هل بلغ “المدّ الإسلامي” ذروته؟/ مروان قبلان

29 أكتوبر 2025
لأول مرة منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى، وتشكّل الشرق الأوسط الحديث، تشهد المنطقة تبلور “هلال” تديره حكومات إسلامية، أو ذات توجّهات إسلامية، بما في ذلك حكومات يقودها رجال دين (من الملالي أو المشايخ). حتى عام 1979، كانت التوجهات الغالبة على حكومات المنطقة قومية الطابع، رغم تنامي “المد الإسلامي” بفعل الهزيمة التي لحقت بالمشروع القومي العربي، نتيجة حرب 1967، والاعتماد المتزايد للولايات المتحدة، ابتداء من الولاية الثانية للرئيس دوايت ايزنهاور (1953-1961)، على تيارات الإسلام السياسي في هزيمة الاتحاد السوفييتي، وحلفائه في المنطقة، بعد أن فقدت الأمل بإمكانية التحالف مع القوى القومية والعلمانية، التي تمثلها خصوصاً المؤسسة العسكرية، علماً أن واشنطن كانت وراء سياسة وصول العسكر إلى السلطة في المنطقة العربية، لإقصاء النفوذ البريطاني، الذي ظل يعتمد على نخب الحكم التقليدية، من جهة، ولاعتقادها بأن التحديث (Modernization)، الذي تحوّلت نظرياته إلى مرشد للسياسة الأميركية في المنطقة، منذ عهد إدارة هاري ترومان (1945-1953)، لا يمكن أن يتم إلا من خلال المؤسسة العسكرية، بعد “نجاح” تجربة أتاتورك في تركيا. مع ذلك، لم يتخيّل أحد إمكانية وصول رجال دين إلى السلطة في دول مركزية في المنطقة، باعتبار أن هذا يخالف “حركة التاريخ”.
حصلت المفاجأة في إيران التي عرفت أول حكومة دينية في الشرق الأوسط الحديث عندما سيطر الملالي على الحكم بعد أن نجح تحالف يضمهم إلى القوميين والشيوعيين في إسقاط نظام الشاه عام 1979. بعد عشرة أعوام، نجحت الجبهة القومية الإسلامية في ترتيب انقلاب عسكري في السودان، وبعد ثلاثة أعوام (1992) أطاحت فصائل المجاهدين الأفغان نظام محمد نجيب، وصارت أفغانستان أول دولة “سنّية” في العالم الإسلامي يقودها رجال الدين، بعد أن حسمت حركة طالبان الصراع على الحكم لصالحها عام 1996، وأسّست إمارة إسلامية، بزعامة الملا عمر. لم تعر واشنطن الأمر في بدايته اهتماماً كبيراً، بسبب انتهاء الحرب الباردة، وانعدام حاجتها للتيارات الإسلامية، إلى أن وقعت أحداث 11 سبتمبر (2001)، محوّلة حلفاء الحرب الباردة إلى أعداء. أسقطت واشنطن حكومة طالبان عام 2001، لكنها أوصلت، في المقابل، التيارات الإسلامية الشيعية إلى الحكم في العراق بعد غزوه عام 2003، ما حوّله إلى ساحة صراع دام مع الجهاديين السنة. في الأثناء وصل أيضاً حزب العدالة والتنمية، ذو الجذور الإسلامية، إلى السلطة في تركيا، وما زال يقبض عليها.
مع اندلاع ثورات الربيع العربي (2011-2012) لاحت فرصة لوصول الإسلاميين إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، لأول مرة منذ إجهاض الانتخابات الجزائرية عام 1991. وبالفعل، وصل الإخوان المسلمون إلى الحكم في أكبر دولة عربية (مصر)، فيما سيطر الحوثيون (أنصار حكم الإمامة) بالقوة على السلطة في صنعاء عام 2014. وأعلن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، في العام نفسه، قيام دولة الخلافة في العراق والشام. لكن المد الإسلامي لم يلبث أن انحسر، إذ تمت إطاحة حكم “الإخوان” في مصر بانقلاب عسكري مدعوم من دول خليجية. وجرى إخراجهم من المشهد السياسي في تونس، وإطاحة حكمهم في السودان في العام 2019، فيما قضى التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، على خلافة “داعش”، كليّاً، بحلول العام نفسه. عاد المشهد وتغيّر عام 2021، عندما صدمت حركة طالبان العالم بدخولها كابول، وإسقاط حكومة أشرف غني، مستغلّة الانسحاب الفوضوي للولايات المتحدة منها. ألهم انتصار “طالبان” الحركات الإسلامية على امتداد المنطقة، وأحيا لديها الأمل بإمكانية الانبعاث من جديد. تلك كانت اللحظة التي تقول هيئة تحرير الشام إنها بدأت تخطّط فيها لإسقاط نظام الأسد. شكل وصول “المشايخ” إلى الحكم في دمشق، كما دخول “طالبان” إلى كابول، وربما أكثر، زلزالا طاولت ارتداداته أنحاء العالم، ارتبكت الولايات المتحدة في التعاطي معه أول الأمر، لكنها لم تعارضه، بل أخذت تفكّر في استمالته خدمة لصراعها المرتقب الكبير مع الصين.
توجد تناقضات كبرى، بالتأكيد، في “هلال الحكم الإسلامي” الممتد من أفغانستان إلى الشام، مروراً بإيران والعراق وتركيا واليمن، تبدأ بالانقسامات الطائفية، والقومية، والقبلية، ولا تنتهي بالصراعات الجيوسياسية والاقتصادية، لكن الواضح تماما أننا في خضم “مدّ إسلامي” كبير، لا نعرف إذا كان قد بلغ ذروته، فكثير سوف يعتمد على مصير المعركة الكبرى التي تدور حاليّاً في إيران، معها، وحولها، وفيما إذا كان “الهلال الإسلامي” العتيد سوف ينقسم هذه المرّة بين بكين وواشنطن، أم ينتهي، كما فعل في حقبة الحرب الباردة، في المعسكر الأميركي.
العربي الجديد



