طبخت للثوار وخاطت جراحهم.. أم جوزيف تعود إلى المدينة التي منحتها لقب “الأم”/ عائشة صبري

2025.11.04
“فرحتي لا توصف.. حلم تحقق قبل أن أموت”، كلمات مقتضبة وصفت بها المرأة الستينية، رنيم نازاريت حمزيان، لحظة عودتها في الرابع من أيلول/سبتمبر الماضي إلى مدينة حمص التي تركتها مرغمة قبل 13 عاماً، والمعروفة بين ثوار المدينة بلقب “أم جوزيف”.
لكن خلف تلك الكلمات تختبئ قصة طويلة، تعكس مسيرة امرأة اختارت الثورة على الطغيان، ودفعت ثمنها غالياً. فقد دفعت أثماناً مضاعفة خلال حياتها بدأت بتغيير دينها من المسيحية إلى الإسلام، قبل أن تنحاز للثورة السورية وتقدّم لها كل ما بوسعها.
بداية عملها الثوري
منذ مجزرة اعتصام الساعة في 18 و19 نيسان/أبريل 2011، تحوّل منزل “أم جوزيف” في حي باب السباع إلى مستشفى ميداني. كانت حينها رئيسة قسم الإسعاف الخارجي في المستشفى الوطني بحمص، لكنها لم تعد إلى دوامها الرسمي منذ ذلك اليوم. تقول رنيم نازاريت حمزيان لموقع تلفزيون سوريا: “خرجت لله، لا لسلطة ولا جاه”.
الجيران يتذكرونها وهي تركض تحت الرصاص لإسعاف الجرحى مع غزوان وزهير وأنوار زهرة، الشهداء الذين رافقوها في بدايات الثورة. وتضيف: “حتى تفاصيل صغيرة لا تُنسى: يوم الجمعة، أطبخ الطعام للمتظاهرين وأتركه ساخناً في متناول أيديهم، بينما جارتي تجهّز العصير ليُقدَّم للمصابين بعد أن أخيط جروحهم”.
من حمص إلى المنفى
بحماية الثوار خرجت من المدينة عام 2012 بعدما أصبحت مطلوبة للنظام. كانت امرأة وحيدة بلا أطفال، لكن ذلك لم يمنعها من حمل مسؤولية مئات الجرحى والمحتاجين. وتروي: “كنت أشعر بالتقصير مع كل جريح أعالجه.. أتمنى لو أفتديه بروحي”.
في السعودية، حيث لجأ كثير من أبناء حمص، لم تتوقف عن الدعم. باعت ما تملك، وتبرعت بكلفة عمليات جراحية، ودعمت إعلاميين ومقاتلين حتى غرقت في الديون. ومع ذلك، بقيت تعتبر الأمر “واجباً أخلاقياً” تمليه قناعاتها الدينية، كما تقول: “الإسلام الذي اخترته يحثني على فعل الخير إرضاء لله”.
لقب “أم جوزيف”
يوضح الناشط الإعلامي فخري البيطار المعروف بـ”أبو جعفر الصفصافة” لموقع تلفزيون سوريا، أن اللقب الذي أطلقه الثوار عليها مستوحى من شخصية درامية في مسلسل “باب الحارة” لامرأة مسيحية دعمت الثوار ضد الفرنسيين.
البيطار الذي استقبل أم جوزيف عند عودتها أكد لموقع تلفزيون سوريا أنها امرأة قدّمت أقصى ما تستطيع لخدمة الثورة السورية، وأول ما خسرته كان وظيفتها كرئيسة وحدة التمريض في المستشفى الوطني بحمص. وعندما انكشف أمرها أصبحت مطلوبة لنظام الأسد، لذلك تم إقناعها بالخروج من حمص.
“علاقة خاصة مع الساروت”
يستعيد الناشط قحطان حسون، صديق عبد الباسط الساروت، تفاصيل أخرى: “عبد الباسط هو من أطلق عليها لقب أم جوزيف. كانت تطبخ للثوار وتزور عائلاتهم، وعزمته على غداء كبسة، وعام 2013 غنّى لها الساروت ممازحاً خلال الحصار: (أم جوزيف نحن جوعانين، بعد الكبسة صرنا ناكل حشيش)”.
ومن بين الذكريات الأكثر إيلاماً، تتوقف أم جوزيف عند آخر مكالمة جمعتها بعبد الباسط الساروت خلال معركة تل ملح، مضيفة: “قال لي: هانت يا أمي.. كنت أسميه ضو عيوني”. بعد أيام استُشهد الساروت، تاركاً فراغاً كبيراً في قلبها.
تضحيات سبقت الثورة
قصة أم جوزيف المولودة في حمص عام 1961، مع تضحيات الثورة، لا تنفصل عن رحلة تضحيات شخصية. ففي مطلع التسعينيات (1991)، سافرت إلى السعودية للعمل ممرضة، وهناك اعتنقت الإسلام، ما دفع عائلتها للتخلّي عنها، وتطلّقت من زوجها الذي لم تنجب منه أطفالاً. وفي عام 2004 عادت إلى سوريا لتعمل مجدداً في القطاع الصحي، فعملت في مستشفى الحارس ثم في المستشفى الوطني، قبل أن تجد نفسها بعد سبع سنوات في قلب الثورة.
تشير أم جوزيف إلى زيارتها عبر التهريب إلى الشمال السوري عام 2013، موضحة: “لم أعد أستطيع البعد عن الثوار. سارعت للعودة لأشارك في إسعاف الجرحى في معارك تحرير مباني الإسكان العسكري والشبيبة والصوامع والطلائع بمدينة سرمين ومناطق أخرى شمالي إدلب”.
وبعد أكثر من عقد على الحصار والنفي والديون والخسارات، تعود “أم جوزيف” إلى مدينتها. تقول: “ثورتنا العظيمة تكللت بالنصر”، لكنها، مثل كثير من الناجين، ما تزال مثقلة بالشعور بالتقصير: “حرمت نفسي كثيراً مقابل العطاء للآخرين.. وما زلت أشعر أنني لم أفعل ما يكفي”.
تلفزيون سوريا



