
28 أكتوبر 2025
عالم يموت في سورية وآخر يتأخّر في الولادة. الوليد يتكئ على رؤى الثورة في الحرية والكرامة والتعدّدية والمواطنة والديموقراطية. يتأخر الجديد بقوة الخوف من عودة القديم وبالتطييف، وبالمجازر كذلك. وغير القمع والمجازر الذي تبنّته سلطة بشّار الأسد حينما انفجرت الثورة 2011، كان هناك التطييف من سلطة الهارب، ومن جماعات الإسلام السياسي. تلك الجماعات التي لم تنتصر للثورة الشعبية يوماً، بل “تسلطت عليها وطيّفتها وهيمنت عليها” سعت إلى أن تكون هي السلطة، ولكن نسخة سلفية جهادية وصلت إليها. هي رافضة العالم الجديد، وتتلاقى بذلك مع نظام الأمس في رفض الثورة وفي رفض اعتبار السوريين متساويين بالحقوق.
سقط بشّار الأسد، ولكن الثورة لم تنجح. انتقلنا من سلطةٍ إلى أخرى، هي سلطة هيئة تحرير الشام، التي كانت أحد أطراف الصراع، هي الجماعة السلفية الجهادية، وسريعاً أكدت رفضها الثورة، وانتماءها للسلطة والدولة؛ وهي بذلك ترفض أن تكون أحد الأطراف على مائدة المرحلة الانتقالية. سريعاً قامت قواتٌ تتبعها بمجزرتين طائفيتين كبيرتين، وقبل ذلك حلّت كل الأحزاب والقوى، ولم تحاكم فرداً ممن يمارسون هواية القتل اليومي منذ 8 ديسمبر، وشكّلت حزبها القائد للدولة والمجتمع “الأمانة العامة للشؤون السياسية”. قدّمت نفسها ممثلة للطائفة السنية، السنة العرب بالتحديد (كما تقول نخبها ليل نهار على وسائل الإعلام)، فارتدت الجماعات الأهلية، المذهبية والطائفية والقومية إلى هوياتها الدينية، تستعين بها في المواجهة مع الجماعة الجديدة في السلطة.
بدت النخبة السورية في وضع كارثي، فهناك نخبة سنيّة راحت تبرّر للسلطة كل أفعالها، وبعض نخب الأقليات تطابقوا مع طوائفهم. بدت النخبة العابرة للطوائف عاجزة عن المواجهة رغم رفضها مشاريع السلطة وللتطييف؛ رغم أنها تمثل رؤى أغلبية السوريين، المتعبين، رؤى ثورة 2011، وأغلبية أحلام المهجرين، والمنفيين إلى سورية الجديدة، هي بلا إعلامٍ، بلا قنوات فضائية، وراحت تتسلط عليها النخب الطائفية وتتعرّض للنقد من كل الاتجاهات، محملة إياها تغريدها الوطني، ورفضها الخاطئ التطييف؛ تلك النخب تؤهل السوريين إلى حربٍ لا تنتهي، وكما من قبل، سيفوز فيها زعماء تلك الطوائف ونخبهم الطائفية.
الناس المتعبون، الذي تتجاوز نسبة الفقر بينهم 90% وأكثر (حسب تقرير للأمم المتحدة)، هم بالكاد يتدبّرون شؤونهم اليومية، خائفون من تكرار تجرب الموت. السلطة تستغل ذلك بشدة، والنخب السائرة خلفها، تتموضع في الخانة ذاتها، بوعيٍّ أو بدون وعيٍّ، متذرّعة بأنّها المرحلة الانتقالية، وإرثُ الأسد الثقيل وإمكانية الفوضى، متجاهلة حقوق الناس؛ وللحق هي معنية فقط بتأبيد السلطة. نظام اليوم هو نظام الجماعة التي تفرض هيمنة كبيرة على السلطة والدولة، هيئة تحرير الشام. لا تستطيع هذه الجماعة تلبية حاجات السوريين المتراكمة منذ 8 ديسمبر.
الآن، أين يجب أن يُصوب النقد، الشك، التحليل، التركيب، الاستنتاج وتأليف النظريات، والأفكار؟ النقد يجب ألّا يكون مشروطاً، وبلا ضفافٍ، وبحرية كاملة؛ فبدونه كل أشكال الفوضى والعبثية والعدمية والتطييف. النقد يجب أن يتوجه أولاً لمشروع السلطة الذي تتبناه في كيفية هيمنتها على الدولة، ونحو طبيعة الجماعة القابضة على السلطة، وحلفائها القدامى والجدّد. مثالنا هنا، أن الأغلبية السورية اتجهت في 8 ديسمبر إلى الفرح الخالص بالخلاص من بشّار الأسد، ولو جاء على يد جماعة سلفية جهادية محلية، ولم تشهر الأغلبية سلاح النقد ضدّها، والآن تغيّر هذا الأمر؛ إذاً يجب قراءة المشهد: لماذا تغيّر الأمر وتكاد البلاد أن تتفكك وتتقسم وتُحتل من جديد؟
نقد نخبة السلطة الذين ينفكّون عنها ومن دون السؤال عن السبب، أو اختراع أسباب غير واقعية “طائفية ومناطقية وقومية متعصبة، وهناك من يكرّر سردية سلطة الأسد في صهينة كل معارضة”؛ هو عمل أيديولوجي بامتياز؛ يجتهد ويثابر في إنتاج سردية للسلطة للدفاع عن مشروعها الهيمني، التفرّدي، وعدم مساءلته. وبالتالي، فلتفعل بسورية وبالسوريين ما تشاء؛ وهذا دور الأيديولوجيا في التأسيس للاستبداد. تصمت هذه النخبة عن قضايا الداخل، كما أشرنا، وعن التهديد الصهيوني للدولة السورية والساعية إلى تقسيمها، وتصمت كذلك عن مشروع الشرعية الذي تحاول السلطة تأمينه لنفسها، من الخارج، ورفضها العودة إلى الشعب وأخذ الشرعية منه، والتي تتطلب، بالضرورة، التشاركية والتعدّدية، التي كان تغييبها من أسس الثورة على بشّار الأسد. اصطفاف هذا النوع من النخبة خلف السلطة يعزّز مواقع الأخيرة، لتصبح جاهزةً للهيمنة على الدولة والمجتمع ولانتهاج القمع، والذي بَدأ يتحقق عبر مختلف أشكال الانتهاكات والمجازر، كما جرى في الأشهر السابقة؛ فهل بعدها يمكن أن يعمل الشعب بالسياسة والنزول إلى الشوارع؟ هذا كلام مخاتل وغير ذكي.
أعلنت نخبة السلطة والسلطة، مواربة أو علانية، أنها تمثل السنة العرب، كذلك اتجهت نخبٌ مناهضة، وكردٍ طائفيٍّ، نحو التطييف أو التعصب القومي. مع ذلك، تتذاكى نخبة السلطة بأن الجماعة الحاكمة تمثل كل السوريين؛ وهذا غير صحيح، فهي تمثل ذاتها والمتحالفين معها فقط. هنا يتبدى لنا كيف تسعى النخبة إلى إنتاج سردية أيديولوجية، وأن نخبة السلطة والسلطة تمثل كل السوريين، وسوى ذلك فلول أسدية أو قوى طائفية، تناهض سورية لا السلطة أو مشروعها التفردي.
أيّة نظرةٍ سريعة إلى الواقع ستكرّر ما يركز هذا النص النقد عليه، وأيضاً، ستتحدث عن انقسامات طائفية واسعة بسورية، وقومية، وأزمة عدم ثقة بالسلطة بسبب مشروع الهيمنة والتفرّد، وغياب أي نوع من أنواع الشفافية، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
لا يوقف الانحياز للسلطة هذا تفاقم الأزمات، بل يزيدها، وتبتعد النخب والقوى الطائفية عن السلطة، بل وعن سورية كذلك، وهنا يكثر الحديث عن التقسيم، والفيدرالية بالمعنيين، الطائفي والعرقي. ومن ناحية أخرى، هناك المناطقية والعائلية والسلاح المنتشر بكثافة، والفصائلية التي ما زالت قوية، والكلام لا يخصّ قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أو السويداء أو جيش سورية الحرّة. هذا الواقع وصفة للانفجار وفي كل المحافظات السورية. ما العمل؟
لا تتكلم نخبة السلطة، التي تدّعي أن السلطة تمثل كل السوريين والدولة، عن الواقع، تريد دعم السلطة في مشروعها، الذي قد يفجر المجتمع، يُقسّمه، يُطيّفه، يصمت عن تهديد السيادة، ويُسلم البلاد للخارج. تساهم النخبة هذه بقسطها في تسليم سورية إلى الخراب؛ فإن استمر مشروع السلطة ومجازرها، قد تصبح الحرب التي كانت سابقاً بين سلطة وشعب أهلية، وبشكل طائفي أو قومي مع الأكراد، وبالتالي، سيكون هناك المزيد من التحكّم الخارجي.
لا شك أن نخبة معينة، وبسبب طائفيتها، أو لأسباب أخرى ستظل داعمة لمشروع السلطة في الهيمنة، والتذاكي على الشعب ونخبه ودعوته لأن يمارس السياسة وألّا يكون طائفياً، وأن ينخرط في مشروع الدولة. وستظل صامتة تجاه تأزيم وتفكيك هذا المشروع للمجتمع، وتفتيته، ودفعه نحو التقسيم. وفي هذا قوّة للسلطة “الأقلوية”، المرفوضة من الإسلام السوري المعتدل، وهي لا تمتلك رؤية للخروج من الأزمات، وهناك الاشتراطات الدولية، ولا سيما الأمريكية، وبالتالي، تحتاج السلطة إلى التطييف من أجل إخافة المجتمع من السياسة، من الاحتجاجات، من رفض مشروع السلطة، من الاتجاه نحو تشكيل قوى وطنية.
سورية أمام مشكلة كبيرة، وهي رؤى هذه النخب بالتحديد؛ نخب السلطة ونخب الطوائف وهناك النخب الكردية المتعصبة. هذه النخب تستفيد من أجواء التطييف والتعصب القومي، وتُعظم منها، وترفض المشروع الوطني، الذي تتبناه نخب الشعب، التي تؤكد أن سورية في مرحلة انتقالية، ويعيق تقدّمها مشروع السلطة والمشاريع الطائفية والقومية المتعصبة، وأن الحل أن تكفّ جماعة هيئة تحرير الشام “وحلفاؤها”، التي تحاول الهيمنة والادعاء بتمثيل كل السوريين، والإعلان عن مؤتمر وطني جامع، وعن إجراءات لتطبيق العدالة الانتقالية، والكف عن التطييف والتجييش ضد الطوائف والشيطنة، واعتبار الطوائف معادية للدولة وليس فقط للسلطة، ويجب إخضاعها بالقوة.
النخبة الطائفية ولأنّها كذلك تتجاهل حقوق السوريين في المساواة والمواطنة وفي الحريات ورفض مشروع السلطة الهيمني، وتدافع عن مشروعها الطائفي بحجة أنها تمثل الأكثرية السنية العربية، وتعطف ذلك خوفاً من الفوضى، وبالتالي، يجب أن يتقبل الشعب الاستبداد الجديد وإلّا فهناك الفوضى والحرب الأهلية، وتتجاهل أن كل سياسات السلطة تقود إلى الحرب الأهلية كذلك! إن انتقالية سورية الراهنة، والانقسامات العميقة ومنذ 2011، وقبل ذلك، لا يمكن تجاوزها إلّا بمشروعٍ وطني، وبنقدٍ مركزٍ على أفكار نخبة السلطة وعلى مشروع الأخيرة، الذي يسير بسورية نحو التقسيم والتفكك والتطييف وإفناء البنى الحداثية المتراكمة من عقود طويلة، والساعية نحو المساواة والمواطنة والحريات والديموقراطية، وتتطابق مع رؤى وأهداف ثورة 2011.
النخبة الداعمة للسلطة أسوأ في رؤاها من مشروع السلطة نفسه؛ فهي تبرّر لها، تشيطن الآخر، تدّعي التعبير عن الأكثرية السنية العربية، تدّعي أن خلاص سورية في هيمنة الجماعة الحاكمة على السلطة والدولة؛ نخبة كهذه لا تتحسّس عمق الأزمات، وأهمية المساواة في الحقوق لدى السوريين، ولا تتحسّس أن مشروع السلطة مرفوض دولياً. وبالتالي، لا يمكن إنقاذ سورية من دون العودة إلى المشروع الوطني الديموقراطي ومشاركة كل السوريين، وليس على أسسٍ طائفية أو قومية… هنا الوردة هنا الرقص، وهنا يبدأ العالم الجديد بالتشكّل.
العربي الجديد



