مختارات شعرية لـ “فيسوافا شيمبورسكا”

Wisława Szymborska
بولندا
فيسوافا شيمبورسكا
(1923-2012)
فيسوافا شيمبورسكا هي شاعرة وباحثة ومترجمة بولندية، ولدت وعاشت معظم حياتها بكراكوف. شغلت عدة وظائف الصحافة والنشر. بدأت الكتابة مع بداية الحرب العالمية الثانية وعملت سريا ضد الإحتلال النازي لبلادها.نشرت عدة قصائد مناصرة للحكم الشيوعي في الخمسينيات. غيرت أسلوبها فيما بعد يتميز شعرها بسهولته وعمقه في نفس الوقت، تتمزج فيه الخفة والفكاهة مع المفارقة واحساس تراجيدي بمصير الإنسان. يتعبر مجمل أعمالها صغير لحد ما ولكنها أكثر الشعراء شعبية في العالم. حصلتعلي جائزة نوبل في الآداب عام 1996 لأن “أشعارها استطاعت بدقة متناهية أن تجسد الحقائق الذاتية والتاريخية في صورة سمات بشرية.
—————————-
فيسوافا شيمبورسكا شاعرة المتناقضات
*حياتها
ولدت شيمبورسكا قرب مدينة بوزنان الواقعة غرب بولندا ث عام 1923م انتقلت في الثامنة من عمرها للعيش نهائياً في مدينة (كراكوف) جنوب بولندا في الفترة ما بين (1945- 1948) درست أول الأمر في قسم اللغة والأدب البولندي ثم تحولت على فرع السيسيولوجيا الذي لم تكمله.
عملت في الفترة ما بين (1953 – 1981) في هيئة التحرير الحياة الأدبية “تصدر أسبوعيا في كراكوف، نشرت مقالاتها بعنوان “مطالعات اختيارية “التي ضمتها ونشرتها في جزئين.
الشاعرة إنسانة متواضعة لا تحب الأضواء تعيش وسط نخبة ضيقة من الأصدقاء والزملاء من الوسطين الشعري والفني.
توفيت في 1 فبراير عام 2012 في كراكوف بولندا
*حياتها الأدبية:
فيسوافا شاعرة بولندية فازت بجائزة نوبل في حقل الأدب، فهي تتمتع باحترام كبير في الوسط الأدبي البولندي، حتى أنها قد اعترفت قائلة لم تجد فيما كتب عنها سوى الإعجاب بشعرها، وتوج هذا الإعجاب بمنحها لقب الدكتوراه الفخرية من جامعة بوزنان عام 1995 وجائزة القلم البولندي في الشعر عام 1996 ومنحت جائزة نوبل للشعر، فهي متميزة بلغة بنية وأسلوب القصيدة، استطاعت أن تخلق لها أسلوباً شعرياً خاص بها.
وشيمبورسكا تاسع امرأة تحصل على هذا الاستحقاق الرفيع في تاريخ جائزة نوبل عام 1966.
وبدون ضوضاء وادعاءات فارغة وتزلف، الكتابة لديها عمل شاق دؤوب دقيق ومعاناة حقيقية يقابلها متعة الكتابة التي سمتها الشاعرة في واحدة من بين أجمل قصائدها ب “فرح الكتابة” ثمة وليد منتظر حققت شيمبورسكا في شعرها بدون تكلف ولكن من خلال بنية شعرية تكاد تكون صارمة، والوحدة في التنوع مصورة الحالة الناجمة عن تناقض الأضداد في مجرى الواقع والكون.
وعشر مختارات شعرية صدر منها آخرها تحت إشراف الشاعرة ذاتها عام 1996 وتضم 102 قصيدة.
تقول في قصيدة ثمة ناس:
ثمة ناس في هروب من ثمة ناس
في بلد ما تحت الشمس
وبعض الغيمات
يتركون وراءهم كل مالهم
حقولا مزروعة ، دجاجات ، كلاباً
ومرايا تتطلع فيها النار
يحدث بصمت توقف البعض
في جلبة انتزاع بعض الرغيف بعض
وَرجّ بعض لطفل ميت
مازال أمامهم اللاطريق
هكذا تصور الوضع البشري فهي شاعرة التناقضات على صعيد الإنسانية والبنية الشعرية على السوء.
الأفكار لديها تتناطح وتتشابك فلا تتلقي ولا تفترق، قصائدها صافية ذكية، مفاجئة، متماسكة فنياً وفكرياً. يصعب حذف أو تجاهل أي كلمة أو سطر من قصائدها وعلى القارئ أن ينتبه على مشاعر السخرية واستخدام المفارقات في شعرها، فقد تبدو للوهلة الأولى بسيطة أو عسيرة على الاستيعاب. ويمتاز شعرها بمنحى فكري وأخلاقي يتسم بالتركيز على باعثين هما الوجودية للإنسان المعاصر، وموقف الفرد من التاريخ.
* دواوينها الشعرية
1. لهذا نحيا 1952
2. أسئلة نسألها 1954
3. نداء بيتي 1957
4. الملح 1962
5. مائة سلوى 1967
6. كلّ حال 1972
7. العدد الكبير 1976
8. ناس على الجسر 1986
9. والنهاية والبداية 1993
في قصيدة “مائة سلوى” تقول:
كان يرغبُ بالسعادة
كان يرغبُ بالحقيقة
كان يرغبُ بالخلود
انظروا
إذ هو موجود
حتما حدث
تحت نجمة من نجوم الريف
بشكل ما هو حي بالأحرى
ثمة تركيز على الفكرة والتاريخ و
الحب والموت وتعاقب الزمن مع إثارة قضية الأخلاق والتفاهم بين الناس.
“تحت نجمة واحدة” تقول:
أعتذر للصدفة لأنني أدعوها ضرورة
أعتذر للضرورة إذ أخطأتُ
لا تمتعض السعادة لأنني آخذها كسعادتي
فلينسيني الموتى، لأنهم بالكاد يكمنون في الذاكرة
أعتذر للزمن على تعدّد العالم المُهمل في الثانية
أعتذر للحب القديم، لأنني أرى الجديد هو الأول
اغفري لي، أيتها الحروب البعيدة، لأنني أحمل الزهور إلى البيت
أغفري لي، أيتها الجراحُ الفاغرة، لأنني أخزُ الأصبع.
تقول الشاعرة: “أنا لا أمارس فلسفة كبيرة ، وإنما شعرا متواضعا فقط“.
قصائدها تنهل من الطبيعة والنبات وكلها محاولات لفك كُنْة الوجود، لأن من حق الشعر أن يطرح بحرية متكاملة تساؤلات
وليس من واجبه أن يقدم إجابات.
وأتساءل: هل هناك شاعرة مثل فيسوافا وروح بحجمها ونقائها وألمها الإنساني الصادق العميق؟
فهي أقرب إلى الحياة ومباهجها منها إلى مآسيها وظلامها.
——————————–
فيسوافا شيمبورسكا شاعرة المتناقضات نوبل 1996م
أخذ اسم الشاعرة شيمبورسكا منذ العام 1989 يتردد في قائمة المرشحين لجائزة نوبل في حقل الأدب. تضم القائمة عادة حوالي مئتي مرشح، سرعان ما يأخذون بالتناقص حتى يصلوا في أواخر سبتمبر من كل عام الى عدد أصابع اليد الواحدة. لم يكن أحد من الضالعين في شؤون الثقافة البولندية متوقعا أن تفوز شيمبورسكا بالجائزة، لا لأنها لا تستحقها، خاصة وأن النقد الأدبي البولندي قد توجها “أميرة الشعر البولندي”، بل لوجود تصور عام بأنها ستكون هذا العام من نصيب أحد الناثرين، ناهيك عن منافسة شاعرين بولنديين لها هما تادئوش روجيفيتش وزبيفنيف هربرت.
لكن فوز شيمبورسكا بالجائزة المذكورة لم يلق اعتراضا أبدا، بل تقبلا رسميا عاما من الجانب البولندي، على الأقل. فشيمبورسكا تتمتع باحترام كبير في الوسط الأدبي البولندي، حتى أنها قد اعترفت علنا قائلة: إنها لم تجد فيما كتب عنها سوى الاعجاب بشعرها. انها مدللة النقد البولندي.
لقد توج هذا الاعجاب بمنحها لقب الدكتوراة الفخرية من جامعة بون فان (أيار / مايو 1995) وجائزة نادي القلم البولندي في مجال الشعر ( 30 أيلول /سبتمبر 1996/. وحصلت على جائزتين غربيتين معتبرتين هما: جائزة غوتة (1991) وهيردر (1995). لقد منحت جائزة نوبل للشعر، لشاعرة متميزة في لغة وبنية وأسلوب القصيدة. استطاعت أن تخلق لها أسلوبا شعريا خاصا بها. انها جائزة للنوعية على حساب الكمية، جائز لمئتي قصيدة حقيقية حية كتبتها الشاعرة على مدى خمسين عاما وتوزعت على. تسعة دواوين شعرية لا غير هي:
“لماذا نحيا” (6952)، “أسئلة نسألها” (1954)، “نداء يبتي” (6957)، “الملح ” (1962)، “مائة سلوى” (1967)، “كل حال ” (1972)، “العدد الكبير” (1976)، “ناس على الجسر” (1986) و“
النهاية والبداية ” (1993)، وتسع مختارات شعرية صدر آخرها تحت اشراف الشاعرة ذاتها في تشرين الثاني/ نوفمبر 1996 وتضم (602) قصيدة لا غير.
يضاف الى ذلك مجلدان نثريان يضمان مقالاتها المنشورة بعنوان “مطالعات اختيارية ” في الصحافة البولندية. وكتابان في مجال ترجمة الشعرية: الأول مختارات من أشعار (دي موسيه ) (1957) والثاني “أشعار مختارة ” من شعر بودلير ( 1970 ). لقد تحققت نبوءة رئيس نادي القلم البولندي الشاعر (آر تور ميندزيزتسكي) الذي بعث رسالة تهنئة من ستشفاه (قبل رحيله مؤخرا) الى الشاعرة قرئت أثناء منحها جائزة نادي القلم الشعرية، بأن هذه الجائزة متواضعة، لأنها تستحق جائزة نوبل !
كانت مدينة (كراكون ) ذات التقاليد الجامعية والأدبية العريقة تستعد في 1999للاحتفال بحضور ثلاثة شعراء من حملة نوبل هم: جيسواف ميووش، وجوزيف برودسكي وشيموس هيني. استبدلت الفكرة بعد موت برودسكي في شهر كانون الثاني 1996 بلقاء يضم الشاعرين الآخرين في الثالث من تشرين الأول لم أكتوبر 1996، بغرض تأبين صديقهما الشباعي الراحل. لم يحضر للقاء المذكور الذي خططت له دار النشر (زناك ) سوى شيموس هيني، لأن ميووش سبق وأن سافر الى بركلي في الولايات المتحدة الأمريكية. لقد قال هيني في كراكون: أعرف شيمبورسكا منذ سنتين وأتذكرها كمدخنة شرهة. لقد كان قرار الأكاديمية الملكية السويدية رائعا: للشعر وللأكاديمية السويدية ذاتها. وأضاف مازحا: كان على الجميع أن يجتمعوا هنا في كراكون لكي يمنحوا جائزة نوبل لفيسوافا شيمبورسكا. وقال أيضا: أن جائزة نوبل هي بمثابة صاعقة تنطلق من سماء صافية باتجاه شخص مختار. وان توقع أي كان بأن الجائزة هي من نصيبه، هو محض جنون. لقد قالت الشاعرة في حوار أعقب منحها الجائزة بأنها لم تخلق من لا شي ء، مشيرة بذلك الى التراث الشعري البولندي الذي تنتمي اليا. شيمبورسكا هي تاسع امرأة تحصل على هذا الاستحقاق الرفيع في تاريخ جائزة نوبل، وبها يصبح عدد البولنديين الفائزين بجائزة نوبل للأدب أربعة هم على التوالي: هنريك شينكيفيتش (1905)، فواديسواف ريمونت (1924)، جيسواف ميووش ( 1980) وفيسوافا شيمبورسكا (1996).
على مدى خمسين عاما كانت قصيدة شيمبورسكا وما تزال تحفر سماتها وصوتها الخاص في الشعر البولندي المعاصر. انه حفر ونقش يشبه ما وصلنا من نقش في الكهوف والمعابد من حيث سأثر. بدون ضوضاء، وادعاءات فارغة وتزلف. الكتابة لدى ميمبورسكا عمل شاق دؤوب دقيق ومعاناة حقيقية، يقابلها متعة كتابة التي سمتها الشاعرة في واحدة من بين أجمل قصائدها _ فرح الكتابة “. فمقابل المخاض ثمة وليد منتظر. كان الفرزدق فضل قلع ضرس له على كتابة بيت من الشعر. في بداية السبعينات حدد الناقد البولندي الراحل (يري كفيا تكوفسكي) موقع، يمبورسكا الشعري على النحو التالي:”رغم قلة عدد قصائد شاعرة (بحدود مئة قصيدة آنذاك ) الا أنها واحدة من بين أهم ظواهر في الشعر البولندي المعاصر. بساطة وتوصيل غير عاديين. هر عميق فكريا… شعر دقيق بصور غير عادية، مصحوب بابتكار في صياغاته. الكلمة فيه وسيلة وليست غاية… كل قصيدة من عصائدها تعتمد على شعرية متفردة… ببساطة انه شعر خاص تماما ” (عن مقدمته لمختارات الشاعرة، وارسو 1970).
حققت شيمبورسكا في شعرها بدون تكلف ولكن من خلال ية شعرية تكاد تكون صارمة “الوحدة في التنوع ” مصورة الحالة ناجمة عن تناقض الأضداد في مجرى الواقع والكون عموما. حينما هي تستلهم بعض الأفكار الفلسفية من (لايبنتز) (مونتان ) و (توماس مان ) وقبلهم (هيراقليط ) وغيرهم انما تريد ر تسوغ فلسفتها الشعرية الخاصة. كان هيراقليط يعتقد بأن كل شيء يجري، ولا شيء ثابتا حتى أن دخول الشخص ذاته الى النهر ته يختلف في كل مرة. قصائد شيمبورسكا هي من هذا النوع، هي ادت لكل قصيدة أن تختلف عن الأخرى. وهذا الأمر حفز بعض نقاد الى الاعتقاد الذي صار شائعا بأن “ابداع شيمبورسكا لا تضع بسهولة الى ضغط التحليلات النقدية. ولذا فمن الأجدى أن يقرأ لا أن يحلل ” (البروفيسورة مارتا فيك ).
اعتبارا من الديران الثاني “اسئلة نسألها ” ( 1954) والدواوين لاحقة وآخرها “النهاية والبداية ” (1993) والشاعرة تطرح مثلتها بصورة لا تخلو من السخرية والتوق الى اثارة فضول ناريه ودهشته. انها شاعرة أسئلة خطيرة توجه قبل كل شي ء للذات من ثم للآخر. أسئلة فلسفية وحياتية تطرح في خضم حالات يسودها التناقض والعبثية أحيانا. أسئلة تمتزج بظلال من السخرية لتهكم ومرارة البحث لا عن مخرج، وانما عن فهم لسنة العيش ونظام الطبيعة، أسئلة لا تهتم بما هو ثابت وجاهز، فهذا أمر لا تكثرث به الشاعرة وانما بهذه السيرورة الكونية المتدفقة، اللاهثة
احيانا وراء حتفها. حاولت شيمبورسكا، على ما يبدو، أن تفلسف ماؤلاتها وشكوكها كشاعرة لا غير متشوقة لمعرفة تفاصيل الاشياء والوجود بفرض تسميتها من جديد، باحثة عن مكانها نعري، ضمن نطاق الشعر البولندي والأوروبي عموما.
بعد حصول بولندة على الاستقلال في العام 1918 أخذت الحياة نافية و الفنية والأدبية بالتطور والنماء بصورة أكثر طبيعية حيوية من ذي قبل. فتشكلت التجمعات الفنية والأدبية ومنها معوية. في فترة ما بين الحربين العالميتين تشكلت الحركة “الطليعية البولندية التي انصب همها على تغيير وتشوير الأساليب الفنية على معيد الشعر، والرسم، والمسرح والموسيقي. لقد تشكلت بفضلها رؤيا جديدة لدى الفنان البولندي. حينما انطلقت شرارة الحرب العالمية الثانية في 1939 كان عمر شيمبورسكا آنذاك لا يتجاوز السادسة عشرة. وهذا يعني أنها قد عانت ويلات الحرب ووطأة الاحتلال الهتلري لبولندة، وحالة تحريم ممارسة البولندي لأي نشاط علمي، ثقافي وخصوصا الفني والأدبي بصورة علنية. ولا نبالغ اذا ما قلنا إن ما كتب في سنوات الحرب والاحتلال هو نتاج السجون ومعسكرات الاعتقال والعمل السري ونتاج أولئك الذين هربوا الى الخارج. ما نريد أن نشير اليه هو أن نهاية الحرب وظهور النظام الاشتراكي كقوة دولية عل أنقاض الاحتلال الهتلري كان بالنسبة للكثيرين بمثابة لوح الخلاص. كان نهاية سعيدة (في حينها) لكابوس. وليس غريبا إذن أن تحمل القصيدة الأولى المنشورة في 1945لشيمبورسكا عنوان،”أبحث عن الكلمة “. اندفعت الشاعرة أسوة بالعديد من شعراء وكتاب بولندة الى كتابة شعر يمكن وصفه بأنه شعر لعامة الشعب، يمجد في أحد جوانبه النظام الاشتراكي والانسان الجديد القابع في ظله. شيمبورسكا بطبيعها تميل – كما سيتضح فيما بعد _الى الاعتقاد بأن الشعر هو فن “الأقلية ” لا “الأكثرية “. وما شيوع شعر “الأقلية ” الحقيقي سوى تطبيق فني استثنائي لفكرة أدكم من فئة قليلة قد غلبت فئة كبيرة… “! هناك أخبار تقول أن قصيدة شيمبورسكا الأولى هي عبارة عن مونتاج لمجموعة قصائد للشاعرة قامت هيئة التحرير بصياغتها في واحدة ! الأمر المثير حقا هو أن الشاعرة قد تنصلت نهائيا فيما بعد من ديوانيها الأولين مستبعدة قصائدها من مختاراتها الشعرية اللاحقة، ولم تسمح بإعادة طبعهما. وهذا يعود على الأرجح الى أسباب عديدة أهمها في تصورنا هو أنها كانت تقسم الزمن، يتبع ذلك الأفكار الى نوعين هما: الزمن المظلم (أمس ) والحافل بالأمل “اليوم “(قارن، أنا لغزينسكا، فيسوافا شيمبورسكا، وارسو 1996).
شيمبورسكا تنتمي بجذورها الى حركة الطليعة وفي موقفها من الأشياء والعالم، الى التراث الكلاسيكي القائل بحركية الكون وانسيابية الأشياء وعدم ثباتها والى مبدأ تناقضها.
بعد موت ستالين في العام 1953، وأحداث بولندة في 1996، 1968، 1970، 1976و 1980 المناهضة لتحجيم دور الفرد في التعبير عن مصيره وعما يعانيه من قبل سلطة الكل المطلقة، ولدرء تداعي الوضع الاقتصادي للمجتمع وقبل كل شي ء للتخلص من سطوة ونفوذ “عدو الأمس – صديق. اليوم ” المتمثل بالنسبة للشعب البولندي في “المحتل الروسي والسوفييتي” فيما بعد كانت سنة 1989حاسمة في تاريخ بولندة الحديث، لأن السلطة قد انتقلت بأيدي المعارضة المتمثلة بحركة التضامن التي فقدتها بعد سنوات في الانتخابات العامة. هذه الأحداث زرعت داخل نفسية غالبية كتاب بولندة “عقدة الانتماء” الى النظام السابق، وخصوصا لدى الشعراء والكتاب الذين خدموا النظام الشيوعي. الستاليني في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. هذه العقدة، اضافة الى أسباب آيديولوجية، وأخرى ذات علاقة بموضة العداء للماضي، دفعت شيمبورسكا وأمثالها للارتماء في أحضان الطرف الآخر – المعارضة. فديوانها الأول “لماذا نحيا” (1952) والثاني “أسئلة نسألها” (1954) قد مثلا تماما، ذلك الماضي الذر حاولت الشاعرة التخلص منه بشتى السبل. اعترفت الشاعرة بذلك قائلة: “كان الشعر يلائم أفضل من النثر بكثير في طرح الشعارات والدعاية، واثارة الخماس لا التامل… كنت حينئذ واثقة تماما من صحة ما أكتبه ولكن هذا التأكيد لا يرفع عني الذنب الذي اقترفته بحق القراء الذين ربما قد أثرت بهم…” (نصوص ثانية، ع 4، بولندة 1996). في ديوانها الثالث ” نداء يبتي” (1957 ) لم تتخلص الشاعرة نهائيا من حماسة الشعر الثوري والاشتراكي التي سادت مباشرة في شعر ما بعد الحرب، ولكنها تخلصت من “البنية الرتيبة ” بحيث بدأت تظهر ملامح قلب الأدوار والاستفادة من المتناقضات في بنية القصيدة. أخذت الشاعرة تساوق ما بين الهزل والجد وترسم عالمها الشعري ضمن حركية دائمة: النهر متدفق والمجرى واحد.
في ديوانها الرابع “الملح ” (1962) أخذت الشاعرة تميل الى الاقتصاد في الصورة والعبارة والى ضغط الفكرة المحددة ببنية محددة شعريا. والشيمة الرئيسية التي حد.ت معالم الديران هي: الطبيعة ازاء الثقافة والبيولوجيا ازاء الفن، موظفة السخرية الى أبعد حد في بنية القصيدة وفكرتها أيضا. كل قصيدة تحاول أن تكون كشفا شعريا لحالة تسعي الشاعرة لأن تصير نسيجا وحدها. قانت الشاعرة في 1975: “أود أن تكون كل قصيدة من قصائدي أخور”. من الصعب تصنيف تنعرها الى مراحل شعرية واخضاعه الى مساطر المدارس والاتجاهات الأدبية والشعرية التي سنها مؤرخو الادب والنقاد قبل غيرهم، لقد تجاوزت شيمبورسكا فكرة “الأجيال ” الشعرية المتعارف عليها.، لأنها تطمح الى كتابة شعر حقيقي. في ديوانها “مئة سلوى” (1967) ثمة تركيز عل فكرة الحداثة والتاريخ والحب والموت، وتعاقب الأزمان مع إثارة قضية الأخلاق والتفاهم بين الناس من جديد. استطاعت الشاعرة أن تكشف عن المتناقضات في الطبيعة وحياة بني البشر وتوظفها الى أقصر حد بإدخال عنصري السخرية والمفاجأة وطزاجة طرح الاسئلة. فالشعر بأعتقادها لا يتوسل بالمشاعر القطيعية، ´أن على الشعر الذي مبرر وجوده هو العيش مباشرة وبلا وسيط مع القاريء أن يظل وفيا لذاته. وتقول الشاعرة أيضا “أنا لا أمارس فلسفة كبيرة، وانما شعرا متواضعا فقط “. لكن يبدو أن رجال العلم والفكر قد تركوا أثرا في نفسها أكثر من الشعراء أنفسهم، في قد حركوا فيها عنصر الدهشة والتأمل، وأعطرها موضوعات ومسائل أكثر اثارة للفكر و”عوة لطر- الأسئلة. أنظر على سبيل المثال لا الحصر، قصائد مثل ” “هيكل السحلية “، “العدد الكبير”، أدفي ” نهر هيراقليط “، “توماس مان “، “أطلنتس ” أو “حديث مه الحجر”. اضافة الى قصائد أخرق تنهل من علم الآثار، وعلم الطبيعة والنبات والبيولوجيا. كل هذه القصائد مجتمعة تشكل محاولات لسبر وحذر كنه الوجود. لأن من حق الشعر أن يطرح بحرية كاملة، تساؤلات وليس من واجبه أن يقدم اجابات وكما قال مؤرخ الأدب والناقد (يوري لوتمان ) “فالثقافة هي عبارة عن ذاكرة انتقائية “.
شيمبورسكا منذ قصيدتها “قردا بروغل ” (عنوان لوحة لأشهر فنان هولندي من القرن السادس عشر) التي وردت في ديوانها الثالث “نداء يبتي” (6957) حتى ديوانها الأخير “النهاية والبداية ” (6993) ثم عبر قصائدها الأجدد مثل “صمت النبات ” و”الفيوم ” حاولت أن تترك مسافة بينها وبين ما تكتبه، بينها وبين الأحداث. أما الشكل في شعرها فله وظيفتان هما: الشكل كحالة خلق والشكل كستار. وما تناقض القوانين والمباديء سوى عبارة عن مواجهة ما بين طرفين هما “الحياة ” من جهة و” عالم الخيال والخلق _عالم الأدب ” من الجهة الأخرى.
لقد تجاوز شعر شيمبورسكا معوقات لفة التقعير والافتعال والعزلة، بالغا عالما شعريا يختلط فيه الفكر بالعاطفة بحيث يصعب الفصل بينهما. رغم البساطة الظاهرة في شعرها الا أنه من الصعب نقله الى لفة أخرى، لأن الشاعرة وهي تستخدم مثلا صيغة المبني للمجهول انما تريد أن يبقى هكذا ويشمل أيضا الحاضر !! ففي قصياتها على سبيل المثال لا الحصر “قط في شقة فارغة ” تقول: يموت _هذا ما لا يعمل بالقط / إذ ما بوسع القط أن يفعل / في شقة فارغة.. الى أن تقول: ثمة من كان هنا وكان / وبعدها اختفى / و،اصرار غير موجود/. نلمس استغلال لعبة الزمن حتى بصعناه. النحوي لكي يعطي انطباعا مغايرا لم يعتد القاريء عمليا عليه. ينظر النقد الأدبي الى شيمبورسكا على أنها شاعرة مفكرة تعبر عن الناس بأسلوب يتسم بالسخرية في معاينة وتأمل الوضع البشري. انها شاعرة المتناقضات: على صعيد الحالة الانسانية والبنية الشعرية على السواء. الأفكار لديها تتناطح تتصارع وتتشابك، فلا تلتقي ولا تفترق. انها تبتعد عن الوعظية والحذلقة الشعرية. قصائدها صافية، ذكية مفاجئة، متماسكة فنيا وفكريا ويصعب حذف أو تجاهل أي كلمة أو سطر من قصائدها. على القاريء أن ينتبه الى مشاعر السخرية واستخدام المفارقات في شعر الشاعرة، لأنها قد تبدو للوهلة الأولى بسيطة أو عسيرة على الاستيعاب، أو أن الفكر قد غلب على المشاعر. تمتاز أشعارها عموما بمنحى فكري وأخلاقي يتسم بالتركيز ويرتكز على باعثين هما: الحالة الوجودية للانسان المعاصر، وموقف الفرد من التاريخ. ويبدو الانسان في أشعارها خاضعا لمشيئة قوانين بيولوجية ثابتة، ولضرورات تاريخية، ولذا فهو كائن أعزل، غير واضح ودقيق في آماله وطموحاته وتقديراته. ولهذا فهو يعرف ويعيش مرارة الانسلاب، وعدم الامتلاء محاطا بمشاعرا لتهديد وانعدام امكانية التفاهم التام. تقن ل في قصيدة “الرقم الكبير”: لا أموت كاملا _ أسي مبكر/ هل أعيش بكاملي وهل هذا يكفي/ لم يكفني من قبل فكيف يكفيني الآن /. رغم هذه الحيرة الا أن شيمبورسكا أقرب الى الحياة ومباهجها منها الى ماسيها وظلاميتها. لذا فهي تنتمي بكاملها الى عالم الفن، الى عالم الكلمة الشعرية، ونمم استفادتها اللامحدودة من عالم الفكر. ولدت شيمبورسكا قرب مدينة (بوزنان ) الواقعة غرب بولندة، ثم انتقلت في الثامنة من عمرها للعيش نهائيا في مدينة (كراكون ) جنوب بولندة. في الفترة ما بين (1945_ 6948). درست أول الأمر في قسم اللغة والأدب البولندي ومن ثم تحولت الى فرع السوسيولوجيا الذي لم تكمله. عملت في الفترة (1953_ 1981/ في هيئة تحرير “الحياة الأدبية ” (اسبوعية أدبية هامة كانت تصدر في كراكون ). نشرت فيها بانتظام مقالاتها الموجزة بعنوان “مطالعات اختيارية “، التي جمعتها فيما بعد ونشرتها في جزءين. عدا ذلك فشيمبورسكا انسانة متواضعة لا تحب الأضواء وتعيش وسط نخبة ضيقة من الزملاء الأصدقاء من الوسطين الشعري والفني وهي وحيدة، انها شاعرة مقلة في انتاجها الشعري. لقد جاء وصف الأكاديمية الملكية السويدية شعرها فيز محله حينما أعلنت أن شعر شيمبورسكا “يتسم بسخرية دقيقة تكشف عن القوانين البيولوجية والفعا ليات التاريخية في مقاطع الواقع البشري”. تقول شيمبورسكا في “العدد الكبير”: أختار رافضة، لأنه لا طريق أخر لي / سوى أن الذي أرفضه أكثر عددا لم أكثر كثافة، وإلحاحا مما مضى/ على حساب خسارات لا توصف _القصيدة والتحسر/.
————————
خمس سنوات على رحيل فيسوافا شيمبورسكا.. الشعر يتيم!
ولدت الشاعرة فيسوافا شيمبورسكا عام 1932م، وماتت في الأول من فبراير 2012م بسرطان الرئة؛ هي التي ظلت لآخر يوم من عمرها تدخن السجائر بشراهة طفلة تأكل الحلوى. قالت عائلتها: إنها أسلمت الروح بهدوء تام في أثناء نومها. أوصت بحرق جثتها، وإقامة جنازة من دون بهرجة ولا طقوس دينية، وشددت على المعزّين بتوفير ثمن الأزهار لمساعدة المحتاجين، ودفنت في نفس قبر أبيها (وينسنتي 1870- 1936م) وأمها (أنّا 1890- 1960م).
تكتب «شيمبورسكا» قصائدها على حافة الرهافة والصرامة، والرعب والسخرية. التقطيع الحاد لسيولة السرد، والبساطة العميقة، والشيفرات الفلسفية الماكرة، هي أهم آليات عمل هذه البولندية الباذخة المدوّخة، التي لم تكن تكتب، بقدر ما تعطي دروسًا إبداعية للشعراء (الشاعرات خاصة)، في معنى الصبر والحفر.
هي مثال آخر بعد قسطنطين كفافيس، يثبت أن الشعراء يمكن أن يزدادوا براعة مع الزمن. كانت كلما تشيخ، تنضج وتتوهج، إذ لا تقل قصائدها التي كتبتها في الثمانينيات من عمرها، عن أعمالها السابقة التي صدرت في عزّ تألقها روحيًّا وصحيًّا.
في كلمتها في حفل استلام جائزة نوبل، ربما نجد أحد مفاتيح عالمها المليء بالأسرار. تقول: «لا أعرف.. كلمتان لهما جناحان. لو أن نيوتن لم يقل لنفسه لا أعرف، كان في أحسن الأحوال سيلتقط التفاحة ويأكلها».
لكن إذا كان الشعراء لا يعرفون، فمن الذي يعرف؟
تجيب «شيمبورسكا» في نص الكلمة ذاتها: «وحدهم الجلادون والدكتاتوريون والمأفونون ومتملقو الجماهير يعرفون، لكنهم يعرفون مرة واحدة إلى الأبد». الدهشة ضد الخبرة إذًا، هي ما أتاح لها أن تمسك براءة الطفولة بيد، وحكمة الشيخوخة في يد، وألّا تخذلها ربّة الشعر حتى آخر نفَس في حياتها.
يطلقون عليها في بولندا «موزارت الشعر»، وتحظى بقراءة واسعة في كل العالم، نخبوية وشعبية على السواء. لم تكن معروفة على نطاق واسع قبل حصولها على نوبل عام 1996م، ولاقى فوزها استهجانًا ودهشة لدى مبدعين وأكاديميين. لها أكثر من عشرين مجموعة شعرية ما بين إصدارات ومختارات؛ منها: « لهذا نحيا- 1952م»، و«الملح– 1962م»، و«مئة سلوى– 1967م»، و«الرقم الكبير- 1976م»، و«النهاية والبداية- 1993م».
في مناسبة ذكرى رحيلها الخامسة، ترجمت حوارًا مع سكرتيرها الخاص ومدير مؤسستها مايكل ريسينيك. وكذلك قمت باختيار إحدى قصائدها وترجمتها لتنشر رفقة الحوار.
مايكل ريسينيك مترجم، وكاتب، ومحاضر في جامعة جاجيلونيان، ويعمل حاليًّا رئيس مؤسسة الشاعرة فيسوافا شيمبورسكا. كان السكرتير الشخصي للشاعرة مدة 15 عامًا بعد أن حصلت على جائزة نوبل في عام 1996م. هذا الحوار الذي أجراه غريغور زاورا مع «ريسينيك» في ذكرى رحيلها الثانية عام 2014م، يلقى الضوء على جوانب مجهولة من حياة الشاعرة في سنواتها الأخيرة.
● ما هي الظروف التي أدت إلى التعاون بينك وبين فيسوافا شيمبورسكا؟
– كل شيء بدأ بعد حصول السيدة شيمبورسكا على جائزة نوبل في أكتوبر 1996م. أرادت توفير مزيد من الوقت لنفسها عبر سكرتير أدبي؛ لأنها كانت مشغولة بكمية ضخمة من الالتزامات المختلفة. لقد كان عليها الرد على المراسلات، وذلك من الصعب جدًّا بالنسبة لها. بحثت عن مساعد، وسألت صديقاتها عن سكرتير، وأنا ظهرت في الأفق. رشحتني الأستاذة تيريزا والاس، صديقة السيدة فيسوافا، وكنت قد تخرجت في ذلك الوقت من الجامعة.
● كيف استطاع ذلك الشاب بناء علاقة وثيقة وطويلة الأمد مع الشاعرة؟
مايكل-ريسينيك-وشيمبورسكا
مايكل ريسينيك وشيمبورسكا
– لا أعرف، ولست متأكدًا مما إذا كان للسن أي معنى. كانت في حاجة لشخص للرد على مراسلاتها باللغة الإنجليزية، وإرسال رسائل البريد الإلكتروني والفاكسات (كانت لا تزال تقنية شعبية في ذلك الوقت)، ويعرف قليلًا عن كيفية استخدام جهاز كمبيوتر، وتوفرت فيّ جميع الشروط اللازمة. أنا كنت مستشارًا لها، لكن أصبحنا أيضًا صديقين، وقد أعربت عن ثقتها بي. كان من المخطط أن أعمل لديها مدة ثلاثة أشهر فقط بعد حصولها على جائزة نوبل، وبقيت مدة خمسة عشر عامًا.
● هل كان هناك حدود عند نقطة معينة بينك وبين السيدة شيمبورسكا، أم أن العلاقة كانت طبيعية؟
– بالطبع. كان هناك دائمًا بعض المسافة في علاقاتها مع الآخرين. كانت متحفظة على مناداتها بكلمة «صديق»، وتقصرها فــــقـــــــــط عـــــلـــــى أصــدقــــــائـــــــهـــــــــــا الـقــدامـــــــــــــــــى والأشخاص من جيلها. ومع ذلك،
كانت مرحة جدًّا مع الناس وتطلب منهم مباشرة أن ينادوها باسمها الأول، بمن في ذلك زوجتي وأطفالي لكن ليس أنا. لقد حافظنا دائمًا على علاقة العمل. لم يكن مهمًّا جدًّا بالنسبة لي، حتى أنا وجدت أنه لطيف.
● متى قررت السيدة شيمبورسكا الإعلان عن فكرة المؤسسة؟
– ظهرت الفكرة قبل بداية عملي معها، وذلك خلال محادثة مع تيريزا والاس في عام 1996م.
● لماذا دخلت الفكرة حيز التنفيذ بعد وفاتها؟
– لأنها لا تحب صنع ضجة حول نفسها، التي ستكون ضرورية في حالة تشغيل المؤسسة. كان إنشاء مؤسسة، أو حتى كلمة «مؤسسة» أمرًا غريبًا لها. وقالت: إنها تفضل أن يحدث كل شيء من دون مشاركتها.
● هل ترى أي نتائج ملموسة بعد مرور عام على إنشاء المؤسسة؟
– أعتقد أنه ما زال من الصعب الحديث عن أي نتائج مادية. نحن في المقام الأول، نحاول بناء «العلامة التجارية» للمؤسسة وتعريفها على نطاق واسع. بطبيعة الحال، هو أسهل الخطوات؛ لأن اسم السيدة شيمبورسكا معروف. ومع ذلك، فإنه لا يزال من السابق لأوانه الحديث عن أي نتائج ملموسة. نحن نقوم بتنفيذ وصيتها ببطء. أنهينا بالفعل صيغة منح الجائزة. سنكون قادرين على الحديث عن الآثار بعد ذلك. لكن هذا هو جزء واحد فقط من النشاط.
● يبدو أن السيدة شيمبورسكا تثق بك كثيرًا بحيث أنها أعطت لك مطلق الحرية فيما يتعلق بنشاط المؤسسة؟
– باستثناء الجائزة، حُدِّدت النقاط بشكل دقيق. قالت صراحة: إنها لم يكن لديها أي فكرة ملموسة عن كيفية فعل ذلك. تركت لنا اتخاذ القرار، وبالتالي كان علينا أن نضع أكبر جهد في الجائزة. هناك أيضًا الصندوق الذي أنشأناه لمساعدة المؤلفين الذين يواجهون ظروفًا مالية صعبة. كانت السيدة فيسوافا ترغب في مساعدة هؤلاء الناس، وأرادت المؤسسة مواصلة هذا العمل. كما كان علينا إضفاء الطابع الرسمي على ذلك لكي لا تكون أنشطتنا وهمية، وذلك الأمر يتطلب أيضًا كثيرًا من العمل.
● قد يكون السؤال عامًّا، لكن كيف تمكّن شعر السيدة شيمبورسكا من الوصول إلى الناس في جميع أنحاء العالم؟
– هذا هو اللغز. من الصعب الإجابة عن هذا السؤال. وأعتقد أن هناك العديد من العناصر التي ساهمت في ذلك. باستثناء الجوانب الفنية، فإن أسلوبها بسيط في الظاهر لكنه يخفي العديد من الزخارف الفلسفية. الطريقة التي تعبر بها تجعل أشعارها في متناول الجميع وليس فقط القراء في بولندا. إنه لأمر مدهش أنها لا تزال تلقى ذلك الإقبال في الخارج، على سبيل المثال في إيطاليا وهولندا وأميركا.
● بوصفك مترجمًا، ما هي برأيك أهم العناصر الصعبة أو المثيرة للاهتمام في شعر السيدة شيمبورسكا؟
– مما لا شك فيه، أنه من الممكن ترجمة أشعارها؛ لأنها ليست عميقة الجذور في الثقافة البولندية والتقاليد. كان ذلك واضحًا في مختلف ترجمات أعمالها التي تتطلب قليلًا من الحواشي. إنها تقدم حالات غنائية عالمية تتيح استقبالًا واسعًا. وأذكر العديد من القصائد؛ منها على سبيل المثال «عيد ميلاد» المتجذرة عميقًا في اللغة ذاتها، وتتطلب ترجمتها خلق قصيدة جديدة. وهذا هو ما فعله المترجم في الترجمة الإنجليزية. أما مترجم أعمالها إلى اللغة الفرنسية فقال: إن ترجمتها مستحيلة.
● هل سبق لك أن حاولت ترجمة شعرها إلى لغة أخرى؟
– لا، لكن في بعض الأحيان أعطي النصائح بشأن ترجمة قصائد السيدة فيسوافا إلى الإنجليزية.
● أنت أيضًا كاتب، هل يمكن القول: إن السيدة شيمبورسكا كانت نموذجًا بالنسبة لك في الأعمال الأدبية الخاصة بك؟
فيسوافا-شيمبورسكا-٢– بالتأكيد، أصابتني منها عدوى الحساسية والانتباه إلى اللغة. قالت: إنها تلعب مع اللغة وتتعامل معها على أنها شيء مهم. لم تطلب مني قصائدي للتعليق عليها. رغم ذلك، أتذكر تلك المحادثات التي دارت بيننا كثيرًا بشكل عارض عن اللغة. لم تقدم تعليقات على أعمال الآخرين، لكن عندما أحضرت لها بعض قصائدي الساخرة، قدمت لي ملاحظات ثاقبة بشأن الجوانب التقنية، وهو أمر نادر جدًّا اليوم. كان هذا النهج التزامًا في جيلها، كان هناك مفهوم وظيفة أدبية.
● ماذا كان موقف السيدة شيمبورسكا تجاه الشهرة؟
– أوه! كانت خائفة. كرهت حالها عندما كان عليها أن تتلقى أي نوع من المديح أو الحب. كان ذلك بعيدًا تمامًا من شخصيتها وما أنقذها، أعتقد، كان حس النكتة، والعزلة، والسخرية والمفارقة.
● هل كانت سعيدة بوصولها للعالمية، أم كانت تفضل بيئة أكثر حميمية؟
– قالت: إنها تفضل العلاقة الحميمية؛ لأنها تحب قضاء الوقت مع صديقاتها، أو الخلوة عمومًا. لقد عاشت حياة اجتماعية مشابهة لصالونات القرن 19. كانت تحضر حفلات الاستقبال، لكن شخصيتها العالمية لا تعني أنها كانت تقيم في أغلى الفنادق أو السفر إلى جميع أنحاء العالم. لا شيء من هذا القبيل. كان أكثر الأشخاص الذين يتعرفون إليها في الشارع، على سبيل المثال، في إيطاليا، قالوا لها: إنهم يعرفونها ويحبونها. كان أهم شيء أن شعرها له جمهور واسع جدًّا.
● هل تشعر أنها تكون طبيعية عندما تواجه القراء؟
– لا فعلًا، هي بالأحرى تتجنب مثل هذه الحالات. من ناحية أخرى، تلقت العديد من الرسائل مما يسمى الناس العاديين (ليسوا على دراية جيدة بالشعر). ذات مرة قالت: إنها تلقت رسالة من رجل قدم نفسه على أنه رجل إطفاء متقاعد من ولاية تكساس. كتب لها أنه كان يجد القليل من القواسم المشتركة مع الشعر في حياته، إلا أنه تمكن من قراءة شعرها، واكتشف أنها كتبت ما كان يشعر به، ولم يتمكن من التعبير عنه ووضعه في كلمات. كانت الرسالة مؤثرة بالنسبة لها؛ لأن القدرة على التعبير عن مشاعر الآخرين أعظم حلم للشاعر. هذا هو ما جعلها تصل إلى الجمهور في أماكن بعيدة مثل ولاية تكساس.
● فيما يتعلق بعلاقة السيدة شيمبورسكا مع السلطات الشيوعية، هل ينتبه أحد في الخارج لذلك، أم أنها تثار داخل بولندا فقط؟
– في الواقع، هذه مسألة بولندية. كان هناك مقال في إيطاليا حول هذا الموضوع، لكنه كان منحازًا بشكل رهيب. وقد سخّر القصة على الفور كما لو كان يحفر في سر أخفته السيدة شيمبورسكا، مع أنها كانت تحتفظ فقط بمسافة فيما يتعلق بهذه الحقيقة، ولا تنكرها في كثير من الأحيان. في بولندا، مثل هذه الأشياء تظهر لأن الناس غالبًا يريدون إثارة ضجة حول شيء لتعزيز أسمائهم. في مثل هذه الحالات، أتلقى مكالمات هاتفية من أصدقائي في الخارج الذين يبدون دهشتهم قائلين: إن مثل هذه الأشياء تحدث فقط في بولندا.
—————————–
هذه القصائد ثلة من مختارات انتقيناها وترجمناها مباشرة من اللغة البولندية الى العربية ستصدر قريبا.
أبتكر العالم
أبتكر العالم،الطبعة الثانية
طبعة ثانية منقحة
للبلهاء الضحك
للكئيبين البكاء،
للصلعاء المشط،
للكلاب الحذاء.
هو ذا فصل:
لغة الحيوان والنبات،
حيث لكل صنف
عندك قاموس مناسب
حتى عبارة صباح الخير البسيطة
المتبادلة مع السمكة
أنت،السمكة والجميع
في الحياة تعززكم.
هذا، المحسوس قديما،
فجأة في يقظة الكلمات
ارتجال الغابة !
هذه ملحمة البوم !
هذه خواطر القنفذ،
تؤلف حينما
نكون واثقين،
أنه لا شيء سوى نومه !
الوقت (الفصل الثاني )
له الحق بالتدخل
في كل شيء،سيئا كان أو خيرا،
لكن – هذا الذي يفتت الجبال،
تحرك المحيطات والذي
هو حاضر عد دورة النجوم،
لن تكون له أية سلطة
على عاشقين،لأنهما عاريان تماما،
لأنهما متعانقان تماما، بروح
وجلة مثل عصفور على الكتف،
الشيخوخة مجرد منقبة اخلاقية
مقارنة بحياة القاتل.
اه اذن فالكل هم شباب !
المعاناة (الفصل الثالث )
الجسد لا تهينه
الموت،
حينما تنام، يجيء.
وستحلم
بأنه لا ضرورة لكي تتنفس
وأن الصمت بلا تنفس
موسيقى مقبولة،
وأنك صغير كشرارة
وتنطفيء في المدرج الموسيقى،
الموت فقط هكذا، كثير من الألم
كان عندك وأنت تمسك الوردة باليد
وكنت تحس يذعر أكبر
وأنت ترى، بأن البتلة قد سقطت على الأرض،
—
العالم هكذا فقط، نقط هكذا
تعيش، وتموت نقط الى هذا الحد.
وكل شيء آخر- هو مثل (باخ )
يعزف لحظة
على منشار،
البعض يحب الشعر
البعض –
يعني ليس اجميع.
حتى ليس أغلب الجميع لكن القلة.
دون أن نعد المدارس، حيث الالزام،
والشعراء أنفسهم،
ربما سيكون هؤلاء الاشخاص اثنين في الألف،
هم يحبون –
لكن الحساء مع المعكرون محبوب أيضا
محبوبة المجاملات واللون الازرق
محبوب اللفاف القديم
محبوب البقاء عند ما هو ذاتي
محبوبة مداعبة الكلب،
يحبون الشعر_
لكن ما هذا الشعر.
قد أجيب على هذا السؤال
بأكثر من جواب قلق.
أما أنا فلا أعرف لا أعرف وأتمسك بذلك
كذراع للخلاص،
في نهر هيراقليط
في نهر هيراقليط
السمكة تصيد السمك،
السمكة تقطع السمكة بسمكة حادة
السمكة تبني السمكة، السمكة تسكن في السمكة
السمكة تهرب من السمكة المحاصرة.
—
في نهر هيراقليط
السمكة تحب السمكة،
عيناك _ يقول _ تلمعان مثل السمك في السماء،
أريد أن أبحر معك الى بحر مشترك،
يا حسناء القطيع (**)
في نهر هيراقليط
السمكة اختلفت سمكة الاسماك،
السمكة تركع أمام السمكة، السمكة تغني
للسمكة،
ترجو السمكة بسباحة أخف
في نهر هيراقليط
أنا السمكة الواحدة. آنا السمكة المستقلة،
(ولو من السمكة الشجرة ومن السمكة الحجر)
أكتب في اللحظات الخاصة أسماكا صغيرة
بحرشفة فضية للحظة هكذا 0
بحيث يمكن للعتمة في ارتباك أن تومض.
النيزك سقط.
هذا ليس نيزكا.
البركان انفجر.
هذا ليس بركانا.
ثمة من نادى شيئا.
لا شيء لا أحد.
نوق هذه لا أكثر ولا أقل أطلنتس
قردابروغل(***)
هكذا يبدو حلمي الكبير في الثانوية:
يجلس عند لنافذة قردان مربوطان بقيد،
خلف النافذة ترفرف السماء
يستحم البحر
أنجح في تاريخ الناس.
اتمتم واخوض.
القرد يحدق بي يصغي بسخرية،
—
الثاني كانه ينعس –
وحينما بعد السؤال يطبق الصمت
يحبيبني
برنين خفيض للقيد.
فرح الكتابة
الى أين يعدو الأيل المكتوب عبر الغابة المكتوبة ؟
أمن الماء المكتوب ينهل،
حيث الخطم كنسخة الكربون ينعكس؟
لماذا يرفع الرأس 0أيسمع شيئا؟
متكئأ على أربعة قوائم من الحقيقة مستعارة
يسحج من تحت أصابعي الأذن 0
السكون _ هذه العبارة أيضا تحف فوق الورقة
وتلم
الغصون بكلمة ” الغابة “.
فوق الورقة البيضاء تكمن للانقضاض
الأحرف التي يمكنها أن تنتظم خطأ،
الجمل المحاصرة،
التي لا مفر أمامها.
ثمة في قطرة الحبر خزين هائل
لصيادين بغمزة عين،
جاهرين للانزلاق أسفل عبر القلم المنحدر 0
يحيطون بالايل، يصوبون النار،
ينسون بأن الحياة ليست هنا.
قوانين أخرى، سواد على بياض 0تسود هنا.
طرفة عين ستستمر طويلا هكذا0كما أريده
تسمح أن تنقسم الى أبديات صغيرة
مليئة برصاصات موقوفة في الطيران.
ابدا، إن أمرت، هنا لن يحدث شيء.
بدون ارادتي لاتسقط حتى ورقة
انصل ينشني تحت نقطة الحافر.
وجد إذن هكذا عالم،
—
أتحكم بمصير. مستقلا؟
زمن اربطه بقيود العلامات ؟
وجود بأمرتي متواصل ؟
فرح الكتابة.
إمكانية ترسيخ.
انتقام يد فانية.
مئة سلوى
كان يرغب.بالسعادة،
كان يرغب بالحقيقة،
كان يرغب بالخلود،
أنظروه !
لم يكد يميز الحلم من اليقظة
لم يكد يتوهم بأنه هو،
لإ يكد ينحت اليد أصلا من الزعنفة،
وحجر القداح والصاروخ،
هو سهل على الاغراق في معلقة المحيط،
حتى أنه مضحك قليلا، كيما يضحك الفراغ،
يرى فقط بعينيه.
يسمع فقط بأذنيه،
الرقم القياسي لكلامه هو صيغة الشرط،
يلوم العقل بالعقل،
باحتصار. تقريبا. لا أحد
لكنما الحرية في رأسه المعرفة الكلية والوجود
خارج اللحم غير العاقل
انظروه.
اذ ربما هو موجود 0
حقا حدث
تحت نجمة من نجوم الريف
بشكل ما هو حي وبالأحرى حيوي.
قياسا الى مسخ البلور الخسيس _
هش للغاية.
قياسا الى الطفولة ضمن ضرورات القطيع _
ليس سيئا هو مفرد 00
—
انظروا!
فقط هكذا0هكذا ولو للحظة
على الأقل عبر اغماضة مجرة صغيرة !
فليتضح في النهاية،
من سيكون، طالما هو كائن
فهو_ متحمس.
متحمس، ينبغي الاعتراف 0جدا.
بهذه الحلقة في الأنف، بهذا الرداء الفضفاض، بهذ0البلوزة.
مئة سلوى مع ذلك.
بائس.
انسان حقيقي.
النهاية والبداية
بعد كل حرب
ثمة من عليه أن ينظف،
مثل هذا النظام
لا يتم وحده.
ثمة من يجب أن يدفع الحطام
الى حوافي الطرقات
لكي تمر
العربات الملأى بالجثث.
ثمة من يجب أن يغوص في الوحل والرما د،
في عتلات الأسرة،
في شظايا الزجاج.
والحزق المدماة.
ثمة من يجب 1ن يجر العارضة
لإسناد الحائط 0
من يضع الزجاج في لنافذة
ويركب الباب على المفاصل.
هذا ليس تصواريا
ويحتاج الى سنوات.
الكاميرات كلها ذهبت
الى حرب أخرى.
—
يجب اعادة الجسور
والمحطات من جديد
سصير مزقا
أذرع الوصل.
ثمة من لا يزال يستذكر ما كان
وبيده المكنسة
ثمة من يصغي
موافقا برأسه غير المقطوع
لكن قريبا منهم
يشرع بالتحرك أولئك
الذين سيضجرهم مثل ذلك.
ثمة من احيانا
يستخرج من تحت الأجمات
البراهين التي علاها الصدأ
وينقلها الى محرقة النفايات
أولئك الذين رأوا
أسباب ما حدث،
عليهم أن يتركوا المكان
يعرفون قليلا
لمن يعرفون أقل من القليل
وفي النهاية لما يساوي لا شيء
في العشب الذي علا
الاسباب والنتائج
ثمة من عليه أن يستلقي
بسنبلة بين الاسنان
ويتطلع الى الغيوم
محطة القطار
كان عدم وصولي الى مدية نون.
قد تم بالموعد المحدد.
لقد أعلمت برسالة
لم تبعث
—
لحقت بأن لا تجيء
في الوقت المناسب.
دخل القطار الرصيف الثالث.
نزل ناس كثيرون.
تحرك القطار ناحية الخروج
لم أكن موجودة.
بضع نساء عوضن
بسرعة
في تلك الزحمة.
اقتر ب من واحدة
شخص لا أعرفه
لكنها قد عر فته
فودا.
تبادل كلاهما قبلة غير قبلتنا
وفي ذلك الحين
ضاعت الحقيبة لا حقيبتبى
لا حقيبتي
محطة القطار في مدينة نون
قد نجحت في الامتحان
الوجود الموضوعي
كل شيء كان في مكانه
التفاصيل قد تحركت
في طرقها المعهودة.
حتى أن اللقاء المعهود
قد تم
خارج مدى
حضورنا
في جنة الاحتمالات
المفقودة.
في مكان آخر
في مكان آخر.
—
كيف ترن هذه الكلمات.
أوبرا هزلية
أولا سيزول حبنا0
بعدها مئة عام ومنتان،
بعدها سنكون مرة أخرى معا:
البهلولة والبهلول
محبوبا الجمهور،
يمثلاننا في المسرح.
مهزلة صغيرة ببعض المقاطع الشعرية
قليلا من الرقص 0كثيرا من الضحك،
صورة أخلاقية دقيقة
وتضيق.
ستكون مضحكا للغاية،
فوق هذه الخشبية بهذا الحسد،
بهذه الريطة.
رأسي متكص،
قليي وتاجي،
القلبي الغبي المشقق
والتاج المتدآعي
سنلتقي،
سنفترق، ضحك في الصالة،
سبعة أنهرسبع قمم
فيما بينهما ابتكراها،
كما لو كان ينقصنا
الهزائم والمعاناة الحقة
– ننقض على بعضنا بالكلمات.
بعدها ننحني
وسيكون هذا نهاية المهزلة.
سيمضي المتفرجون للنوم
ضاحكين حد البكاء.
—
هم سيعيشون هانئين،
هم سيروضون الحب،
سيأكل من أيد يهم النمر.
ونحن غير محددين دائما
ونحن بالقبعات وأجراسها
بوحشية لرنينها
مصغيان.
توقع
آنا حبة مسكنة،
أعمل في البيت،
لي تأثير في الدائرة،
أقعد للامتحانات 0
أقف وقت المحاكمة،
أجمع بتؤدة الأباريق المهشمة _
ذقني فقط،
ذوبني تحت لسانك،
ابلعني فقط،
واشرب بعد ذلك الماء.
أنا أدري ما أعمل بالمصيبة 0
كيف أحتمل خبرا سيئا،
أخفف الظلم،
أكتشف غياب الاله
أختار قبعة العزاء لوجهي 0
فماذا تتظر ؟
ثق بالرحة الكيمياوية.
من قال
أنت مازلت شابا (ة )،
لابد أن تعيش (شي) بطريقة ما،
من قال،
إن على الحياة أن تعاش بجرأة ؟
أعطني سقوطك._
سأكسوه بالنوم لك،
ستكون (ين) متنا(ة ) لي
—
على أرجل السقوط الآربعة.
يعني نفسك 0
لن تجد مشتريا آخر
ليس هناك شيطان أخر.
قط في شقة فارغة
آن يموت – هذا ما لا يعمل بالقط.
إذ ما بوسع القط أن يفعل
في شقة فارغة.
أن يتسلق الجدران.
أن يتمسح بالأثاث
ظاهريا لا شيء هنا غير0
ولكنه قد تغير.
ظاهريا لم يحرك
ولكنه قل حرك.
وفي المساءات لم يعد المصباح ينير.
تسمح الخطي على السلالم
ولكنها ليست الخطي.
اليد التي تضح السمكة على الطبق،
أيضا ليست تلك التي وضعت.
ثمة شيء ها لا يبدأ
في وقته المعتاد.
ثمة شيء هنا لا يحدث
كما يبغي.
ثمة من كان هناك وكان 0
وبعدها فجأة اختفى
وباصرار غير موجود.
فحصت كل الخزانات
مرورا بالرفوف
انحشر تحت السجادة وتؤكد.
حتى كسر الممنوع
وبعثر الورق.
—
ماذا يمكن أن يفعل أكثر من هذا.
أن ينام وينتظر.
فليحاول هو أن يعود،
فليحاول أن يظهر.
هو سيعرف،
أن هذا لا يجوز مع القط.
سيذهب باتجاهه
كما لم يرد ذلك أبدا،
ببطء،
على أطراف ممتعضة جد ا.
لا قفزات لا زقو أول الأمر.
حديث مع الحجر
أدق على باب الحجر.
_ هذي أنا، دخلني،
أريد أن ألج في داخلك،
أتطلع من كل الجهات،
وامتلي ء كالشهيق بك.
– امش – يقول الحجر–
أنا محكم الغلق.
حتى وإن كت محطما
سأكون مغلقا تماما.
حتى وإن كنت ملقى على الرمل.
لا أدخل أحدا.
أدق على باب الحجر.
– هذي أنا دخنلي.
جت لمجرد الفضول.
حيث الحياة هي الفرصة الوحيدة.
أنوي المرور بقصرك،
بعدها أزور الورقة وقطرة الماء.
وقتي ضيق ضيق
وكوني فانية لابد أن يثيرك.
– أنا من حجر- يقول الحجر–
ولا بدلي، بالضرورة، التحلي بالجد 0
——————————- —
إنصرفي من هنا.
ليس لي عضلات الضحك.
أدق على باب الحجر
– هذي أنا، دخلنى
سمعت، أن فنيك صالات كبيرة فارغة 0
غير مرثية، جميلة بلا جدوى 0
صماء، ولإ وقع فيها لخطو0
أعترف 0أنك لا تعرف عن ذلك الكثير.
– صالات كبيرة وفارغة – يقول الحجر–
ولكن ليس فيها من مكان.
جميلة، ربما 0ولكها خارج ذوق
حواسك الفقيرة.
يمكنك التعرف على، لكن لن تكشفينى أبدا.
أواجهك بكامل السطح 0
غير أنني أستلقي بكامل داخلي دبرة
أدق على باب الحجر.
– هذي أنا، دخلنى.
لا أبحث فيك عن مأوى أبدي.
لست غير سعيدة.
كما ولست شريدة.
فعالمي يستحق العودة.
وكشآهد على أنني كت خاضرة حقا0
أدخل وأخرج بيدين فارغتين.
لن أقدم غير الكلمات 0
التي لا احد يثق فيها.
– لن تدخلي – يقول الحجر–
ينقصك حس المشاركة.
لا حس يعوضك عن حس الفعل.
حتى البصر الثاقب اللامحدود
لانفع له بدون حس المشاركة.
لن تدخلي 0أنت تمكين نية ذلك الوعي تقريبا
تقريبا علاقته، والمخيلة.
أدق على باب الحجر.
– هذي أنا، دخلني
لا يمكنني الانتظار ألفي قرن
كي أدخل تحت سقفك.
– اذا ا تصدقيني – يقول الحجر.
—
اذهبي للورقة، متقوك نفس ما قلت.
لقطرة الماء، ستقول ما قالت الورقة.
وأخيرا اسألي شعرة رأسك.
الضحك يوسعني، الضحك، الضحك الهائل،
الذي لا أعرف به أن أضحك.
أدق على باب الحجر.
– هذي أنا، دخلني.
– لا باب – يقول الحجر.
رسائل الموتي
نقرأ رسائل الموتى كآلهة عاجزين،
لكن مع ذلك آلهة لأننا نعرف التواريخ اللاحقة.
نعرف اي النقود لم تسلم
وكن برعة تزوجت الارامل.
مساكين الموتى، عمي الموتى،
مضللون، لا معصومين، محتاطون بلا روية.
نرى التقاهيع والاشارات المعمولة خلف ظهورهم.
نتصيد بالأذن حفيف الوصايا التالفة
تجلسون أمامنا مضحكين كأنما أمام ارغفة مع الزبدة،
أو ينغمسون في مطاردة القبعات الطائرة من الرؤوس.
ذوقهم الرديء، نابليون، البخار والكهربة،
معالجتهم القاتلة للأمراض القابلة للشفاء،
سفر الرؤيا الساذج طبقا للقديس يوحنا،
الجنة الزائفة على الأرض طبقا الى يوحنا يعقوب…
نراقب بصمت بيادقهم على رقعة الشطرنج.
الى حد أنها محركة ثلاثة مربعات أبعد.
كل شيء تبأرا به، حدث شكل آخر،
أو مغايرا قليلا،يعني أيضا تماما شكل آخر.
متعمبون بثقة يتفرسون بأعيننا،
لأنه تبين لهم من الفاتورة، أنهم يرون فيها الكمال.
الهوامش
* المقصود هنا بالقطيع هو قطيع السمك.
**هيراقليط ( 0 54_ 480 ق.م ) فيلسوف يوناني يعتبر أب الديالكتيك وأن الكون قائم على المتناقضات وأن صفة الواقع هو التغير “كل شيء يجري“.
*** بروغل:Beueghel (1528 _ 1569) أشهر رسام هولندي في القرن السادس عشر، وهنا اشارة الى أحدى لوحاته.
هاتف الجنابي(شاعر واستاذ جامعي من العراق ويقيم في بولندا)
======================
لا يحدث مرتين
لا شيءَ يحدثُ مرتَين.
في النهايةِ، الحقيقةُ مؤسفةٌ
حيثُ نصلُ هنا مُرتَجِلين
ونرحلُ دونَ سانحةٍ للمرانِ.
ولو عَدِمَ الكونُ من أبكمٍ،
لو كنتَ مغفّلَ الكونِ الكبيرِ،
فلن تُكرّرَ النوعَ ذاتَ الصيفِ:
حيثُ نُمنَحُ مجراهُ مرةً.
لا يومَ يَنسِخُ ماضيهِ،
ولن تُعلّمنا ليلتانِ ما النعيمُ
بدقّةٍ، بالطريقةِ ذاتها،
بالقُبلاتِ ذاتها، على النحوِ الصحيحِ.
قد يَذكُر اسمكَ، مصادفةً،
ذاتَ يومٍ، لسانٌ كسولٌ:
كأن وردةً، أحسّ، قد وَثَبَت
إلى الغرفةِ، كلّها لَونٌ وطِيب.
ثانيَ يومٍ، وأنتَ معي هاهنا،
—————————–
رواية الأحداث
لو سُمح لنا بأن نختار،
لفكّرنا ربّما طويلاً.
لكانت الأجسامُ المقترحة غير مريحة،
ولتحطّمت ببشاعة.
أقرَفتنا
سبلُ تطمين الجوع،
نفّرتنا
وراثة الصفات الهامدة
وطغيانُ الغدد.
العالم الذي كان عليه أن يطوّقنا،
كان في تداعٍ مستمرّ
واحتدمت عليه نتائجُ الأسباب.
من المصائر الفرديّة
المعروضة علينا للنظر
رفضنا الأكثريةَ
بحزن وارتعاب.
برزت مثلاً أسئلة كهذه
———————————
ثلاث كلمات غريبة
حين أنطق كلمة مستقبل
ينتمي مقطعها الأول سلفاً
إلى الماضي.
حين أنطق كلمة صمت
فأنا أحطمها.
حين أنطق كلمة لا شيء
فإني أبدع شيئاً تالفاً
في أي عدم.
————————–
قردا بروغل
هكذا يبدو حلمي المدرسي الكبير:
يجلس في النافذة قردان مربوطان بسلسلة.
خلف النافذة ترفرف السماء
والبحر يستحم.
أتقدم إلى امتحان في تاريخ البشر
أتلعثم وأتخبط.
القرد الذي يحملق فيّ، يستمع بسخرية
والآخر يتمطى
وعندما يخيم الصمت بعد السؤال
يلقنني الجواب
————————
العودة إلى البيت
عاد إلى البيت. لم يقل شيئاً
كان جلّيّاً مع ذلك أن شيئاً غير طبيعي قد حدث.
استلقى بكامل ملابسه.
سحب الدّثار فوق رأسه.
ثنى ركبتيه.
إنه يقترب من الأربعين، ولكن ليس في هذه اللحظة.
فهو الآن مثلما كان في رحم أمه تماماً،
يرتدي سبعة جدران من الجلد في ظلمة محمية
غذاً سوف يلفي محاضرة
حول الاستقرار في علم الفضاء الخاص بالمجرات الكبرى
لكنه الآن قد كوّر نفسه وراح يغط في النوم.
————————————
محادثة مع الحجرة
أطرقُ بابَ الْحجرة
” هذهِ أنا، دعيني أدخُل
جِئتُ لرؤيتك،
لمعايدتك،
لأشتمَّ رائحة أنفاسك.”
” ارحلْي من هنا! قالت الحجرة.
أنا مُقفلة.
حتى وإن تحطّمتُ إلى قطع
فلا سبيل للنفاذ إلينا
بل حتى إذا صرتُ مجرّد كثبان رمل
فلن نسمح لأحد بالدخول.
أطرقُ بابَ الْحجرة
– هذه أنا، دعيني أدخل.
لقد جئت بدافع الْفضول المحض
فالْحياة هي الفرصة الْوحيدة.
أودّ فقط أن أتجوّلَ داخل قصرك،
————————
أبناء عصرنا
نحن أبناءُ عصرِنا،
وعصرُنا زمنٌ سياسي.
طوالَ اليومِ، طوالَ الليلِ،
جميع الشؤون—شؤونك وشؤوننا
وشؤونهم باتت كلها سياسيةً.
شئتَ أم أبيتَ،
جيناتُك لها ماضٍ سياسي،
ولبشرتِك صبغةٌ سياسيةٌ،
ولعينيك بُعدٌ سياسي.
كل ما تقوله يتردد
وكل ما لا تقوله يعبر عن نفسه.
في كلتا الحالتين تتخذُ موقفًا سياسيًا.
حتى عندما تتمشى في الغابةِ،
————————-
نهاية وبداية
بعد كل حرب
لا بد من شخصٍ ما
يقوم بالتنظيف
فالأشياء لن تصوِّب نفسها.
شخص ما يدفع الأنقاض
إلى جانب الطريق
لتتمكَّن عربات الجثث
من المرور.
ولا بد لشخصٍ أن يغور
في الحثالة والرماد والأوحال
وبين الخرق الدامية
والزجاج المكسور.
شخص ما ليثبِّت عارضة
ليدعم جدارًا ما
—————————
تمثال إغريقي
بمساعدةٍ من البشر وكوارث أخرى
أحسن الزمان صنعه فيه.
في أول الأمر مضى بأنفه
ثم بأعضائه التناسلية
وواحدا تلو واحد مضى
بأصابع يديه وقدميه
وبمرور السنين
ذراعيه واحدا تلو الآخر
ثم فخذه الأيمن فالأيسر
ثم ظهره ووركيه، فرأسه فردفيه
وما كان يسقط كان الزمان يحيله قِطَعًا
فكِسَرًا،
ففتاتا،
فرملا.
عندما يموت هذه الميتة شخصٌ حيّ
يراق دم كثير مع كل ضربة.
أما التماثيل الرخامية فتهلك دون دم
———————–
الكراهية
سنرى أن كفاءتها دائمة
فهي تحافظ على لياقتها،
إنها كراهية قرننا هذا
تتخطى أطول العقبات
وبسرعة تداهمنا وتتبعنا باستمرار.
ليست مثل المشاعر الأخرى
فهي أصغر وأكبر سنًا منها في آنٍ.
تلد نفسها والأسباب
التي تهبها الحياة.
وعندما تنام فليس للراحة.
وإذا ما أصابها الأرق لا يستنزف قواها، بل يغذيها.
هذا الدين أو غيره، لا فرق.
المهم أن يساعدها لتكون جاهزة متأهبة.
هذا الوطن أم وطن آخر
المهم أن يدفعها لتنطلق قبل غيرها.
————————-
فيسوافا شيمبورسكا: الحياة أثناء الانتظار
DailyGood
By Maria Popova
Dec 15, 2020 Source:
brainpickings.org
في إحدى أمسيات الربيع منذ وقت ليس ببعيد، انضممت إلى أماندا بالمر الرائعة على مسرح صغير وودود في مدرسة أولد تاون للموسيقى الشعبية في شيكاغو وقرأنا معًا بعض الشعر البولندي من كتاب “خريطة: القصائد المجمعة والأخيرة ” ( مكتبة عامة ) – عمل الحائز على جائزة نوبل فيسلوافا كراكوف. شيمبورسكا (2 يوليو 1923 – 1 فبراير 2012)، التي نشاركها المودة والإعجاب العميقين.
عندما مُنحت شيمبورسكا جائزة نوبل في الأدب عام ١٩٩٦ “لشعرها الذي يُتيح بدقة ساخرة السياق التاريخي والبيولوجي للظهور في شظايا الواقع الإنساني”، وصفتها لجنة نوبل، عن حق، بـ”موزارت الشعر” – لكنها، حرصًا منها على عدم سلب شعرها بُعده اللافت، أضافت أنه ينبض أيضًا “بشيء من عنف بيتهوفن”. كثيرًا ما أقول إنها لا تقل عن باخ، الساحر الأعظم للروح البشرية.
لقد أقرضت أماندا صوتها الجميل في السابق لقصيدتي المفضلة من تأليف شيمبورسكا، “الإمكانيات”، وهي الآن تعيره لقصيدة أخرى مفضلة من هذا المجلد الأخير، “الحياة أثناء الانتظار” – قصيدة حلوة ومرة لسلسلة من لحظات الحياة التي لا تتكرر، كل منها نقطة نهائية في شجرة قرار كسورية من ماذا لو تضيف إلى مصيرنا، ودعوة لطيفة لتليين حواف القلب بينما نلتقي بأنفسنا على طول استمرارية كياننا.
الحياة أثناء الانتظار
الحياة أثناء الانتظار.
أداء بدون بروفة.
الجسم بدون أي تعديلات.
رأس بدون تخطيط مسبق.
لا أعرف شيئا عن الدور الذي ألعبه.
أنا أعلم فقط أنها ملكي، ولا أستطيع استبدالها.
يجب علي أن أخمن على الفور
هذا هو كل ما تدور حوله هذه المسرحية.
غير مستعدين لامتياز العيش،
بالكاد أستطيع مواكبة الوتيرة التي يتطلبها العمل.
أنا أرتجل، على الرغم من أنني أكره الارتجال.
أتعثر في كل خطوة بسبب جهلي.
لا أستطيع أن أخفي أخلاقي السيئة.
غرائزي تدفعني إلى التمثيل المسرحي السعيد.
يجعلني الخوف من المسرح أجد الأعذار، الأمر الذي يجعلني أكثر إذلالاً.
تبدو لي الظروف المخففة قاسية.
الكلمات والاندفاعات التي لا يمكنك التراجع عنها،
النجوم التي لن يتم حسابها أبدًا،
شخصيتك مثل معطف المطر الذي تضغط عليه أثناء الجري —
النتائج المؤسفة لكل هذا التوقع غير المتوقع.
لو كان بإمكاني فقط التدرب يوم الأربعاء مقدمًا،
أو كرر يوم الخميس الذي مضى!
لكن يأتي يوم الجمعة مع نص لم أره.
هل هذا عادل، أسأل
(صوتي أجش قليلا،
(لأنني لم أتمكن حتى من تنظيف حلقي خارج المسرح).
سيكون من الخطأ أن تعتقد أن هذا مجرد اختبار عشوائي
أُقيموا في أماكن إقامة مؤقتة. أوه لا.
أنا واقفًا على المجموعة وأرى مدى قوتها.
إن الدعائم دقيقة بشكل مدهش.
لقد كانت الآلة التي تدير المسرح موجودة منذ فترة أطول.
لقد تم تشغيل المجرات البعيدة.
أوه لا، ليس هناك شك، يجب أن يكون هذا العرض الأول.
ومهما فعلت
سوف يصبح إلى الأبد ما فعلته.
خريطة: قصائد مختارة وأخيرة ، ترجمة كلير كافاناغ وستانيسلاف بارانكزاك، عملٌ في غاية الجمال بمجموع صفحاته البالغ 464 صفحة. استكملوه بقراءة أماندا الآسرة لكتاب “احتمالات” – فنها، مثل “مختارات من العقل” ، مجانيٌّ ومتاحٌ بفضل التبرعات. في الواقع، ألّفت كتابًا رائعًا عن هبة الرعاية التي تُكرم الطرفين وتُرضيهما.
Share this story:
————————-
فيسوافا شيمبورسكا – سعادة الكتابة
szymborska wislawa portret forum 6732639 0 فيسوافا شيمبورسكا – سعادة الكتابة
قسم: منشورات إبداعية
أشخاص: فيسوافا شيمبورسكا
بلدان: بولندا
أين تمضي هذه الغزالة المكتوبة، في الغابة المكتوبة؟
ألكي تشرب من الماء المكتوب
الذي يعكس فمها كورق الكالك؟
لماذا ترفع رأسها، هل تسمع شيئاً؟
على أربعة أقدام، مستعارة من الحقيقة تقف،
من تحت أصابعي تشنف آذانها.
“الصمت”، هذا اللفظ أيضاً يصرصر على الورق
ويلف
الأغصان المنبثقة من كلمة “غابة”.
على الورقة البيضاء تتحفز للقفز،
الأحرف التي يمكن أن تصطف بشكل سيئ،
الجمل المحيقة،
التي لا منقذ منها.
في قطرة الحبر، احتياطي كبير
من صيادين بعين مغمضة،
جاهزين للركض خلف قلم الحبر المنحدر،
للإحاطة بالغزالة، للتسديد
نسوا أن هذه ليست الحياة
هو شيء آخر، يسوده قانون (الأسود على الأبيض)
لمح البصر هنا سيطول كما أشاء،
قابل للتقسيم إلى أبديات صغيرة،
مفعمة بطلقات معلقة في الهواء.
أبداً لن يحدث شيء هنا، إذا أمرت بذلك
بدون إرادتي، حتى ورقة الشجر لن تسقط
والعشب لن ينهرس تحت نقطة الحافر.
هل يوجد إذن هكذا عالم مستقل
أتحكم بمصيره؟
زمن أربط حلقاته بالرموز؟
سعادة الكتابة
القدرة على الاستمرار
انتقام اليد الفانية
*
ت. فهد حسين العبود
—————————–
لا تتواجد الروح إلا أحيانًا
لا أحد يملكها دائمًا، بلا انقطاع.
بدونها،
يمكن أن يمر اليوم بعد اليوم،
السنة بعد السنة.
أحيانًا، فقط
تعشش لفترة أطول،
في الدهشات ومخاوف الطفولة
أحيانًا، فقط في استغرابنا
من كوننا كبارًا في السن.
نادرًا ما تؤازرنا
في أعمالنا الرتيبة
كتغيير أماكن الأثاث
وحمل الحقائب
أو ذرع الطريق بحذاء ضيق.
في لحظة ملء الاستمارة
وتقطيع اللحم،
ينتهي يوم عملها.
في آلاف الأحاديث،
تشارك في واحد،
وهذا ليس قطعيًا
لأنها تفضل الصمت.
حين تبدأ أجسادنا بالتألم والتألم
تنسل خارجة من مناوبتها.
صعبة الإرضاء:
بنفور ترمقنا في الزحام،
يقززها صراعنا لأجل أي تفوق
وأية مصالح مهزوزة.
السعادة والحزن
ليسا شعورين منفصلين بالنسبة لها،
في اتحادهما فقط،
تكون موجودة إلى جانبنا.
يمكننا الاعتماد عليها
عندما لا نكون متأكدين من أي شيء
ويثير فضولنا كل شيء.
من الأشياء المادية
تحب ساعات البندول
والمرايا، التي تعمل بحماس،
حتى عندما لا ينظر فيها أحد.
لا تقول من أين أتت
ومتى سنفقدها من جديد،
ولكن من الواضح أنها تنتظر هكذا سؤال.
ما يبدو من الأمر هو
أننا وهي نحتاج بعضنا البعض
من أجل شيء ما.
———————–
=================
فيسوافا شيمبورسكا
Wisława Szymborska
(2 تموز 1923 -1 شباط 2012)
ترجمة وتقديم: هاتف جنابي
مدخل
قصائد مختارة
محاضرة ستوكهولم
شاعرة المتناقضات والتفاصيل
فيسوافا شيمبورسكا توفيت يوم الخميس المصادف الأول من شباط/فيفري 2012 (فيسوافا شيمبورسكا) الشاعرة البولندية الشهيرة الحائزة على جائزة نوبل في الأدب(1996). كان لها من العمر 89 سنة. اشتد عليها المرض كثيرا قبل موتها حتى أنها ماتت أثناء نومها. فنعتها الأوسط البولندية الرسمية والشعبية وكذلك وسائل الإعلام العالمية.
شيمبورسكا شاعرة التفاصيل والتناقضات بامتياز. شاعرة ” الجزالة الشعرية” و”السهل الممتنع” بامتياز. كل قصيدة من قصائدها, مهما كان مستواها هي قصيدة جديدة، تشكل حضورا وتفردا بامتياز. تكاد تكون شيمبورسكا قد كتبت عن مختلف شئون الحياة بطريقتها الخاصة، بحيث أصبحت كل قصيدة لها بمثابة لوحة إما أن تتفاعل معها أو ترفضها وهذا أمر صعب المنال بالنسبة لعموم الشعراء. يغلب الوعي على ما هو سواه- في مجمل عملية الخلق الشعري لدى الشاعرة. الأمر الذي لا ريب فيه – وهذا بحد ذاته استنتاج يتسم بالمخاطرة في النظر إلى الأعمال الفنية عموما- هو أننا لا نلمس في شعرها تخطيطا مبتسرا وسابقا على ما يمكن أن ُيخلق ويعتمل ويجري في خضم المخاض الشعري. هذا الوعي يتدخل بعد الشروع في عملية الخلق مباشرة. هذا ما تقوله القصائد. علينا أن نتذكر أن الوعي شيء والتخطيط شيء آخر. شيمبورسكا شاعرة مقلة ومقتصدة في القول الشعري(لها 350 قصيدة منشورة). فلو كانت تخطط للقصيدة سلفا لجلست وسفحت ما تريده على الورق, خاصة وأن القارئ (محليا وعالميا) والوسط الشعري متعطشان لجديدها. قالت في مقابلة مع الراديو البولندي ذات يوم: إن القصيدة تجيء بهيئة فكرة فإما أن تكتبها مباشرة أو أن تكتب جزء منها وتعود لتكمله فيما بعد أو أنها تسجل الفكرة في دفتر. كل شاعر يرغب في كتابة قصيدته دون الرجوع إليها مرة ثانية ولكن هذا ليس أمرا سهلا دائما. لماذا تراني مدفوعا لإثارة هذه النقطة؟
أود هنا أن أشير إلى ثلاثة أقطاب أو بؤر. ألا وهي الجو الشعري، والمزاج الشعري للشاعرة، والمسئولية الملقاة على عاتق كل كاتب، وأعني بذلك المسئولية عن قيمة ومستوى العمل الفني. ما يعود للشاعر هو مزاجه الشعري، وهو أيضا ما تخيله العرب القدامى والإغريق وحددوه بشيطان الشاعر أو بجن الشعر. نعم، للشاعر جنه وجنونه وهوسه الفنيّان. وهذا بحد ذاته لا ضرر فيه إن كان بمستوى عملية الخلق الفني ذاتها، بدون تصنع ومسخ وتطاول وادعاء.
شيمبورسكا استطاعت أن تساهم في خلق جوٍّ مناسب للشعر والشعراء في بولندة. لا يخلق الشاعر حالته الخاصة وحسب وإنما يمكنه أن يعلي من شأن قومه في نظر الآخرين وبذلك يذكرنا بما كان يفعله الشاعر المجيد لقبيلته في عصر ما قبل الإسلام.
على صعيد آخر لم يتوفر لها المزاج الشعري الذاتي، مقارنة بتعاظم مسئوليتها كشاعرة – نجمة( تلاحقها الأضواء هنا وهناك) لكي تضيف على سبق وأن كتبته من حيث الكم والمستوى والتجاوز. يعني أنها لم تخلق تحولا في شعريتها بعد نوبل. يتحكم في عدم الإضافة هذه بشكل أو بآخر، كل من تقدمها في العمر والطموح الفني العالي لديها وخوفها من المغامرة غير المحسوبة العواقب، إضافة إلى اللعنة المتمثلة في تقاعس الشاعر أحيانا عن ما يمكن أن نسميه” اقتناص اللحظة الشعرية” والجرأة أو”المجاهدة في خلخلة” ما اعتاد عليه فنيا! حتى أن أحد الشعراء البولنديين(برونيسواف ماي) المقربين منها قد قسّم حياتها إلى مرحلتين: ما “قبل مأساة نوبل في 1996 وما بعدها”.يعني أن حصولها على جائزة نوبل هو مأساة شخصية لها أكثر مما هو فرحة ومجد، لأن الجائزة قد جلبت لها الشهرة والأضواء التي كانت تكرههما بخلاف الكثيرين. بعد فوز شيمبورسكا بجائزة نوبل، جرى تناقل طرفة، في مدينة كراكوف حيث كانت تعيش الشاعرة، فحواها أن صيادا اصطاد سمكة ذهبية وطلب منها أن تلبي له رغبته في الحصول على امرأة ذكية متواضعة لطيفة مشهورة وغنية وبعد عودته إلى بيته وجد شيمبورسكا بانتظاره!
ثمة ما يستوقف المرء ويحيره بعد قراءة كل قصيدة من قصائد الشاعرة. كل قصيدة تتمثل في موضوع رئيس- فكرة محورية. ومن أجل تجسيدها تقوم الشاعرة بتوظيف كل من الكلمة والفكرة إلى أقصى حد، معنويا وصوتيا( بما في ذلك الإيقاع) ودلاليا، وذلك على محورين أساسيين يشملان بنية القصيدة وجوها الخاص والعام. وأنت تقرأ كل قصيدة على انفراد تجد نفسك منساقا لإنهائها و من ثم لإعادة قراءتها من جديد. لذا فإن البساطة الظاهرية للقصائد خادعة، فلا تعطي القصيدة نفسها بمثل السهولة الظاهرية. قصيدة شيمبورسكا تدافع عن نفسها فنيا وفكريا. اللفظ في خدمة المعنى والمعنى يتجلى في اللفظ. إنهما طرفان في خدمة قضية واحدة اسمها القصيدة. وعليه فالفصل بينهما غير مرئي تماما بل يمكن أن نقول بأنه غير وارد. نفس الشيء يحدث لدى شيمبورسكا على صعيد آخر. إذ لا يمكن بناء قصيدة بمعزل عن الفكر والفكرة على السواء. كما ولا يمكن فصل بنية القصيدة عن سياقها الشعري والجمالي ورشاقتها الشعرية. حتى السخرية الشائعة في شعرها لا تتمادى في غيها أبعد من كونها عنصرا ضمن مشروع فني الهدف منه خدمة جانبين هما: الفني- الشعري و الفكري. قد تتدخل هذه السخرية أحيانا في تشكيل الإطار العام لمعمارية القصيدة. ولا أدري حتى النهاية، لأنني لست منجما، ما هو دور الأفلاك والبروج التي (يشير إليها بعض النقاد البولنديين أحيانا!) في تشكيل مزاج وتوجه الشاعرة باعتبارها من برج السرطان! حيث ولدت في الثاني من تموز 1923 في منطقة(كورنيك) الصغيرة, قرب مدينة(بوزنان) المعروفة بتقاليدها المتأثرة بالثقافة الألمانية. وحتى لا أبتعد عن الهدف المرسوم لهذه الكلمة، أقول إن ما يبرر ترجمتنا لأشعار شيمبورسكا إلى اللغة العربية كثير. فبالإضافة إلى التقليد الذي أصبح شائعا اليوم في العالم والقاضي بنشر ترجمة أشعار شعراء مرموقين باعتبار ذلك شهادة على أهمية منجزهم الشعري وحيوية اللغة التي يكتبون بها والثقافة التي ينتمون إليها من جهة وإغناء الحركة الأدبية والثقافية لدى الطرف الآخر، فإنني أتلمس عذرا آخر يتمثل في إعادة قراءة ما ترجمته لها وهو كثير فوجدت أنني بحاجة إلى مراجعة جديدة ودقيقة للغاية لما قد ترجمته من قصائد الشاعرة في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي! فوجدتُ من الهفوات والأخطاء المطبعية التي سعيت لتجاوزها لاحقا. وبما أنها مراجعة عسيرة وشاملة ترقى إلى مصافي الترجمة الجديدة بكل معنى الكلمة بحيث يكون من حقها، عن جدارة، أن تكون الأكثر أهمية ودقة حتى الآن، ناسخة وملغية لكل ما ترجمته لهذه الشاعرة في حقبة الثمانينات والتسعينات. كنت أول من ترجم شيمبورسكا من اللغة البولندية إلى العربية في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، وبعدها بفترة على ما أذكر نشرتْ مجموعة من قصائدها في مجلة الثقافة الأجنبية العراقية قام بترجمتها عن الإنكليزية المترجم القدير والشاعر العراقي ياسين طه حافظ. كان علينا الانتظار حتى حصولها على جائزة نوبل في العام 1996 لكي يتصدق علينا الناشر العربي بطبعة مختارة من أشعارها صدرت بهيئة كتاب لأول مرة في العربية بترجمتنا. التقيتُ بشيمبورسكا آخر مرة في شهر أيار/مايو 2012 حيث جلستُ إلى جانبها في أوبرا كراكوف وتحدثتُ معها أثناء الحفل الختامي لمهرجان ميووش الشعري العالمي. عموما هي معروفة بتواضعها الجم وحيائها وفكاهتها، لها جماعة حميمة قليلة العدد تستأنس باللقاء معهم والتحدث بحرية كاملة.
قمتُ في العشرية الأخيرة بترجمة قصائدها الجديدة بعد نوبل وجمعها لتصدر في كتاب ضخم يضم معظم أشعارها. هذه النصوص سبق وأن ترجمناها وألحقنا بها بعد نوبل مباشرة ترجمة لمحاضرتها القيمة عن الشاعر والعالم فكنا بذلك أول من ترجم النصوص الواردة شعرا ونثرا إلى العربية.
أهم أعمالها:
أ – الدواوين الشعرية:
لهذا نحيا، وارسو 1952
أسئلة نسألها، كراكوف 1954
مناداة ييتي، كراكوف 1957
الملح، وارسو 1962
هزل بلا حدود، وارسو 1967
كل احتمال، وارسو 1972
العدد الكبير، وارسو 1976
ناس فوق الجسر، وارسو 1986
النهاية والبداية، بوزنان 1993
لحظة، كراكوف 2002
نقطتان، كراكوف 2005
ها هنا، 2009كراكوف
صمتُ النبات، كراكوف 2011
ب- المختارات الشعرية:
” أشعار مختارة”، وارسو 1964
” أشعار مختارة” اختيار وتقديم الشاعرة، وارسو 1967
” مختارات شعرية”، تقديم الناقد يزي كفياتكوفسكي، وارسو 1970
مختارات شعرية”، وارسو 1973
” تاريوس وقصائد أخرى”، وارسو 1976
” أشعار مختارة” اختيار الشاعرة، وارسو 1983
” أشعار” مع مقدمة بقلم الناقد يزي كفياتكوفسكي، طبعة ثانية، وارسو 1978
” أشعار مختارة باللغتين البولندية والإنكليزية، كراكوف 1989
” لا شيء يحدث مرتين”، مختارات شعرية باللغتين البولندية و الإنكليزية، كراكوف 1997
” أمسية شعرية” اختيار الشاعرة، وارسو 1992
” منظر مع حبة رمل” – 102 قصيدة، اختيار الشاعرة، بوزنان 1996
“منظر مع حبة رمل”- مختارات شعرية تضم( 184) قصيدة، بوزنان 2000
الحب السعيد وقصائد أخرى، 2007
ت- النثر – مطالعات في الكتب
“طالعات اختيارية”، كراكوف 1973
” مطالعات اختيارية” الجزء الثاني، كراكوف 1981
” مطالعات اختيارية” الجزء الثالث، كراكوف 1992
” مطالعات اختيارية” الجزء الرابع، كراكوف 1996
” البريد الأدبي” (رسائل متبادلة ما بين الشاعرة والقراء)، كراكوف 2000
ث- في الترجمة:
دي موسيه، أشعار مختارة، وارسو 1957
شارل بودلير، أشعار مختارة، وارسو 1970
قصائد مختارة
————
السماء
من هنا كان ينبغي البدء: من السماء
نافذة بلا عتبة، بلا إطار، بلا زجاج.
فتحة ولا شيء سواها،
غير أنها مشرعة على اتساعها.
لستُ مضطرةً لأنْ أنتظر ليلة رائقة،
ولا أنْ أمدّ رأسي إلى أعلى
كي أُبصِرَ السماء.
السماء خلف ظهري، تحت يديّ وفوق الجفون.
السماء تلفّني بإحكام
وترفعني من الأسفل.
حتى أعلى الجبال
هي ليست أقرب إلى السماء
من الوديان السحيقة.
ليست هي في مكان أكثر
منها في آخر.
الغيمةُ على حد سواء بلا رحمة
مطوحّة كقبر في السماء.
الخُلد على حدّ سواء مرفوع
مثل بومة متمايلة بجناحيها.
الشيء الذي يسقط في الهاوية،
يسقط من السماء إلى السماء.
مذرورة، سيّالة، صخرية،
مضطرمة ومتطايرة
رُقَعُ السماء، دقائقُ السماء،
نفثاتُ السماء، وكِدَسُها.
السماءُ كليةُ الحضور
حتى في العتمة تحت الجلد.
آكلُ سماءً، أُفْرغُ سماء.
أنا شرَكٌ في شرك،
ساكنٌ مسكون،
احتضانٌ محضون،
سؤالٌ في جواب على سؤال.
القسمةُ على أرض وسماء
ليست طريقة مناسبة
للتفكير بهذا الكل.
هي تسمح لي أنْ أعيشَ وحسب
بعنوان أكثر دقة،
أسرعَ على العثور عليه،
فيما لو كنتُ مطلوبة.
علاماتي الفارقة
الجذلُ واليأس.
من ديوان “النهاية والبداية“(1993).
——————–
لا شيء يحدث مرتين
لا شيء يحدث مرتين
ولن يحدث. لهذا السبب
ولدنا بدون مهارة
وسنموت بدون ممارسة.
حتى لو كنا التلاميذ
الأكثر بلادة في مدرسة العالم,
فلنْ نُعيدَ درسَ
أيّ شتاء، ولا أيّ صيف.
ما من يوم سيُكرّر نفسَه
لا توجد ليلتان متماثلتان
ولا قبلتان متساويتان
ولا نظرتان في الأعين متطابقتان.
أمس، حينما اسمك
ردده أحدٌ على مسمعي
شعرتُ كما لو أن وردة
قُذفتْ في غرفتي من نافذة مشرعة.
اليومَ ونحن معا,
أدرتُ وجهي للحائط.
الوردةُ ؟ كيف تبدو الوردة ؟
هل هي زهر؟ أو ربما حجر؟
لماذا أنت أيتها الساعة السيئة
تضطربين بحذر لا داعي له؟
أنت موجودة- إذن ينبغي أن تنقضي.
ستنقضين- وهذا شيء جميل.
مبتسمين, نصف متعانقين
نحاول البحث عن الوئام,
رغم كوننا مختلفين عن بعضنا
كقطرتين من الماء الزلال.
علانية
هذانِ نحن، عاشقان عاريان
جميلان لأنفسنا- وهذا كثير–
بأوراق الأجفان متدثران
مستلقيان في عمق الليل.
لكنها تعرفنا بلى تعرفنا
هذه الزوايا الأربعةُ والمدفئةُ الخامسة،
الظلانِ المفترضان الجالسانِ على الكرسيين،
والمنضدةُ التي تستغرق في صمتها ذي المغزى.
ويعرف القدحان لماذا بقايا
الشايِ تبرد في القاع
أما السقفُ فلا رجاء له
إذْ لا أحد الليلةَ يقرأه.
والطيورُ؟ لا تُعَوّلْ أبدا على الأوهام:
أمسِ رأيتُ كيف كانتْ فوق السماء
تخطُّ بوقاحةٍ ووضوح
هذا الاسمَ الذي أُناديك به.
والأشجارُ؟ قلْ لي ماذا يعني
همسُها الذي لا يكلّ؟
تقول: ربما الريحُ بمعرفتها تمنّ
وإلا فمنْ أين لها أنْ تعرف الريحُ عنا؟
دخلتْ فراشةٌ ليليةٌ عبر النافذة
وراحتْ ذهابا وإياباً
بجناحيها الأزغبينِ تحلّقُ
تحفّ بعزمٍ فوقنا
ربما ترى هي أكثرَ منّا
بحدّةِ النظر الحشريّ؟
أنا لم أحِسَّ أنك خمّنتَ،
أن قلبينا ينيران في الظلام.
من ديوان”نداء ييتي“(1957)
————–
الغياب
كان ينقص القليل
كي تتزوج أمي
السيد زبيغنيف باء من منطقة (زْدونْسْكا فولا).
لو كانت لهما بنتٌ – لما كنتُ أنا هي.
ربما ستكون لها ذاكرة أفضل على تذكر الأسماء والوجوه،
وكل لحن تسمعه مرة واحدة.
ستميز كل طائر بدقة.
ستكون لها درجات عالية في الفيزياء والكيمياء،
غير أنها ستكون أسوأ في اللغة البولندية،
لكنها ستكتب سرا قصائد أكثر
متعة من قصائدي.
كان ينقص القليل
كي يتزوج أبي في الوقت ذاته
الآنسة يادفيغا راء من مدينة (زاكوبانه).
لو كانت لهما بنت – لما كنتُ أنا هي.
ربما تكون أكثر مني إصرارا على رأيها.
ستقفز بدون خوف للماء العميق.
وأكثر مرونة للتأثر بالمشاعر الجماعية.
وتُرَى بلا انقطاع في آن ٍ واحد في أماكن عدة،
نادرا أمام كتاب، غالبا في الساحة،
حيث تركل الكرة مع الأولاد.
ربما ستلتقيان معا
في نفس المدرسة ونفس الصف.
لكنهما لن تكونا زميلتين،
لن تكونا قريبتين،
وفي الصورة الجماعية ستكونان مفترقتين.
يا بنات، قِفْنَ هنا،
– ينادي المصور–
القصيرات في الأمام، وخلفهن الطويلات.
ابتَسِمْنَ جيدا، عند الإشارة.
لكن تأكدنَ مرة أخرى ،
هل الكل حاضرات؟
نعم، أيها السيد، كلنا.
————-
ألف باء
لن أعرف أبدا،
بماذا كان يفكر حولي ألف.
وهل باء سامحتني للنهاية.
لماذا تاء تظاهر بأن كل شيء على ما يرام.
وماذا كان دور ثاء في صمت جيم.
ماذا كان يتوقع حاء، إن كان يتوقع.
لماذا تظاهرت خاء، رغم أنها عرفتْ جيدا.
ماذا كان يخفي دال.
ماذا أرادتْ ذال أن تضيف.
هل حقيقة كوني كنتُ بالقرب،
كان له أيّ معنى
بالنسبة لراء، وزاي وبقية الألف باء.
—————
منظور
تقابلا في الطريق مثل غريبين،
دون إشارة أو كلمة،
هي في طريقها للحانوت،
وهو إلى السيارة.
ربما بفزع،
أو ذهول،
أو نسيان،
هما وبوقت قصير
قد أحب بعضهما الآخر حتى النهاية.
لا شيء يضمن،
أنهما قد كانا هما.
نعم، ربما من بعيد،
لا من قريب أبدا.
رأيتهما من النافذة،
مَنْ ينظر من الأعلى،
من السهل أنْ يخطئ.
هي غابت وراء الأبواب الزجاجية،
وهو جلس وراء المقود
وانطلق بسرعة.
يعني لم يحدث شيء
حتى لو أنه قد حدث.
وأنا متأكدة مما رأيتُ
عبر لحظة فقط،
أحاول الآن في قصيدة عرضية
أن أقنعكم، أيها القراء،
بأن ذلك كان حزينا.
بعد غدٍ – بدوننا
يتوقع أن يكون الصباح باردا وضبابيا.
تأخذ السحب الممطرة بالتجمع
من الغرب.
ستكون الرؤية ضعيفة.
والطرقات زلقة.
تدريجيا سيكون ثمة صحو محلي
أثناء النهار،
تحت تأثير الضغط العالي من الشمال
لكنه لدى هبوب رياح شديدة متغيرة في عصفها
قد تقع العواصف.
ليلا
سيعم الصحو كلّ البلاد تقريبا،
فقط في الجنوب الشرقي
لا يستبعد سقوط المطر.
ستنخفض الحرارة إلى حد ما
لكن الضغط سيرتفع.
من المتوقع أن يكون
اليوم التالي مشمسا،
لكن المظلة ستكون
مفيدة لمن سيبقون على قيد الحياة.
—————-
دماثة العميان
يقرأ الشاعر قصائده للعميان.
لم يكن يتوقع أن يكون ذلك صعبا إلى هذا الحد.
يهتز صوته
ترتعشُ يداه.
يشعر أن كل جملة
ها هنا تمر بامتحان العتمة.
وعليها أن تعتمد على نفسها،
بلا أضواء بلا ألوان.
مغامرة خطرة
للنجوم في شعره،
للفجر، لقوس قزح، للغيوم، للنِّيوناتِ، للقمر،
للسمكة التي ما تزال حتى اللحظة فضية تحت الماء
وللصقر المحلق بلا ضجيج، عاليا في السماء
هو يقرأ – لأن الوقت قد فات على عدم قراءته–
حول غلام بقمصلةٍ صفراء في مرج أخضر،
حول سطوح حمراء يمكن عدها في الوادي،
حول أرقام متحركة على قمصان اللاعبين،
وعارية غريبة في فتحة الباب.
أراد أن يتجاهل- رغم أن هذا غير ممكن–
كل القديسين في سقف الكاتدرائية،
وإشارة الوداع من نافذة القطار،
وعدسة الميكروسكوب والإشعاع في الخاتم
والشاشات والمرايا وألبومَ الوجوه.
لكنّ دماثة العميان كبيرة،
كبيرٌ تفهمهم، ورحابة صدرهم.
هم يصغون، يضحكون ويصفقون.
حتى أن أحدهم يدنو
بكتاب مفتوح بالمقلوب
ليطلبَ توقيعا لا مرئيا بالنسبة له.
—————–
تمثال إغريقي
بمساعدة الناس وعناصر الطبيعة الأخرى
لم يكن عمل الزمن به سيئا.
في البدء أفقده الأنف، وبعده الجهاز التناسلي،
وفيما بعد الأصابع لدى اليدين وثمة القدمين،
وبمرور السنوات الكتفين، الواحدة تلو الأخرى،
الفخذ اليمنى والفخذَ اليسرى،
الظهرَ والوركين، الرأسَ والرّدفين،
وهذا الذي قد سقط، جزّأه الزمان على أجزاء،
على حطام، على حصباء، على رمل.
حينما يموت الحيّ بهذه الطريقة،
يتدفق كثير من دمه لدى كل طعنة.
بينما تموت التماثيل المرمرية بيضاءَ
وليس دائما حتى النهاية.
بقي الجذعُ من هذا الذي حوله الكلام،
والنفَسُ كما لو أنه احتبس أثناء جهد،
لأن عليه الآن
أن يجلب
لنفسه
كل فتنةِ وانتباهةِ
البقية المفتقدة.
وهذا ما يتحقق له،
هذا يتحقق له أكثر،
يتحقق ويُبهر،
يُبْهر ويدوم–
الزمن يستحق الثناء أيضا،
لأنه توقف في صنيعه
وأجّلَ شيئا ما لوقت لاحق.
—————-
مونولوج كلب عالق بالتاريخ
ثمة كلاب وكلاب. أنا كنتُ كلبا مصطفى.
كانت لديّ أوراق صالحة وفي عروقي دم ذئبيّ.
سكنتُ على مرتفع، كنتُ أتنفس روائح المناظر
المطلة على المرج في الشمس، على الصنوبر بعد المطر
والتربة من تحت الثلج.
كان لدي بيت معتبر وناس في خدمتي
كنتُ مغذى، مُحَمّما، ومُمَشّطا،
يُخرجونني لنزهات جميلة.
لكن باحترام، وبدون كلفةٍ.
كل واحد كان يتذكر جيدا، كلبَ مَنْ أنا.
كلّ هجين وغد بإمكانه امتلاكَ صاحب.
لكنْ حذار – من التجاسر على المقارنات.
فسيدي كان فريدا من نوعه.
كان لديه قطيع ضخم يمشي خلفه متتبعا خطاه
مُغرما به بإعجاب حذر.
كلها بالنسبة لي كانت مسخرات
بحسدٍ مُبَطّن ٍ على نحو رديء.
لأنني أنا فقط من كان له الحق
في استقباله بقفزات هوائية،
أنا فقط مَنْ يُودّعه – ويجرجره بعضّات ٍ من سرواله.
كان يُسْمَحُ لي فقط
ورأسي على ركبتيه
أن أبلغ ملاطفته وجرّ الأذن.
أنا فقط مَنْ كان يُمكنه التظاهر بالنوم جنبه،
وحينئذ كان ينحني ويهمس لي بشيء ما.
طالما كان يغضب وبصوتٍ عال ٍ على الآخرين.
كان يزمجر، يصيح بهم،
يروح ويجيء من الحائط للحائط،
أعتقد أنه كان يحبني فقط
ولا أكثر من ذلك بتاتا، لا أحد.
كانت عليّ واجبات أيضا: الانتظار والثقة.
لأنه كان يظهر لفترة وجيزة ثم يختفي بعدها طويلا.
ما الذي كان يستوقفه هناك، في الأودية، لا أدري.
مع ذلك خمّنتُ، أنها قضايا ملحة،
على الأقل ملحة كالمعركة
مع القطط بالنسبة لي
وكل ما هو يتحرك بلا داعي.
هناك حظ وحظ. حظي تبدل فجأة.
حلّ ربيع ما،
ولم يكن هو قربي.
نشبَ في البيت اهتياج غريب.
أقفاص، حقائب، وصناديق حشرتْ في السيارات،
تحرّكتِ العجلاتُ وهي تصِرّ نحو الأسفل
وصمتتْ وراء المنعطف.
احترق عفشٌ ما على الطارمة، خِرَقٌ،
وبُلوزاتٌ صفراءُ، أشرطة بعلامات سوداء
وكثير، كثير جدا من علب الكارتون الممزقة،
حيث تساقطت منها اللافتات
حلمتُ في خضمّ هذه الفوضى
منذهلا أكثر منه مستاء
أحسستُ بنظرات غير ودية على وبري،
كما لو كنتُ كلبا سائبا،
شريدا مزعجا،
يُطرَدُ من على السلالم بالمكنسة.
ثمة مَنْ فسخ طوقي المرصّعَ بالفضة.
ثمة من ركل صحني الفارغَ منذ عدة أيام.
وبعدها، آخرُ واحد، قبل أن ينطلق في طريقه،
أخْرَجَ رأسَه من المركبة
ورَماني بطلقتين.
حتى أنه لم يعرف كيف يصيب، كما ينبغي،
لأنني متّ ببطء وألم
وسط طنين الذباب الوقح.
أنا كلبُ صاحبي.
من ديوان” نقطتان”، دار نشر ألف 5، كراكوف 2005،
وأجّلَ شيئا ما لوقت لاحق.
يُقال إن الجملةَ الأولى في الكلمة هي دائما أكثر صعوبة. إذن فهي الآن ورائي…لكنني أشعر أن الجُملَ التالية ستكون صعبة: الثالثة، فالسادسة، فالعاشرة حتى الأخيرة، لأن عليّ أن أتكلم عن الشعر. قلما تكلّمتُ حول هذا الموضوع – تقريبا لا شيء. لكنه دائما كان يرافقني اعتقاد بأنني لا أعمل ذلك على الوجه الأكمل. لهذا فمحاضرتي لن تكون طويلة. كلّ نقص هو أخفّ على التحمّل فيما لو قُدّمَ بجرعات صغيرة. الشاعر اليوم شكاك ومرتاب – بل ربما قبل كلّ شيء- حتى إزاءَ نفسه.
فهو، بدون رغبة، يعلن على الملأ أنه شاعر- كما لو أنه يخجل من ذلك قليلا. لكنْ في عصرنا الصاخب، من السهل جدا، أن يُعتَرَفَ بالعيوب الخاصة حينما تُعْرَضُ بإثارة، على أن يُعْتَرفَ بالمزايا الدفينة التي لا يؤمن المرءُ بها حتى النهاية…حينما يكون ضروريا للشاعر أن يفصحَ عن طبيعة عمله، في استطلاعات أو أحاديث مختلفة مع أناس عرَضِيّين، تراه يعلن بعمومية” أديب” أو يذكر اسم العمل المنجز إضافيا. يستقبل الموظفون أو ركّابُ الحافلة خبرَ كونهم يتعاملون مع شاعر بنوع من الارتياب والقلق. أعتقد بأنّ الفيلسوف يثير مثل هذا الإحراج أيضا. إلا أنه في وضع أفضل، لأن بإمكانه أنْ يزين مهنته بلقب علمي ما: بروفيسور فيلسوف- وقعه أكثر أهمية. لكنه لا يوجد هناك فلاسفة شعر. وإلا لكان هذا يعني تشغيلا يتطلب دراساتٍ متخصصةً، وامتحانات تُؤَدّى بانتظام، وأطروحاتٍ نظريةً معززةً بالمراجع والمصادر والهوامش، وأخيرا بشهاداتٍ مستلمة رسميا. وهذا بدوره يعني، لكي تكون شاعرا- لا تكفي الوريقاتُ المحبّرة حتى بأرقى القصائد- فما هو ضروري قبل كل شيء هو الورقة المختومة. فلنتذكر، أنه بالاستناد إلى ذلك، حُكم بالإبعاد على مفخرة الشعر الروسي الحائز على جائزة نوبل فيما بعد(جوزيف برودسكي)، واعتبروه “طفيليا” لأنه لم يمتلكْ شهادةً من دائرة على أن من حقه أنْ يكون شاعرا.
قبل عدة سنوات، كان لي شرفُ وغبطةُ التعرف عليه شخصيا. لاحظتُ أنه كان الوحيد من بين الشعراء الذين أعرفهم، ممن يُحِبّ أنْ يقول عن نفسه: ” شاعر”. كان يتلفّظ بهذه الكلمة دون مقاومات داخلية، بل بحرية استفزازية نوعاً ما. أعتقد أن سبب ذلك يعود إلى المهانات الفظّة التي عرفها في شبابه. في البلدان المحظوظة حيث الكرامة الإنسانية غير منتهكة بهذه السهولة، يرغب الشعراءُ بأن يكونوا مطبوعين ومنشورين حقا، مقروءين، ومفهومين، لكنهم لا يفعلون أيّ شيء أو الشيء الكثيرَ لكي يتميزوا في حياتهم اليومية ضمن الناس الآخرين. وليس بعيدا، في الحقب الأولى من هذا القرن، كان الشعراءُ يُحبّون أنْ يصدموا بمظهرهم المختلق وسلوكهم غريب الأطوار. غير أنّ ذلك كان عرضا لاستهلاك الجمهور. لقد جاءت لحظة كان الشاعر فيها يغلق البابَ وراءه، نافضا عن نفسه كل هذه العباءات، الموشيات والملحقات الشعرية، وكان يقف في سكون بانتظار نفسه ذاتها، أمام قصاصة ورق غير مكتوبة بعد. لأنه في الحقيقة، يُعْتَد فقط بهذا الشيء. الشيء المميز هو إنتاج أفلام سيروية كثيرة جدا حول علماء كبار وفنانين كبار. مهمة المخرجين الأكثر طموحا هي العرض الموثوق للعملية الإبداعية التي أدت في النتيجة إلى اكتشافات علمية هامة أو إلى ظهور أعمال فنية أكثر شهرة. يمكن مع هذا النجاح إظهار عمل بعض العلماء: فالمختبرات، والأدوات المتنوعة، والتقنيات المستخدمة آليّا، قادرة على جلب انتباه المشاهدين لبعض الوقت. عدا ذلك، قد تبدو لحظات عدم الثقة مأساوية، إذ هل التجربة المكررة للمرة الألف، ستنجح بعد تعديل طفيف عليها.
الأفلامُ عن الفنانين تستطيع أن تكون احتفالية- يمكن إعادةُ خلق كافة مراحل تكوّن اللوحة من الخط الأوّلي حتى لمسة الفرشاة الأخيرة. والأفلام حول الموسيقيين تملؤها الموسيقى- من الفواصل الأولى التي يسمعها مبدعها في داخله حتى الشكل الناضج للعمل الموزّع على الآلات. كل ذلك ما يزال ساذجا ولا يقول شيئا عن حالة الروح الغريبة المسماة ، شيوعا، بالإلهام، ولكن على الأقل، ثمة ما يمكن أنْ يُشاهَدَ ويُسمعَ. الشيء الأسوأ هو مع الشعراء. لأن عملهم غير ملائم للتصوير إطلاقا. إنسان يجلس أمام الطاولة أو يستلقي على الأريكة، يحدق بعين جامدة في الجدار أو السقف، من حين لآخر يكتب سبعة أبيات، يحذف أحدها بعد ربع ساعة، ثم من جديد تمضي ساعة ولا شيء فيها يحدث.. أيُّ مشاهد سيتحمّل مثل ذلك؟
ذكرتُ الإلهامَ، يعطي الشعراءُ المعاصرون أجوبةً مراوغة على سؤال، ما هو الإلهامُ، إذا كان موجودا. ليس لأنهم لم يشعروا أبدا بنعمة ذلك الاهتياج الداخلي. السبب مختلف. إذ من العسير أن تترجمَ لأحد شيئا لا تعرفه أنت نفسك. أنا كذلك، أُسْألُ عن ذلك فأتعامل مع جوهر القضية من بعيد. غير أنني أجيب بالطريقة التالية: الإلهام ليس امتيازا محصورا بالشعراء أو الفنانين عامة. ثمة جماعة من الناس موجودة، كانت وستكون، يزورها الإلهام. هم أولئك الذين يختارون عملهم بوعي وينفذونه بولع وخيال. يوجد هكذا أطباء، وهكذا مُربّون، يوجد هكذا بُسْتانيون وهناك مائة مهنة أخرى. عملهم يمكن أن يكون مغامرة متواصلة فيما لو استطاعوا كل مرة أن يَلْحظوا فيها تحديات جديدة. رغم المصاعب، والخسائر فإن تشوقهم لا يكفّ. فمن كل مسألة محلولة يطلع لهم قفيرُ أسئلة جديدة. الإلهام مهما يكون، فإنه يولد من “لا أعرف” المتواصلة. أمثال هؤلاء الناس قلة. أكثرية سكان هذه المعمورة تعمل لأنها مضطرة. فهم ليسوا من يختارون العملَ لشغفهم الخاص، وإنما ملابساتُ الحياة هي التي تختار لهم. العملُ غير المرغوب، العمل الذي يُقرف، المُقَيّمُ، فقط لأنه حتى بهذه الصورة ليس بمتناول الجميع، إنما هو واحد من أكثر المحن الإنسانية وطأة. ولا يبدو أن القرن القادم سيأتي بتغيير سعيد ما في هذا المجال. لهذا يمكنني أن أقول، في الواقع إنني أسلب الشعراءَ احتكار الإلهام، لكن مع ذلك، أضعهم في مجموعة محدودة من مصطَفِي الحظ. يمكنهم مع ذلك أنْ يُوَلّدوا الشكوكَ لدى المستمعين.
الجلادون، الديكتاتوريون، المتزمتون، الديماغوجيون المتنوعون، المكافحون من أجل السلطة، بمساعدة حفنة شعاراتٍ مرفوعةٍ عاليا كيفما اتفق، هم أيضا يُحبّون عمَلَهم و يُؤَدونه بابتكار متحمس أيضا. هذا صحيح، لكنهم ” يعرفون”، وما يعرفونه، يكفيهم مرة واحدة وإلى الأبد. وهم ليسوا متطلعين لأكثر من ذلك، لأن هذا يمكن أن يُضعف قوةَ حججهم.
كل معرفة لا تُنشئ بنفسها أسئلةً جديدةً، ستصير ميتة في وقت سريع، تفقد الحرارة المناسبة للحياة. في الحالات الأكثر تطرفا، المعروفة جيدا من التاريخ القديم والمعاصر، تستطيع هي أن تكون خطيرة للمجتمعات بشكل مميت. لذلك أعتز كثيرا بكلمتين صغيرتين هما: ” لا أعرف”. صغيرتان، لكنهما مجنحتان بقوة. توسعان لنا الحياة بمساحات تكمن فينا، وبمساحات معلقة فيها أرضنا الدقيقة. لو أن ( اسحق نيوتن) لم يقل لنفسه:” لا أعرف” لأمكن للتفاحات في حديقته أن تتساقط على مرأى منه كالبرد، و لانحنى هو في أحسن الأحوال من أجلها وأكل منها بشهية. لو أن مواطنتي( ماريا سكْوودوفْسْكا- كيري) لم تقلْ لنفسها: “لا أعرف”، لظلتْ بالتأكيد معلّمةَ كيمياء بمُرّتب لبنات البيوت الكريمة ولانقضتْ في ظل هذا العمل- المحترم من نوع آخر- حياتها. لكنها قالت لنفسها: “لا أعرف” وهاتان الكلمتان بالضبط قادتاها مرتين إلى ستوكهولم، حيث الناس بروح قلقة وباحثة دائما، قد منحوها جائزة نوبل.
الشاعر كذلك، إذا كان شاعرا حقيقيا، يجب أن يكرر على نفسه باستمرار:” لا أعرف” ويحاول أن يجيب على ذلك بكل عمل من أعماله. لكنه حالما يضع نقطة تعتريه حيرةٌ ثم يبدأ بإدراك أن هذه الإجابة هي إجابة مؤقتة. غير كافية إطلاقا. لذلك يحاول مرة أخرى، وأخرى، وبعدها يربط مؤرخو الأدب هذه الأدلة المتوالية على عدم رضاه عن نفسه بمشبك كبير ويُسَمّونها” نتاجا أدبيا”. أحيانا تعتريني حالات غير قابلة للتحقيق. أتخيل نفسي على سبيل المثال، بوقاحة، أن لدي فرصة للتحدث مع( الجامعة)- مؤلف المرثاة المؤثرة حول تفاهة كافة الأعمال الإنسانية. وأنحني أمامه بخشوع، لأنه- بالنسبة لي على الأقل- واحد من أهم الشعراء. لكن بعد ذلك أمسكه من يده،” لا شيء جديد تحت الشمس”- أنت قلتَ يا الجامعة. ولكنكَ نفسَك قد ولِدتَ جديدا تحت الشمس. والقصيدة التي أنتَ مبدعُها هي أيضا جديدة تحت الشمس لأن أحدا لم يكتبها قبلك. وجميعُ قرائك هم جُددٌ تحت الشمس، لأنهم لم يستطيعوا أن يقرءوها قبلك. والسرو الذي جلستَ في ظله هو كذلك لا ينمو هنا منذ بداية العالم. أعطاه البدايةَ سروٌ آخر، شبيهٌ بسَرْوك لكنه ليس هو تماما. وفوق ذلك أود أن أسألك يا الجامعة : ماذا تملك من جديد تحت الشمس، أتكتب إغواءً جديدا بعدُ، أم شيئا ستُكمل به أفكارك، أم أن لديك مع ذلك رغبة بنقض بعضها؟ في قصيدتك السابقة لاحظتَ الفرحَ أيضا- لكن ما الفائدة، طالما هو عابر؟ إذن ربما ستكون حوله قصيدتك الجديدة تحت الشمس؟ هل لديك ثمة ملاحظات، ثمة مخططات أولية؟ لن تقول بالتأكيد: كتبتُ كلّ شيء، وليس لديّ ما أضيفه”. هذا ما لا يمكن أن يقوله أيّ شاعر في العالم، فكيف بشاعر عظيم مثلك.
العالم كيفما فكرنا به، مرعوبين بكِبَره، بعجزنا الخاص إزاءه، منَغّصين بسبب لا مبالاته بالمعاناة الخاصة- للناس والحيوانات وربما النبات، لأنه من أين هذه الثقة بأن النبات خال من المعاناة. العالم كيفما فكرنا بفضاءاته المخترَقةِ بإشعاع النجوم، النجوم التي جرى اكتشاف كواكب حولها، أهي ميتة؟ هل ما تزال ميتة؟ هذا غير معروف. أي شيء سنقوله عن هذا المسرح اللانهائي الذي نملك في الواقع تذكرة دخول له، ستبقى صلاحية هذه التذكرة قصيرة بشكل مضحك، محددة بتاريخين صارمين؛ وأيّ شيء آخر سنقوله بعدُ عن هذا العالم- فهو مذهل.
لكن في تعبير” مذهل” يكمن شَرَك منطقي معين. إذ يُذْهلنا ما يبتعد عمّا هو عُرْفٌ شائع ومعترف به، عن واقع ما قد اعتدنا عليه. لكن، مثل هذا العالم غير موجود على الإطلاق. وذهولنا مستقل بذاته وغير نابع من أية مقارنات مع أي شيء.
نعم، في اللغة المحكية التي لا تتأمّل في كل كلمة، كلنا نستخدم عبارات من قبيل: “حياة عادية”، “عالم عادي”، “دورة الأشياء عادية”… لكنه، في لغة الشعر حيث لكل كلمة وزنُها، لا شيء عادي وطبيعي. لا حجر عادي ولا السحابة التي فوقه بعادية. لا يوم عادي ولا الليل الذي يليه بعادٍ. وأهم من كل هذا لا حياة عادية لأيٍّ كان في هذا العالم. يبدو أن الشعراء سيكون دائما لديهم الكثير لعمله.
* هذه هي المحاضرة التي ألقتها الشاعرة شيمبورسكا في 7/12/1996 في ستوكهولم، بمناسبة استلامها جائزة نوبل في الأدب للعام 1996.
** من كتاب سينشر ضمن مختارات جديدة ضخمة قمنا بترجمتها وتنقيح المنشور منها سابقا بالاتفاق مع الشاعرة قبل موتها(المترجم).
**لا يجوز نقل هذه المواد إلا بموافقة الشاعر المترجم الخطية.
======================
قصائد للبولندية فيسوافا شيمبورسكا ترجمة و إعداد :
صالح الرزوق
2009-07-22
خاص ألف
على ما يبدو أن فيسوافا شيمبورسكا البولندية التي حازت على نوبل عام 1996 شاعرة علنية، بالعكس من نظيرها جيسواف ميوش حامل لقب نوبل أيضا منذ عام 1980 ، فهو كاتب سري.
فالعلاقات التي استطاعت شيمبورسكا أن تعيد النظر فيها من الناحيتين العقائدية و الفنية ، أقرب ما تكون إلى الواقع الجدلي و الحياة الموضوعية حينما تبتعد عن الذهن الأسير، ذهن يتألم تحت هيمنة الكبت و الأفازيا الإيديولوجية ، و ذلك لتؤلف عبارة. كانت شيمبورسكا جريئة على فنون القول ، و لكنها حكيمة بالفطرة ، و قادرة على تجاوز عتبة الفلسفة الإقليدية، بمعنى أنها تستطيع أن تعيش من خلال النشاط الكلامي و بلا صور. ليس هناك حاجة إلى إعادة تصوير الواقع في قصائدها المائية و الباردة التي تثلج صدرا احترق برماد فلسفي و عقائد من فولاذ.
و إنها مثل هيدغر تحاول أن تغتنم فرصة تخلفنا تاريخيا وراء هذا الوجود المؤبد ، لتصنع حوارا مع عناصر الحياة.
لقد أعوز حوار شيمبورسكا مع المعاني رطانة تستقر في اللاشعور و تذكرك بصليب الحكمة القديمة و السرية ، حيث ينمو أنا – غيري. و كانت قصائدها مركبة من مفردات ، و من خارج القطيع اللغوي. و قد استطاعت أن تعكس سلوك هذا الخيال الوجداني بعيدا عن مكونات الذات الأولى. شاعرة بريئة و معقمّة من بذور ميوش المستترة ، و من الغرانيت المعجمي الأسود لآدم ميسكيفيتش.
فيسوافا شيمبورسكا هي القلب الرومنسي الأخير الذي تصالح مع الحداثة ، و لكن من موقع خلافي و غير معرّف ، حيث ليس للمفردات مرادفات ، و ليس للنعوت أسماء ، و الحياة تعبّر عن أمل لا ضفاف له بموت مبهج ، و من غير رماد و لا مغزى.
ولدت فيسوافا شيمبورسكا Wisawa Szymborska في بوزنان عام 1923 ، و تعيش حاليا في كراكوف العاصمة التاريخية لبولندا ، بعد وارسو عاصمتها السياسية. ترجمت عن الفرنسية إلى لغتها الأم أعمال دي موسيه ( 1957 ) ، و بودلير ( 1970 ). و صدرت لها عدة مجموعات شعرية أهمها : لهذا نحيا ( 1952 ) ، أسئلة تسألها ( 1954 ) ، ناس على الجسر ( 1986 ( ، النهاية و البداية ( 1993 ) و التي صدرت ترجمتها إلى العربية في دمشق و بيروت مع مقدمة لهاتف الجنابي .
———————–
* حفريات
Archaeology
حسنا ، أيها البائس ،
يبدو أننا نحرز هنا تقدما.
ألفية مرت
منذ ناديتني لأول مرة بالأركيولوجية .
**
لست بحاجة بعد الآن
لآلهتك الصنوعة من الحجر ، و لا إلى خرائبك المدعومة
بالنقوش.
**
أبرز لي قبض الريح الذي لديك
و سأخبرك من تكون.
هناك شيء في الأسفل ، و شيء في الأعلى.
أشلاء محرك . و عنق أنبوبة صورة.
و بوصة من سلك معدني . أصابع تحولت إلى غبار.
و ربما أقل من ذلك. ربما أقل منه.
**
بتطبيق أسلوب
أنت لا تدركه
بوسعي أن أحرض ذاكرة
عناصر لا تحصى.
هناك أثر من دم حتى الأبد.
أكاذيب فاضحة.
و ِشفرة سرية ذات صدى.
ثم شك و نوايا تحت الضوء.
**
لو أردت
( و ليس بوسعك أن تخمن
هذا على وجه اليقين ) ،
سوف أتبصر في أعماق حنجرة الصمت ،
سأتكهن بآرائك
من حدقات عينيك ،
و سأوقظ ذاكرة تفاصيل من غير نهايات
عن تكهنات بالحياة و بالموت.
**
أفصح لي عن الخواء
الذي تضعه وراء ظهرك
و سوف أشيّد منه غابة و أوتوسترادا ،
مطارا ، و أساسات ، عواطف
و بيتا مفقودا.
**
أنشد قصيدتك المختصرة
و سأخبرك لم كانت غير مدونة
قبل الآن أو بعده
**
بكلمة لا ، أنت تسيء الفهم.
دع معك قرطاس الأوراق البليدة
و عليها تلك النقوش.
أنا بحاجة للنهايات ،
لنذر يسير من نفاياتك
و لأثر من رائحة احتراق
طواه النسيان.
——————
* التعذيب
Tortures
لم يتبدل شيء .
الجسد حوض للآلام ،
عليه أن يأكل و يتنفس الهواء ، و أن ينام ،
له جلد رقيق و تحته مباشرة
دم يجري ،
و له صف من الأسنان و أظافر في آخر الأنامل ،
العظام تنكسر بلا عناء ، و المفاصل
تستطيل.
في التعذيب ، نأخذ هذا كله بعين الاعتبار.
**
لم يتبدل شيء .
الجسد لا زال يرتعش مثلما فعل
قبل تأسيس روما و بعده ،
و في القرن العشرين قبل و بعد
ولادة المسيح ؛
التعذيب هو على ما عليه ،
الأرض تضاءلت
و كل ما يجري فوقها له صخب قريب كأنه
من الغرفة المجاورة .
**
لم يتبدل شيء.
ما عدا زيادة في عدد الأشخاص ،
مع عنف جديد بالإضافة
إلى العنف المنصرم.
حقيقي ، يمكن تصديقه ، سريع الزوال ، و
معدوم ،
و لكن الصرخة التي يرد بها الجسد
على ذلك
كانت ، لا تزال ، و سوف تستمر صرخة براءة
بمقاييس العمر الطاعن بالسن و نبراته.
**
لم يتبدل شيء.
ما عدا ، ربما ، الأسلوب ، المهرجانات ،
و الرقصات.
و حركة اليد التي تحمي الرأس
هي ، في النهاية ، نفسها.
الجسد يمتعض ، و يتلوى ، و ينقبض ،
و يتهاوى على الأرض حينما تدفعه ، ثم يسحب
ركبتيه ،
مع الرضوض ، و الأورام ، و الهذيان ، و النزيف.
**
لم يتبدل شيء .
ما عدا جريان الأنهار ،
و أشكال الغابات ، الشطآن ، الصحارى ، و
الجليد.
الروح الضئيلة تحوم بين هذي السهول ،
و تختفي ، ثم تعود ، و تقترب ، و تفر ،
بلا مبالاة و في غربة عن الذات و الآن بكل تأكيد ،
أو الآن ، مع الشك بوجودها ،
حيث هو الجسد ، حيث هو
حيث هو ، و بما أنه لا مكان
يذهب إليه.
———————-
* السماء
The Sky
ألتهم السماء ، و أطرح السماء.
أنا مصيدة وقعت في المصيدة ،
ساكنة مسكونة ،
عناق يتقاطع مع عناق ،
سؤال يجيب على سؤال ،
أن تفصل السماء عن الأرض
أسلوب خاطئ
لا يساعد على دراستهما معا.
هذا يسمح بالبقاء فقط
في عنوان أكثر انضباطا ،
و أسهل للعثور عليه
لو توجب عليهم البحث عني.
و كلمات ندائي
تصبح مبهجة و يائسة.
——————-
* متعة الكتابة
The Joy Of Writing
لماذا هذه النعجة المكتوبة مربوطة بهذه الغابات المكتوبة ؟
هل لأجل جرعة ماء مكتوب من نبع
سطحه سوف يصوّر فمها البارز و الناعم ؟
لمذا رفعت رأسها ، هل سمعت شيئا ؟
مسنودة على أربع قوائم نحيلة استعارتها من الحقيقة ،
تنصب أذنيها تحت أطراف أناملي.
صمتا – هذه الكلمة تخشخش أيضا على عرض الصفحة
و تغادر الأغصان التي تبرعمت من كلمة ” الغابة “.
تنام و تنتظر ، و تشرع بتهجئة الورقة البيضاء ،
الحروف لا تصل بنا إلى معنى طيب ،
و تتمسك بعبارات شقية جدا
لن تسمح لها بالسفر.
كل قطرة حبر تحتوي على مقدار معتدل
من الصيادين المجهزين بعيون نفاذة تسبق مدى البصر ،
و هم على استعداد للهجوم بالأقلام المائلة في أية لحظة ،
لمحاصرة النعجة ، ثم بالتدريج يصوبون عليها بنادقهم.
إنهم لا ينتبهون أن الموجود هنا ليس الحياة.
و هو يحوز على قوانين أخرى ، بالأسود و الأبيض .
و بريق العين سوف يستغرق مثلما أقول ،
و لو كانت عندي رغبة ، سوف يتجزأ إلى لحظات ضئيلة من الأبدية ،
و سوف يتوقف في منتصف الطريق و هو مثقل بالطلقات.
و لن يتحقق شيء ما لم أرضى بذلك.
و من غير دعائي ، لن تسقط ورقة من شجرة ،
و لن ينحني نصل من عشبة تحت حافر صغير توقف هنا.
هل هناك عالم
أنا أحكمه بالقدر الغاشم ؟
زمن أحكم وثاقه بسلسلة من الرموز ؟
وجود أراهن عليه حتى يصبح بلا نهاية ؟
ألف
==========================
عنوان الكتاب: فيسوافا شيمبورسكا
المؤلف: دوروتا سامولينسكا متولى
ترجمة: د. ھناء عبد الفتاح
عدد الأجزاء: 1
عدد الصفحات: 300 صفحة
لغة الكتاب: مترجم للعربية
صيغة الكتاب: PDF
نبذة حول الكتاب:
ترجمة دكتورة ھناء عبد الفتاح



