تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

شهداء 6 أيار… وطنيون لا عملاء/ بشير البكر

01 نوفمبر 2025

ضجّة وجدل في سورية بسبب تعديل فصل في كتاب مدرسي لمادّة التاريخ في المرحلة الإعدادية. قُدّمت رواية مختلفة عن شهداء الحركة الوطنية في سورية ولبنان، الذين أعدمهم الوالي العثماني على سورية وبلاد الشام جمال باشا في 6 مايو/ أيار عام 1916. هم 21 مثقّفاً وطنياً. 14 منهم أعدموا في ساحة البرج وسط بيروت، التي تحوّل اسمها بعد ذلك إلى ساحة الشهداء، وسبعة في ساحة المرجة بدمشق. كانت التهمة التخابر مع الاستخبارات البريطانية والفرنسية، أعداء الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، التي كانت في سنتها الثالثة في ذلك العام. ومعروف أن الردّ كان بإعلان هذا اليوم من كل عام مناسبةً تحتفل بها سورية (ولبنان) بعيد الشهداء تكريماً لذكرى هؤلاء، وذكرى بقية الشهداء.

صحافيون وأطباء ورجال دين، مسلمون ومسيحيون، يصفهم كتاب التاريخ الجديد بأنهم “عملاء للإنكليز والفرنسيين”، و”متآمرون” ضدّ الدولة العثمانية. ونظراً إلى عدم صدور توضيح رسمي، كثرت التكهنات حول التعديل الذي رُبِط بالمرسوم الرئاسي رقم 188 الذي صدر في 5 الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول)، وتضمّن إعادة تحديد المناسبات والعطل الرسمية المعترف بها في سورية، وحُذف بموجبه “عيد الشهداء”، إلى جانب مناسباتٍ أخرى مثل ذكرى حرب تشرين (1973)، واليوم العالمي للمرأة، في خطوة قالت الحكومة إنها تهدف إلى “إعادة تنظيم المناسبات الرسمية بما يتماشى مع المرحلة الجديدة”. وثمّة مَن فسّر المسألةَ بأنها التفاتة محاباة للدولة التركية التي يحتفظ العهد السوري الجديد بعلاقة متميّزة معها. وإذا صح ذلك، فإن المسألة تعبّر عن سوء تقدير واستسهال إعادة التدقيق في الأحداث التاريخية التي يجب أن يقوم بها مؤرّخون متخصّصون، يتمتّعون بالخبرة والحياد والنزاهة، بشكل شفّاف وعلني، وليس من خلال فريق تشكّله وزارةُ التعليم أو سلطةٌ سياسية.

تطوّر الموقف في تركيا تجاه المرحلة العثمانية، وحصلت مراجعاتٌ عديدة تجاه بعض الشخصيات والرموز والأحداث، وتشهد على ذلك مسلسلات الدراما التي أُنتجتْ في العقدَين الأخيرَين، واحتوى بعضها انتقادات صريحة تخلّص التاريخ من القداسة. وهناك رواية تركية تفيد بأن حزب جمال باشا (الاتحاد والترقي) هو مَن قاد عملية تدمير السلطنة العثمانية. ومن ناحية أخرى، لا تزال بعض كتب التاريخ التركية تحتفظ بنظرة سلبية تجاه العرب، صوَّرتهم خونةً وعملاءَ لإنكلترا وفرنسا، وتسمّمت بذلك العلاقات العربية التركية بشكل كبير، قبل أن يُعاد تأسيسها في عهد حزب العدالة والتنمية.

الشعوب التي تحترم تاريخها لا تخضعه للفحص والمراجعة من أجل إرضاء هذا الطرف أو ذاك، لأن الذاكرة الجماعية تحفظ ما هو مشترك بين أهل البلد الواحد، وتشكّل حارسَ الهُويَّة الوطنية والثقافية. والتاريخ ليس كتاباً مدرسياً يروي قصص الأمم وحكاياتها، بل هو السجلّ الذي يدوّن ماضيها البعيد والقريب بكل أمانة. وبالتالي، لا يقبل الاجتهاد والتأويل، ولا حتى إعادة الكتابة، وفق هوى حاكم أو جماعة.

هناك أمثلة كثيرة حول الاختلاف بصدد النظر إلى التاريخ الخاصّ بالاستعمار القديم والحديث، ويشكلّ النزاع الفرنسي الجزائري مثالاً صارخاً على ذلك، إذ لم يتوصّل البلدان إلى اعتماد مصطلحات حول الاستعمار الفرنسي للجزائر الذي دام حوالي 132 عاماً. ورغم مرور 63 عاماً على الاستقلال، لم يتوصّل البلدان إلى تسوية. فلا فرنسا قبلت بمصطلح الاستعمار، ولا الحكومات الجزائرية المتعاقبة رضخت لوجهة النظر الفرنسية. ولكن هذا الاختلاف لم يمنع حصول علاقات طبيعية بين البلدَين، وهذا يعني أن التاريخ ليس نظرةً واحدة، بل هو محصّلة تقاطع روايات مختلفة، كل طرف يراها من زاويته، ويمكن في الأحوال كافّة الوصول إلى تسويات تحترم الجميع.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى