظام الأسد لدمجها في هيكلية واحدة تحت وزارة الدفاع.
وتعد الفصائل المندمجة هي النواة الأساسية للجيش السوري الجديد، بمختلف توجهاتها وولاءاتها، ويشغل هذا الأمر اهتمامًا واسعًا لما يحمله من تطورات لتحقيق الاستقرار والأمن وتعزيز الوحدة الوطنية.
وتتجه وزارة الدفاع ليكون الجيش السوري الجديد تطوعيًا بعقيدة وطنية، مع نظام واضح لمنح الرتب العسكرية، يعتمد على التدريب والكفاءة لبناء قوات مسلحة احترافية، ويعتبر هذا تحولًا جوهريًا في هيكلية وهوية الجيش.
إلا أن المؤسسة العسكرية، التي تتخذ منهجًا هجينًا، بين الشرق والغرب، على خلاف الجيش السابق، الذي كان ضمن المعسكر الشرقي، يواجه سباقًا مع الزمن، لوضع الأسس، وسط مخاطر تحيط به، داخليًا وخارجيًا.
تناقش عنب بلدي في هذا الملف، هيكلية الجيش السوري الجديد، الذي ما زال في طور التشكيل والتأسيس، وتستعرض خطواته التي اتخذها، مع باحثين وخبراء، وتبحث في مكامن الضعف والقوة.
الهيكلية والعقيدة..جمع الشرق والغرب
عملت وزارة الدفاع على تشكيل المؤسسة العسكرية والجيش الجديد بعد حل جيش النظام السابق، وفق أسس تراعي ظروف المرحلة وما مرت به سوريا، بحسب ما قاله الباحث المختص بالشؤون العسكرية رشيد حوراني، لعنب بلدي.
وبيّن أنها اعتمدت على فريقين، الأول من الخبرات المحلية من الفصائل الثورية، والثاني من الخبرات الخارجية التي تأتي من تركيا في المقدمة، وهذا يعكس الزيارات العسكرية المتبادلة للكوادر العسكرية لكلا البلدين.
وكان وزير الدفاع السوري، مرهف أبو قصره، أعلن عبر تغريدة له على “إكس”، في 22 من تشرين الأول الحالي، إرسال بعثات من الطلاب الضباط للدراسة في الكليات العسكرية في تركيا والسعودية.
إرسال البعثات يهدف إلى التعاون الأكاديمي والعسكري، وتنمية الكفاءات وتأهيل كوادر تمتلك المعرفة على أحدث منظومات الأسلحة وأساليب الحرب الحديثة، وفق الوزير أبو قصرة.
الباحث، حوراني، قال إن هيكلية الجيش تمت وفق الأسس المعمول بها في جيوش العالم، واعتمدت الهيكلية على التنظيم الفرقي (فرقة، لواء، كتيبة)، ولكنها عملية ليست كاملة بسبب ظروف البلد، ونقص القوى البشرية نظرًا إلى وجود عدد كبير من السوريين في الخارج، ووجود مناطق جغرافية خارج سيطرة الدولة.
من روسيا إلى الغرب و”الناتو”
بحسب تعريف العقيد الركن، والباحث العسكري خالد المطلق، تعد العقيدة العسكرية بمثابة الدستور غير المكتوب الذي يرسم توجهات القوات المسلحة في أي دولة، وتشكل الأساس الذي يقوم عليه بناء الجيوش الحديثة.
ووفق ما أورده العقيد، في صحيفة “إيلاف“، فهي التي تحدد أساليب توظيف القوة العسكرية لتحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية، متأثرة بجملة من العوامل كالتاريخ والثقافة والجغرافيا والتطور التكنولوجي وحجم الموارد المتاحة.
هنا، أوضح الباحث والصحفي في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع” (مسداد) معتز السيد، لعنب بلدي، أن العقيدة العسكرية العالمية تنقسم إلى مدرستين رئيستين، هما العقيدة الشرقية (الروسية) والعقيدة الغربية (الناتو).
وتسعى القيادات السورية الجديدة بتوجيه حكومي معلن لتبني عقيدة وطنية هجينة، ترتكز على الولاء للدولة وليس للحزب أو الفرد، مع استيعاب مزايا العقيدة الغربية، من حيث الكفاءة التكنولوجية وسرعة النشر والمناورة والمتانة البشرية والمجتمعية للعقيدة الشرقية.
ويتطلب ذلك تحديث المناهج التدريبية وإدخال العلوم العسكرية الحديثة، مع الحفاظ على عنصر المقاومة الميدانية وعقيدة القتال طويل الأمد.
وتشدد جميع الخطط الجديدة على تعزيز دور الذكاء الاصطناعي واستخدام المسيّرات في الاستطلاع والهجوم، والهدف من ذلك الوصول إلى جيش محترف قادر على التدخل سريعًا بأي منطقة سورية والحفاظ على حدود الوطن، وفق السيد.
بينما لفت الباحث المختص بالشؤون العسكرية رشيد حوراني إلى أنه يجب أن تكون علاقة الجيش الجديد طيبة مع الشعب السوري بعكس النظام السابق، إضافة إلى دوره في تكريس السلم الأهلي، وهذا ما صرح به وزير الدفاع السوري عدة مرات.
وظيفة الجيش وما بعد العقيدة
المحلل العسكري العميد أحمد حمادة، يرى أن الجيش السوري يحتاج إلى ما هو أكثر من مجرد تحديد العقيدة القتالية، أولًا، العقيدة القتالية الصحيحة، وثانيًا، التنظيم والخبرات والأسلحة والتدريب العالي والتراتبية القتالية في الجيش.
العميد حمادة، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن المدارس الشرقية والغربية عرّفت العقيدة القتالية بأنها مجموعة من النظم والتعليمات والعقائد التي تجعل هذا الجيش يقوم بقتال عدو، أو بتحقيق أهدافه المأخوذة من الناموس الكلي للوطن، أي أن العقيدة القتالية تحدد أهداف هذا الجيش، ولماذا يقاتل.
وبالإضافة إلى العقيدة القتالية، يحتاج عناصر الجيش الجديد إلى التدريب العالي، إذ لا يمكن لأي مقاتل أن يقاتل إلا إذا اكتسب مهارات وخبرات ومعارف كثيرة، يستطيع توظيفها في أرض المعركة، إن كانت برية أو بحرية أو جوية، بحسب حمادة.
وكذلك في مختلف الأنواع من الدفاع والهجوم والمعارك التصادمية والجبال والمدن والمناطق الخاصة والغابات، وكل منها يحتاج إلى تكتيك معيّن وإلى قتال معيّن وإلى أسلحة معيّنة.
وتبقى العقيدة القتالية والروح المعنوية العالية لأي مقاتل هي الفيصل في كسب المعركة، فقد تُحدث فرقًا كبيرًا، أو توازنًا ما بينها وبين العتاد عالي الدقة والمقاتل، أضاف حمادة.
وبالنسبة لوظيفة الجيش، بحسب حمادة، فهي ليست فقط الدفاع، فبالرغم من تسمية “وزارة الدفاع” التي مهمتها الدفاع عن الأراضي السورية والحفاظ على هذه الأراضي وبسط سيطرة الدولة على كل الأراضي السورية، فإن هذه القوات تستطيع أن تنقلب من الدفاع إلى الهجوم إذا كان هناك هجوم خارجي، أو هناك عدو داخلي، أو غير ذلك.
وهذا أمر يتم تدريب العناصر والفرق عليه، لتأخذ وظائف متعددة وليس فقط وظيفة دفاعية، وهذه الوظيفة تنطلق من الحاجات الملحة للحفاظ على الدولة، أو على الثورة وعلى الأرض والحدود.
ما دور الضباط المنشقين؟
أعقب اندلاع الثورة السورية في عام 2011 انشقاقات في صفوف جيش نظام بشار الأسد، وانخرط العديد منهم في “الجيش السوري الحر” أو بقوا مبتعدين عن الدخول في مجموعة مسلحة.
وبعد سقوط النظام شكّلت وزارة الدفاع لجانًا مختصة لاستقبال طلبات الضباط المنشقين وتنظيم بياناتهم وفق الرتب والاختصاصات ومعايير محددة، إلى جانب استدعاء المنشقين والمسرَّحين لأسباب أمنية أو سياسية.
وتولي وزارة الدفاع أهمية لإعادة دمج الضباط المنشقين لما يمتلكونه من خبرات عسكرية ومعرفية متراكمة، بحسب تصريح الوزارة لعنب بلدي.
وبدأت الدفاع بتعيين عدد منهم في مواقع قيادية ضمن خطة شاملة للاستفادة من كفاءاتهم في بناء الجيش السوري الجديد، مع دراسة مستمرة لإجراء تعيينات إضافية وفق الحاجة ومتطلبات المرحلة المقبلة.
ووفق الوزارة، بلغ عدد العاملين من الضباط المنشقين ضمن صفوف الجيش السوري أكثر من 2000 ضابط من أصل 3500 تمت مقابلتهم.
من جانبه، أشار الباحث المختص في الشؤون العسكرية رشيد حوراني، لعنب بلدي، إلى أنه تم تعبئة 85% من الضباط المنشقين في الإدارات والوحدات العسكرية التي تتناسب مع تخصصاتهم العسكرية، وسيكون دورهم في التنظيم والتدريب.
بينما يرى الباحث والصحفي في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع” (مسداد) معتز السيد، أن هناك مشكلة في استيعاب بعض المنشقين ممن قضوا خارج الخدمة لفترات طويلة، أو تجاوزوا السن القتالية أو فقدوا التأهيل الدوري، الأمر الذي يجعلهم في مكانة شبه رمزية وليست قيادية فعليًا، ويقتصر دورهم على المساهمة بالتدريب والتطوير وتوجيه خبراتهم للمجال الإداري واللوجستي والإشراف العملياتي.
التمثيل النسائي في الجيش
تطوعت المرأة السورية في الكليات العسكرية لأول مرة في عام 1981، وجاء ذلك خلال خطاب الرئيس السوري الأسبق، حافظ الأسد، في حفل تخريج الدورة الثالثة مظلات.
وانضمت المتطوعات للتدريب في الكلية الحربية الخاصة بالضباط الذكور خلال عامي 1981 و1987 حتى افتتاح الكلية العسكرية للإناث، ولم تظهر أي أدوار قتالية لهن قبل عام 2011.
وخلال سنوات الثورة السورية حدثت تغيرات كبيرة، وأدى النقص الحاصل في الكوادر البشرية لزيادة وتيرة تطويع الفتيات.
وحول وجود النساء في الجيش السوري الجديد، بيّن المكتب الصحفي لوزارة الدفاع، لعنب بلدي، أن الوزارة ترى أن للمرأة دورًا محوريًا في المجتمع السوري عبر جميع المجالات، ويجري العمل على تطوير برامج تأهيل وتدريب تتيح لها المشاركة في المهام الطبية والإدارية والفنية.
في هذا الصدد، فتحت وزارة الدفاع باب التعاقد مع الكوادر الأكاديمية من خريجي الهندسات والكليات والمعاهد لانخراطهم في العمل ضمن صفوف الوزارة.
أما وجودها ضمن الوحدات المقاتلة فهو ليس ضمن خطة الوزارة حاليًا.
بينما يرى الباحث والصحفي في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع” (مسداد) معتز السيد، أن تمثيل النساء في الجيش السوري الجديد يكاد يكون شبه معدوم، باستثناء حالات محددة مثل بعض المهام الإدارية أو بعض الوظائف المساندة.
وفتح باب التطوع مؤخرًا في محافظة اللاذقية للنساء، وتعد خطوة أولى، خصوصًا مع بدء المفاوضات بين دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) على آلية دمج الجيش.
وبات هناك سؤال يطرح حول إمكانية نقل أو استيعاب هذه الكتلة من النساء المقاتلات إلى الوحدات النظامية، إذ يمكن الاستفادة من كوادر نسائية مدنية مدرّبة في مجالات الإسعاف والطب وتكنولوجيا الاتصالات العسكرية والمشاركة في وحدات مدنية عسكرية، تدعم القواعد الخلفية للجيش، وفق السيد.
أما الباحث المختص في الشؤون العسكرية رشيد حوراني، فأشار إلى أن نظام الأسد كان يطوع الفتيات في الجيش كـ”ديكور”، وتخصصاتهن لا تستدعي أن يحملن رتبة عسكرية، فمثلًا مهندس ميكانيك يمنحه رتبة، أما اليوم فأصبح الأمر مباشرًا، ويتم توظيف صاحب الكفاءة العلمية بوظيفته دون رتبة، بمن فيهم النساء، ومن الممكن أن تشغل النساء الأدوار الإدارية والتكنولوجية.
تحديات الدمج: أيديولوجيا “قسد” والجهاديون الإسلاميون
تنتظر هيكلة الجيش السوري الجديد عدة ملفات متشابكة، فالمؤسسة التي اعتمدت في بنيتها على فصائل متعددة، وكانت متناحرة فيما بينها في وقت من الأوقات، ثم تجمعت في بوتقة واحدة بعد سقوط النظام، ما زالت أمامها قضايا بالغة الحساسية والتعقيد.
أبرز هذه الملفات، اندماج “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ضمن جيش متعدد المشارب والخلفيات العقدية، لا سيما بوجود مقاتلين أجانب ضمن القوات التي تسيطر على شمال شرقي سوريا، وما عرف بتسمية “المهاجرين” ضمن فصائل المعارضة.
إضافة إلى ذلك، العقيدة الجهادية الإسلامية، التي كانت تعتنقها الكثير من فصائل المعارضة، أبرزها “هيئة تحرير الشام” (نواة الجيش السوري الحالي) فضلًا عن الخلفيات المتشددة لدى الكثير من “المهاجرين” وحتى بعض “الأنصار” (المقاتلون السوريون).
بالمقابل، تستند “قسد” والفصائل المنضوية تحتها إلى أسس يسارية وقومية، هي أقرب إلى اللادينية، كما تضمّ مقاتلين أجانب، معظمهم من أكراد تركيا.
وفي هذا الصدد، تثار الأسئلة حول إمكانية دمج الكيانين، ذوي الاتجاهات الفكرية المتناقضة، ضمن مؤسسة عسكرية واحدة وطنية.
المقاتلون الأجانب.. نقاش محلي ودولي
ملف المقاتلين الأجانب هو أحد أعقد الملفات أمام الإدارة السورية الجديدة، ونال نصيبًا من النقاشات والمفاوضات بين الحكومة وأطراف دولية، أبرزها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا.
محليًا لم يشكل المقاتلون الأجانب توترات على صعيد واسع بعد سقوط النظام، باستثناء اتهامات طالتهم بالضلوع في أحداث الساحل والسويداء، التي تخللتها أعمال عنف طائفية.
وعلى المستوى الدولي، وضعت الولايات المتحدة الأمريكية شروطًا تتعلق بوجود المقاتلين الأجانب ضمن مفاصل الدولة الحديثة، في بداية مسار التطبيع بين دمشق وواشنطن، إلا أن الأخيرة وافقت على دمجهم مشترطة الشفافية.
وفي الأيام القليلة الماضية، برزت قضية المقاتلين الأجانب، بعد حادثة مخيم المقاتلين الفرنسيين، بقيادة عمر أومسن في إدلب شمالي سوريا، والتي سرعان ما انتهت باتفاق بين الحكومة وفصيل “الغرباء”، إلا أن الحادثة تشي بأن بعض هؤلاء ما زالت لديهم تطلعات “فوق وطنية”.
وبالرغم من أن أعدادهم غير كبيرة، مقارنة بالعدد الإجمالي للجيش، إذ تشير تقارير إعلامية إلى أن أعدادهم تقارب 5000 عنصر من جنسيات متعددة، فإنهم شكلوا ثقلًا وازنًا خلال سنوات الثورة، وفي عملية “ردع العدوان” التي أطاحت بحكم الأسد.
ودمجت الحكومة السورية المقاتلين الأجانب ضمن فرق عسكرية، أبرزها فرقتا “82” و”84″ وفق ما رصدته عنب بلدي.
وينحدر المقاتلون الأجانب من عدة جنسيات، أبرزها من بلاد القوقاز والجمهوريات الروسية، إضافة إلى أقلية “الأويغور” الصينية، الذين ينضوون ضمن “الحزب الإسلامي التركستاني”.
“قسد”.. ثلاث فرق نحو الاندماج
ضمن الاتفاق بين الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، وقائد “قسد”، مظلوم عبدي، في 10 من آذار الماضي، يجري العمل على دمج مؤسسات الأخيرة العسكرية والمدنية ضمن مؤسسات الدولة.
ومنذ بدء مساء المفاوضات، برزت عدة عقبات على الواجهة، منها تمسك “قسد” بالاحتفاظ بهيكليتها ودمجها كتلة واحدة ضمن الجيش، بينما تصر الحكومة على دخولها كأفراد.
وفي 7 من تشرين الأول، جرى اللقاء الثاني بين الشرع وعبدي، إضافة إلى لقاء آخر مع وزير الدفاع، مرهف أبو قصرة، نتج عنه حديث مبدئي عن دمج ثلاث فرق ضمن الجيش الجديد.
بحسب حديث سابق للباحث السياسي بسام السليمان، اشترطت الحكومة السورية تقديم قوائم بأسماء الفرق الثلاثة، مؤكدًا وضع قيادات بالاتفاق بين الجانبين، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن ذلك يشي بتنازل من دمشق عن اشتراط الدخول كأفراد.
بالمقابل، أشار السليمان حينها إلى وجود تيارات ضاغطة، من حزب “العمال الكردستاني” (PKK) التي تتهم “قسد” بالتبعية له، لعرقلة مسار التفاوض.
“قسد” نشأت عام 2015، وتشكل “وحدات حماية الشعب” و”حدات حماية المرأة” العمود الفقري لها، وهي تشكيلات ذات خلفيات يسارية، ولها بعد قومي تركي، بامتداد واضح إلى حزب “العمال الكردستاني”.
كما أن “قسد” والتشكيلات التابعة لها تحتوي على مقاتلين غير سوريين، معظمهم من تركيا، وأعداد أخرى من العراق وإيران.
من جانبه، ربط قائد “قسد” في تصريحات سابقة لوكالة “رويترز” نشرتها في 19 من كانون الأول 2024، خروج المقاتلين الكرد الذين جاؤوا إلى سوريا من أنحاء الشرق الأوسط لدعم قواته بالتوصل إلى وقف كامل لإطلاق النار مع تركيا.
وبعد اتفاق 10 من آذار، لم يتم التطرق إلى مصير هؤلاء المقاتلين، الذين جاؤوا بدوافع قومية.
توزيع الوحدات القتالية: خطة تضمن سرعة الاستجابة والجاهزية
قبل اندلاع الثورة السورية، صاغت الاستراتيجية العسكرية السورية في عهد الأسد خطتين رئيستين لمواجهة التهديدات المحتملة.
تمثّل السيناريو الأول في احتمال نشوب حرب مع إسرائيل، وهو ما استدعى تمركز نصف الجيش السوري تقريبًا بشكل دائم في جنوبي البلاد، مع دعم هذه القوات بوحدات إضافية من مناطق أخرى.
أما السيناريو الثاني، فافترض حربًا على جبهتين، ضد إسرائيل في الجنوب، وضد قوات أمريكية محتملة قادمة من العراق شرقًا.
ولمواجهة هذا الاحتمال، ركزت الخطط الدفاعية على حماية المراكز السكانية والاقتصادية والسياسية الأهم في البلاد، وهي دمشق وحماة وحمص وحلب، إضافة إلى الجبهة مع إسرائيل، في حين تم تجاهل الصحراء الشرقية شبه الخالية من السكان باعتبارها منطقة يمكن التخلي عنها دون قتال واسع.
المكتب الصحفي في وزارة الدفاع السورية قال لعنب بلدي، إن انتشار الجيش السوري الجديد يتمركز ضمن خطة تنظيمية مدروسة تغطي مختلف المحافظات، بما يضمن سرعة الاستجابة والجاهزية الميدانية.
وتم في التوزيع الجغرافي مراعاة وجود قواعد رئيسة في المناطق الاستراتيجية، مع إنشاء نقاط انتشار وتجنيد في مراكز المحافظات.
ويرى المحلل العسكري العميد عبد الله الأسعد، أنه من غير المحمود أن تكون القوات موزعة كما كانت في عهد الأسد، لأنها كانت موزعة للسيطرة على المناطق والسكان المحليين فيها، وضمان السيطرة على أي انتفاضة أو تمرد على النظام القديم.
ويعتقد الأسعد أن التوزع الجديد يجب أن يكون استنادًا إلى الاتجاهات الأربعة التي هي أكثر احتمالًا لتوغل قوات مشبوهة، وهجوم خارجي على البلد، وهناك أسس تكتيكية وأسس استراتيجية يعتمد عليها انتشار هذه القوات.
فيما يرى المحلل العسكري العميد أحمد حمادة، أن تنظيم القوات العسكرية اليوم مأخوذ من توزيع القوات بناء على ما يواجه البلاد في المرحلة الحالية، كوجود قوات في شرق الفرات وفي حلب وفي دمشق، لأنه حتى الآن لم يتم إعداد الجيش بشكل طبيعي، ولم تتحدد وظيفته وعقيدته القتالية، ولم يصنف عدوه بعد، وبالتالي توزيع اليوم يتماشى مع وجود فلول النظام، وقوات انفصالية في بعض المواقع، لذلك توجد هذه القوات من أجل ضبط هذه الحركات الانفصالية أو فلول النظام وللحفاظ على وحدة الأراضي السورية.
ما بعد التشكيل.. الميثاق والتوزيع
أصدرت وزارة الدفاع السورية ميثاقًا للمجندين في الجيش السوري الجديد، بعد إعلان الوزارة، بشكل شبه كامل، اندماج الفصائل في الجيش.
ويهدف هذا الميثاق، الذي أصدرته الوزارة في 30 من أيار الماضي، إلى “ترسيخ قيم الانضباط والالتزام واحترام القانون وصون الحقوق والحريات لبناء جيش وطني محترف”.
وتتمثل مهمة الجيش الأساسية في “حماية الوطن والمواطن، والدفاع عن سيادة البلاد، ووحدة التراب، والتصدي لكل ما يهدد الأمن والاستقرار”.
“ميثاق المجندين” واجبات أساسية للعسكري، هي:
الدفاع عن الوطن وسيادته ووحدة أراضيه.
التضحية في سبيل أمن الوطن والمواطن.
حماية المدنيين ولا سيما النساء والأطفال في جميع الظروف.
الالتزام بتنفيذ الأوامر المشروعة.
احترام القوانين المدنية والعسكرية.
صون الممتلكات العامة والخاصة، والتعامل مع المواطنين بكرامة دون تمييز على أساس الدين أو العرق أو اللون أو الانتماء.
مراعاة قواعد القانون الدولي الإنساني في التعامل مع العدو من قتلى وجرحى وأسر في أثناء تنفيذ المهام.
احترام التسلسل العسكري والانضباط الداخلي.
وقال وزير الدفاع السوري، مرهف أبو قصرة، عبر حسابه في “إكس”، في 30 من أيار الماضي، ”لأن تصرفات أي عامل في القوات المسلحة تنعكس بالضرورة على الجيش بأكمله، كان من الضروري إعداد لائحة تتضمن الواجبات والمحظورات التي ترسم قواعد السلوك والانضباط العسكري، والتي يجب على كل العاملين في الجيش احترامها والالتزام بها”.
أعلنت وزارة الدفاع السورية، ابتداء من مطلع العام الحالي، عن سلسلة من الخطوات التنظيمية الغاية منها استعادة الانضباط العسكري، ودمج الفصائل المسلحة تحت مظلتها، وتشكيل هيكلية موحدة تُعيد تفعيل المؤسسة العسكرية بوصفها العمود الفقري للسيادة الوطنية.
وعقدت اجتماعات مع أكثر من 130 وحدة عسكرية وفصيلًا، بالإضافة إلى لجان عليا لتنظيم بيانات الموارد البشرية، كما عملت على صياغة نظام داخلي حديث للوزارة يعيد ضبط العلاقة بين الإداري والعسكري.
ورافق ذلك الإعلان رسميًا عن إلغاء التجنيد الإجباري، والانتقال إلى نموذج جيش طوعي- اختياري، قائم على معايير دقيقة لاستيعاب المتقدمين مع اهتمام متزايد باستقطاب حملة الشهادات العلمية والتقنية لتعزيز البنية المعرفية والتكنولوجية للجيش.
كما ألغت كل المسميات السابقة للفصائل، ودمجتها ضمن 25 فرقة عسكرية، يجري العمل على تثبيتها وتوزيعها جغرافيًا في المحافظات.
واستحدثت دائرة التوجيه المعنوي، وأُنشئت نحو عشر كليات جديدة لتأهيل الضباط وضمان استيعاب الكفاءات العائدة أو المنضمّة حديثًا.
نظام داخلي يضبط السلوك العسكري
المكتب الصحفي في وزارة الدفاع السورية أوضح لعنب بلدي أن الوزارة شكلت لجنة بقرار من وزير الدفاع، تضم ضباطًا منشقين وقانونيين وحقوقيين لإعداد “كرّاس” يتعلق بالنظام الداخلي للجيش العربي السوري وأنظمة الخدمة.
وتعمل الوزارة، بحسب المكتب الصحفي، وفق أحكام الإعلان الدستوري والقوانين العسكرية النافذة، وقواعد السلوك والانضباط العسكري، إضافة إلى اللوائح التنفيذية والقرارات الصادرة عن وزارة الدفاع التي تنظم شؤون الخدمة والانضباط والإدارة.
المحلل العسكري العميد عبد الله الأسعد، قال لعنب بلدي، إن الأسس التنظيمية لوزارة الدفاع تُسجل ضمن أنظمة الخدمة.
هذه الأنظمة هي التي تحدد الأطر والأسس العسكرية، والتسلسل العسكري للضباط، والممنوعات والمحظورات، وقواعد الأنظمة العسكرية والقاعدة السلوكية، وهو ما أعلنت عنه وزارة الدفاع السورية سابقًا.
وأضاف العميد، الأسعد، أن التسلسل العسكري من أهم النقاط التي ينبغي مراعاتها، والتقيّد بالنظام والسلوك العسكري، لأن قوة الجيش في انضباطه، ويجب أن يحوز القائد طاعة مرؤوسيه التامة دون تردد أو تمرد.
المحلل العسكري العميد أحمد حمادة، قال لعنب بلدي، إن من المفترض أن تكون لكل مؤسسة عسكرية أنظمة خدمة، كالقوى الجوية والبحرية والبرية، ولكن الكل يتبع للقيادة العامة للجيش والقوات المسلحة، التي تقوم بتوزيع المهام والوظائف القتالية.
وتشرف إدارة العمليات في هيئة الأركان على تنفيذ هذه اللوائح عن طريق قادة الفرق، وقادة الفيالق، وقادة الألوية، والوحدات الفرعية والرئيسة، وفق ما أوضحه حمادة.
نقاط القوة والضعف في الجيش الجديد
الباحث والصحفي في المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع (مسداد) معتز السيد، لفت إلى أن نقاط القوة لدى وزارة الدفاع تكمن في أنها:
عملت على توحيد القيادة والسيطرة من خلال دمج الفصائل والمجموعات المسلحة في هيكلية واحدة تحت إشراف مركزي، ما يضمن ضبط السلاح ويعيد احتكار القوة للدولة، ويمهد لاستعادة الحد الأدنى من التماسك المؤسساتي لأي مؤسسة عسكرية.
أدرجت جميع العناصر والكوادر في قاعدة بيانات موحدة ما سيسهل من عمليات التخطيط الاستراتيجي، ويضمن الشفافية في توزيع المهام والترقيات، ويتيح سرعة رصد النواقص وسد الثغرات.
أصدرت قواعد سلوك جديدة، تشدد على احترام حقوق الإنسان، والنظام العام، والتزام الأوامر المشروعة، ما يعكس رغبة الوزارة في ربط الجيش بأخلاقيات وضوابط مهنية مواكبة للعصر.
بينما تتمثل نقاط القصور في عدة نقاط، وفق السيد، هي:
وجود الولاءات المناطقية والفئوية لدى بعض الفصائل التي تحتفظ بجزء من هويتها التنظيمية ومن استقلاليتها العملية، مما يؤخر مشروع بناء الجيش الذي يطمح له السوريون.
عملية دمج “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) لا تزال عالقة، إذ إن هناك مطالب خاصة بآليات الدمج والحفاظ على مكتسباتها الخاصة مقابل شروط القيادة المركزية.
توجد أزمة لدى الجيش السوري تكمن في التسليح، نتيجة تدمير البنية الاستراتيجية السابقة بفعل الحرب والضربات الإسرائيلية، وسط غياب شريك إقليمي ثابت لتسليح الجيش بشكل نوعي ومستدام.
الخبير ديفيد تشوتر: لا استقرار بوجود جماعات مسلّحة مختلفة
في ظل نشوء مؤسسة عسكرية، تقوم على أنقاض جيش منحل، تبقى التساؤلات مطروحة حول طبيعة هذا الجيش الذي سيحوي المتناقضَين، من اليساريين العلمانيين، والأصوليين الجهاديين.
الخبير البريطاني في شؤون الدفاع وإصلاح قطاع الأمن الدكتور ديفيد تشوتر (Dr. David Chuter) يعتقد أن البداية يجب أن تكون مما اعتبره الهدف الأهم، المتمثل باستقرار الدولة.
وقال تشوتر، مؤلف كتاب حوكمة وإدارة قطاع الدفاع (Governing & Managing the Defence Sector) لعنب بلدي، إنه لا يمكن لأي دولة أن تكون مستقرة إذا كانت هناك جماعات مسلحة مختلفة تتبع لزعامات مختلفة، خاصة إذا كانت لديها أيديولوجيات متباينة.
وأضاف أن الأولوية هي أن تكون هذه القوات ضمن هيكل قيادة موحّد، يحظى بثقة من جميع الأطراف، حتى وإن كانت هذه الثقة محدودة.
الخطوة التالية، وفق الخبير الأمني، تشوتر، هي نزع القدرة لتلك القوات على التصرف بشكل مستقل تدريجيًا، وتعويدها على كونها جزءًا من منظمة واحدة.
وأشار إلى أن الخطأ الأساسي، والذي يُرتكب كثيرًا، هو محاولة المضي بسرعة وبخطوات بعيدة في هذا الاتجاه، إذ يرى أن المعيار الأهم هو الوصول إلى وضع لا تُعتبر فيه الاشتباكات أو الأعمال العدائية بين القوات المختلفة أمرًا مُرجّحًا.
ويعتقد أن هذا الأمر الأهم، مقارنة بمسائل العقيدة أو العقيدة العسكرية، والتي يمكن معالجتها لاحقًا.
كما لفت إلى مسألة تتعلق بالمقاتلين الأفراد أنفسهم، فيما إذا كانوا يريدون الاستمرار في الحياة العسكرية، مشيرًا إلى أن الكثير من هؤلاء الأفراد يرغبون فقط في العودة إلى ديارهم وبدء حياة جديدة، بعد انتهاء النزاعات، كما أن هنالك آخرين ربما خدموا سابقًا في الجيش، أو اكتسبوا ميلًا نحو الحياة العسكرية خلال القتال.
وفي هذا السياق، يرى تشوتر أن من المهم اتخاذ قرار دقيق بشأن أمرين:
الأول، ضمان تمثيل معقول لجميع الأطراف، بحيث لا يُنظر إلى الجيش الجديد على أنه تابع لطرف أو جماعة بعينها، في حين أن الأمر الثاني يتعلق بالتأكد من عدم وجود جماعات مسلحة من المقاتلين السابقين تجوب البلاد دون رقابة.
وتشير التجارب السابقة إلى أن من الأفضل الإبقاء على أكبر عدد ممكن من هؤلاء داخل الجيش الجديد، حيث يمكن مراقبتهم، بدلًا من تركهم خارجه، حيث يصعب تتبّعهم، بحسب تشوتر.
وفي جميع الأحوال، ستكون لدى الحكومة الجديدة مشكلة مع الجماعات المسلحة، مهما كانت الإجراءات المتّبعة، بحسب تشوتر، وهو ما حصل مؤخرًا في قضية فصيل “الغرباء” الفرنسي، شمالي سوريا.
وكان الخبير في شؤون الجماعات الجهادية عباس شريفة، أشار في تقرير سابق، لعنب بلدي، إلى أن مصير المقاتلين الأجانب في سوريا يتعلق بأحد ثلاثة خيارات، الأول هو مغادرتهم إلى موطنهم الأصلي أو بلدان أخرى، والثاني بقاؤهم واندماجهم في المجتمع السوري.
أما الخيار الثالث فيتعلق بالمقاتلين الأكثر تعصبًا، ورجح مغادرتهم إلى ساحات قتال أخرى، أو محاربتهم.
عنب بلدي
———————-
باريس لم تطلب من الشرع مهاجمة «مخيم الفرنسيين» ولا تريد تسلّمهم!
الثلاثاء 28 تشرين اول 2025
أكد تقرير نشره «راديو فرنسا الدولي» أنّ العملية التي قام بها الأمن السوري ضد مخيم «الجهاديين الفرنسيين» في ريف إدلب لم تكن بطلب من السلطات الفرنسية.
وأشارت مصادر دبلوماسية فرنسية حينها إلى أنها «تتابع الوضع عن كثب» لكنها لا تملك «تعليقاً على عملية تندرج ضمن صلاحيات الأمن الداخلي للحكومة الانتقالية».
وبرر التقرير ذلك بأنّه «لا يوجد لدى السلطات الفرنسية أي سبب يدفعها إلى المطالبة باعتقال عمر أومسن، الذي يدير المعسكر. فهي لا ترغب، في هذه المرحلة، في إعادة الجهاديين الفرنسيين إلى البلاد، لأنّ الرأي العام يعارض ذلك، وقد يشكلون خطراً أمنياً على فرنسا».
وأشار التقرير إلى أنّ أسباب الهجوم «لا تزال غامضة»، مضيفاً أنّه إذا كان عمر أومسن في السجن بسوريا، فقد يطلب القضاة الفرنسيون تسليمه. لكن بما أنه لا توجد علاقات دبلوماسية فعلية بين باريس ودمشق، فإن عملية التسليم «غير ممكنة».
ولفت التقرير إلى أنّ «محاكمة أومسن يجب أن تكون على الأراضي السورية».
وعن الدوافع التي جعلت حكومة دمشق تُقدم على العملية، قال التقرير إنّ الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، ربما يرغب في استباق المفاوضات مع الغربيين والتعاون في مجال الاستخبارات لـ«تنظيف الساحة»، دون أن يطلب منه أحد ذلك.
وتابع أنّه من الممكن أن تكون الأسباب كامنة في إدلب نفسها. فعمر أومسن يثير غضب قوات الأمن منذ فترة طويلة، لرفضه الامتثال للقواعد التي تفرضها السلطات المحلية.
شعبية عمر أومسن كبيرة!
وذكر التقرير أنّ نفوذ مجموعة عمر أومسن تتراجع، لكن هذا الفرنسي السنغالي لازال يتمتع بشعبية كبيرة، فهو آخر داعية فرنسي يصوّر مقاطع فيديو باللغة الفرنسية.
ويصف البعض مجموعة عمر أومسن بأنها «محدودة» و«ذات دخل ضعيف»، و«مهمشة». ومنذ عام 2014، تم القضاء على معظم «أمراء الجهاد» الفرنسيين من مستواه في ضربات دقيقة نفذها التحالف الدولي، وعمر أومسن هو الوحيد الذي لا يزال على قيد الحياة، بحسب التقرير.
وفي وقتٍ سابق، شهدت مدينة حارم في ريف إدلب الشمالي، اشتباكات عنيفة داخل ما يُعرف بـ«مخيم الفرنسيين»، بين قوات الأمن الداخلي السوري ومجموعة من المقاتلين الأجانب الفرنسيين.
وبحسب وسائل إعلام سوريّة، فإن مصادر أمنية أكدت أنّ الاشتباكات اندلعت عقب محاولة قوة تابعة لحكومة دمشق دخول المخيم لاعتقال أحد المطلوبين، لتواجه بمقاومة عنيفة من قبل عناصر مسلحة داخل المخيم، معظمهم من حاملي الجنسية الفرنسية، بعضهم مرتبط بـ الفرقة 82 في الجيش السوري.
ومخيم «الغرباء»، المعروف في إدلب على أنه «مخيم الفرنسيين»، الذي يقوده الذي يقوده الفرنسي ذو الأصول السنغالية (عمر ديابي) المعروف بـ«عمر أومسن»، يقع بمحاذاة الحدود السورية التركية، في حارم بمحافـظة إدلب.
وبدأ يتشكل بعد عام 2013، عندما وصل إليه أومسن قادماً من مدينة نيس الفرنسية، إلى سوريا، وبدأ واحدة من أقوى عمليات التجنيد للمقاتلين الأفارقة والفرنسيين، الذين قدموا إلى سوريا للقتال، منهم من انضم إلى «داعش»، ومنهم من بقي مع أومسن في خطه القريب من «جبهة النصرة» حينها.
———————————
مخاطر وجود تنظيم ” د..اعـ….ش” على المنطقة والعالم في ظل الأوضاع الجديدة في سوريا / ديفيد باتريكاراكوس
“لم تنتهِ الحرب ضد داعش حقًا. لا تزال أيديولوجيتها مزدهرة في هذه المخيمات. عائلاتها مستعدة، تحلم بالبعث.
والأكراد – الذين يعانون من نقص التمويل والتسليح وضغط الأعداء القدامى – هم كل ما يحول بيننا وبين عودة داعش.
ما لم يستيقظ العالم، ستنهض الخلافة من جديد. جيوشها تنمو هنا في التراب، تنتظر لحظتها.”
=============
نص التقرير الكامل المترجم
كل خيمة في هذا المعسكر المهجور قد تكون حاضنة لهجوم مانشستر آخر. لا أصدق ادعاءات السجناء بالبراءة. جيوش داعش تتصاعد هنا وسط الغبار، تقرير ديفيد باتريكاراكوس من سوريا.
صوته رقيق، عيناه هادئتان، ابتسامته مهذبة؛ يبدو بريئًا، كأي رجل عادي قد تمر به دون أن تلاحظ في شارع رئيسي بلندن. لكن هذا الرجل ليس عاديًا. كان يومًا ما عضوًا في داعش، أعنف جماعة إرهابية في العالم – ساهم في تمويل إحدى أفظع جرائم القرن الحادي والعشرين.
التقينا في كوخ شرق سوريا. كان خاليًا إلا من كرسيين بلاستيكيين. كان الهواء مليئًا بالحرارة والغبار. الرجل الذي يجاورني يرتدي ملابس سجن بنية. أُجري مقابلة نادرة وجهًا لوجه مع جهادي بريطاني.
عماد عثمان محمد علي واحد من 10,000 رجل يُفترض انتمائهم لتنظيم داعش ومئات الشباب في 14 سجنًا تديرها قوات سوريا الديمقراطية (SDF) بقيادة الأكراد في شمال شرق سوريا. نحن في الغرب مدينون للأكراد. في البداية، طالبناهم بمساعدتنا في هزيمة داعش؛ ثم، بعد سحق ما يسمى بخلافة الجماعة الإرهابية عسكريًا في عام 2019، أصررنا على سجن فلولها.
الأكراد يكرهون داعش. ولكن إلى متى سيستمرون في ذلك؟ إنهم يتعرضون لهجوم مستمر من عدوهم القديم تركيا. يخشون أن تكون الحكومة السورية الجديدة، بقيادة الجهادي السابق أحمد الشرع، متعاطفة مع داعش.
ويعتمدون على التمويل الأجنبي، الذي سحب دونالد ترامب معظمه هذا العام.
بدون موارد كافية، لا يمكن لهذه السجون والمخيمات أن تصمد – ومع ذلك فإن ما بداخلها مميت. تتفاقم الأيديولوجية الجهادية هنا. إذا تعثر الأكراد، فقد يعود كابوس داعش. دعونا لا ننسى أبدًا أنه بين عامي ٢٠١٣ و٢٠١٩، حوّل تنظيم الدولة الإسلامية سوريا والعراق إلى مختبرات للإرهاب، حيث صُوّرت الوحشية على أنها مسرحية. في الرقة، عاصمته المعلنة، نفّذ داعش عمليات قطع رؤوس في الساحات العامة، معلقًا رؤوس ضحاياه على أعمدة.
في الموصل، أُلقي الرجال المتهمون بالمثلية الجنسية من أسطح المنازل. سُكب السجناء بالبنزين وأُحرقوا في أقفاص، وبُثّت مشاهد الرعب في مقاطع فيديو مُتقنة. رُجمت النساء حتى الموت بتهمة “الزنا”؛ واضطر الأطفال إلى مشاهدة عمليات الإعدام ليعتادوا على القتل.
في الفلوجة، عاد الصلب إلى العالم الحديث – جثث تُسمّر على صلبان مؤقتة وتُترك لتتعفن تحت أشعة الشمس. ضجت الشوارع التي كانت تعجّ بالتجار والأطفال بهتافات المسلحين ذوي السواد وصراخ الضحايا.
أصبحت العبودية صناعةً حكومية. وُهب المقاتلون “زوجات” كمكافآت. انتُزع الأطفال من آبائهم ودُربوا كجنود. لم تكن داعش جماعة إرهابية فحسب، بل كانت بيروقراطية وحشية، تُوثّق جرائم الاغتصاب والقتل بنفس الكفاءة التي تُدير بها آبارها النفطية. كانت القسوة مُمنهجة ومُتعمدة وتُنفّذ بفخر.
وصل علي إلى بريطانيا من السودان عام ١٩٨٩ طالب لجوء في السادسة والعشرين من عمره. منحته بريطانيا كل شيء: شهادة في تكنولوجيا المعلومات، ودراسات عليا في غلاسكو، ووظيفة في الدعم الفني شرق لندن.
لاحقًا، انتقل إلى قطر للعمل في قطاع النفط والغاز. كانت حياةً تفوق كل ما كان يتخيله في السودان. ثم تخلى عنها للانضمام إلى جزاري داعش.
لماذا؟ أراد ببساطة “العيش في ظل الشريعة الإسلامية”. لا توجد هنا رواية مُبالغ فيها، ولا قصة مُعذبة عن الفقر والتمييز والتهميش. فقط تصميم هادئ ومُرعب على الانضمام إلى الخلافة.
بمجرد وصوله إلى سوريا، كلّفه داعش بصيانة ١٨ ورشة عمل تخدم آبار النفط وخطوط الأنابيب. كان للعمل إيقاعه الخاص: نهارًا، كانت طائرات التحالف تقصف المصافي؛ ليلًا، كان علي وفريقه يكافحون للحفاظ على تدفق شريان الحياة المالية. في ذروة نشاطه – من عام ٢٠١٤ إلى عام ٢٠١٦ – يزعم أن داعش كانت تحصل على ٥٠ مليون دولار شهريًا من النفط والغاز، غالبًا من خلال وسطاء باعوها للرئيس السوري آنذاك بشار الأسد، وكذلك لـ”الناس العاديين” ولتركيا.
طوال تلك الفترة، كان يُقدم نفسه كفني، لا جندي.
يقول: “لم أتدرب قط”، ثم يعترف أحيانًا بـ”الرباط” – حراسة ببندقية – لأنهم “أحيانًا كانوا يُطلبون منا القيام بذلك”. يُصر على أنه لم يُقاتل قط، ولم يقتل قط، ولم يرَ قط عملية قطع رأس. إنه أسلوب مألوف في الإنكار: كان العنف في مكان آخر، ولم يكن الرجال ذوو السواد هم من ضحيته؛ وقعت جرائم القتل خلف الكواليس. لكنه كان يعلم ما يُخطط له، وبساطة أعذاره تُبرز مدى الرعب. أضغط عليه. يُقرّ بجزء بسيط. يُقرّ بأن داعش “ارتكبت الكثير من الأفعال السيئة”. نعم، كانت هناك عمليات قطع رؤوس غير مبررة. نعم، كانت هناك لحظات “صدمته”: المحاباة، النفاق، الاعتماد على المهربين لجلب المجندين المحتملين إلى أراضي داعش أسبوعًا، ثم إعدام هؤلاء المهربين أنفسهم في الأسبوع التالي.
يصف فترة مبكرة بأنها “طوباوية”، عندما كانت الحياة في ظل داعش تبدو منظمة – أعقبها انهيار تحت وطأة الغارات الجوية الغربية.
بحلول عام ٢٠١٨، ومع بروز هزيمة داعش حتمية، يدّعي أنه قد طفح الكيل. دفع لمهرب للوصول إلى تركيا. سلّمه المهرب للأكراد.
الآن يُريد محاكمة، ويفضل أن تكون في بريطانيا – أمام محكمة.
أنظر إليه: المهاجر الذي حظي بكل فرصة بريطانية؛ المهندس الذي حافظ على ضخّ آبار داعش؛ السجين الذي يتوق إلى محاكمة عادلة من البلد الذي خانه. يطلب التفهم لكنه لا يقبل أي ذنب حقيقي. لأنه مهما كان إنكاره، كان علي جزءًا من الآلة التي أبقت داعش على قيد الحياة. كل برميل نفط استمر في تدفقه موّل الرصاص والقنابل وشفرات السكاكين التي تقطع حناجر الناس وتقطع رؤوسهم.
لولا مهندسين مثله، لما تمكّن داعش من دفع رواتب المقاتلين، أو شراء الأسلحة، أو تصدير فوضاهم الدموية إلى جميع أنحاء العالم. الرجل الهادئ المبتسم أمامي دليل على مدى بساطة وجه الشر.
في اليوم التالي، توجهتُ إلى مخيم الروج، وهو عبارة عن مجموعة من الخيام والأسوار على حافة الصحراء في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا. أُنشئ المخيم عام ٢٠١٤ للعائلات النازحة، وكان في السابق ملجأً للفارين من وحشية داعش. أما الآن، فهو ملجأ تحت سيطرة الأكراد لنساء وأطفال مقاتلي داعش – خلافة مصغّرة خلف الأسلاك الشائكة.
في أوج قوته، استقطب تنظيم داعش ما يُقدّر بـ ٥٣ ألف منتسب أجنبي من ٨٠ دولة، وبنى شبكة إرهابية امتدت إلى قلب أوروبا.
أودت مذبحة باريس عام ٢٠١٥ بحياة ١٣٠ شخصًا؛ وخلفت مذبحة بروكسل عام ٢٠١٦ ٣٢ قتيلًا؛ وأودت مذبحة نيس في العام نفسه بحياة ٨٦ شخصًا، وأودت تفجيرات مانشستر أرينا عام ٢٠١٧ بحياة ٢٢ شخصًا وإصابة أكثر من ألف شخص.
في الفترة من ٢٠١٥ إلى ٢٠١٧ فقط، أودت الهجمات الجهادية في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي بحياة أكثر من ٣٠٠ شخص. كان هذا أشد صادرات داعش فتكًا: ليس النفط أو الغاز، بل الدماء والأيديولوجيا.
وهنا في سوريا، لا تموت هذه الأيديولوجية، بل تتكاثر.
هذا هو المخيم الذي تحتجز فيه شميمة بيغوم، الطالبة التي فرت من بيثنال غرين في لندن عام ٢٠١٥ للانضمام إلى داعش.
تزوجت من مقاتل هولندي وأنجبت ثلاثة أطفال، ماتوا جميعًا. بعد أن جُردت من جنسيتها البريطانية عام ٢٠١٩، خسرت كل استئناف قدمته ضد القرار، وكان آخرها أمام المحكمة العليا العام الماضي. المخيم عبارة عن شبكة من الممرات الترابية والأضواء الكاشفة والأسلاك الصدئة. فتيات صغيرات محجبات يتجولن وسط الغبار.
بدون دعم، قد تنهار مخيمات مثل روج. وماذا بعد؟ آلاف من عائلات داعش المتشددة تُطلق سراحها في حالة من الفوضى. هذا التفكير يجب أن يُرعبنا.
على الرغم من كل المليارات التي أُنفقت على محاربة داعش، إلا أن احتوائه يقع على عاتق الحراس الأكراد المنهكين وميزانيات المساعدات الهزيلة.
كان لقائي الأول مع حكمة إبراهيم، المشاركة في إدارة المخيم. أوضحت، بهدوء وهدوء، وبعد أن تجاوزت مرحلة الغضب، أن مخيم “روج” أُنشئ للعائلات الهاربة من وحشية داعش وجبهة النصرة، فرع تنظيم القاعدة في سوريا.
“بعد انهيار الخلافة عام ٢٠١٧، تغير الوضع. أنشأنا قسمًا خاصًا للنساء الأجنبيات وأطفالهن اللواتي انضممن إلى داعش.”
وضعت خريطة للمخيم على مكتبها. “الآن لدينا ٧٦٥ عائلة هنا، أي حوالي ٢٣٠٠ شخص – من ٥٠ جنسية. لم يبقَ سوى عدد قليل من عائلات اللاجئين السوريين والعراقيين. أما البقية فهم زوجات وأطفال عناصر داعش.”
وعندما سُئلت عن شميمة بيغوم، أجابت إبراهيم: “إنها ترفض التحدث إلى أحد.” كانت ترتدي الزي الإسلامي الكامل، لكنها الآن ترتدي ملابس رياضية دائمًا.
“تلازم خيمتها ولا تتدخل. تبنت هذا الموقف بعد أن جُردت من جنسيتها. ذات مرة، أخذت صحفيًا إلى خيمتها، فطردتنا.”
سألتها إن كان فكر داعش لا يزال قائمًا هنا. تنهدت قائلة: “عندما تزور السجناء، يبدون طبيعيين. لكن عندما تُبلغ عن هجمات تركية على مواقع كردية قريبة، يتظاهرون ويهتفون بأن تركيا قادمة لإنقاذهم.”
“عندما سيطرت ميليشيا أحمد الشرع [الجهادي السابق والرئيس السوري الجديد] على دمشق، بدأ السجناء بتوزيع الحلوى في المخيم. جاءني البعض وقال: “غدًا ستكونين في مكاننا وسترين كيف سيكون شعورنا”. إذا زرت خيامهم، سترى حقائبهم معبأة؛ إنهم مستعدون لتجديد “خلافتهم الإسلامية”.”
]
قبل أسبوعين، كما تقول، جاء ممثلون عن الحكومة الفرنسية لمحاولة إعادة العائلات إلى أوطانهم. “لدينا 42 عائلة فرنسية هنا.” اثنان فقط وافقا على الرحيل. والآن، بعد أن أصبح الشرع رئيسًا لسوريا، لا يزال معظمهم يأملون في أن ينقذهم.
أخبرتني أن المراهقين هم أكثر ما يقلقها. “كنا ننقلهم إلى مراكز إعادة التأهيل عند بلوغهم سن المراهقة، لكن لم يعد هناك مكان لهم. مع تقدمهم في السن، يشكلون عصابات، من 30 إلى 40 شخصًا في كل مرة، يهاجمون المدارس والعيادات في المخيم، بل ويهاجمون بعضهم البعض.” ثم، بهدوء أكبر، أخبرتني: “شهدنا العديد من حالات التحرش الجنسي والاغتصاب – حتى للأولاد.
نادرًا ما يُسمّي الضحايا مُعتديهم، لأنه إذا فعلوا، فسيتم إخراج الشباب من المخيم وستنتقم عائلاتهم من المُخبر.”
وضعت ثلاثة أشياء على المكتب – عصي مربوطة ببعضها ومُغلّفة بشريط لاصق ملون، على شكل مسدسين ورشاش واحد. “يصنعون هذه الأشياء في خيامهم. يُدرّبهم آباؤهم على مواصلة المهمة الجهادية.”
الآن، حتى الأطفال في المخيم سيتهمونكِ بالكفر. يسألون النساء عن سبب كشف وجوههن. في حديقة المخيم، إذا دخلت امرأة مكشوفة، تُجبر على المغادرة.
هل سيشكلن خطرًا إذا أُطلق سراحهن؟ أجابت: “بالتأكيد. ليس فقط على أوطانهن، بل على العالم. إنهم يريدون الانتقام”.
في الجوار، التقيتُ بامرأة لندنية منقبة بالكامل في الثلاثينيات من عمرها، تقول السلطات إنها زوجة مقاتل من داعش. تُصرّ على أنها ليست عروسًا من داعش. تقول إنها وزوجها كانا عاملَي إغاثة في سوريا، حيث انتقلا مع أطفالهما الأربعة، وتقطعت بهما السبل صدفةً في الأراضي التي يسيطر عليها داعش. أحاول أن أحافظ على وجهي محايدًا، ولكن من يأخذ أربعة أطفال إلى منطقة حرب لإيصال المساعدات؟
عندما سقط داعش، اعتقلهم الأكراد. هي في روج منذ عام ٢٠٢١. تعتقد أن زوجها مسجون في مكان ما.
قُتل أحد أطفالها في معارك مع انهيار الخلافة. نشأ الآخرون في عزلة. تعيش على الصدقات وتحاول إشغال أطفالها بينما يواجهون تنمر العائلات التي لا تتقبل آمالها في اصطحابهم إلى بريطانيا.
تقول: “ليس من المقبول أن تقولي إنك تريدين العودة إلى الوطن. يعتبرونه كفرًا. قيل لأطفالهم إنه لا بأس بالسرقة منا لأننا “لسنا مسلمين بعد الآن”.”
تتوسل للعودة إلى الوطن: “سأتعاون مع الحكومة البريطانية. أريد فقط أن أعيد أطفالي إلى الوطن”، تقول.
للحظة، شعرت بالتعاطف. كانت لطيفة، ومن الواضح أنها تعاني بعد سنوات قضتها في هذا المكان.
ثم رأيت بريق توتر في عينيها. تعترف بأن الحكومة البريطانية عرضت عليها أخذ أطفالها منها لإعادتهم إلى الوطن. تقول: “تحدثنا في الأمر. لكنهم لم يرغبوا في المغادرة بدوني، كانوا يبكون”.
انفرجت الغشاوة عن عيني. أتيحت لها فرصة لإنقاذ أطفالها من هذا الجحيم – لكنها رفضت. أي أمٍّ تفعل ذلك؟
قادني منسقٌ إلى خيمة شاميما بيجوم، الرمادية اللون والمغلقة من المنتصف، لكنها لم تكن هناك. قيل لي: “لا بد أنها كانت تعلم بقدومك وهي مختبئة في مكان آخر”.
انجذبت عيناي إلى القفل الأحمر الذي يُثبّته. “أجل،” أوضح لنا مرشدنا، “شاميما هي السجينة الوحيدة هنا المسموح لها بإغلاق خيمتها”.
استدرتُ عند زاوية، وأحاط بي أربعة فتيان مبتسمين. أحدهم، يرتدي قميص بولو أزرق داكن، قال إن اسمه آدم، وهو من ليدز.
لقد أمضى حياته كلها في هذا المخيم. سألته إن كان يرغب بالذهاب إلى المملكة المتحدة، فأجاب: “نعم، أفتقد جدتي وجدي”.
من الواضح أن آدم لم يلتقِ بجديه أو يتواصل معهما قط. هذه كلمات، كما أدركت، تلقاها من بالغين يأملون في التلاعب بالصحفيين.
أنظر إلى الأولاد الذين نشأوا خلف الأسلاك الشائكة، يزدادون قسوة وغضبًا وخطورة عامًا بعد عام. أشعر بثقل هذا الشعور وأنا أسير: كل خيمة مغبرة تكاد تكون حاضنة لباريس أخرى، ومانشستر أخرى.
لم تنتهِ الحرب ضد داعش حقًا. لا تزال أيديولوجيتها مزدهرة في هذه المخيمات. عائلاتها مستعدة، تحلم بالبعث.
والأكراد – الذين يعانون من نقص التمويل والتسليح وضغط الأعداء القدامى – هم كل ما يحول بيننا وبين عودة داعش.
ما لم يستيقظ العالم، ستنهض الخلافة من جديد. جيوشها تنمو هنا في التراب، تنتظر لحظتها.
======
الرابط
—————————–
“قسد”: هجمات “داعش” زادت بمقدار عشرة أضعاف بعد سقوط النظام
استفاد تنظيم “داعش” من الأسلحة التي خلفها سقوط النظام
2025-10-28
قال مسؤول في قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، إن هجمات تنظيم “داعش” زادت بمقدار عشرة أضعاف منذ سقوط النظام في كانون الأول/ ديسمبر الماضي.
وجاء ذلك خلال تحقيق نشرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، اليوم الثلاثاء، حيث نقلت عن سيامند علي، المتحدث باسم وحدات حماية الشعب، إحدى أبرز التشكيلات العسكرية في “قسد”، أن “داعش” زاد من عدد هجماتهم في سوريا.
وأرجع المتحدث، سبب زيادة عدد الهجمات أن عناصر تنظيم “داعش” استفادوا من الفوضى التي أعقبت سقوط النظام وحصلوا على كميات كبيرة من الأسلحة من مستودعاته.
وأضاف، أن التنظيم وسّع نطاق عملياته من أسلوب “الكرّ والفرّ” إلى مهاجمة نقاط التفتيش وزرع الألغام، مشيراً إلى أن “قسد” فقدت خلال العام الماضي نحو 30 مقاتلاً في مواجهات مع “داعش”، في حين أُلقي القبض على 95 من عناصر التنظيم.
وقالت “بي بي سي” إن مسؤولين في قوى مكافحة الإرهاب التابعة لقوات سوريا الديموقراطية أكدوا، أن خلايا التنظيم تعيد تنظيم صفوفها وتكثف من هجماتها في شمال شرق سوريا.
وبحسب مسؤولين في “قسد”، فإن التنظيم يستغل الفراغ الأمني الذي أعقب الإطاحة بالرئيس المخلوع بشار الأسد لإعادة بناء قدراته على الأراضي السورية.
وأشارت “بي بي سي” إلى أن السجون التي تديرها “قسد” مكتظة بعناصر التنظيم، ويُقدر عددهم بنحو ثمانية آلاف شخص من 48 دولة، بينهم بريطانيون وأميركيون وروس وأستراليون، محتجزون منذ سنوات دون محاكمات واضحة.
وقال أحد المسؤولين في سجن الحسكة المخصص لمعتقلي تنظيم “داعش” لـ”بي بي سي” إن التنظيم لا يزال يحتفظ بنفوذه حتى داخل الزنازين، مضيفاً: “لكل جناح أمير يصدر الفتاوى ويُلقي دروساً في الشريعة”.
وبدورها قالت إدارية مخيم “روج” بريف محافظة الحسكة شمالي شرقي سوريا، حكمية إبراهيم، إن هناك تسع عائلات بريطانية في المخيم، تضم 12 طفلاً، مشيرةً إلى أن 75% من سكان المخيم ما زالوا متمسكين بفكر التنظيم.
وتابعت إدارية المخيم: “نحن قلقون على الأطفال. إنهم يكبرون في مستنقع فكري خطير، ويتشربون أيديولوجية التنظيم منذ الصغر. هؤلاء الأطفال سيكونون الجيل الجديد من داعش، وربما أكثر تشدداً من آبائهم”.
وأكد أحد قادة قوات سوريا الديموقراطية في حديث لـ”بي بي سي”، أن التنظيم يركز حالياً على تهريب الأطفال من المخيمات فيما يسميه “تحرير أشبال الخلافة”، مؤكداً أن بعض هذه المحاولات نجحت بالفعل.
وكانت قد كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال“، يوم الخميس الماضي، أن تنظيم “داعش” يستعيد نشاطه في سوريا، مستفيداً من حالة الفراغ الأمني والسياسي التي خلّفها الانسحاب التدريجي للقوات الأميركية وتراجع الاهتمام الدولي بملف مكافحة “الإرهاب” على الأراضي السورية.
وقالت الصحيفة الأميركية إن التنظيم نفّذ أكثر من 117 هجوماً منذ مطلع عام 2025 في محافظتي دير الزور والرقة والبادية السورية، مقارنة بـ73 هجوماً فقط خلال عام 2024.
وأشارت إلى أن العمليات شملت كمائن وعبوات ناسفة واغتيالات استهدفت عناصر من قوات سوريا الديموقراطية، إضافة إلى هجمات على وحدات من وزارة الدفاع في الحكومة السورية الانتقالية في مناطق البادية الممتدة بين حمص ودير الزور.
وأوضحت الصحيفة أن تراجع الوجود الأميركي في شمال وشرق سوريا أتاح للتنظيم فرصة لإعادة تنظيم صفوفه واستعادة نشاطه، إذ تراجع عدد الجنود الأميركيين المنتشرين في البلاد إلى أقل من 900 جندي، بعد أن كان يزيد على 2000 جندي قبل عامين.
ولفتت، إلى أن هذا الانسحاب أضعف من قدرة التحالف الدولي على مراقبة الصحراء الواسعة والحدود السورية العراقية التي تشهد نشاطاً متزايداً لخلايا تنظيم “داعش”.
وأضافت أن التنظيم غيّر من أسلوبه الميداني ولم يعد يسعى إلى السيطرة على أراضٍ واسعة كما فعل في الأعوام بين 2014 و2017، بل يعتمد اليوم على تكتيكات حرب العصابات من خلال خلايا صغيرة لا يتجاوز عدد أفرادها خمسة مقاتلين، تنفّذ هجمات سريعة باستخدام الدراجات النارية أو سيارات الدفع الرباعي ثم تختفي داخل الصحراء.
وذكرت “وول ستريت جورنال”، أن التنظيم يعتمد أيضاً على الابتزاز المالي وفرض ما يسميه “الزكاة” على السكان المحليين والتجار في مناطق النفط والقرى الريفية، ما يوفّر له مصدر تمويل مستمر إلى جانب عمليات تهريب النفط والأسلحة عبر طرق البادية.
وترى الصحيفة أن عودة التنظيم تعود إلى عدة عوامل داخلية أبرزها ضعف التنسيق بين قوات سوريا الديموقراطية والعشائر العربية في مناطق دير الزور، وهو ما خلق بيئة خصبة لتحركات التنظيم، إلى جانب الأزمة الاقتصادية الحادة وانعدام الخدمات الأساسية في مناطق شرق سوريا، مما جعل السكان أكثر عرضة للضغوط والابتزاز المالي من قبل خلايا التنظيم.
—————————-
بعد حادثة “الغرباء”..”الدفاع” السورية تتجه لحل ملف المهاجرين/ محمد كساح
الجمعة 2025/10/31
أكد مصدر عامل في وزارة الدفاع السورية ومطلع على ملف المقاتلين الأجانب، وجود توجه لدى الوزارة لحل ملف المهاجرين، ذلك على خلفية حادثة مخيم “الغرباء” الذي يحمل اسم الكتيبة التي يديرها الفرنسي من أصول سنغالية عمر أومسين، والتي يمكن اعتبارها نموذجاً لسيناريو قد يتكرر، يخصّ تعاطياً مختلفاً لبعض المجموعات الصغيرة من المقاتلين الأجانب، مع مسألة الانخراط التام ضمن صفوف الجيش السوري.
حل الملف ليس بسياق واحد
وفي التفاصيل، أفاد المصدر في حديث لـِ “المدن” بأن الوزارة لا تنظر إلى الملف ضمن سياق واحد، نظراً إلى أن أبرز التشكيلات الأجنبية والتي تضم مقاتلين من التركستان والأوزبك منسجمة تماماً مع الجيش السوري، وهي النواة التي تشكلت بناءً عليها الفرقتان: 82 التي يقودها أبو محمد تركستان زعيم الحزب الإسلامي التركستاتي، والفرقة 84 التي يقودها العميد خالد محمد الحلبي قائد فصيل أنصار التوحيد سابقاً، وهما فرقتان تابعتان مباشرة للجيش السوري.
وأوضح أن هذه التشكيلات تُعامَل مثل جميع الفرق العسكرية الأخرى، وهي تتقاضى رواتب مقاتليها من موازنة وزارة الدفاع، وهو الأمر الذي يجعلها غير قابلة للاستقلالية، كما تعد خاضعة لقرارات وزارة الدفاع بالرغم من وجود بعض الشخصيات التي قد تتسبب في بعض المشكلات.
أما في خصوص المجموعات غير القابلة للاندماج، فأكد وجود توجه لتفكيكها تدريجياً لكن مع اعتماد النموذج الذين كان متبعاً في مرحلة الفصائلية، الذي يسمح بالوساطة وتسليم السلاح وتحييد المقاتلين الذين يمكن أن يتحولوا إلى جهاديين سابقين أو يُرسلوا على نحوٍ فردي إلى بلادهم أو البلدان التي يختارونها، ومن بينها تركيا.
ووفق المعلومات التي أكدها المصدر، تُمسك السلطة بمفاصل ملف المهاجرين بإمكانيات كبيرة، فهي قد قامت مسبقاً بتنظيم تمركزهم على أطراف المدن سواء في الساحل أو إدلب، بالتوازي مع تثبيت أسمائهم وأسماء عائلاتهم وعناوينهم ضمن سجلات نفوس مخصّصة لهم، مع الاحتفاظ بولاء قياداتهم للهيئة سابقاً والدولة حالياً، وهي إجراءات ساهمت في تسهيل عملية دمجهم ضمن صفوف المؤسسة العسكرية الوليدة.
خيارات المهاجرين لا تزال واسعة
من جانبه، رجح الباحث عرابي عرابي أن وزارة الدفاع ستلجأ إلى التفكيك التدريجي للتشكيلات غير المندمجة، لسببين، الأول يتعلق برغبة الدولة في توحيد سلطات السلاح تحت مؤسساتها، والثاني يتمثل بحاجة الدولة لتقليص مخاطر الخلايا النائمة.
ورأى في حديث لـِ “المدن” أن “الحل الذي يخصّ المجموعات الرافضة غالباً سيكون عبر التفكيك، ثم إعادة الدمج للمجموعات القابلة لهذه العملية مع اعتقال العناصر المهدِّدة بعد إنذارها”.
وأوضح أن خيارات المقاتلين الأجانب اليوم لا تزال واسعة نسبياً، وتتراوح بين “الانخراط المشروط بالجيش أو القوات المحلية بعد الفرز والتدقيق، والاندماج في الشعب السوري. أما في حالة الرفض فقد يضطر بعض المقاتلين الأجانب إلى الانتقال إلى ساحات أخرى، أو الانخراط في تنظيمات وأعمال سرية، وبالتالي يمكن أن تلجأ السلطة إلى التعامل الأمني مع هذا التهديد”.
وأكد أن خيار المغادرة الفردية لقسم من المقاتلين الأجانب على نحوٍ غير معلَن يظل خياراً إضافياً، خاصة للأشخاص الذين لا يفضلون الاندماج في مشروع الدولة الجديدة.
هل نشهد تصاعداً في استهداف الأجانب؟
من جانب آخر، تعزز عمليات الاستهداف التي طاولت جماعات جهادية غير سورية من قبل التحالف الدولي وعلى رأسها جماعة أنصار الإسلام ذات الأغلبية الكردية، فرضية التنسيق بين دمشق والتحالف الدولي ولو تنسيقاً غير معلن لاستهداف مجموعات مقاتلة رافضة للانخراط في الجيش، وهو الأمر الذي يساهم في تحييد تهديداتها المحتملة.
وكان موقع “المونيتور” نقل عن مصادر مسؤولة أن السبب الرئيس وراء استهداف “أنصار الإسلام”، هو رفضها تسليم السلاح أو الالتحاق بالقوات النظامية.
وتعليقاً، رأى عرابي عرابي أنه “على الأغلب قد يكون هناك صلة وظيفية بين الطرفين، فالتحالف يستهدف القادة الذين يشكلون تهديدًا عالياً بغض النظر عن وضعهم التنظيمي”.
ومن المرجح، وفقاً لما قاله عرابي إن “رفض الانخراط سيُعد لدى التحالف مؤشراً على تصاعد احتمالية أن تصبح المجموعات عناصر مهدِّدة، وهذا ما يدفع إلى ضربات استباقية أو عمليات إنزال واعتقال”. وبناء عليه، رجح أن “الاستهداف والتحذير من الانخراط مرتبطان أمنياً وعملياً”.
——————————————–
====================



